في قصر وسيم كيان غريب.
في هدوءٍ باردٍ حلَّ على جسدي…
يجب ألا أعود إلى هناك مرة ثانية. أشعر أني لست بخير. سأذهب إلى الطبيب أحمد.. ولكن وسيماً لم يأتِ بعد. حتى لو عاد وأخذت منه المال. هذا لن يكفيني للذهاب للمشفى…
تصلبتُ أمام بوابة القصر المفتوحة بمقدار شبرين.
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
لم يكن ثمة أحدٌ في الداخل سوى الظلام. ظلامٌ له زخمٌ وحضورٌ ثقيل، كأنما يمتص خيوط الشمس المخترقة للسقف، فبدت تلك الخيوط نفسها تتباين عن مستعمرةٍ للعناكب الصغيرة.
لم ألتفت، لم أقل شيئاً، ولم أفكر فيما سأقوله أو ما الذي سيُقال لي أو عني بعد ذلك، كل ما فعلته هو أني أكملت السير مرة أخرى، والإنصات إلى صوتي في الداخل:
شِبَاكها الذابلة تصطفق في الهواء ببطء، لتتساقط منها الخيوط الداكنة على الأرضية الشاحبة، وتتكدس فيها في طبقاتٍ متطابقة كأنما رداءٌ وبريٌ ممزقٌ تفوح منه رائحة الثرى المتيبس والياسمين.
كان صوتها المبحوح ينفذ إلى مسامعي بسلاسةٍ وكأنها تقول لي سراً داخل رأسي.
ثم أدركت شيئاً آخر… لماذا البوابة مغلقة بالسلاسل؟!
انتصب شعر جسدي من الأسفل حتى خصال رأسي، وجثم الصمت على أذنيَّ كأنما العالم من حولي قد رحل…
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
دقات قلبي المكتومة في جوفي، تدبُّ… تدبُّ بينما أتساءل في نفسي تارةً، وتارةً أخرى تنزلق من بين شفتيَّ دون أن أشعر:
عدتُ إلى الحافلة، جلستُ على مقعدي وأنا أتنفس بقوة بينما السائق يقول: “أجننتَ أم ماذا بعد؟!”
“ما الذي حدث هنا؟!”
“لقد ذهب. لا أعلم ما إن كان سيعود قريباً، أم سيظل هناك…”
لقد كان هذا القصر كالحلم بالنسبة لي، في هذا المكان، حيث كنت أركض خلفها دون مللٍ أو كلل، لكنه الآن، أصبح كمقبرةٍ محترقة، لا أرغب حتى في إطالة النظر إليها.
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
شددتُ قبضتيَّ المرتجفتين متسائلاً: ترى… أهي من فتحت الباب؟!
وهكذا، أخذت تتردد كلماتها في داخلي دون توقف.
في هذه اللحظة تماماً، التقطتُ صوت حفيفٍ خافتٍ من الداخل، ولمحتُ ظلاً يتحرك من بين الأضواء عبر الظلال.
ظلٌّ يترك خلفه ريشاً أسود ناعماً حتى استقر عند الأريكة القديمة.
في بداية الأمر ظننتُ أنه غرابٌ قد استوطن المكان، ولكن عندما سقطت الريشة الخامسة في وسط الردهة، شعرتُ فجأةً وكأن هنالك هيئةً دخانيةً تنظر إليَّ.
يتبع…
كانت مستلقيةً على جانبها الأيمن فوق أريكة الاستقبال، التي بالكاد أراها، وتضع يدها اليسرى فوق الطاولة المنحوتة من الصخرة الملساء أمامها.
يجب ألا أعود إلى هناك مرة ثانية. أشعر أني لست بخير. سأذهب إلى الطبيب أحمد.. ولكن وسيماً لم يأتِ بعد. حتى لو عاد وأخذت منه المال. هذا لن يكفيني للذهاب للمشفى…
طَرَقَت عليها وطَرَقَت، فراحت مفاصلي ترتجف وتصدر صوتاً صدئاً بينما أتحرك بكل هدوءٍ، متقطعٍ، واختبأتُ خلف الباب المغلق.
تفحصتُ كل شيء من حولي وأنا أقول في جوفي:
في هذه اللحظة تماماً، التقطتُ صوت حفيفٍ خافتٍ من الداخل، ولمحتُ ظلاً يتحرك من بين الأضواء عبر الظلال.
“المعذرة… أهنالك أحدٌ في الداخل؟!”
لا، ما الذي دهاني، لماذا أفكر هكذا، لا شيء صحيح… سيعود عند الظهيرة، فقط، هو ذهب رفقة تلك الفتاة وسيعو…
ناديتُ وأنا أتنفس بصوتٍ مسموعٍ كأنما ركضتُ من مسافةٍ بعيدةٍ محاولاً التمسك بالهدوء قدر المستطاع.
كان الصوت يقترب ويبتعد، ثم يقترب فجأةً.
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
تفحصتُ كل شيء من حولي وأنا أقول في جوفي:
كان صوتها المبحوح ينفذ إلى مسامعي بسلاسةٍ وكأنها تقول لي سراً داخل رأسي.
يتبع…
من تكون؟!
في هذه اللحظة تماماً، التقطتُ صوت حفيفٍ خافتٍ من الداخل، ولمحتُ ظلاً يتحرك من بين الأضواء عبر الظلال.
فكرتُ، ثم قلتُ بتلعثم: “سا… أختي، لا أخت وسيم…” شددتُ شفتيَّ ثم أبعدتهما وحغولت التفوه بهدوءٍ:
“أين ذهب… أنا في حاجة ماسة إليه.”
“من فضلك… هل وسيم هنا؟”
اتسعت عيناي ونبضت، خطوت خطوة ثانية نحو الحافلة، أراقب البوابة وكأنها قد تنفتح في أية لحظة، وأهمس كأنما أتمتم:
صمتت للحظة فيما أخذ حفيف العناكب يتجه إلى حواف القصر… دقات قلبي تدق، تدق هنا وهناك وفي كل مكان من جسدي.
جمعتُ نفسي من الأرض بسرعة ونهضتُ. أخذتُ أسير وكأني أركض، في كل خطوة أنظر فيها إلى الخلف…
“لقد ذهب. لا أعلم ما إن كان سيعود قريباً، أم سيظل هناك…”
اتسعت عيناي ونبضت، خطوت خطوة ثانية نحو الحافلة، أراقب البوابة وكأنها قد تنفتح في أية لحظة، وأهمس كأنما أتمتم:
نظرت إلى قدميَّ بعين تتوسع، أفكر فيما قالته: ما هذا المكان الذي ذهب إليه؟!
طَرَقَت عليها وطَرَقَت، فراحت مفاصلي ترتجف وتصدر صوتاً صدئاً بينما أتحرك بكل هدوءٍ، متقطعٍ، واختبأتُ خلف الباب المغلق.
رفعت رأسي وعيناي تضيقان بضغط خفيف مرتجف من حاجبيَّ، وقلت لها:
توقفت قدماي أمام المحل وفتحت الباب، جلست على المقعد بينما عيناي تتفحصانه كلما مر ظل أو صدر صوت من أي ركن كان.
“أين ذهب… أنا في حاجة ماسة إليه.”
“توقف عن البحث عنه. لقد أخبرتك بأن تكون حذراً… أليس كذلك؟!”
لم تقل شيئاً بينما الهواء البارد يطوف من حولي ويتلاعب بباب النافذة من فوقي. فجأةً، بدأ وقع خطواتها يقترب نحوي وهي تقول:
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
“ما الذي ستفعله إن علمت… أستذهب إليه، أم ستظل هناك أيضاً؟”
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
ابتعدت عن البوابة بخطوة ضعيفة، وقلت بحروف متشابكة:
كانت مستلقيةً على جانبها الأيمن فوق أريكة الاستقبال، التي بالكاد أراها، وتضع يدها اليسرى فوق الطاولة المنحوتة من الصخرة الملساء أمامها.
“لا شيء، إن لم يكن في المنزل، سأعود لاحقاً” حاولت بعدها الالتفات للمغادرة فوراً، فطرقت البوابة لثلاث مرات تقول فيها بحروف متقطعة: “طاهر…” ارتفع صوتها في رأسي قليلاً، ثم أردفت بصوت ينخفض:
“احذر من عطاء يفوق الثمن…”
“توقف عن البحث عنه. لقد أخبرتك بأن تكون حذراً… أليس كذلك؟!”
فقلت دون أن أشعر: “حسناً، نعم…” أدرت ظهري.
فكرت في الأمر لثانية بطيئة. كنت أشعر وكأنني قد بدأت أفقد عقلي، أهذا بسبب رائحة زيت الماكينة، أم أنني بحاجة للذهاب إلى الطبيب فقط؟!
كل ما أريده هو المغادرة.
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
أنا أشعر بعظام ظهري ترتعش بينما أومئ برأسي تأكيداً لذلك الظل الذي كان ينظر إليَّ من شق البوابة. خطوت خطوة واحدة للأمام، ثم نظرت من فوق كتفي بحركة سريعة… لقد أحسست بأنفاس تقترب من أذني.
هذا ما كان يدور في رأسي حتى التقطتُ صوت هديل هادئ، فدفعتُه للأعلى، فوجدتُ بومةً تطل من النافذة المرتفعة في القصر. كانت عيناها الذهبيتان الشاحبتان تبصرانني برأس مائل وهي تنظف جناحيها بخفة.
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
ثم أدركت شيئاً آخر… لماذا البوابة مغلقة بالسلاسل؟!
“لا يمكن أن يكون كذلك، إنه مجرد كاذب! كاذب، يريد أن يفسد علاقتي بزوجتي أميرة…”
فكرت في الأمر لثانية بطيئة. كنت أشعر وكأنني قد بدأت أفقد عقلي، أهذا بسبب رائحة زيت الماكينة، أم أنني بحاجة للذهاب إلى الطبيب فقط؟!
تصلبتُ أمام بوابة القصر المفتوحة بمقدار شبرين.
ولكن في الثانية التي بعدها، انبثق في رأسي بهدوءٍ صوتها مرة أخرى: “احذر من عطاء قد يفوق الثمن، وخذ مستحقك كله…”
كان الصوت يقترب ويبتعد، ثم يقترب فجأةً.
يتبع…
وهكذا، أخذت تتردد كلماتها في داخلي دون توقف.
انتصب شعر جسدي من الأسفل حتى خصال رأسي، وجثم الصمت على أذنيَّ كأنما العالم من حولي قد رحل…
اتسعت عيناي ونبضت، خطوت خطوة ثانية نحو الحافلة، أراقب البوابة وكأنها قد تنفتح في أية لحظة، وأهمس كأنما أتمتم:
في هذه اللحظة تماماً، التقطتُ صوت حفيفٍ خافتٍ من الداخل، ولمحتُ ظلاً يتحرك من بين الأضواء عبر الظلال.
“من الذي تحدث الآن؟!”
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
التفتُّ بعنف، فسقطتُ على الأرض.
فكرت في الأمر لثانية بطيئة. كنت أشعر وكأنني قد بدأت أفقد عقلي، أهذا بسبب رائحة زيت الماكينة، أم أنني بحاجة للذهاب إلى الطبيب فقط؟!
تفحصتُ كل شيء من حولي وأنا أقول في جوفي:
لا شيء هناك، لا شيء!
فقلت دون أن أشعر: “حسناً، نعم…” أدرت ظهري.
هذا ما كان يدور في رأسي حتى التقطتُ صوت هديل هادئ، فدفعتُه للأعلى، فوجدتُ بومةً تطل من النافذة المرتفعة في القصر. كانت عيناها الذهبيتان الشاحبتان تبصرانني برأس مائل وهي تنظف جناحيها بخفة.
“هيا، انزل بسرعة… ولا تنسَ النقود!”
جمعتُ نفسي من الأرض بسرعة ونهضتُ. أخذتُ أسير وكأني أركض، في كل خطوة أنظر فيها إلى الخلف…
حيدر، يراها كملكية خاصة به، لا يجب لها أن تكون بين أحضان رجل غيره. وعلى الرغم من انفصالها عنه، لا يزال يلاحقني كالظل. لذلك، هذا لا يجب أن يكون سوى كذب اختلقه حتى يفسد علي علاقاتي جميعها…
عدتُ إلى الحافلة، جلستُ على مقعدي وأنا أتنفس بقوة بينما السائق يقول: “أجننتَ أم ماذا بعد؟!”
من تكون؟!
أمسكتُ رأسي بين يديَّ المنتفضتين، أفكر: لا شيء صحيح، إنها مجرد هلاوس مشؤومة، لا يمكن أن تكون حقيقة!
نهضتُ بجسدي المبتل بالعرق، وأخذتُ أسير حتى تعمقتُ في داخل السوق… كنتُ أخطو في داخله دون أن أدرك ما يحدث من حولي، ضجيج غير مفهوم، وأنفاس ترتفع وكأنها تحمل صخرة، أو دفعات على كتفيَّ لا ألقي لها بالاً.
تحركت الحافلة والسائق إبراهيم يصرخ عبر مكبر الصوت: “أين مالي؟! لقد انتهى الشهر بالفعل…”
أمسكت برأسي وأنا أشعر ببرودة تهبُّ بداخله، ثم أكملت في تفكيري:
رفعتُ رأسي ونظرتُ من خلال النافذة، المباني تومض من أمامي وكأنه يدهس دواسة الوقود ليحارب المسافة، والهواء ينبثق من شقوق زجاجها كأنه عزف ملحمي، متقطع هادئ، جعل قلبي ينتفض حتى اقشعر عقلي.
حشرتُ إبهاميَّ في أذنيَّ
لم ألتفت، لم أقل شيئاً، ولم أفكر فيما سأقوله أو ما الذي سيُقال لي أو عني بعد ذلك، كل ما فعلته هو أني أكملت السير مرة أخرى، والإنصات إلى صوتي في الداخل:
“احذر من عطاء يفوق الثمن…”
تحركت الحافلة والسائق إبراهيم يصرخ عبر مكبر الصوت: “أين مالي؟! لقد انتهى الشهر بالفعل…”
اعتصرتُ رأسي، صوتها لا يتوقف عن التردد في جوف جمجمتي.
لم ألتفت، لم أقل شيئاً، ولم أفكر فيما سأقوله أو ما الذي سيُقال لي أو عني بعد ذلك، كل ما فعلته هو أني أكملت السير مرة أخرى، والإنصات إلى صوتي في الداخل:
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
“لقد ذهب. لا أعلم ما إن كان سيعود قريباً، أم سيظل هناك…”
لا، ما الذي دهاني، لماذا أفكر هكذا، لا شيء صحيح… سيعود عند الظهيرة، فقط، هو ذهب رفقة تلك الفتاة وسيعو…
ترى… ما الذي تفعله أميرة الآن…
قطع حبل أفكاري صوت السائق عبر المكبر
“هيا، انزل بسرعة… ولا تنسَ النقود!”
شددتُ قبضتيَّ المرتجفتين متسائلاً: ترى… أهي من فتحت الباب؟!
لم تقل شيئاً بينما الهواء البارد يطوف من حولي ويتلاعب بباب النافذة من فوقي. فجأةً، بدأ وقع خطواتها يقترب نحوي وهي تقول:
نهضتُ بجسدي المبتل بالعرق، وأخذتُ أسير حتى تعمقتُ في داخل السوق… كنتُ أخطو في داخله دون أن أدرك ما يحدث من حولي، ضجيج غير مفهوم، وأنفاس ترتفع وكأنها تحمل صخرة، أو دفعات على كتفيَّ لا ألقي لها بالاً.
ظلٌّ يترك خلفه ريشاً أسود ناعماً حتى استقر عند الأريكة القديمة.
تصلبتُ أمام بوابة القصر المفتوحة بمقدار شبرين.
فجأة، تسلل إلى رأسي صوت من بعيد جعلني أتوقف “يبدو أنك قد جئتَ اليوم”.
في بداية الأمر ظننتُ أنه غرابٌ قد استوطن المكان، ولكن عندما سقطت الريشة الخامسة في وسط الردهة، شعرتُ فجأةً وكأن هنالك هيئةً دخانيةً تنظر إليَّ.
لم ألتفت، لم أقل شيئاً، ولم أفكر فيما سأقوله أو ما الذي سيُقال لي أو عني بعد ذلك، كل ما فعلته هو أني أكملت السير مرة أخرى، والإنصات إلى صوتي في الداخل:
ناديتُ وأنا أتنفس بصوتٍ مسموعٍ كأنما ركضتُ من مسافةٍ بعيدةٍ محاولاً التمسك بالهدوء قدر المستطاع.
يجب ألا أعود إلى هناك مرة ثانية. أشعر أني لست بخير. سأذهب إلى الطبيب أحمد.. ولكن وسيماً لم يأتِ بعد. حتى لو عاد وأخذت منه المال. هذا لن يكفيني للذهاب للمشفى…
أنا أشعر بعظام ظهري ترتعش بينما أومئ برأسي تأكيداً لذلك الظل الذي كان ينظر إليَّ من شق البوابة. خطوت خطوة واحدة للأمام، ثم نظرت من فوق كتفي بحركة سريعة… لقد أحسست بأنفاس تقترب من أذني.
“المعذرة… أهنالك أحدٌ في الداخل؟!”
توقفت قدماي أمام المحل وفتحت الباب، جلست على المقعد بينما عيناي تتفحصانه كلما مر ظل أو صدر صوت من أي ركن كان.
تشابكت أصابعي المرتجفة عند رأسي بينما أنصت إلى أنفاسي المتضاربة، أو صوتي الذي يأبى الظهور للخارج:
ناديتُ وأنا أتنفس بصوتٍ مسموعٍ كأنما ركضتُ من مسافةٍ بعيدةٍ محاولاً التمسك بالهدوء قدر المستطاع.
أيمكن أن يكون حيدر على حق؟! هززت رأسي على جلد يديَّ الساخن، وهمست بينما شفتاي تتطابقان:
“من فضلك… هل وسيم هنا؟”
“لا يمكن أن يكون كذلك، إنه مجرد كاذب! كاذب، يريد أن يفسد علاقتي بزوجتي أميرة…”
التفتُّ بعنف، فسقطتُ على الأرض.
حيدر، يراها كملكية خاصة به، لا يجب لها أن تكون بين أحضان رجل غيره. وعلى الرغم من انفصالها عنه، لا يزال يلاحقني كالظل. لذلك، هذا لا يجب أن يكون سوى كذب اختلقه حتى يفسد علي علاقاتي جميعها…
أمسكت برأسي وأنا أشعر ببرودة تهبُّ بداخله، ثم أكملت في تفكيري:
شِبَاكها الذابلة تصطفق في الهواء ببطء، لتتساقط منها الخيوط الداكنة على الأرضية الشاحبة، وتتكدس فيها في طبقاتٍ متطابقة كأنما رداءٌ وبريٌ ممزقٌ تفوح منه رائحة الثرى المتيبس والياسمين.
ترى… ما الذي تفعله أميرة الآن…
في هدوءٍ باردٍ حلَّ على جسدي…
يتبع…
صمتت للحظة فيما أخذ حفيف العناكب يتجه إلى حواف القصر… دقات قلبي تدق، تدق هنا وهناك وفي كل مكان من جسدي.
لا شيء هناك، لا شيء!
