الملك إيسكا بعد ليل طويل. وطاهر في مسجد النور.
أيها القمر…
أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه)؟
اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.
انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.
“لا تلمسني!”
مركبة لمخلوق واحدٍ فقط، ولا تتسع لاثنين في زمن واحد.
إن أعدنا الترتيب أيضاً، فستكون أرقامها التاريخية بنفس التنظيم السابق… هذا يعني أن البوابة الهجرية لم تختر الهجرة عبثاً، بل هي تعتمد على نظام محدد يتسق بالأعداد التي تتواجد في داخل القصر… وضعت سبابتي بين شفتيَّ. يدي تهتز دون سبب كما ترى أيها القمر.
إنها مقدرة لذلك الشاب، ذلك الذي يقف ثابتاً في مسرح الكون، رافعاً رأسه، شامخاً، يستمع إلى عزف الرياح ويتراقص معطفه الفروي على إيقاعها.
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
كان يحرك يديه بالتحام هادئ كأعظم مايسترو في هذا العالم، تنساب من بين أصابعه خيوط الشمس الزاهية، لتُشرق قدسيته الظاهرة -كالعادة- في كل يوم…
نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.
—–
تنفس بارتياح.
7
تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:
“ألا زلتِ منزعجة؟”
“لقد كان عزفكم مثيراً هذه المرة أيضاً… ولكن من التي لم تطع الأوامر؟!”
رفعت رأسي حيث ينير القمر قمة الجبل قبل أن يغرب، وأخذت أفكر:
رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.
يتبع…
صمتت جميع الرياح وأخذت ترتعش فرائسها أمامي بينما أقول داخلي: سأكتشف ذلك بنفسي!
طرقت نظارتي بالوسطى، ونقرت على طرفها الأيمن بالسبابة؛ فظهرت خمسة خطوط أفقية في الهواء، وراحت الأرقام والأحرف تلتف في داخلها… تدور… اختفت، ثم تباينت كأرواح صلبة زرقاء تتدخن أطرافها:
انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.
—–
—–
سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:
[1423ه]
وبعد تفكير لحظي، حركت يدي وحاولت إضافة خط آخر للأرقام التي تتَمَوَّج وتتوهج بهدوء. فجأةً، ظهر إشعار أحمر في الأسفل يتبخر ويغلي، يفيد:
—–
“هل يمكنه أن يأتي أيضاً؟!”
بعد مرور عشر دقائق…
كورت قبضتي تحت ذقني وثبت سبابتي أسفل أنفي. لقد كنت أشعر بالضيق يخنقني من عنقي منذ قدومي إلى هذا المكان.
الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…
أشحت بصري نحو المخرج وشددت قدمي في حذائي مغادراً البيت المكرم.
تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:
لماذا أتى إلى هذا المكان. لا سيما أن مسجد النور يبعد عن منزله قرابة الكيلومتر. الأهم من ذلك، لِمَ هو يصلي أساساً؟!
—–
[1234ه]
—–
أومأت لها برأسي وابتسمت بشكل طفيف، قائلاً:
أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه)؟
“هيا، أسرعوا.”
كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.
إن أعدنا الترتيب أيضاً، فستكون أرقامها التاريخية بنفس التنظيم السابق… هذا يعني أن البوابة الهجرية لم تختر الهجرة عبثاً، بل هي تعتمد على نظام محدد يتسق بالأعداد التي تتواجد في داخل القصر… وضعت سبابتي بين شفتيَّ. يدي تهتز دون سبب كما ترى أيها القمر.
قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.
“كم كانت أياماً مخيفة…”
ولكن ماذا عن ابنتي هاجر؟
في هذه الأثناء، أدرك القارئ أنها المرة الثانية التي يخطئ فيها بالركوب معي.
إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…
وبعد تفكير لحظي، حركت يدي وحاولت إضافة خط آخر للأرقام التي تتَمَوَّج وتتوهج بهدوء. فجأةً، ظهر إشعار أحمر في الأسفل يتبخر ويغلي، يفيد:
—– 5
—–
[خطأ]
قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.
—–
سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:
فحاولت حذف جميع الخطوط بنقرة ثقيلة متسرعة:
بعد مرور عشر دقائق…
—–
أطلقت بصري هنا وهناك بحثاً عن وسيم فيما ينظر إليَّ السائق إبراهيم بحدة… وفي آخر المطاف، تقدمت نحو الحافلة بعدما حاربني بيده وصرخاته:
[خطأ]
“هيا!”
—–
الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…
رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.
يا إلهي، أهنالك من يحاول العبث بهذا النظام القديم،
تنفست، ثم أملت رأسي لليمين بابتسامة ونظرة عتاب، وهممت أن أتلفظ بكلمةٍ مازحاً: “أنت…”
أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!
تنفست، ثم أملت رأسي لليمين بابتسامة ونظرة عتاب، وهممت أن أتلفظ بكلمةٍ مازحاً: “أنت…”
لا، لا يمكن أن يكون هذا خطئي. ولكن يجب أن أكتشف ذلك قبل فوات الأوان… وبعد تلك الثانية الطويلة من التفكير، حركت قدمي في خطوة ثقيلة للأمام، وأخذت أسير نحو مركبتي. نظرت إلى الطرف الآخر من
تنفس بارتياح.
وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:
البنت-لي.
أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:
أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.
كانت القارئة والقارئ يقفان بجانبها، ينظران إلى كل خطوة أخطوها، ينظران إلى الملك العظيم اسكوكي!
حركت يدي نحوه وصفقت بسبابتي والوسطى. ارتجف ونظر إلى أصابعي بينما يرتد الباب بهدوء.أمسكت مقود السيارة الأسود اللامع، ثم اتكأت على وسادة حريرية ارتفعت من جانب المقعد، بعد طرقة في الهواء.
مهلاً، ألم تلاحظ أيها القمر بأن القارئة تقف بعيداً عن القارئ، وتشد يديها حول عباءتها كأنما تخشاه… ألا تخجل من نفسك أيها القارئ؟!
6
قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.
البنت-لي.
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
توقفت خطوة واحدة من البنتلي، ونقرت عليه لينفتح ويتغير لونه للأزرق. دفعته بلطف براحة يدي نحو باب السائق. اصطدم برقة على جسدها… ومض شريط ذهبي في وسطها وكأنه يمتص الأضواء من حوله،
رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:
ثم انفتح الباب بصوت يشبه رياحاً هادئة تعبر وادياً سحيقاً.
7
استرحت على المقعد الناعم، وطرقت على طرف النظارة الأيسر، فانبثقت في الهواء أربعة مثلثات رمادية رأسها نحو الأمام قبالة كل باب.
[خطأ]
حركت إصبعي نحو اثنين وأدرتهما، انفتح الباب الخلفي، وانغلق الذي بجانبي.
“أنتِ أيضاً يا خالة!”
أشرت إلى القارئة بيدي حتى تحتمي في الداخل من هذا المتحرش، لكنها كانت تقف بهدوء وتنظر بعيداً عنه.
[1234ه]
رفعت رأسي حيث ينير القمر قمة الجبل قبل أن يغرب، وأخذت أفكر:
لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!
اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:
وفور أن فكرت في ذلك، طرق القارئ النافذة الفضية الشفافة التي يعبر من خلالها ضوء أزرق خافت.
—–
استمع إلي في الداخل أيها القمر:
لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.
يبدو أنني سأعمل بنصيحتك هذه المرة! اعتدلت قليلاً، وأدخلت يدي في جيبي، تبحث، تمسك، ثم أخرجت لا شيء لأقول له:
“ليست هنالك نقود.”
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
انحنى قليلاً وحرك شفتيه.
أشرت لها بسبابتي ودهست المكابح بهدوء.
لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:
أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!
“ألا زلتِ منزعجة؟”
وجهت بصري إلى النظارة وابتسمت قائلاً في داخلي: ترى كيف ستكون ردة فعلها اليوم؟!
أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
“أريد العودة إلى منزلي.”
استرحت على المقعد الناعم، وطرقت على طرف النظارة الأيسر، فانبثقت في الهواء أربعة مثلثات رمادية رأسها نحو الأمام قبالة كل باب.
“تريدين العودة إلى المنزل…” همست وأنا أطلق زفيراً هادئاً وأداعب رأس المكبح الذهبي الثخين المتعرج، وأفكر:
البنت-لي.
نعم، حتى أنا أريد ذلك أيضاً، ولكن لنختر منزلاً أفضل…
أومأت لها برأسي وابتسمت بشكل طفيف، قائلاً:
“حسناً، كما تشائين!”
أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.
كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.
أمسك يدها وأشار نحوي، وقبل أن يقول حرفاً واحداً، دفعت يده بعيداً، صارخةً بصوتها كأنما اختنقت منه:
اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.
“لا تلمسني!”
“نجمة المعرفة…”
التفت نحوي بصرخة تحاول كبحها:
“هل يمكنه أن يأتي أيضاً؟!”
هل يمكن أن تكون أم العباءة تقبع فوق ذلك الجبل حقاً…
كانت نبرتها مرتجفة بعض الشيء، وهذا ما جعلني أشعر بالحرارة في عروقي.
—– 5
حركت يدي الساخنة وضغطت المثلث الذي انقلب وأصبح أزرق اللون؛ فانفتح الباب. ركب القارئ بينما أنظر نحوه في الأسفل، وركبت القارئة قبل أن تقفل الباب.
رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:
“ارفعي الصوت ليستمعا إليه جيداً…”
نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!
كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.
تنفس بارتياح.
لا يستطيع اصابتي بينما يصيبه الخوف. وبعد تلك الصرخة تحت عجلات المركبة، أدهس المكابح بهدوء،
—–
ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!
اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.
واحد منهما يمسك صندوقاً رمادياً داكناً، والآخر يخرج منه نظارة صغيرة بلاستيكية، لينطلق بها للعمال المتلهفين. كنت أنظر إليهم، ثم أنظر إلى الجهة المقابلة أو من حيث جئت، ولكنه لم يأتِ حتى الآن.
نظرت من طرف عيني نحو هذا القناص الذي يجلس بجانبي، يتفحص كل شيء بعين تكاد أن تسقط. هذا الأمر ليس مضحكاً أيها القمر.
لكنني عدلت عن ذلك فجأةً، عندما وجدته يبتسم على غير عادته ويقول:
إنه أمر شديد الخطورة إن أصابها في مقتل!
حركت يدي نحوه وصفقت بسبابتي والوسطى. ارتجف ونظر إلى أصابعي بينما يرتد الباب بهدوء.أمسكت مقود السيارة الأسود اللامع، ثم اتكأت على وسادة حريرية ارتفعت من جانب المقعد، بعد طرقة في الهواء.
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.
توقفت خطوة واحدة من البنتلي، ونقرت عليه لينفتح ويتغير لونه للأزرق. دفعته بلطف براحة يدي نحو باب السائق. اصطدم برقة على جسدها… ومض شريط ذهبي في وسطها وكأنه يمتص الأضواء من حوله،
كل ما يزعجني الآن مثل الحذاء الفئري الذي يرتديه… ألا يشعر البعض بالعار عندما يرتدون مثل هذه المخلوقات القذرة؟!
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
—–
أتعلم ماذا؟ يجب أن يهتم البعض بفراسة الحمير، بعيداً عن هذه البنت.. لي! اهتز صدري بضحكة أحاول قمعها فيما أنظر إلى الأفق، ودهست الوقود براحة نحو رأس الجبل.
صمتت جميع الرياح وأخذت ترتعش فرائسها أمامي بينما أقول داخلي: سأكتشف ذلك بنفسي!
لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:
في هذه الأثناء، أدرك القارئ أنها المرة الثانية التي يخطئ فيها بالركوب معي.
—————– |أهلاً بسيدي إيسكا!| —————–
نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…
التفت نحوي بصرخة تحاول كبحها:
فقط لو لم تكن القارئة ستتعرض لخطر قاتل، لجعلته يصرخ كالرضع عند الضربة الأولى! أملت رأسي نحوه بابتسامة عريضة وجسدي يهتز… رأيته، كان يحاول تحريك يده المرتعشة نحو بيت حزامه. لذلك، اعتدلت ونظرت إلى الأعلى حيث تقبع شاشة زرقاء كالسماء الصافية، وتتزخرف من حولها حراشف ألماسية تنساب فيها المياه المضيئة في أشكال مختلفة:
تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:
ورود ونجوم، أو مظاهر كونية نادرة الوجود.
تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:
سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:
نظفت حلقي ثم أمرتها بصوت عميق مُتَرَف:
“نجمة المعرفة…”
انبثق على الشاشة شعار رمادي يشبه نجمة كروية. أخذت تلتف فيما تسقط في الهواء أمامي قائلة:
—————–
|أهلاً بسيدي إيسكا!|
—————–
لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!
أشرت لها بسبابتي ودهست المكابح بهدوء.
وضع القارئ يده على الرف، والأخرى بجانب حزامه. ينظر إلي بينما أصدر أمري الملكي:
“أظهري مسجد النور على الشاشة، وكبّري الصورة على وجه ذلك الكاذب”.
نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.
تساءلت في نفسي بعدما رددت التحية على أحدهم:
مسحت بسبابتي على شاشة سوداء ناعمة خلف المكبح؛ فانخفضت المقاعد بهدوء… أصبحنا ننظر إليها كمن يستلقي على أرضٍ حريرية ويتأمل السماء. حركت يدي اليمنى وأشرت إلى الأعلى قائلاً:
—–
وجهت بصري إلى النظارة وابتسمت قائلاً في داخلي: ترى كيف ستكون ردة فعلها اليوم؟!
“ارفعي الصوت ليستمعا إليه جيداً…”
—–
5
6
نعم، حتى أنا أريد ذلك أيضاً، ولكن لنختر منزلاً أفضل…
7
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
8
9
—–
مهلاً، ألم تلاحظ أيها القمر بأن القارئة تقف بعيداً عن القارئ، وتشد يديها حول عباءتها كأنما تخشاه… ألا تخجل من نفسك أيها القارئ؟!
تحت سقف السماء وبين جدران المسجد الرمادية أو البيضاء منها، انتهيت من التشهد الثاني، والتفت للتسليمتين:
“السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.”
وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:
“أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت…”
نظرت للأسفل، فإذا بالطفل ذي الشعر البني، يرفع واحدة معينة رمادية اللون وباهتة بين يديه.
كان صوتي يندمج مع أصوات الذاكرين التي ترتفع وتنخفض ملتفة من حولي كأمواج هادئة.
[خطأ]
وبعدما انتهيت من ذكر الله، فتحت عينيَّ ورفعت رأسي فيما ينهض البعض لأداء النافلة أو لأخذ المصحف من فوق طاولة خشبية ملساء تقبع بجانب الإمام، وقد يخوض البعض في أذكار الصباح مبكراً تماماً مثل ما يفعل الشيخ “شعيب” الذي أمَّنا لصلاة الفجر.
“حسناً، كما تشائين!”
كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.
نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!
أشرت إلى القارئة بيدي حتى تحتمي في الداخل من هذا المتحرش، لكنها كانت تقف بهدوء وتنظر بعيداً عنه.
نهضت وضربت ضرباً خفيفاً على مقعدي حتى أنظفه من حبات الرمل، ثم ذهبت نحو المخرج حيث وضعت حذائي في حلقة مخصصة للأحذية.
نظفت حلقي ثم أمرتها بصوت عميق مُتَرَف:
في هذه الأثناء، أدرك القارئ أنها المرة الثانية التي يخطئ فيها بالركوب معي.
لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.
لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:
ضيقت عينيَّ تدقيقاً في رجلٍ فيه يجلس للتشهد. أهذا حيدر… ما الذي يفعله هنا؟! ثم تساءلت في نفسي مرة أخرى بينما يسلِّم التسليمة الأولى:
“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”
لماذا أتى إلى هذا المكان. لا سيما أن مسجد النور يبعد عن منزله قرابة الكيلومتر. الأهم من ذلك، لِمَ هو يصلي أساساً؟!
لم أكن معترضاً على عبادته… ولكن كما تقول الشائعات في الآونة الأخيرة: إنه لا يقرب بيوت الله لأنه، وكما يتلو عليه البعض دائماً:
نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…
“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”
فقط لو كنت أعلم أنه سيتوب من أفعاله اليوم، لكنت ذهبت إلى المسجد الآخر في لحظتها… وبينما كنت أحاول المغادرة، تلاقت أعيننا في تسليمته الثانية ومحاولتي الالتفات.
حركت يدي الساخنة وضغطت المثلث الذي انقلب وأصبح أزرق اللون؛ فانفتح الباب. ركب القارئ بينما أنظر نحوه في الأسفل، وركبت القارئة قبل أن تقفل الباب.
يبدو أنني سأعمل بنصيحتك هذه المرة! اعتدلت قليلاً، وأدخلت يدي في جيبي، تبحث، تمسك، ثم أخرجت لا شيء لأقول له:
أشحت بصري نحو المخرج وشددت قدمي في حذائي مغادراً البيت المكرم.
انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:
بعد مرور عشر دقائق…
نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.
كنت أسير على ضفاف شارع الشيخ منصور الرئيسي، أنظر وأستمع إلى أصوات المركبات وأضوائها الصفراء التي تمر من جانبي الأيمن بعد كل مئة خطوة تقريباً… وها قد مرت واحدة خضراء شاحبة، تثير الغبار بشكل طفيف فيما أنظر إلى جبل المزرعة الذي أمامي.
6
أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:
جبلٌ كسورٍ ضخم، أطرافه مترامية حتى أطراف البلدة، وتلامس قمته السحاب بكل بساطة.
لكنني عدلت عن ذلك فجأةً، عندما وجدته يبتسم على غير عادته ويقول:
ابتسمت بينما تعبر من جانبي حافلةُ طلابِ المرحلةِ الإعدادية، لونها أسود تلمع ببريق خافت، وينظر إليّ الطلاب من خلال زجاجها المترقرق بأعينٍ حيوية أو منطفئة، هذا إن لم تكن حادة أو تركد عليها دموع الشجون.
فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟
رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:
تساءلت في نفسي بعدما رددت التحية على أحدهم:
ترى، أكانت القصص الشعبية القديمة حول هذا الجبل حقيقية، أو حتى تلك الأساطير التي كانت تخيفني قبل النوم؟
تساءلت في نفسي بعدما رددت التحية على أحدهم:
“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”
رفعت رأسي حيث ينير القمر قمة الجبل قبل أن يغرب، وأخذت أفكر:
“لقد كان عزفكم مثيراً هذه المرة أيضاً… ولكن من التي لم تطع الأوامر؟!”
هل يمكن أن تكون أم العباءة تقبع فوق ذلك الجبل حقاً…
“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”
مسحت على شعر رأسي وابتسمت بضحكة طفيفة، أتذكر تلك الرجفة كلما قطعت هذه المسافة بقدمي الصغيرتين، قبل أن أركض وأنا أتلفت برأسي حتى لا تسرقني هذه الظلال. همست:
تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:
“كم كانت أياماً مخيفة…”
وبينما كنت أسير مبتسماً، ضيقت عينيّ وأملت رأسي قليلاً لأتفحص ذلك الشيء على قمة الجبل. أهو ضوء القمر حقاً؟ يبدو وكأنه ذهبي كأشعة الشمس بهذه الدرجة الفاقعة.
التفت نحوي بصرخة تحاول كبحها:
فكرت للحظة، ثم ابتسمت وهززت رأسي قليلاً فيما أقول:
[خطأ]
أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.
“هل سأحتاج اليوم إلى نظارتين…”
[1423ه]
ثم انفتح الباب بصوت يشبه رياحاً هادئة تعبر وادياً سحيقاً.
أكملت السير وأنا أتأمل الجبل لكي لا أشعر بالملل، وأخذت أخطو في هذا الهدوء الذي تهمس فيه صراصير الليل، والعصافير الصفراء، حتى بدأت أسير من بين ظلال الجموع من العمال.
كان يحرك يديه بالتحام هادئ كأعظم مايسترو في هذا العالم، تنساب من بين أصابعه خيوط الشمس الزاهية، لتُشرق قدسيته الظاهرة -كالعادة- في كل يوم…
فحاولت حذف جميع الخطوط بنقرة ثقيلة متسرعة:
كانوا يقفون في مجموعات خلف الخط الأصفر للصعود إلى الحافلة.
—–
رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.
البعض ممن يرتدون القميص الأخضر الفضفاض المُرَقَّع والبنطال المماثل، يبدو على وجهه الضجر، والبعض الآخر يحرك يديه داخل ثوبه الأبيض ويهز رأسه الملفوف بقماشٍ أصفر حتى خرج عن كتفيه النحيلين، ليسرد عليهم -من فوقهم- حكايةً شعبيةً لا يزال يكررها بحيوية منذ الطفولة.
يتبع…
راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.
أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.
“السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.”
نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!
سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:
أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.
مسحت بسبابتي على شاشة سوداء ناعمة خلف المكبح؛ فانخفضت المقاعد بهدوء… أصبحنا ننظر إليها كمن يستلقي على أرضٍ حريرية ويتأمل السماء. حركت يدي اليمنى وأشرت إلى الأعلى قائلاً:
(6:30)
أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.
—————– |أهلاً بسيدي إيسكا!| —————–
فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟
الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…
في هذه اللحظة، كانت تقترب كاهلة عجوز، تستند على رأس عصا معطوف بحرفية، متين أخضر ومزخرفٍ بورود بيضاء، تطرق الأرض بحديدها الصلب بينما يسير خلفها التوأمان الصغيران مثل كل صباح.
—–
أشرت لها بسبابتي ودهست المكابح بهدوء.
واحد منهما يمسك صندوقاً رمادياً داكناً، والآخر يخرج منه نظارة صغيرة بلاستيكية، لينطلق بها للعمال المتلهفين. كنت أنظر إليهم، ثم أنظر إلى الجهة المقابلة أو من حيث جئت، ولكنه لم يأتِ حتى الآن.
“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”
نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.
رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.
نظرت للأسفل، فإذا بالطفل ذي الشعر البني، يرفع واحدة معينة رمادية اللون وباهتة بين يديه.
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
—–
“بارك الله فيك يا بني، ليشفيها الله!”
“حسناً، كما تشائين!”
اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:
راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.
“بارك الله فيك يا بني”.
رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:
“أنتِ أيضاً يا خالة!”
حركت يدي نحوه وصفقت بسبابتي والوسطى. ارتجف ونظر إلى أصابعي بينما يرتد الباب بهدوء.أمسكت مقود السيارة الأسود اللامع، ثم اتكأت على وسادة حريرية ارتفعت من جانب المقعد، بعد طرقة في الهواء.
وجهت بصري إلى النظارة وابتسمت قائلاً في داخلي: ترى كيف ستكون ردة فعلها اليوم؟!
راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.
أكملت الجدة سيرها فيما الحافلة الزرقاء الشاحبة تقترب، تزميرها المزعج يختلط بصوت المحرك الصاخب.
انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:
“هيا، أسرعوا.”
انحنى قليلاً وحرك شفتيه.
بدأوا يصعدون، البعض منحنٍ ظهره من التثاؤب، وآخر يتحدث رفقة صديقه بل ويقسم أنها هناك وقد رآها بأم عينه.
“السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.”
أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.
—–
أطلقت بصري هنا وهناك بحثاً عن وسيم فيما ينظر إليَّ السائق إبراهيم بحدة… وفي آخر المطاف، تقدمت نحو الحافلة بعدما حاربني بيده وصرخاته:
“تريدين العودة إلى المنزل…” همست وأنا أطلق زفيراً هادئاً وأداعب رأس المكبح الذهبي الثخين المتعرج، وأفكر:
“هيا!”
انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:
تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:
“هل سأحتاج اليوم إلى نظارتين…”
“طاهر…”
تنفست، ثم أملت رأسي لليمين بابتسامة ونظرة عتاب، وهممت أن أتلفظ بكلمةٍ مازحاً: “أنت…”
لكنني عدلت عن ذلك فجأةً، عندما وجدته يبتسم على غير عادته ويقول:
“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”
“هل كنت تبحث عني؟”
“هل كنت تبحث عني؟”
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
8
يتبع…
أتعلم ماذا؟ يجب أن يهتم البعض بفراسة الحمير، بعيداً عن هذه البنت.. لي! اهتز صدري بضحكة أحاول قمعها فيما أنظر إلى الأفق، ودهست الوقود براحة نحو رأس الجبل.
