Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 6

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

——————-

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

|في الفصل السابق:|

“سلام عليكم، من فضلك…”

——————-

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

 

 

“سلام عليكم، من فضلك…”

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

 

 

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

البداية:

 

 

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

 

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

“ماما، لا تبكي!”

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

“المعذرة؟!”

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

 

“كان يجب عليك قول ذلك…”

(القرآن الكريم).

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:

 

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

ثم انطلقت صوب الباب.

 

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

“اغتسلي جيداً!”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

“ماما~!”

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

 

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

“وسيم همم…”

“يا لها من طفلة!”

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.

“الله أكبر…”

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

“الحمد لله رب العالمين…”،

“الحمد لله رب العالمين…”،

——————-

وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

 

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

“أحبك… ماما..”

 

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

 

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

 

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.

 

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

“لقد…”

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

 

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

 

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

 

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

 

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

 

 

 

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

 

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

“ماما، لا تبكي!”

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

 

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

 

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

 

 

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

 

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

 

 

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

 

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

 

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

“أحبك… ماما..”

 

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:

(القرآن الكريم).

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

 

“أحبك… ماما..”

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

ثم انطلقت صوب الباب.

 

 

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

“سأعود بعد قليل..”

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

“أحبك… ماما..”

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

 

 

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

 

 

يتبع…

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

“اغتسلي جيداً!”

 

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

 

 

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

 

 

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

“سلام عليكم، من فضلك…”

 

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

 

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

 

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

 

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

 

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

 

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

 

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

 

 

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“المعذرة؟!”

 

 

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

 

ما الذي كنت أفعله؟!

 

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

“من أين حصلت على هذه؟!”

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

“حسناً، إنها ثمينة…”

 

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

|في الفصل السابق:|

 

“أحبك… ماما..”

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

“كان يجب عليك قول ذلك…”

 

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

 

“وسيم همم…”

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

“الله أكبر…”

“إنه المالك.”

 

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”

 

أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

 

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

 

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

 

 

 

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

 

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

 

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

 

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

|في الفصل السابق:|

 

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

 

يتبع…

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

 

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

 

“سيدي… الورقة!”

“سلام عليكم، من فضلك…”

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

“سيدي… الورقة!”

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

 

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

 

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

البداية:

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

“الحمد لله رب العالمين…”،

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

 

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

 

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

 

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

 

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

 

 

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

 

 

 

لا يوجد لديه الآن إلا خيارٌ واحدٌ. أنزل رأسه إلى الأرض، وبعد تفكير مطول، التفت على صوت أحد الطفلين

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

“سيدي…”

شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:

 

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

 

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

 

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

 

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

“كان يجب عليك قول ذلك…”

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

 

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

 

يتبع…

 

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 6 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط