Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 6

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

——————-

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

|في الفصل السابق:|

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

——————-

 

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

البداية:

 

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“سلام عليكم، من فضلك…”

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

 

 

البداية:

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

 

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

 

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

“سأعود بعد قليل..”

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

 

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

 

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

 

 

 

(القرآن الكريم).

“كان يجب عليك قول ذلك…”

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

“إنه المالك.”

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

 

ثم انطلقت صوب الباب.

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

“اغتسلي جيداً!”

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

“ماما~!”

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

 

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

 

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

“اغتسلي جيداً!”

“يا لها من طفلة!”

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

“الله أكبر…”

“سيدي…”

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

 

“الحمد لله رب العالمين…”،

“اغتسلي جيداً!”

وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

 

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

 

 

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

 

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

يتبع…

كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

 

“لقد…”

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

 

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

 

 

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

 

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

 

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

“سأعود بعد قليل..”

 

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

 

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

“وسيم همم…”

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

“ماما، لا تبكي!”

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

 

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

 

 

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

 

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

 

 

 

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:

 

“سيدي… الورقة!”

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.

“وسيم همم…”

 

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

 

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

|في الفصل السابق:|

 

 

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

 

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:

 

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

——————-

 

——————-

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

 

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

 

“سأعود بعد قليل..”

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

“كان يجب عليك قول ذلك…”

“أحبك… ماما..”

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

 

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

 

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

 

 

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

“من أين حصلت على هذه؟!”

 

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

 

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

“الله أكبر…”

 

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

 

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

 

 

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

——————-

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

 

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

 

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

 

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

“المعذرة؟!”

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

 

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

ما الذي كنت أفعله؟!

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

 

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

“من أين حصلت على هذه؟!”

 

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

“حسناً، إنها ثمينة…”

 

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

 

 

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

“يا لها من طفلة!”

 

 

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

 

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

“وسيم همم…”

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

 

“إنه المالك.”

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

 

“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.

 

 

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

 

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

 

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

 

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

 

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

“وسيم همم…”

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

 

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

 

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

 

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

 

 

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

 

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

 

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

“سيدي… الورقة!”

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

 

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

“سيدي… الورقة!”

|في الفصل السابق:|

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

 

 

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

 

 

 

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

 

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

 

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

 

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

 

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

ثم انطلقت صوب الباب.

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

 

 

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

 

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

 

 

لا يوجد لديه الآن إلا خيارٌ واحدٌ. أنزل رأسه إلى الأرض، وبعد تفكير مطول، التفت على صوت أحد الطفلين

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

“سيدي…”

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

 

اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:

 

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:

 

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

“سيدي… الورقة!”

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

 

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

“كان يجب عليك قول ذلك…”

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

 

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

 

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉Fang99🔥 1004azoz Ali🔥 1005hamadaxq🔥 1006Ahmed🔥 1007اي ريس🔥 1008Jrkejk الفرحانiwi k l🔥 1009Khkjkh🔥 10010M K🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057Kh A💎 1008Fang Yuan💎 1009Ahmad Salem💎 10010hdg75💎 100

يتبع…

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Fang99🔥 100
4azoz Ali🔥 100
5hamadaxq🔥 100
6Ahmed🔥 100
7اي ريس🔥 100
8Jrkejk الفرحانiwi k l🔥 100
9Khkjkh🔥 100
10M K🔥 100

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط