Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 6

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

الفتاة الغريبة والجدة العمياء، في داخل السوق...

——————-

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

|في الفصل السابق:|

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

——————-

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي.

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

 

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

“سلام عليكم، من فضلك…”

 

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

 

 

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

البداية:

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

 

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

كانت ملاك ترفع سطل الماء لتغسل قدمها اليسرى، ويبدو لي أنها قد انتهت من الوضوء للتو.

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

 

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

وكما تشاهدان، تبدو الشمس وكأنها تطل عليها من تلك النافذة الحديدية القابعة وسط الحائط الرمادي. تنير بدفء على تلك السجادة الرقيقة الممددة على الأرضية الرمادية دون أن تصل إلى تلك الأركان المظلمة.

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

أركان تختبئ فيها كتب بشكل منظم، أو سرير خشبي منخفض يحتمي من الأشعة بشكل سيئ.

اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:

حملت ملاك من فوق الفراش الأبيض للسرير أحد الكتب بعنوان:

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

 

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

(القرآن الكريم).

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

“سيدي… الورقة!”

كانت مستلقية على الأرضية، قدماها تستندان على جانب السرير فيما تمسك أحد الكتب المهترئة، وتشير بإصبعها على عنوان الفصل:

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

(الفصل 30… كيف تصبح ربة المنزل قدوة صالحة في بيتها…)

“سيدي…”

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

ثم انطلقت صوب الباب.

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

ما الذي كنت أفعله؟!

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

“ماما~!”

“اغتسلي جيداً!”

 

فجأةً، اعتدلت غلاك عن الاندفاع في الممر. استدارت بهدوء ونظرت إليها بضجر من شق الباب، ثم همست:

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“ماما~!”

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

انتفخ فمها بالهواء، ثم أغلقت الباب بهدوء فيما يهتز كتفا ملاك من الضحك وتقول بصوتٍ منخفض:

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

“يا لها من طفلة!”

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

“الله أكبر…”

نظمت شعرها المبتل خلف أذنيها، ومن بين شفتيها أخذت الختم الذهبي وارتدته في بنصر يدها اليمنى.

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

 

“الحمد لله رب العالمين…”،

البداية:

وبعدما انتهت من سورة الفاتحة، فتحت المصحف وأخذت تقرأ الآية رقم 5 من سورة يوسف كما تسمعان:

 

“قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”.

“الله أكبر…”

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

أمسكت ملاك ضحكاتها قدر المستطاع مردفةً:

أخذت تسبح الله: “سبحان ربي العظيم…” وكأنها لن تعتدل. ثم استقامت قائلةً: “سمع الله لمن حمده…”، بعدها ذهبت للسجود وهي تكاد تسقط من على قدميها المرتعشتين، وأخذت تقول:

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

 

“سيدي… الورقة!”

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

 

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

 

البداية:

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

 

كانت تزداد نوراً كلما ارتفع شهيقها وارتجف كتفاها، بل كلما قالت: “يا الله… يا الله…” في دعائها.

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

وفي لحظة كادت فيها الأنوار الغيمية أن تتشكل على هيئة ما… فتحت غلاك الباب وانطلقت إلى الداخل:

 

“لقد…”

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

تباطأ صوتها وخطواتها فيما تنقشع الغيمة المضيئة في طرفة عينها المتوسعة بتعجب، تاركةً خلفها رائحة عجيبة؛ رائحة كالمسك يفوح من وردة سماوية، لم تتفتح بتلاتها إلا في منزلٍ طاهرٍ.

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

 

“أحبك… ماما..”

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

 

 

فاعتدلت ملاك على صوتها وأخذت تحرّك سبابتها بسرعة عند ركبتها. وبعد لحظات، أدارت رأسها للشمال:

 

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

“السلام عليكم ورحمة الله…”.

“ماما،… أرأيتِ ذلك؟!”

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

 

فنظرت إليها غلاك وهي تنحني قليلاً لتقول بصوت ضعيف كأنما سرّ هو:

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

“ماما، كانوا يمسكون مصابيح مثل…”

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

وقبل أن تكمل جملتها، أطرقت ملاك رأسها قائلةً:

——————-

 

 

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

 

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

كانت تبدو وكأنها أبحرت في مناجاة المبدع خلف هذا الكون… أشعر أنه لن يردها خائبة.

 

 

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

“هل أنتِ غاضبة مني؟!”

 

وجهت بصرها إليها وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم رفعت رأسها وقد اعتلت حاجبيها وشفتيها رعشة. تنظر إلى أمها قبل أن تهرع في احتضانها وهي تصرخ:

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

“ماما، لا تبكي!”

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

 

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

غمرتها ملاك في حجرها بهدوء، تدفع بلطفٍ من خلف رأسها وظهرها فيما تكرر: “هل أنتِ…”

 

 

 

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

 

“سلام عليكم، من فضلك…”

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

 

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

 

 

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

تحركت نحوها بينما تنزلق على أطراف وجهها المياه، ويزحف فستانها الذي تحول إلى أسود كعمق البحر خلفها. فتحت صندوقاً رمادياً بداخله شيء كالكرة، ملتف بقماش أبيض.

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

 

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

نظرت إليها للحظات وفجأةً، ارتعشت… لقد ارتعشت، أرأيتما ذلك؟!

“الله أكبر…”

 

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

 

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

“لقد بعت رغبتي ثمناً بخساً لأشتري رضاك الغالي بالنسبة لي…”

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

 

سارت من خلال الممر الذي تتدلى فيه خيوط ضوئية زاهية.

شدت قبضتيها على اللحاف الأسود المزخرف بالقطع النقدية، ثم أكملت في داخلها:

في هذه الأثناء، بينما ينشغل طاهر بعملائه المتدفقين كالعادة..

لكنني أشعر بالاختناق في هذه الحجرة الضيقة، وهذا المنزل المتصدع، بل كل الحارة ومن فيها من فقر وفقراء ومتسولين… لا أريد أن أظل هنا!

 

 

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

أسقطت ظهرها على السرير فحلق جزء من فستانها كجناح واحد لفراشة سوداء، وانساب على جانب السرير المقابل للحائط الفارغ من الأثاث.

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

 

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

وهكذا، أغلقت أميرة عينيها لتطوف بخيالها حول تلك الأيام التي كانت تمتلك فيها الحذاء الذهبي، والفستان المطرز باللؤلؤ.

 

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

“سأعود بعد قليل..”

يتبع…

ثم التفتت لتغادر، فقبضت يد صغيرة على أطراف جلبابها فيما تنظر إليها بعين جافة من الدموع يسقيها ساقٍ من النعاس، وقالت بصوت صغير مبحوح:

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

“أحبك… ماما..”

“كم مرة أخبرتك فيها أن تستأذني قبل الدخول يا غلاي؟”

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

 

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

 

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

 

ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها بعين دافئة فيما تقف أمامها يدور بؤبؤا عينيها الخضراوان بتلهف. أمالت رأسها قليلاً، ثم أصدرت صوتاً كالـ: “همم؟”

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

 

وقد يحفر الأطفال الآخرون ثلاث حفر صغيرة في الأرض ليسقطوا أو يلقوا فيها تلك الكرة الحديدية.

 

 

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

|في الفصل السابق:|

 

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

——————-

 

“وسيم همم…”

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

في هذه الأثناء، داخل قطعة أخرى، وتحت سقف حجرة رمادية، أمدت فتاة قطعة فستان ناصع البياض إلى الخياط.

“سيدي… الورقة!”

 

كان جسدها يرتعش بينما ترتل الآيات حتى كبّرت للركوع: “الله أكبر”.

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

 

 

تفحصه طاهر بجفون متقاربة، وقربه إليه واقترب منه حتى كاد وجهه أن يحشر فيه. إنه يشتم رائحة مألوفة للغاية، رائحة مثل تلك التي وجدها في حجرة نومه.

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

وعلى الرغم من عدم تيقنه من ذلك، إلا أن عظام ظهره أخذت تقشعر كلما اقترب من القماش.

“سأعود بعد قليل..”

رفع رأسه قليلاً ليتفحصها وقد غشي سقف بصره الغبش من شدة تدقيقه في أماكن أخرى.

وعلى جانبه طاولة بنية فاتحة بظهر يحمل مرآة عريضة.

لكنه أدرك بشكلٍ ما، أنها فتاة في مقتبل العمر.

وبينما تسيل دموع غلاك في حضن والدتها الدافئ، كانت أميرة في الحجرة الأخرى تقف من خلف الباب، وتلصق أذنها عليه. عيناها شبه مغمضتين، وأصابع يديها ترتجف قليلاً… ما الذي حدث لها؟!

ترتدي عباءة بيضاء من قماش قطني يعلوه بشتٌ باللون نفسه.

أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

ثم انطلقت صوب الباب.

 

لن تلتصق إلا بعد أمد بعيد، هذا إن لم تؤكل عن بكرة أبيها عندما يستيقظ أولئك الموتى الكونيون وهم متضرعون جوعاً عند الغر..و..ب..

رفع بصره بعض الشيء، فوجد طرف غطاء رأسها الأبيض يلف نصف وجهها. كان طاهر يدقق في كل شيء تقريباً، وحتى حذاؤها الشفاف وكأنه قطعة ثلج تبلورت حول قدميها، لم يسلم من عينيه المتفحصتين.

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

 

“سيدي… الورقة!”

أعتقد أنني قد وجدت فرداً من عائلتك أيها القارئ.

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

 

“اذهبي فوراً وإلا رفعت صوتي!”

“المعذرة؟!”

أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…

 

“المعذرة؟!”

قالت الفتاة ذلك وهي تنظر إليه بحاجب مرتفع قليلاً.

تتزخرف الخيوط على ذراعيه كنجوم الشتاء، ويمتد على أطرافه في المقدمة، لونٌ أسود قمري.

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

(القرآن الكريم).

ما الذي كنت أفعله؟!

وضعت غلاك يديها فوق رأسها المنخفض، وامتلأ فمها بالهواء بينما تنظر إلى الأرض. اعتدلت والدتها بظهرها قليلاً والدموع تنزلق على وجنتيها المزهرتين، ثم أقفلت المصحف بين يديها.

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

“سيدي…”

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

“سيدي… الورقة!”

“من أين حصلت على هذه؟!”

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

ثم انطلقت صوب الباب.

“حسناً، إنها ثمينة…”

 

رفع رأسه وأردف بعينيه المحزنتين:

 

 

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

“يمكنك القدوم بعد الظهيرة لاختيار القماش الذي يناسبك”.

ما الذي كنت أفعله؟!

 

حسناً، أقفلت الصندوق بعدما أخرجت من داخله خاتماً ذهبياً، ثم راحت وجلست على حافة السرير المرتفع وهمست:

“ألا يمكنني الاختيار الآن؟”

كان مزخرفاً بنجوم زرقاء سداسية الشكل، وتبدو كأنها تتساقط من الأعلى حتى الأسفل.

“لا، فلم يأتِ وسيم بعد”.

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

أمالت الفتاة رأسها ونظرت إلى طاولته، ثم قالت كأنما تهمس:

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

“وسيم همم…”

ارتفعت على رؤوس أصابعها، وبعد بضع محاولات، أخذت الرداء الأحمر ملتفتةً نحو والدتها بابتسامة عريضة، وقالت:

فرد عليها طاهر وهو ينظر هناك أيضاً:

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

“إنه المالك.”

“كان يجب عليك قول ذلك…”

التفتت ونظرت إليه بملامح خاوية وقالت في رمشة:

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

“يبدو أنه لن يأتي مبكراً… ولكن كم هو ثمن تلك الأقمشة؟”

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

أخذ طاهر يسرد عليها الأسعار المكتوبة في رأسه مع نوع الأقمشة. وعلى الرغم من محاولتها النظر إلى عينيه بين الحين والآخر، كانت عيناها لا تكادان تبتعدان عن يده طوال الوقت.

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

 

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

هز طاهر يده لتختفي الساعة داخل كم ثوبه قليلاً، ثم أكمل:

 

“…و 5 ريالات فقط لهذا النوع”. ضحكت الفتاة بلطف وابتسمت عيناها الواسعتان كالقمر تحيطهما الرموش الكثيفة.

وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..

وفي منتصفه بؤبؤ أزرق كالماء الخالي من الشوائب، يترقرق سطحه رغم عمق القاع. أمالت رأسها قليلاً وتراخت عيناها، تحرك فيهما بؤبؤيها إليه مرة أخرى وقالت: “حسناً…”

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

 

وراحت تسير حتى انخفضت أمام الأريكة لتحمل اللحاف الملقى على الأرض، تتفحصه بعين مبتلة بالدموع.

ثم أدبرت وسارت بخطوات هادئة. وقبل أن تخرج من المحل، نظرت إليه بعين ضيقة من فوق كتفها الأيسر، مردفةً:

وبعدها فتح أحد الأدراج فيما يفكر في جوفه:

“ولكن، سأعود في الوقت المحدد…”

أقفلت الكتاب وركضت إلى الركن المقابل، وضعته ودفعته بهدوء حتى التصق بالجدار مثل بقية الكتب،

وهكذا انتهى المشهد فيما يطرق كعبها المنخفض بعيداً حتى اختفى وقعه وسط وقع أقدام العمال المجتهدين.

 

جلس طاهر بهدوء على مقعده وأخذ ينظر إليهم وهم يسرعون… من هذه الفتاة؟!

“كـ كم السعر… هل وسـ…”

هذا ما كان يدور في رأسه بينما ينهض ليستقبل عملاء آخرين. ومع مرور الوقت، أُذّن لصلاة الظهر. رفع طاهر الفستان الأزرق أمامه وهو يفكر:

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

ارتعش طاهر فور سماع صوتها واعتدل في جلسته، ثم أخذ يقلِّب يده فوق القماش.

(1423/ شهر صفر/ يوم 29.) لم يتبقَ لي سوى يوم واحد على انقضاء الشهر، حينها سيأتي صاحب المنزل لقبض مبلغ الإيجار.

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

 

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

والسائق إبراهيم لن يدعني أتنفس لدقيقة قبل الدفع… هل ذهب وسيم إلى قصره بما أنه لم يأتِ حتى هذه اللحظة؟

“ماما~!”

 

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

 

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

يجب أن أذهب إليه لأحصل منه على راتب الشهر الماضي، فلم يعد لدي ما يكفيني ليوم آخر.

“سأعود بعد قليل..”

وبينما كان يمسح شعره للخلف باليد الأخرى، التفت للوراء على وقع أقدام تقترب. فوجد التوأمين الصغيرين يدلفان إلى الداخل وتلحقهما جدتهما العمياء. قالا سوياً وأنفاسهما الصغيرة تُسمع في هدوء المكان:

 

“سيدي… الورقة!”

بدأت تقرأ بصوت مسموع لها:

فكر طاهر في نفسه وهو يسرع إليهم: ما الذي حدث؟!

تراخت ابتسامة غلاك وأخذت تتفحص الأركان من حولها، ثم نطقت بفاهٍ مفتوح على مصراعيه: “ما..ما؟!”

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

“ماما~!”

“سيدي… الورقة!”

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

كانت أنفاسه تقطع كلماته بعد كل محاولة.

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

نظر طاهر إلى جدتهما التي تمسك ورقة بيضاء بين يديها المرتجفتين، وترفعها في الاتجاه الآخر. نهض من مكانه بينما الطفل ذو الشعر البني يندفع إلى جدته.

في تلك الأثناء، أخذت ترتفع أصوات الصبية من الخارج.

 

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

 

كان يبدو خائفاً ومرتبكاً كما يبدو لكما، ويضع كل آماله في طاهر الذي ذهب وأخذ الورقة ليتفحصها سطراً سطراً، وكلمة كلمةً، بل حرفاً حرفاً.

ضحكت ملاك خلف قبضتها الرقيقة فيما تفتح غلاك الباب، وقالت:

 

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

يحاول جاهداً وبكل تأنٍ القراءة حتى لا يخيف الطفلين بما وجده على تلك الصفحة. انحنى وهو ينظر تارة إلى الطفلين وتارة إلى جدتهما التي تمسح ظاهر كفها.

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

ثم عاد يحرك شفتيه ويبلع ريقه الذي انزلق من بين لوزتيه بسرعة.

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

هزه الطفل ذو الشعر البني بيديه المرتعشتين وقد انخفض حاجباه بالدموع على وجنتيه الحمراوين.

 

نظر إليه طاهر للحظة، ثم وجه بصره إلى الورقة مرة ثانية واقترب منها، يلفظ بتلعثم: “بال..سي..” اقترب الطفل الآخر ذو الشعر الأشقر، يشهق، تسري الدموع من على وجنتيه الملتهبتين حمرةً.

أمسك بسبابتها من أسفل يدها قائلاً: “هنا، هنا!”

توقف أمام طاهر أيضاً وأخرج نظارة ترتجف في يده الصغيرة، ليقول بعدها بصوت منخفض: “هِم… “

 

نظر طاهر إلى النظارة، ثم رفع رأسه لتتلاقى عيناهما. كم هو مثير للتعاطف~ انظرا إليه بعين الرحمة، إنه لا يستطيع أن يخبرهما بالحقيقة.

تنهد قليلاً، ثم أكمل وهو ينظر إلى الركن في الأسفل:

لا يمكنه إلا التظاهر بها، فهذا الجاهل لا يستطيع حتى القراءة بما أن يداه لم تخطا من قبل.

حاولت التحدث بصوتها الذي انبحَّ من البكاء:

ولسوء حظه، عندما أتى الطفلان إلى المحل وجداه يحرك في صفحات الجدول وكأنه يجيد القراءة، بينما هو يحفظها عن ظهر قلب.

أقفل الدرج وهو ينظر إلى الأسفل كأنما يغض بصره عنها ههههه ثم قال بتلعثم:

على كل حال، لقد نهض بسرعة كما تشاهدان، وذهب إلى الخارج فيما ينظران إليه وكأنه يسعى للهروب.

نظرت إليه مطولاً، ثم وجهت بصرها إلى غلاك.

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

 

تفحص الخارج وهو يقول بصوت منخفض

“اعذريني أيتها الجدة لدقيقة واحدة فقط.”

فتحت باب حجرة نومها ودخلت إلى الداخل، ثم أخذت شرشفاً ذا لونٍ أخضر من خلفه.

 

والجدة تسأل “هل يمكنك المساعدة يا بني؟”

فقالت وهي تطرق الأرض بعصاها “حسناً يا بني…”

“سأرتدي هذا أنا أيضاً!”

 

 

تفحص طاهر الشارع الذي كان فارغاً إلا من الغبار الطفيف في الهواء. لقد ذهب الجميع إلى المسجد، لا عمال ولا زبائن، وإن سألت عن تلك الحمير التي تلهث في حجرها على طرفيَّ الطريق، فلن يستطيع أيٌّ منكم إفادة الآخر.

 

 

“سيدي…”

لا يوجد لديه الآن إلا خيارٌ واحدٌ. أنزل رأسه إلى الأرض، وبعد تفكير مطول، التفت على صوت أحد الطفلين

 

“سيدي…”

“هـ هذا من أجل التفصيل….” كان يحاول التحدث بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومن حسن حظه، لم تكن الفتاة مكترثة بتأويله للأمر، بل كانت تشير إلى تلك الساعة في يده قائلةً:

ابتلع ريقه الثقيل، ثم عاد إلى الداخل وما زال ينظر إلى الأسفل…

يبدو جيداً… علقه في الخلف على أحد المسامير الملتوية، ثم أخذ يتفحص الجدول الذي كان معلقاً على مسمار آخر، متسائلاً:

اقترب من جدة الطفلين التي كانت تستند إلى عصاها، وبعد عدة محاولات، نطق كمن يهمس:

انكمشت أصابع يديها وأخذت شهقاتها ترتفع في هدوء المكان بينما تنير من حولها غيمة كحلقة مضيئة.

“سيدتي، كيف يمكنني مساعدتك؟”

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

“لقد أتينا من مشفى النور، وقد منحنا الطبيب هذه الوصفات الطبية، المكتوبة أمامك… هل من خطب ما يا بني؟”

نظرت للخلف بينما تقترب غلاك تشير حولها، قائلةً:

صمت طاهر للحظة صعب عليه تجاوزها، وجهه قد غشاه الأسى، ثم قال بتلعثم وصوت لا يكاد يُسمع:

أطالت في السجود أيضاً وتقوّس كتفاها برجفة.

“لا، لكنني لا أستطيع… لا، لا أستطيع…”

“سيدي…”

طرقت الجدة الأرض فأقفل فمه وكأنه سيُضرب بينما تقول:

قطعتها غلاك بصرخة: “لا، لا، أنا أحبك ماما!”

“لا تقلق علي، لا يطول السن يا بني، إلا ليُسن في حده ومن ثم التراب…”

 

صمت طاهر للحظة يفكر وهو ينظر إلى الطفلين اللذين امتلأت عيناهما بالدموع: ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!

اعتدلت بعد ذلك نحو القبلة، وارتدت الشرشف في هدوء الحجرة. ثم رفعت كفيها أمام كتفيها لتكبيرة الإحرام، واحدة تقبض بإبهامها على المصحف، والأخرى مبسوطة.

أعليَّ أن أقول لها الحقيقة حقاً. ماذا عن الطفلين أمامي، ما الذي سأقوله لهما…

 

رفع رأسه بعدها وحرك شفتيه بصعوبة فيما يبلع ريقه الثقيل: “كنت أريد أن أقول، أني لا أستطيع القراءة…”

أومأ طاهر برأسه مستغرباً، وراحت عيناه ترمشان بتعجب. تنهد بعدها وقال بصوت منخفض:

أمالت الجدة برأسها نحوه وقالت:

“المعذرة؟!”

“أأنت أيضاً لا تستطيع النظر!”

ما الذي كنت أفعله؟!

كان صوتها الذي يحمل بعض الشفقة عليه ثقيلاً، بل كمرزبة على قلب لا يكاد ينبض. نبضة طويلة في صدره ثم انقطعت، ليشعر بغتة وكأنه يقف فوق مسرح شاسع.

فكرت قبل أن تلتفت لقلب الحجرة، حيث يرتفع سرير خشبي ثقيل، يغطيه حتى منتصفه لحاف أسود ينساب على الأرضية الباهتة.

تلفه الأعين من كل مكان، وتتقاطع عليه الأضواء دوناً عن غيره.

تقرفص أمامهما “تحدثا!” قال ذلك بينما يشير الطفل ذو العين الواسعة والشعر البني ويرتجف أخوه الذي يمسك بالصندوق الرمادي، قائلاً:

يمسك بورقة خطاب صغيرة، يحاول القراءة ولكنه يفشل بعد تمتمة ترددت في صمت مطبق.

ومن يتخلف منهم دون إدخالها لعشرين مرة في الحفر ذهاباً وإياباً، فسينتهي به المطاف بأن يتصدى للمصاقيل المقذوفة بظهر أصابعه المرتجفة. تلك الحارة كوكب عندما ينظر الصبية الراكضون من خلالها إلى السماء.

نظر حوله، ولم يستطع سوى تسليم الورقة، ومن ثم الاعتذار برقبة منحنية تحت وطأة تلك الأعين الخائبة أو الغاضبة. “لا، ولكن أحاول، لكن…”

أمالت العجوز العمياء رأسها نحوه للحظة، ثم تحدثت من خلف خمارها الأسود:

لم يكن يعلم ما الذي يريد قوله حتى، فالأمر محرج للغاية. قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:

يركضون خلف بعضهم البعض من بين المنازل، أو ينحشرون من خلف النخلة بابتسامة وأنفاسٍ مسموعة.

“كان يجب عليك قول ذلك…”

“إنه المالك.”

أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:

 

“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”

 

ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة.

وضعت السطل بجانب القنينة الخالية من الماء، ثم خرجت من الحمام وأغلقت الباب دون صوت.

 

“المعذرة؟!”

ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.

أما خارج الحجرة حيث خيّم الهدوء على أركان المنزل، نهضت ملاك من على سجادتها بعدما مددت غلاك عليها، قائلةً بابتسامة طفيفة:

نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال.

ولكنها في الواقع مجرد قطعة صغيرة، قطعة صغيرة مقطوعة من قطعة أكبر قُطعت ثم وضعت على صحن الأرض، بين العديد من الأجزاء المتفرقة.

يتبع…

“سبحان ربي الأعلى وبحمده…”،

ارتفع حاجبا ملاك بتودد وتموجت ابتسامتها بين شفتيها فيما سقطت يد غلاك الرقيقة. غلاكها المرتوية بالنعاس نبت فيها النوم. خرجت ملاك بعدما مررت اللحاف فوقها ثم قبلت جبينها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط