Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 5

التوجه نحو سوق مكة رفقة حيدر وعصابته...

التوجه نحو سوق مكة رفقة حيدر وعصابته...

——————

 

|في الفصل السابق:|

————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|

——————

“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“

في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”

البداية

لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.

لوح لي بيده وسط مجموعة مزارعين يرتدون قمصاناً خضراء مرقعة، إن نظرت إليهم لن تقول إنهم ذاهبون لقطف دوار الشمس، بل إنهم يخططون لجريمة ما.

رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟

أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:

دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.

“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”

 

أبعدت رأسي عنه قليلاً، وذهبت لأجلس على مقعدي فيما أصوات المدندنين ترتفع من الخلف

|في الفصل السابق:|

“يا حبايب، شرفتمونا…”

غمز لي بصوت قطة، ثم قال:

مع تصفيق متزامن. نظرت حولي وأنا أفكر: فقط لو كنت أستطيع الجلوس في مكان آخر!

كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.

كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.

ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.

تنفست بهدوء ونظرت للخارج من خلال الزُّجاج المتصدع… أنظر إلى قصر وسيم الأبيض، بينما يمر وقع أقدامهم بهدوء ثقيل من جانبي.

انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…

 

 

إنهم يتعمدون دائماً السير كعصابة تعلن سيطرتها على هذه الناقلة، والمنطقة، والبشر.

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”

 

 

ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.

رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.

 

بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.

لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.

 

 

هززت رأسي “هذا شأنه”.

قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:

“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”

“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”

“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”

أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.

ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.

وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:

 

“يالّيل… هل أنت بخير؟”

“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”

أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:

قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.

 

 

“تبدو لي غير ذلك…”

|في الفصل السابق:|

احتضن المقعد المجاور لي وثبت حنكه عليه، ثم رفع يده ليفرك شاربه بأطراف أصابعه، وأضاف:

فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:

“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”

 

رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟

|في الفصل السابق:|

تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.

 

“من فض…”

كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…

قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:

نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:

“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”

“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”

حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:

هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…

“ما الذي تعنيه؟”

——————

ضغط عينيه وابتسم من جهة واحدة، ثم قرب وجهه من وجهي بحيث لا يمكن لأحد غيري أن يسمعه، وقال:

“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”

“يبدو أن عسل الشهر كان مراً، وتزداد مرارته بعد كل لعقة… أليس هذا مقلقاً بعض الشيء؟”.

“عندما كنت صغيراً!”

انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…

هززت رأسي “هذا شأنه”.

كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:

“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”

“لا تتجاوز حدودك!”

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”

في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“أستغفر الله…”

———————————————–

بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.

 

ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:

التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.

“دع عنك هذا…”

إنهم يتعمدون دائماً السير كعصابة تعلن سيطرتها على هذه الناقلة، والمنطقة، والبشر.

رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:

ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:

“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”

 

هززت رأسي “هذا شأنه”.

دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.

تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.

 

“شش…”

“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”

رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.

بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.

أعاد نظره إلي وهو يقول:

كانت تقف على نحو متر من الطاولة، ترتدي عباءة سوداء وخماراً أبيض.

” ياليل… أنت ساذج للغاية”  لوح بيده نحوي وأكمل:

أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.

 

“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:

“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”

“يا حبايب، شرفتمونا…”

أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:

 

“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:

 

“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”

“تبدو لي غير ذلك…”

نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.

 

كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.

-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-

وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:

وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:

“أين صديقك؟!”

أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.

“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.

“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”

بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.

انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…

تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…

“دع عنك هذا…”

أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.

“أستغفر الله…”

ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:

البداية

(سوق مكة)

“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.

كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.

بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.

 

“تبدو لي غير ذلك…”

عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.

كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.

 

عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.

سحبتها للخارج فانقلبت كغلاف كتاب قديم كشف عن ذلك السوق الشعبي الشاسع…

“هذا نوركم أيها الجد علي”.

 

———————————————–

عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.

كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:

————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”

———————————————–

رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:

كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.

ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:

“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”

 

دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.

 

كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.

كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.

التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.

أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.

“السلام عليكم أيها العم حمزة!”

“هذا نوركم أيها الجد علي”.

ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:

“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.

 

يتبع…

“وعليكم السلام…”

 

كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.

نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.

غمز لي بصوت قطة، ثم قال:

تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:

“أتخاف أيها الولد؟!”

“من فض…”

ابتسمتُ وأدرتُ رأسي مشيراً له بسبابتي للخلف، قائلاً:

وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:

“عندما كنت صغيراً!”

فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:

رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.

“شش…”

أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…

نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.

التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله

أعاد نظره إلي وهو يقول:

-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-

كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.

كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…

“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”

وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.

ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:

نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:

ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!

“أنرت السوق يا طاهر!”

وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.

رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:

رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟

“هذا نوركم أيها الجد علي”.

تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.

ربتَ على صدره متكلماً:

-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-

“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”

“تبدو لي غير ذلك…”

هززتُ رأسي بابتسامة: “إن شاء الله أيها الجد…”

ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:

قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.

“أين صديقك؟!”

 

أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:

وبعد خطوات بسيطة، تباطأت قدماي أمام محل على الجهة اليسرى. كان يبدو كمكعب من حجارة رمادية أيضاً، يحتضن باباً من حديد خام.

” ياليل… أنت ساذج للغاية”  لوح بيده نحوي وأكمل:

 

كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.

اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.

“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”

نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.

تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…

 

 

تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:

“أين صديقك؟!”

 

“هذا نوركم أيها الجد علي”.

كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.

أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟

 

“أتخاف أيها الولد؟!”

تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.

تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.

 

 

ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.

وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:

مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟

ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.

فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:

“يا حبايب، شرفتمونا…”

 

 

من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.

ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:

أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟

 

 

قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:

ولكن لماذا قد يفعل ذلك؟! على الرغم من أن أحاديثه لا تخلو من النساء، إلا أن ذلك لن يجعله يتسكع مع فتاة صغيرة في السن، وحتى لو كانت ناضجة!

 

هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…

نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.

نظرت إلى الجدول المعلق خلفي ثم انسحبت قليلاً على الكرسي وأغمضت عينيَّ. يبدو أن حيدراً لم يكن على علاقة جيدة معه في الآونة الأخيرة، وهذا ما جعله يحاول الافتراء عليه وإفساد علاقتي به… ولكن، أين سيذهب في يوم كهذا؟!

غمز لي بصوت قطة، ثم قال:

فجأةً، قطع خيوط أفكاري صوت إحدى الزبائن:

قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.

“سلام عليكم…” 

عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.

كانت تقف على نحو متر من الطاولة، ترتدي عباءة سوداء وخماراً أبيض.

“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“

 

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

نهضت من مكاني قائلاً:

كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.

“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”

 

فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:

ربتَ على صدره متكلماً:

“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”

التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله

رفعت الفستان الأزرق بينما تدخل امرأة أخرى، وهذه تشير إلى تمزق في جيب الفستان المختبئ في طياته المنتفخة.

نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:

“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.

كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

(سوق مكة)

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”

“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

“هذا نوركم أيها الجد علي”.

يتبع…

“أستغفر الله…”

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉3lawe🔥 100
4a10🔥 100
5Abdulsalam ALsayyed🔥 100
6Aisha Fathi🔥 100
7Ali AlTahou🔥 100
8ASDFG 970🔥 100
9Asmae🔥 100
10Ba Oumar🔥 100

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط