Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 9

أحداث غريبة في سوق مكة

أحداث غريبة في سوق مكة

———————————————-

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

“خذها!”

———————————————-

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

أتعلمان شيئاً…

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

أتعلمان ما الذي كانت تفعله أميرة في هذه اللحظة؟

ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:

كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…

كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…

تسلل الهواء عبر النافذة الضيقة، فموَّج فستانها الأسود المنسدل على جانبي السرير المرتفع، وتلاعب بشعرها المنفوش من حولها. هذا ليس مهماً في جميع الأحوال.

“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”

ما يهمني الآن أنها تنظر إلى الخاتم الذهبي في راحة يدها بدفء، ثم بحدة إلى النحاسي الذي يلتف على الأرضية من تحتها.

هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:

إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!

ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:

كانت أميرة تنصت إلى تلك الكلمات في داخلها.

“هذا ليس حقيقياً…”

قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.

فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.

عندما أجد الدليل، سيكون صبري كالعلقم في عنقه، لن أكتفي بإخبار والدي عن خيانته ليخلعني عنه فحسب، بل سأجعل الجميع يعلم بحقيقته التي يخفيها عنهم!

دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.

حلت قبضتها ونظرت إلى الخاتم في راحة يدها، ذلك المحفور عليه بزخرفة حادة اسم (حيدر) النتن، ثم قربته حتى ضمته في حجرها وراحت تهمس:

أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.

“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

ذلك الطفل الوقح… لا تهتما به فقط، سأعود بكما إلى محل الخياطة…

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:

أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

أشعر بما يكون كأنما أريد أن أنقضَّ عليه الآن فوراً لأمزق عنقه!

كان المكان شبه خاوٍ…

هذا الرجل الأحمق يظن أنها تفكر به كما يفعل، ونسي أنها تمقت حظها من وجوده في حياتها… كيف يمكنه أن يكون هكذا؟!

قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

لمحت انعكاساً لظل طاهر مما جعلها تبصر نحوه. اختفى جسده خلف الحائط، لكن ظله كان يزحف خلفه بنفس الحركات.

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”

رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…

كان المكان شبه خاوٍ…

كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.

شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…

في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.

فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.

أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:

وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:

“لقد… انتهيت”.

أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.

أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

قالت بنبرة ودودة: “أحسنت!”

سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.

نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.

بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.

حتى تلك الأموال التي تحفر عنها داخل حقيبتها الصغيرة، لم أعد أرغب بها، كل ما أريده هو أن تغادر هذا المكان.

وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.

أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.

“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.

لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.

“هممففف…”

“هذا… كثير جداً!” تساقطت الكلمات من فمي دون تنظيم مما جعلها تضحك خلف لثمتها وكأني أقول لها نكتة صغيرة، ثم وضعتهما فوق الطاولة وربتت عليهما، قائلة:

قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.

“خذها… أنت رجل مثير للاهتمام”. نظرت إليها، ثم إلى قطعتي النقود، وأخذت أفكر بينما تراودني أفكار غريبة: لماذا لم ألاحظ هذا من قبل، إنها جميلة كالحوريات… أهذا لأنني أمتلك ملاكاً وأميرة؟

“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”

ركز. إنها تمتلك الكثير من المال، ترى من تكون… لكنني قد أفقد الكثير مقابل ذلك.

———————————————-

ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…

“هذا ليس حقيقياً…”

في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

“احذر من عطاء يفوق الثمن، وخذ مستحقك كاملاً…”

وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:

أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

سحبتها خلف ظهري محاولاً الصمود تحت تلك السخونة في كل نَفَس مكبوتٍ أتنفسه.

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”

“يمكنك أخذهما… أنا لا أحتاج المال.”

قلت ذلك بهدوء من بين أنفاسي المتشظية. نظرت إلى عينيَّ بحدة، ثم التف بؤبؤاها حولي للحظة. بعدها، التقطت القطعتين، وبدأت تسير نحو الخارج بخطوات صامتة.

“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”

تنفست بهدوء طويلاً ووضعت يديَّ فوق الطاولة، أرجو أن لا أراها مرة ثانية… وفي هذه اللحظة التي كنت أفكر فيها، توقفت قدماها عند مخرج المحل.

“هممففف…”

لم تلتفت نحوي أو تنظر إليَّ، فقط همست همسةً استطعت أن ألتقطها بكل وضوح:

حسناً، لا يمكنني الشرح أكثر من ذلك، سيصيبني المرض! فلتستمعا إليه فقط:

“عند منتصف الليل، بدر ينير الأفق، خلف ظلمة تكتنف ظلمة ثم نور.”

أحسست وكأن هناك موجة ساخنة تتنقل في عقد رأسي كأنما سيغلي إن لم أبعد يدي.

بعد تلك الجملة، خطت على ضوء الشمس بلا ظل، وتبخرت في الهواء كأنما هي قطرة ماء لامست صفيحاً ساخناً.

لماذا هو؟!

توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…

انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…

إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.

وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.

انطلقت أنفاسي المختنقة تضرب في الهواء كأنما غصت في عمق البحر للحظات ومن ثم خرجت مرة أخرى لأتنفس:

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

“هممففف…”

ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.

وضعت يديَّ المنتفضتين على رأسي، والعرق البارد يتصبب من جبيني وأنا أهمس بسرعة دون توقف:

 

“هذا ليس حقيقياً…”

رفعت بؤبؤيَّ للأعلى أنظر بعين تتوسع…

في تلك اللحظة، أخذت تنسج داخل رأسي تلك الخيوط التي أحاول تمزيقها بأي طريقة… كل شيء منذ قدوم أميرة، بل من قبل ذلك، منذ ذلك الوعد القديم.

“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”

اضطربت قدماي وسقطت فوق المقعد.

“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”

شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

لماذا لا أستطيع العيش بسلام؟

“أمي، ما الذي سأفعله…”

لماذا تطاردني هذه الكوابيس في كل مكان… اتركوني وشأني، ارحلوا عني، دعوني أعيش بعيداً عن هذه الآلام!

تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.

اعتصرت رأسي الذي يصارع أفكاره وحشرت إبهاميَّ في أذنيَّ بينما أرتجف.

“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”

كل شيء من حولي كان يتموج ويهمس فيردد:

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

“ابني… ابني…”

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

حاولت النهوض بصعوبة وأنا أقول بصوت منخفض ومختنق: “اصمتوا… أرجوكم…”

سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.

“أمي، ما الذي سأفعله…”

شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.

تشبثت بطرف الباب من الأعلى بكل قوة، واندفعت للخارج أترنح حتى أهرب إلى المنزل…

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

———————-

انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.

|السيد إسكا يعود ليروي|

 

———————-

أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.

طوته بعناية ووضعته على الأريكة، ثم ذهبت إلى دورة المياه وأحضرت سلة صغيرة خضراء بها ثياب تبدو وكأنها خاصة بغلاكِ الصغيرة.

أخرجت الفستان بيد ترتجف ووضعته على طرف الطاولة، ثم أخبرتها:

أخذت قميصاً أزرق من داخلها، وارتفعت على أطراف أصابعها لتنشره على الحديد الزلق.

“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”

فعلت ذلك لعدة مرات.

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

في كل مرةٍ ترفع فيها رداء، تتساقط قطرات الماء على وجهها المتقلب يميناً وشمالاً.

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

وعندما انتهت، عادت إلى الغطاء، نشفت يدها على أطراف فستانها، ثم حملته وضمته في حجرها لتسير بخطواتها الهادئة عبر الممر المظلم بلطف، تنظر إليه حتى دخلت إلى حجرة طاهر…

في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

كانت مضطجعة على جانبها الأيمن فوق السرير، بينما العصافير النشطة تعبر عن مشاعرها في كل مكان…

كان المكان شبه خاوٍ…

كانت صاحبة العباءة البيضاء تقف أمامي مباشرة، وتنظر إليَّ بابتسامة في عينيها كأنما تقرأ صفحة من كتاب مزدحم بالسطور.

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:

انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.

“لقد… انتهيت”.

تنظر إليها وكأنها لغز لم تحاول حله من قبل، والخدم فقط، هن من يعرفن كلمة السر.

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

“أيجب أن أقوم أنا بما يفعله الخدم؟”

إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.

في تلك اللحظة، انسحب باب الخزانة الخشبية بواسطة إصبعيها البنصر والوسطى، فظهرت أطباق رمادية مزخرفة بلون ذهبي وورود بيضاء على أطرافها.

نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…

ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

وضعت كل شيء في داخله وأغلقت الخزانة، ثم نهضت من مكانها وهي تقول بصوت منخفض:

في خضم ذلك السكون المطبق، انساب صوتها عبر طبلة أذني التي تنبض من الخوف: “أجهز الثوب…” ابتلعت ريقي كأنما حصاة هو، ثم نظرت إلى الدرج وقد أخذت قشعريرة قارصة تطرق رأسي.

“…كيف قامت بتحضيره يا ترى؟”

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

كانت أميرة تحمل طبق البيض بيدٍ وتمسك القدر باليد الأخرى.

إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…

ذهبت نحو الموقد الأزرق الصغير وتقرفصت عنده. أخذت بيضة وطرقتها بالملعقة، ثم صبت ما بداخلها في جوف الطبق.

أخرجت قبضتها من داخل الحقيبة بلمعة معدن زغللت بصري، ثم تباينت منه قطعتان ذهبيتان على راحة يدها.

 

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.

 

جسدها يرتعش كأنما تنظر إلى شفرات تقطع الهواء كلحوم مجردة من الدماء، بينما هي أعشاب جافة تتلاحم ببطء لتصدر صوتاً حاداً طفيفاً.

يحتوي على شمعة صغيرة تكاد تذبل في منتصفه، وبضعة أطباق نظيفة في إناء كبير على أحد الأركان، وطبق بيض في خزانة منخفضة بجانب المدخل.

شدت ذراعيها حول الغطاء وأخفت وجهها في قماشه الخشن، كتفاها يرتعشان للأعلى، وشهقاتها العميقة تتسرب من خلاله في صمت الحجرة…

لم أستطع حتى تحريك يديَّ نحوها، شعرت أنهما ثقيلتان لدرجة قد تكبلني.

في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.

في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:

خطى خطوته الأولى داخل المنزل فيما يمسك رأسه كأنما هنالك يد من الخلف تريد انتزاع عقله الثمين… وعبر الردهة سار بخطواتٍ ثقيلة، حتى دب وقع قدمه عند مدخل المطبخ.

“هذا ليس حقيقياً…”

لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.

 

كانت تحدق إلى الجزر، وتحرك شفرة السكين بحركة مستقيمة بطيئة، تريد أن تكتشف ما بداخله بأي وسيلة.

وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”

فجأةً، برمة اخترقت بطن الخضرة البرتقالية.

قطبت حاجبيها وراحت تقول في جوفها:

“مزعج!”

في هذه اللحظة، ستجدان أن ذلك الطاهر يبتسم بمرارة على وجهه. تنفس في جوفه طويلاً وهمس:

قالت أميرة ذلك وقد لفت بصرها شيء ما على ظهر السكين المسنن.

“هممففف…”

لمحت انعكاساً لظل طاهر مما جعلها تبصر نحوه. اختفى جسده خلف الحائط، لكن ظله كان يزحف خلفه بنفس الحركات.

إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.

متقطع، ثقيل، ثم خطوات مترنحة. همست أميرة لنفسها وهي تنظر إلى سواده على الأرضية باستغراب:

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

“ما الذي جاء به مبكراً؟!”

“إنها جميلة، حتى عندما تغار عليَّ!”

نهضت بخفة ورفعت فستانها من جانبيه حتى كشف عن كعبيها، ثم راحت خلفه تنظر من خلال وراء حائط الممر. فتح طاهر باب حجرته بشق الأنفس، فلمحت أميرة ملاك وهي تنظر للخلف من خلال فوق كتفها المتقوس، بينما يغلق الباب بصعوبة…

———————————————-

في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

ففي العادة كان يسمع صوت أقدامه عند الغروب أو بعد صلاة المغرب، وليس غير ذلك.

 

كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.

كلما تفكر في فعله الآن أن تغادر إلى غرفة نومها بسرعة… ولكن، توقفت ملاك فجأةً بعين تضيق قلقاً، تنظر إليه منكمشاً على نفسه أمام الباب.

كان رأسه واقعاً بين ذراعيه الملتفين حوله، فوق ركبتيه المرتفعتين، ينظر بهدوء حاد إلى أصابع قدميه المرتجفتين. انتفض جسدها وهي تنظر إلى ملامحه وكأنها ترى شبحاً قديماً يحاول أن يتلبسه مرة أخرى.

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.

———————-

“طـ طاهر…” قالتها بصعوبة فيما تحتضن وجهه بيديها.

شددت شعري وأخذت ضروسي تنشر بعضها.

ثم أكملت بنفس النبرة: “انظر إلي… طاهر!” كان صوتها يرتفع قليلاً وكأنها تصر عليه أن يستجيب.

تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!

وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”

انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…

 

في تلك اللحظة، كانت تنظر إلى يدي بعين متسعة، بل إلى الساعة… وعندما كادت أناملي أن تلامس القطعتين الذهبيتين، فجأةً، انبثق صوتها في رأسي:

كان طاهر لا يستمع إليها، لا يبصرها، إنه هناك بعيداً، وسط الظلام، في مكان ضيق لا يستطيع التحرك فيه.. ولكن فجأةً، بزغ ضوء من بعيد وبدأت تتباين منه هيئة ما “طاهر… انظر إلي!” كانت ملاك تصرخ وتهز رأسه بيدها.

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

 

إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…

رمش باضطراب وراحت بؤبؤتاه تدوران في عينيه، تبحثان في أركان الحجرة، أمالت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما.

انحنت أميرة وحاولت فتح بابها بأطراف أصابعها الطويلة.

“ما الذي حدث؟!”

قبضت على الخاتم في كفها بلطف ونظرت إلى الخط الفاصل بين السقف والحائط، حيث ينبعث الضوء من الخارج.

ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.

هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!

في هذه اللحظة، انبعثت رياح هادئة وغمرت الحجرة للحظات. نهضت ملاك من مكانها وأخذته من كتفه.

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

أجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أمامه على قدميها.

“لن يحدث شيء، ثق بي!”

وضعت يديها على يديه وضغطتهما فيما ارتفع حاجباها بتجعد طفيف، وبدأت دموع الحزن تسيل على جفنيها المرتعشتين.

إنه لا يستحقك، مجرد نكرة مقارنة بك. أنتِ، أميرة تحت سقف صعلوك أرعن… أنتِ تستحقين رجلاً أفضل، رجلاً لا يزال قلبك متعلقاً به… لماذا قد تصبرين عليه أكثر من ذلك؟!

“أنا هنا… كل شيء على ما يرام!”

ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…

أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.

 

هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:

توقفت جميع أعضاء جسدي للحظة وكأنني أقف على خيط رفيع فوق الهاوية…

“حسناً، انتظرني قليلاً.”

“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”

انتصبت بعدها وراحت بخطوات طويلة نحو الباب. فتحته وأخذت تخطو إلى حجرتها من خلال الممر…

مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.

 

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

في تلك اللحظة، كان هنالك ظل في الخلف يلتقط حفيف فستانها حتى غابت هيئتها عن عينيه… أميرة، تقف خلف حائط الحجرة في صمتٍ عميق.

وبعد عدة محاولات منها، نظر نحوها وهي تهز وجهه قليلاً: “أتسمعني؟!”

تنظر إلى الأرض بعين يثور فيها الغضب.

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

لماذا هو؟!

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

هذا ما كانت تفكر فيه عندما جرحت أظافرها الحائط الرمادي، وما زالت تراودها الأفكار في جوفها وكأنها لن تتوقف: إنهما يريدان إغاظتك!

أومأ طاهر برأسه وهو ينظر نحو النافذة.

إلى متى ستصمتين كالحمقاء؟! إياكِ وأن تصبحي مطية لهذه الأفكار المنحرفة… إنه السبب في كل شيء…

في هذه اللحظة، أدار طاهر مقبض الباب بصعوبة.

عقدت يديها في حجرها وشدت أصابعها على كمي الفستان الطويلين، ثم راحت تقول في نفسها: نعم، إنه المسؤول عما حدث، لن أتساهل معه مثل هذه الخادمة المطيعة!

أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.

أما تلك التي كانت تنعتها بالخادمة، فقد ذهبت تبحث في أحد الأركان داخل حجرتها.

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

دفعت كتاباً ما جانباً، فسقط من جوفه قرص بداخله حبة ذهبية أخيرة.

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

أخذته، ثم أسرعت نحو المطبخ دون أن تغلق الباب خلفها… التقطت كوباً نحاسياً واتجهت إلى قنينة المياه الكبيرة في الركن الأيسر.

في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.

حركتها بصعوبة وسكبت الماء في داخل الكوب حتى فاض منه.

في هذه الثانية، خرجت أميرة من غرفة نومها ونظرت إلى الباب وهو يغلق، ومن بعدها، ألقت نظرة سريعة إلى حجرة ملاك على يسارها، ثم توجهت إلى المطبخ بخطوات خفيفة.

بعد ذلك دفعتها جانباً ونهضت تخطو بسرعة نحو حجرة طاهر… وبينما تضرب الأرض بأقدامها الرشيقة، لاحظت أميرة تقف تحت الظلال وتنظر إليها في صمت من جانب الباب.

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

تباطأت خطواتها للحظات فيما تتفحصها، ثم عادت تسرع حتى دخلت إلى الحجرة.. جلست تحت ظله من الجانب.

لم يلتفت لأميرة وكأنها لم تكن موجودة هناك، وأكمل السير بينما هي تعمل بعزيمة وإصرار على تشريح خضرة في كفها.

“خذها!”

“أمي، ما الذي سأفعله…”

قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.

ابتسمت أميرة وأطلقت زفيراً فيما يرتفع حاجبها، ثم أخرجت أحد الأطباق مع ملعقتين فضيتين، وقدر صغير كذلك.

“ملاك…” رفعت رأسها على صوته.

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

“ماذا يجب أن أفعل…” كان ينظر إلى خارج النافذة حيث ظل طير يطوف بالمكان، ثم وجه بصره نحوها فيما يحيط بيديه قدميه حتى التصق فخذاه ببطنه، ثم أكمل بصوت منخفض وهو يشد يديه على أطراف كتفيه:

 

 

مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.

“…إن عادت مرة أخرى؟!”

 

 

هزته قليلاً وقالت مرة أخرى “بـا.. أتستمع إلي…” نظر إليها للحظة ثم وجه بصره إلى الأرض. حرك رأسه بـ نعم. نظرت إليه للحظات ثم قالت بصوت منخفض:

نظرت إلى عينيه للحظة، ثم نهضت لتغلق الباب… وفي دفعتها الخفيفة للباب الخشبي، نظرت إلى أميرة التي كانت تبادلها النظرات نفسها.

نظرت نحو الطاولة الأخرى أملاً في حضور وسيم لكي لا نكون بمفردنا في هذه الحجرة.

 

إما أن أكمل السير نحو المصير المحتوم، أو أن أسقط في أعماق الجنون. دوت نبضات قلب تدب، تدب، تدب.

لم يكن بها حقد ولا تلك العواصف الغائرة في عدساتها… فقط، كانت تطلب منها معروفاً، ترجو منها أن تراعي الموقف لمرة واحدة.

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

 

كان المكان شبه خاوٍ…

تصلبت أميرة خلف الباب المغلق وهي تنظر إلى الأسفل فيما تبتعد خطوات ملاك إلى طاهر.. كانت تفكر: لماذا هي؟!

“عندما أجد الدليل.. سيكون كل شيء مثل السابق، وسيعود إليَّ مرة أخرى!”

في الجهة الأخرى من الحائط، تقرفصت ملاك وأمسكت يديه، عيناها تفيضان دموعاً، وصوتها البارد بدأ يغمره عبير العواطف في فصل جديد:

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

“لا تقلق، سأحميك دائماً!”

“ما الذي جاء به مبكراً؟!”

هز طاهر رأسه وذهب بؤبؤا عينيه المتخبطان للأسفل، ثم قال مرة أخرى:

ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:

“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”

في الداخل، أسقطت ملاك وجهها وسط الغطاء، ومسحته بحركة خفيفة. بعدها، التفتت بهدوء ونظرت إليه… كانت عيناها متفاجئتين، لم تكن ملاك لتدخل لتلك الحجرة لو علمت بقدومه مبكراً.

ضغطت على كفيه وهي تقول له بنبرة مكبوتة:

“لقد… انتهيت”.

“لن يحدث شيء، ثق بي!”

بدأت أسير وكأني سأسقط بعد كل خطوة فيما أتلفت يميناً وشمالاً، أنادي بصوت ضعيف:

اعتدل برأسه “لا أستطيع… هذا ما كانت تقوله أيضاً…”

قالت ذلك وهي تنظر إلى يده بعينها المبتلة.

قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

فعلت ذلك لعدة مرات.

ضاقت عيناه بعدما سمع شهقاتها المكتومة تتنفس في حجره، وتختلط بصوتها المبحوح ذاك:

“حسناً، انتظرني قليلاً.”

“سنذهب إليها يوماً ما…”

سقط الغطاء من بين يديها وهي تنخفض نحوه، أسندت يديها على الأرض وجلست عند قدميه.

أحاط ذراعه حولها، ونادى بصوتٍ ضعيف: “ملاك…” تفتحت عيناها بدموع كقطرات الندى، ثم رفعت بؤبؤيها الزرقاوين نحوه تجيبه “اهم…؟!” مسح على رأسها بيده المنتفضة، ثم قال وهو يحاول أن يرفع ابتسامة ثقيلة على وجهه:

كنت منشغلاً في رأسي أفكر في زوجتي مثل أي زوج آخر، وفجأة غمرت رئتيَّ تلك الرائحة الغريبة، وحضور ثقيل حجب عني الهواء.

“لا أريد أن أفتقدك أيضاً!”

|السيد العظيم ايسكا… يروي من داخل المركبة…|

كانت تلك الكلمات منه كضوء القمر الذي عاد لينير عالمها المظلم مرة أخرى، فأصبحت ترى آثار قدميها بعد ليل طويل.

“لكن… ماذا يجب أن أفعل؟!”

ارتفع حاجباها بنظرة إلى القمر الذي أنار لها الدرب، ثم راحت تشد ذراعيها حول ظهره فيما تقول:

مدت كفها المبسوط لألتقطهما… ولكنني لم أفعل.

“أنا هنا، ولن أغيب عنك أبداً!”

في هذه الأثناء، أغلقت ملاك نافذة الصالة، وأخذت الغطاء المعلق من إحدى الحدائد المتدلية في السقف.

في هذه اللحظة، كانت أميرة تستمع إليهما وعيناها تسرحان في تفكير عميق. إنها تشعر وكأنها دخلت في محيط لا تمتلك فيه قلباً ينبض، أو عقلاً يفكر، أو حتى قمراً ينير سماءها القرمزية.

ارتعشت شفاهه ونظر إلى الأرض، وبالكاد نطق بصوت كالهمس المرتجف “ابنتي؟!” فور أن سمعت ملاك تلك الكلمة، توسعت عيناها قليلاً، وراح بصرها إلى الأسفل فيما ترتفع شفاهها حزناً.

وضعت يدها على المقبض وحاولت أن تدفع الباب بقوة، ثم عدلت عن ذلك بعدما سمعت صوت طاهر من خلفه يقول:

ولكن، هل الكثير أكثر مرارةً من أن تذوق غلاك من نفس الكأس؟! تحركت يداي بصعوبة وأنا أكمل في داخلي: لا، لا أريدها أن تصبح مثلي…

“إنها امرأة… اختفت.. أمام عيناي…” فردت عليه ملاك “أنا هنا، لن تأتي… فقط خذ الدواء…”

قالتها بصوت مسموع وهي تقدم رأسها قليلاً نحو المخرج.

ضاقت عينا أميرة بابتسامة طفيفة، ثم غادرت إلى المطبخ دون أن تقول أي شيء.

قال ذلك ودموعه تنزلق على وجنتيه.

ذهبت إلى الركن الأيمن البعيد عن الباب، وأخذت علبة الكبريت من فوق الموقد الصغير-كان هدية من والدها، ذلك الصالح الخبيث!- أشعلته بعدما أدارت المفتاح.

مسحت الغطاء بيدها الرشيقة، ثم وجهت بصرها خارج النافذة تنظر إلى العشب المتراقص بهدوء.

أمسكت القدر، كانت عيناها تعكسان خيوط النار الزرقاء التي تضرب إلى الحمرة، وتدور بهدوءٍ…

أبعدت يديَّ خلف ظهري وأنا أنظر إليها تلتقط الفستان وتتفحصه بعينيها الزرقاوين كالبحر النقي، ثم وجهت بصرها نحوي تدقق بشكل مكثف مرة أخرى.

 

كانت أميرة تبتسم بانتعاش لحلها لغز الطهي هذا، ولكن في نفس اللحظة، كانت هنالك ابتسامة تتقلص، وتنزلق من فوقها دموع دافئة تقطر على القماش المجرح بين يديها… فستانها الأحمر ذو الأكمام القصيرة يتغذى على ضوء الشمس، ليبدو كوردة قرمزية تتفتح عند منتصف ساقيها.

يتبع…

في تلك اللحظة، لم تشعر ملاك بنفسها إلا وقد احتضنته وعلقت أصابعها على كتفيه المرتعشين. كانت تحاول أن تقول له رغم كل شيء: لن أذهب، فلم يتبقَّ لي ما أتمسك به غير كتفيك.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Basil Alfaifi🔥 100
4husam Al marzouqi🔥 100
5Nasser Bin zayed🔥 100
6Abdullah Alzahrani🔥 100
7A D🔥 100
8Faisal Almulhim🔥 100
9Humaid Alali🔥 100
10azcol azcol200🔥 100

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط