التوجه نحو سوق مكة رفقة حيدر وعصابته...
——————
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
|في الفصل السابق:|
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
——————
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
البداية
تنفست بهدوء ونظرت للخارج من خلال الزُّجاج المتصدع… أنظر إلى قصر وسيم الأبيض، بينما يمر وقع أقدامهم بهدوء ثقيل من جانبي.
لوح لي بيده وسط مجموعة مزارعين يرتدون قمصاناً خضراء مرقعة، إن نظرت إليهم لن تقول إنهم ذاهبون لقطف دوار الشمس، بل إنهم يخططون لجريمة ما.
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
أبعدت رأسي عنه قليلاً، وذهبت لأجلس على مقعدي فيما أصوات المدندنين ترتفع من الخلف
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
“يا حبايب، شرفتمونا…”
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
مع تصفيق متزامن. نظرت حولي وأنا أفكر: فقط لو كنت أستطيع الجلوس في مكان آخر!
“لا تتجاوز حدودك!”
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
تنفست بهدوء ونظرت للخارج من خلال الزُّجاج المتصدع… أنظر إلى قصر وسيم الأبيض، بينما يمر وقع أقدامهم بهدوء ثقيل من جانبي.
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
هززت رأسي “هذا شأنه”.
إنهم يتعمدون دائماً السير كعصابة تعلن سيطرتها على هذه الناقلة، والمنطقة، والبشر.
“دع عنك هذا…”
“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
“أتخاف أيها الولد؟!”
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
“أستغفر الله…”
أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
“يالّيل… هل أنت بخير؟”
أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:
“ما الذي تعنيه؟”
“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”
“تبدو لي غير ذلك…”
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
احتضن المقعد المجاور لي وثبت حنكه عليه، ثم رفع يده ليفرك شاربه بأطراف أصابعه، وأضاف:
التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
البداية
رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.
“من فض…”
نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:
قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:
“تبدو لي غير ذلك…”
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:
“ما الذي تعنيه؟”
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
ضغط عينيه وابتسم من جهة واحدة، ثم قرب وجهه من وجهي بحيث لا يمكن لأحد غيري أن يسمعه، وقال:
“أستغفر الله…”
“يبدو أن عسل الشهر كان مراً، وتزداد مرارته بعد كل لعقة… أليس هذا مقلقاً بعض الشيء؟”.
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
“أستغفر الله…”
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله
“لا تتجاوز حدودك!”
عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.
في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
“أستغفر الله…”
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
“شش…”
“دع عنك هذا…”
أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
“أنرت السوق يا طاهر!”
“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
هززت رأسي “هذا شأنه”.
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
أعاد نظره إلي وهو يقول:
“شش…”
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
أعاد نظره إلي وهو يقول:
” ياليل… أنت ساذج للغاية” لوح بيده نحوي وأكمل:
” ياليل… أنت ساذج للغاية” لوح بيده نحوي وأكمل:
“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:
“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.
ربتَ على صدره متكلماً:
كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.
أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.
وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
“أين صديقك؟!”
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
“ما الذي تعنيه؟”
بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.
“من فض…”
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.
(سوق مكة)
نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.
كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.
كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
سحبتها للخارج فانقلبت كغلاف كتاب قديم كشف عن ذلك السوق الشعبي الشاسع…
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.
————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|
البداية
———————————————–
“أتخاف أيها الولد؟!”
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.
دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.
يتبع…
كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.
(سوق مكة)
التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.
سحبتها للخارج فانقلبت كغلاف كتاب قديم كشف عن ذلك السوق الشعبي الشاسع…
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
|في الفصل السابق:|
ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:
“ما الذي تعنيه؟”
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
“وعليكم السلام…”
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
غمز لي بصوت قطة، ثم قال:
كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.
“أتخاف أيها الولد؟!”
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
ابتسمتُ وأدرتُ رأسي مشيراً له بسبابتي للخلف، قائلاً:
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
“عندما كنت صغيراً!”
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-
التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله
ضغط عينيه وابتسم من جهة واحدة، ثم قرب وجهه من وجهي بحيث لا يمكن لأحد غيري أن يسمعه، وقال:
-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-
رفعت الفستان الأزرق بينما تدخل امرأة أخرى، وهذه تشير إلى تمزق في جيب الفستان المختبئ في طياته المنتفخة.
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
“وعليكم السلام…”
وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.
نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
“أنرت السوق يا طاهر!”
في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر
رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
“هذا نوركم أيها الجد علي”.
تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…
ربتَ على صدره متكلماً:
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”
هززتُ رأسي بابتسامة: “إن شاء الله أيها الجد…”
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
وبعد خطوات بسيطة، تباطأت قدماي أمام محل على الجهة اليسرى. كان يبدو كمكعب من حجارة رمادية أيضاً، يحتضن باباً من حديد خام.
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”
نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.
“أنرت السوق يا طاهر!”
يتبع…
تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:
كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.
هززتُ رأسي بابتسامة: “إن شاء الله أيها الجد…”
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
“عندما كنت صغيراً!”
“أتخاف أيها الولد؟!”
ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.
أعاد نظره إلي وهو يقول:
أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
ولكن لماذا قد يفعل ذلك؟! على الرغم من أن أحاديثه لا تخلو من النساء، إلا أن ذلك لن يجعله يتسكع مع فتاة صغيرة في السن، وحتى لو كانت ناضجة!
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
“يالّيل… هل أنت بخير؟”
نظرت إلى الجدول المعلق خلفي ثم انسحبت قليلاً على الكرسي وأغمضت عينيَّ. يبدو أن حيدراً لم يكن على علاقة جيدة معه في الآونة الأخيرة، وهذا ما جعله يحاول الافتراء عليه وإفساد علاقتي به… ولكن، أين سيذهب في يوم كهذا؟!
“شش…”
فجأةً، قطع خيوط أفكاري صوت إحدى الزبائن:
“سلام عليكم…”
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
كانت تقف على نحو متر من الطاولة، ترتدي عباءة سوداء وخماراً أبيض.
-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-
“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”
نهضت من مكاني قائلاً:
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
رفعت الفستان الأزرق بينما تدخل امرأة أخرى، وهذه تشير إلى تمزق في جيب الفستان المختبئ في طياته المنتفخة.
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
غمز لي بصوت قطة، ثم قال:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
” ياليل… أنت ساذج للغاية” لوح بيده نحوي وأكمل:
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
“سلام عليكم…”
وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
يتبع…
فجأةً، قطع خيوط أفكاري صوت إحدى الزبائن:
أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:
