Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 9

أحداث غريبة في سوق مكة

أحداث غريبة في سوق مكة

———————————————-

 

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

———————————————-

أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.

أتعلمان شيئاً…

في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.

أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟

اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.

كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.

في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.

إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:

قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.

“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”

بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.

ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…

لماذا هو؟!

في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:

في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.

أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!

ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.

هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!

اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:

رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.

“سنذهب إليها يوماً ما…”

في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:

لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!

“لقد… انتهيت”.

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.

قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.

إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.

حتى تلك الأموال التي تحفر عنها داخل حقيبتها الصغيرة، لم أعد أرغب بها، كل ما أريده هو أن تغادر هذا المكان.

سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.

أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…

لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.

كل شيء من حولي كان يتموج ويهمس فيردد:

“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:

كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.

“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟

كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.

ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.

لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟

ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…

بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.

في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.

وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:

سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.

في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:

“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”

ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.

قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.

أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟

لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:

لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.

“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”

لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟

بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.

“حسناً، انتظرني قليلاً.”

توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…

كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.

إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

“هممففف…”

قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.

وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:

هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!

“هذا ليس حقيقياً…”

 

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.

اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.

كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.

شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.

هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!

لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟

———————————————-

لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

كل شيء من حولي كان يتموج ويهمس فيردد:

إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!

“ابني… ابني…”

أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.

حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”

تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

أتعلمان شيئاً…

“أمي، ما الذي سأفعله…”

“خذها!”

تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…

أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.

———————-

تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.

|السيد إسكا يعود ليروي|

لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:

———————-

ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

“ما الذي حدث؟!”

طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.

 

أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

فعلت ذلك لعدة مرات.

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

وعندما انتهت، عادت إلى الغطاء، نشفت يدها على أطراف فستانها، ثم حملته وضمته في حجرها لتسير بخطواتها الهادئة عبر الممر المظلم بلطف، تنظر إليه حتى دخلت إلى حجرة طاهر…

ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.

كان المكان شبه خاوٍ…

ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.

انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.

ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.

“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.

كان المكان شبه خاوٍ…

ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:

 

“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”

 

كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.

“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”

ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.

عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!

 

يتبع…

كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.

———————-

جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.

حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:

شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.

أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.

لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.

تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…

“مزعج!”

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.

 

لمحت انعكاساً لظل طاهر مما جعلها تبصر نحوه. اختفى جسده خلف الحائط، لكن ظله كان يزحف خلفه بنفس الحركات.

وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!

“ما الذي جاء به مبكراً؟!”

حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”

نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…

هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:

في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.

“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”

كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.

اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.

كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.

لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:

سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.

بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.

“طـ طاهر…” قالتها بصعوبة فيما تحتضن وجهه بيديها.

كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.

ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.

كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.

وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”

أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.

 

إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…

كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.

انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.

 

 

رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.

“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:

“ما الذي حدث؟!”

في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.

ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.

 

في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.

انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…

أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.

وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:

وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.

فعلت ذلك لعدة مرات.

“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.

تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.

هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:

 

“حسناً، انتظرني قليلاً.”

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…

هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!

 

ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.

في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.

وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:

تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.

تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.

لماذا هو؟!

كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.

هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!

أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.

إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…

دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.

عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!

لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.

أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.

كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…

دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.

ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:

حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.

هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:

بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.

“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:

تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.

خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.

“خذها!”

عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!

قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.

كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.

“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.

بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.

“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:

حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.

 

لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.

“…إن عادت مرة أخرى؟!”

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

 

أتعلمان شيئاً…

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.

 

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.

رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…

 

نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.

تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!

ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.

هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:

تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.

“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”

“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟

ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

“لن يحدث شيء، ثق بي!”

“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.

تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

“حسناً، انتظرني قليلاً.”

ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:

ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.

“سنذهب إليها يوماً ما…”

دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.

أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:

تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.

“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”

جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:

———————————————-

“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”

توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

“سنذهب إليها يوماً ما…”

وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”

وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”

ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…

“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”

 

أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.

يتبع…

 

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉SFM OP🔥 100
4A N O N Y M O U S🔥 100
5abdullah Alrehaili🔥 100
6Mohammed Alotaibi🔥 100
7Muhannad Alenazi🔥 100
8Abdulrahman Alfarwati🔥 100
9تذنبوب تبنبت🔥 100
10Abdulaziz Alnazhan🔥 100

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط