أحداث غريبة في سوق مكة
———————————————-
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|
لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!
———————————————-
قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.
أتعلمان شيئاً…
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟
“خذها!”
كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…
ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.
تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
“حسناً، انتظرني قليلاً.”
ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.
اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.
كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.
أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.
قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.
“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:
قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:
“هذا ليس حقيقياً…”
عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!
سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.
حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”
في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:
ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…
ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.
في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:
هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:
“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:
هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:
كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.
كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.
رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…
أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…
كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.
تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.
في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.
تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:
بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:
“لقد… انتهيت”.
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.
لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!
نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.
“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”
حتى تلك الأموال التي تحفر عنها داخل حقيبتها الصغيرة، لم أعد أرغب بها، كل ما أريده هو أن تغادر هذا المكان.
رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…
أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:
لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.
“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟
تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.
ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.
توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…
ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.
سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.
|السيد إسكا يعود ليروي|
“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”
أتعلمان شيئاً…
قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.
“هممففف…”
تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.
جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.
لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:
لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.
“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.
“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟
توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…
ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.
إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.
في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.
انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
“هممففف…”
يتبع…
وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:
لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:
“هذا ليس حقيقياً…”
أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.
في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.
أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟
اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.
حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”
شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.
ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…
لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟
اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.
لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!
“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”
اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.
كل شيء من حولي كان يتموج ويهمس فيردد:
“لقد… انتهيت”.
“ابني… ابني…”
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”
سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.
بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
“أمي، ما الذي سأفعله…”
حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:
تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…
قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.
———————-
ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.
|السيد إسكا يعود ليروي|
ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.
———————-
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.
جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.
طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.
سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|
فعلت ذلك لعدة مرات.
كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.
في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.
“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”
وعندما انتهت، عادت إلى الغطاء، نشفت يدها على أطراف فستانها، ثم حملته وضمته في حجرها لتسير بخطواتها الهادئة عبر الممر المظلم بلطف، تنظر إليه حتى دخلت إلى حجرة طاهر…
فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.
في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
كان المكان شبه خاوٍ…
لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.
انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.
في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
“هذا ليس حقيقياً…”
“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”
كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.
قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.
ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.
كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.
وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”
كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.
كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.
عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!
كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.
كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.
في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:
مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.
كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.
جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…
إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.
في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.
“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”
كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.
ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.
فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.
“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟
“مزعج!”
مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.
قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.
تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…
لمحت انعكاساً لظل طاهر مما جعلها تبصر نحوه. اختفى جسده خلف الحائط، لكن ظله كان يزحف خلفه بنفس الحركات.
نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.
متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:
أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.
نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…
———————————————-
في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.
لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.
كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.
يتبع…
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.
اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.
“طـ طاهر…” قالتها بصعوبة فيما تحتضن وجهه بيديها.
ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.
انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…
وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”
أتعلمان شيئاً…
“ابني… ابني…”
كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.
في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.
حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:
رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
“ما الذي حدث؟!”
في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.
ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.
“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”
في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.
“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”
وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.
لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.
“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”
سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.
أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:
كان المكان شبه خاوٍ…
“حسناً، انتظرني قليلاً.”
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…
في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.
في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.
في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.
تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.
كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.
لماذا هو؟!
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!
إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…
مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!
أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.
بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.
دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.
نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…
أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.
حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:
تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.
“…إن عادت مرة أخرى؟!”
“خذها!”
كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.
قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.
ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”
قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.
“…إن عادت مرة أخرى؟!”
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.
“ابني… ابني…”
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”
“لا تقلق، سأحميك دائماً!”
أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.
هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”
إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.
“لن يحدث شيء، ثق بي!”
اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.
اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”
وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:
قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.
أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.
ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:
توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…
“سنذهب إليها يوماً ما…”
“أمي، ما الذي سأفعله…”
أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”
كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.
كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.
|السيد إسكا يعود ليروي|
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.
“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”
“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”
في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:
أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟
“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.
“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”
أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…
طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
يتبع…
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
وعندما انتهت، عادت إلى الغطاء، نشفت يدها على أطراف فستانها، ثم حملته وضمته في حجرها لتسير بخطواتها الهادئة عبر الممر المظلم بلطف، تنظر إليه حتى دخلت إلى حجرة طاهر…
