أحداث غريبة في سوق مكة
———————————————-
“لن يحدث شيء، ثق بي!”
|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|
———————-
———————————————-
أتعلمان شيئاً…
كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.
أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.
ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.
يتبع…
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
———————————————-
كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.
في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.
قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:
أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.
عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!
هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!
حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:
كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.
“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…
———————————————-
في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:
أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.
“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”
وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.
أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!
في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.
هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!
وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:
حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:
سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.
كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.
انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…
رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…
|السيد إسكا يعود ليروي|
كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.
“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”
في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.
نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.
أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:
فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.
“لقد… انتهيت”.
في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:
أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.
“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
حتى تلك الأموال التي تحفر عنها داخل حقيبتها الصغيرة، لم أعد أرغب بها، كل ما أريده هو أن تغادر هذا المكان.
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.
هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:
“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟
قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.
ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.
قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.
ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…
في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.
في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:
———————-
“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.
يتبع…
سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.
كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.
“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”
فعلت ذلك لعدة مرات.
قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.
تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.
كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…
لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:
أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.
“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.
في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.
توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…
نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.
إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.
اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.
انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:
أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.
“هممففف…”
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:
هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!
“هذا ليس حقيقياً…”
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.
تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.
اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.
شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…
شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.
“سنذهب إليها يوماً ما…”
لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟
لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!
قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:
اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.
أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…
كل شيء من حولي كان يتموج ويهمس فيردد:
حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.
“ابني… ابني…”
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”
في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.
بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:
انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:
“أمي، ما الذي سأفعله…”
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
———————-
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
|السيد إسكا يعود ليروي|
تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.
———————-
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.
كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.
طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.
تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.
فعلت ذلك لعدة مرات.
“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”
في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.
لماذا هو؟!
وعندما انتهت، عادت إلى الغطاء، نشفت يدها على أطراف فستانها، ثم حملته وضمته في حجرها لتسير بخطواتها الهادئة عبر الممر المظلم بلطف، تنظر إليه حتى دخلت إلى حجرة طاهر…
حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.
في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.
“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”
كان المكان شبه خاوٍ…
لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.
يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.
متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:
انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.
متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.
“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”
نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.
قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.
في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.
وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:
أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!
“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”
ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.
كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.
كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…
ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.
في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.
دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.
كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.
“ابني… ابني…”
مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.
“هممففف…”
جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.
هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!
شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…
في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.
قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:
لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.
كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…
فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.
“ابني… ابني…”
“مزعج!”
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.
في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.
لمحت انعكاساً لظل طاهر مما جعلها تبصر نحوه. اختفى جسده خلف الحائط، لكن ظله كان يزحف خلفه بنفس الحركات.
وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:
متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…
في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.
في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.
وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:
ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.
تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.
كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.
أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.
“طـ طاهر…” قالتها بصعوبة فيما تحتضن وجهه بيديها.
أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.
ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.
في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.
وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”
قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.
في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.
كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.
“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”
قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:
رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.
تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.
“ما الذي حدث؟!”
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.
مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.
أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.
خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.
وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.
حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.
“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”
ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…
أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.
“أمي، ما الذي سأفعله…”
هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:
بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:
“حسناً، انتظرني قليلاً.”
إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.
انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…
“هممففف…”
حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:
في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.
في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.
تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.
لماذا هو؟!
“ما الذي حدث؟!”
هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!
أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.
إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…
في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.
عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!
كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.
أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.
دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.
انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…
أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.
حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.
في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.
بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.
“خذها!”
قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:
قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.
إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.
وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:
“…إن عادت مرة أخرى؟!”
ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.
تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.
نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.
أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.
أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.
لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.
“ما الذي جاء به مبكراً؟!”
تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.
تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!
حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.
“لا تقلق، سأحميك دائماً!”
أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.
هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:
“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:
“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”
مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.
ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:
طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.
“لن يحدث شيء، ثق بي!”
كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.
اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”
متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:
قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.
“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.
في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.
“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”
ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:
وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:
“سنذهب إليها يوماً ما…”
“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”
أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:
وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.
“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”
في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.
كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.
في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:
ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:
“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”
انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:
في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.
“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”
وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:
كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.
“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”
“لا تقلق، سأحميك دائماً!”
ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.
ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.
كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.
أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…
“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”
نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.
يتبع…
———————————————-
“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”
