Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 6

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

——————-

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

|في الفصل السابق:|

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

——————-

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

 

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

 

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

“سلام عليكم، من فضلك…”

 

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

 

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

البداية:

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

 

البداية:

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

——————-

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

“ماما~!”

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

 

 

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

(القرآن الكريم).

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

ثم انطلقت صوب الباب.

 

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

“سيدي… الورقة!”

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

“اغتسلي جيداً!”

“وسيم همم…”

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

“ماما~!”

 

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

“المعذرة؟!”

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

 

“يا لها من طفلة!”

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

“الله أكبر…”

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

“الحمد لله رب العالمين…”،

 

وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:

 

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

 

 

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

 

“سيدي… الورقة!”

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

 

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.

 

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

 

“لقد…”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

 

 

كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

 

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

“سلام عليكم، من فضلك…”

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

 

 

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.

 

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

البداية:

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

“ماما، لا تبكي!”

 

 

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

 

 

 

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

 

 

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

 

 

ثم انطلقت صوب الباب.

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

 

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

 

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

 

 

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

 

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

 

 

شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

“ماما~!”

 

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

 

 

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

“اغتسلي جيداً!”

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

 

“سأعود بعد قليل..”

“لقد…”

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

 

“أحبك… ماما..”

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

 

 

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

 

 

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

 

“سأعود بعد قليل..”

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

 

 

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

 

 

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

 

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

 

 

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

 

 

 

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

 

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

 

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

 

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

 

 

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

 

 

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

“المعذرة؟!”

 

 

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

ما الذي كنت أفعله؟!

“كان يجب عليك قول ذلك…”

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

“من أين حصلت على هذه؟!”

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

“حسناً، إنها ثمينة…”

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”

 

 

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

 

 

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

“إنه المالك.”

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

“وسيم همم…”

 

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

“إنه المالك.”

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

“من أين حصلت على هذه؟!”

“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

 

ما الذي كنت أفعله؟!

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

(القرآن الكريم).

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

“كان يجب عليك قول ذلك…”

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“أحبك… ماما..”

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

 

 

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

ما الذي كنت أفعله؟!

 

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

“المعذرة؟!”

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

“لقد…”

“سيدي… الورقة!”

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

“سيدي… الورقة!”

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

 

 

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

 

 

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

“أحبك… ماما..”

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

 

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

“إنه المالك.”

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

 

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

 

 

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

 

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

لا يوجد لديه الآن إلا خيارٌ واحدٌ. أنزل رأسه إلى الأرض، وبعد تفكير مطول، التفت على صوت أحد الطفلين

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

“سيدي…”

 

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

 

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

 

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

 

أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…

“يا لها من طفلة!”

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

 

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

“إنه المالك.”

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

“كان يجب عليك قول ذلك…”

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

|في الفصل السابق:|

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

“ماما~!”

 

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

|في الفصل السابق:|

يتبع…

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉عويض المطيري🔥 100
4G A🔥 100
5Ali Alshamsi🔥 100
6Abdulla Alkalbani🔥 100
7ahmad aa🔥 100
8Ali Souidan🔥 100
9mohammad alazmi🔥 100
10Gehrman Sparrow🔥 100

——————-

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط