الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...
——————-
وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:
|في الفصل السابق:|
——————-
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
“وسيم همم…”
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.
أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:
“اغتسلي جيداً!”
“سلام عليكم، من فضلك…”
ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:
وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..
لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:
نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”
البداية:
وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.
في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..
“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.
كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.
“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”
وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.
“وسيم همم…”
نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.
كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.
سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.
توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “
فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.
كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:
وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.
وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.
أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.
حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:
وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.
(القرآن الكريم).
وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:
نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.
تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:
كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:
هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:
(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)
جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!
أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،
ثم انطلقت صوب الباب.
تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.
ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:
“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”
ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:
ثم انطلقت صوب الباب.
“اغتسلي جيداً!”
أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:
فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:
“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”
“ماما~!”
——————-
أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:
“السلام عليكم ورحمة الله…”.
“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”
وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.
انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:
“يا لها من طفلة!”
اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.
وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.
“الله أكبر…”
“سيدي… الورقة!”
بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:
تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.
“الحمد لله رب العالمين…”،
“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”
وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:
كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.
“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.
“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.
كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.
غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”
أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:
والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”
لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.
“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،
——————-
ثم انطلقت صوب الباب.
أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.
تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.
كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.
كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.
لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!
انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.
“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”
كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.
“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.
وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:
تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.
“لقد…”
في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..
تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.
كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.
“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”
تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”
“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”
“كان يجب عليك قول ذلك…”
فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:
“السلام عليكم ورحمة الله…”.
ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:
نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:
هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.
“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”
تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.
ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”
“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.
فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:
“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”
“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”
“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”
وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:
فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!
“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”
“اغتسلي جيداً!”
وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.
أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.
“لقد…”
حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:
كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.
“هل أنتِ غاضبة مني؟!”
تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”
وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:
كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.
“ماما، لا تبكي!”
وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.
أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:
غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”
أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.
“يا لها من طفلة!”
قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”
هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.
وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!
رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.
التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:
فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.
هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.
تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.
وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.
“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”
تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.
ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:
نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!
وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.
حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:
كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:
“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”
“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”
أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:
شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:
في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.
لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.
أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.
وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.
شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:
أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:
“سأعود بعد قليل..”
البداية:
ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:
“أحبك… ماما..”
ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.
“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”
وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.
تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض
حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:
في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.
أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.
“كان يجب عليك قول ذلك…”
يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.
قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.
وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.
اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.
ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.
ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.
أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.
نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.
لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..
لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.
في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.
صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:
“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:
كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.
ثم انطلقت صوب الباب.
والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”
تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.
“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”
وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.
“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”
رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.
ثم انطلقت صوب الباب.
لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.
وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”
ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.
“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”
تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.
“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”
رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.
“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”
أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.
والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟
وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.
“المعذرة؟!”
هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:
“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”
قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.
ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.
ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.
وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.
وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:
ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.
ما الذي كنت أفعله؟!
(القرآن الكريم).
أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:
شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:
“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:
“من أين حصلت على هذه؟!”
أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:
نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.
“حسناً، إنها ثمينة…”
“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”
رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:
“سيدي… الورقة!”
“ماما~!”
“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.
يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.
أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.
“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”
“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”
“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.
نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.
أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:
“سلام عليكم، من فضلك…”
“وسيم همم…”
يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.
فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:
والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”
“إنه المالك.”
على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.
التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:
وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.
“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”
رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.
أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.
أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.
نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.
هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:
“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”
“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.
فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:
وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”
انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.
ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:
هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.
“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”
وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:
وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.
رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.
جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!
هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:
“أحبك… ماما..”
يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:
قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”
(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.
والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟
يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.
تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:
وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:
يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.
وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.
وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:
“سيدي… الورقة!”
“لقد…”
فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!
ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.
تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:
“سيدي… الورقة!”
كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.
“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”
نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.
ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”
“من أين حصلت على هذه؟!”
كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.
“سيدي… الورقة!”
كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.
يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.
ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…
ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.
هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.
“هل أنتِ غاضبة مني؟!”
نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.
نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!
توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “
نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.
“الحمد لله رب العالمين…”،
لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.
ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.
قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.
على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.
“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.
والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”
تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض
“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”
فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.
فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”
انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.
لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.
تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.
قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.
لا يوجد لديه الآن إلا خيارٌ واحدٌ. أنزل رأسه إلى الأرض، وبعد تفكير مطول، التفت على صوت أحد الطفلين
“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.
“سيدي…”
انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:
ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…
اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:
وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:
“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”
نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!
أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”
صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:
“سيدي… الورقة!”
“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”
تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.
طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:
“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”
تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:
صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!
نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.
أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…
(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)
رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”
ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.
أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:
وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.
“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”
نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:
كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.
ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:
تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.
تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”
يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.
“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،
نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”
ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.
لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:
ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:
“كان يجب عليك قول ذلك…”
وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:
أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:
“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.
“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”
ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.
ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.
“حسناً، إنها ثمينة…”
ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.
نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.
يتبع…
نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:
