التوجه نحو سوق مكة رفقة حيدر وعصابته...
——————
|في الفصل السابق:|
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
——————
نهضت من مكاني قائلاً:
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
“أنرت السوق يا طاهر!”
البداية
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
لوح لي بيده وسط مجموعة مزارعين يرتدون قمصاناً خضراء مرقعة، إن نظرت إليهم لن تقول إنهم ذاهبون لقطف دوار الشمس، بل إنهم يخططون لجريمة ما.
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:
أبعدت رأسي عنه قليلاً، وذهبت لأجلس على مقعدي فيما أصوات المدندنين ترتفع من الخلف
في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر
“يا حبايب، شرفتمونا…”
رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:
مع تصفيق متزامن. نظرت حولي وأنا أفكر: فقط لو كنت أستطيع الجلوس في مكان آخر!
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
تنفست بهدوء ونظرت للخارج من خلال الزُّجاج المتصدع… أنظر إلى قصر وسيم الأبيض، بينما يمر وقع أقدامهم بهدوء ثقيل من جانبي.
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
إنهم يتعمدون دائماً السير كعصابة تعلن سيطرتها على هذه الناقلة، والمنطقة، والبشر.
“أنرت السوق يا طاهر!”
كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
“أستغفر الله…”
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.
أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.
وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:
وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
“يالّيل… هل أنت بخير؟”
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:
“سلام عليكم…”
البداية
“تبدو لي غير ذلك…”
ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:
احتضن المقعد المجاور لي وثبت حنكه عليه، ثم رفع يده ليفرك شاربه بأطراف أصابعه، وأضاف:
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
“من فض…”
قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
“ما الذي تعنيه؟”
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
ضغط عينيه وابتسم من جهة واحدة، ثم قرب وجهه من وجهي بحيث لا يمكن لأحد غيري أن يسمعه، وقال:
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
“يبدو أن عسل الشهر كان مراً، وتزداد مرارته بعد كل لعقة… أليس هذا مقلقاً بعض الشيء؟”.
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
“لا تتجاوز حدودك!”
نظرت إلى الجدول المعلق خلفي ثم انسحبت قليلاً على الكرسي وأغمضت عينيَّ. يبدو أن حيدراً لم يكن على علاقة جيدة معه في الآونة الأخيرة، وهذا ما جعله يحاول الافتراء عليه وإفساد علاقتي به… ولكن، أين سيذهب في يوم كهذا؟!
في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر
“سلام عليكم…”
“أستغفر الله…”
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
“من فض…”
“دع عنك هذا…”
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
هززت رأسي “هذا شأنه”.
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:
“شش…”
————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|
رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.
أعاد نظره إلي وهو يقول:
أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:
” ياليل… أنت ساذج للغاية” لوح بيده نحوي وأكمل:
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”
“يالّيل… هل أنت بخير؟”
نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:
ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.
“أين صديقك؟!”
نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.
بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.
قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.
(سوق مكة)
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.
———————————————–
ولكن لماذا قد يفعل ذلك؟! على الرغم من أن أحاديثه لا تخلو من النساء، إلا أن ذلك لن يجعله يتسكع مع فتاة صغيرة في السن، وحتى لو كانت ناضجة!
عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
البداية
سحبتها للخارج فانقلبت كغلاف كتاب قديم كشف عن ذلك السوق الشعبي الشاسع…
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|
“أتخاف أيها الولد؟!”
———————————————–
رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
“أتخاف أيها الولد؟!”
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
“أنرت السوق يا طاهر!”
دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.
كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.
كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
“وعليكم السلام…”
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
غمز لي بصوت قطة، ثم قال:
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
“أتخاف أيها الولد؟!”
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
ابتسمتُ وأدرتُ رأسي مشيراً له بسبابتي للخلف، قائلاً:
يتبع…
“عندما كنت صغيراً!”
يتبع…
رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.
وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.
نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
“أنرت السوق يا طاهر!”
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:
وبعد خطوات بسيطة، تباطأت قدماي أمام محل على الجهة اليسرى. كان يبدو كمكعب من حجارة رمادية أيضاً، يحتضن باباً من حديد خام.
“هذا نوركم أيها الجد علي”.
“من فض…”
ربتَ على صدره متكلماً:
ابتسمتُ وأدرتُ رأسي مشيراً له بسبابتي للخلف، قائلاً:
“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”
———————————————–
هززتُ رأسي بابتسامة: “إن شاء الله أيها الجد…”
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:
وبعد خطوات بسيطة، تباطأت قدماي أمام محل على الجهة اليسرى. كان يبدو كمكعب من حجارة رمادية أيضاً، يحتضن باباً من حديد خام.
“أين صديقك؟!”
“أين صديقك؟!”
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.
أعاد نظره إلي وهو يقول:
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.
“أستغفر الله…”
“أين صديقك؟!”
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
———————————————–
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
——————
من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.
أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
ولكن لماذا قد يفعل ذلك؟! على الرغم من أن أحاديثه لا تخلو من النساء، إلا أن ذلك لن يجعله يتسكع مع فتاة صغيرة في السن، وحتى لو كانت ناضجة!
البداية
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
نظرت إلى الجدول المعلق خلفي ثم انسحبت قليلاً على الكرسي وأغمضت عينيَّ. يبدو أن حيدراً لم يكن على علاقة جيدة معه في الآونة الأخيرة، وهذا ما جعله يحاول الافتراء عليه وإفساد علاقتي به… ولكن، أين سيذهب في يوم كهذا؟!
(سوق مكة)
فجأةً، قطع خيوط أفكاري صوت إحدى الزبائن:
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
“سلام عليكم…”
نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:
كانت تقف على نحو متر من الطاولة، ترتدي عباءة سوداء وخماراً أبيض.
أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.
“لا تتجاوز حدودك!”
نهضت من مكاني قائلاً:
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
رفعت الفستان الأزرق بينما تدخل امرأة أخرى، وهذه تشير إلى تمزق في جيب الفستان المختبئ في طياته المنتفخة.
“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..
يتبع…
رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.
“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”
