كلب المسار الصالح
سمع عمه يقول بفزع: “يا إلهي.. أوه، يا سماء المشاعر!”
….
تلاقت عيناها مع تايتوس بعنف، ثم حدقت في قدمه وكيف هي حالها الآن، وقالت بصوت هادئ: “ولماذا سأقتلكم؟ شكراً على الماء.. انصرفوا.”
“كم رجلاً لديك، دون العبيد، من البحر الشرقي؟” سأل العم، بينما كانت دموع بايرون تحاول أن تجف.
تحول الثلج فجأة إلى كتلة ماء سائل واختفى في فم الفتاة.
“سبعة عشر فارساً، وثلاثة أضعافهم من المرافقين. لماذا؟”
“سبعة عشر فارساً، وثلاثة أضعافهم من المرافقين. لماذا؟”
نفضت يد العم أوريون رداء بايرون الأبيض المزين بالزهور الخضراء: “منظمة التحدي جي كي. من البحر الشرقي.. ولكن…”
أطلق تايتوس الصعداء، فارتفعت سحابة من البخار من فمه، وكأن الأرض نفسها تتنفس بارتياح. بدأ حصان العم أوريون يبطئ حتى أصبح في محاذاة الأيل.
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
ضيق تايتوس عينيه كي يراه؛ بدا عمه متجمداً أكثر من كونه واقفاً، مثل بومة في غسق الليل. التفت عنق العجوز ببطء قائلاً: “اركَب الأيل، لم يعد الطريق ضيقاً.”
ومع قوله هذا، ربت العم أوريون بقوة على ظهر بايرون.
أما تايتوس، فكان يركب فحل أيل ضخماً.
تنهد تايتوس وفرك جبينه، متذكراً قول العم أوريون ذات مرة: “إذا أردت أن تنشر فكرةً ما دون أن تبدو صادرة منك، فاجعلها تبدو كأنها فكرة شخص آخر عبر التلميح غير المقصود.”
أمامه، كان الفحل الأسود يتخذ خطوات واسعة وسريعة، بينما كان الأيل أبطأ ولكن أكثر ثباتاً. اهتز ظهر العم المستقيم كرمح حرب يخط بثبات نحو الأمام.
التفت تايتوس نحو باب بجانبه، فجاء صوت العم أوريون حاداً كالصقر: “إلى أين أنت ذاهب؟”
تلاقت عيناها مع تايتوس بعنف، ثم حدقت في قدمه وكيف هي حالها الآن، وقالت بصوت هادئ: “ولماذا سأقتلكم؟ شكراً على الماء.. انصرفوا.”
رفع تايتوس يده ولوح بها دون أن يلتفت: “إلى المطبخ، للبحث عن بعض الحليب. ألا تريد القدوم؟ ربما لديهم وصفات جديدة.”
رد العم: “لا.. وأنت أيها الأمير السابق لا تبتعد، سنغادر بعد قليل. بايرون البطل يعمل على خطة الآن.”
رد العم: “لا.. وأنت أيها الأمير السابق لا تبتعد، سنغادر بعد قليل. بايرون البطل يعمل على خطة الآن.”
ركب تايتوس الأيل، فأطلق الأخير زئيراً بدا وكأنه منزعج. سأل تايتوس وهو يوكز الأيل برفق، شاعراً بخطواته الثابتة على عكس الحصان، حتى تقدم وأصبح بجوار الحصان الأسود: “لماذا لم تصبح سيد عناصر؟”
نزل تايتوس السلالم الحلزونية المؤدية للأسفل، وفكر بسخرية: (ابقَ أنت هناك، كي تتلاعب به).
أما تايتوس، فكان يركب فحل أيل ضخماً.
كانت الأواني المعدنية تتدلى من سقف المطبخ المنخفض، حتى اصطدم رأس تايتوس بها، فارتطمت ببعضها مصدرةً إيقاعاً حاداً ومزعجاً.
سأله العم فجأة: “بعد أن تفتح بحر روحك، ماذا تريد أن تزرع؟ أو أي نوع من أسياد العناصر ستكون؟”
“لص! تحاول تسميم الصغير بايرون؟” جاء الصوت من الأسفل، وشعر تايتوس بشيء يقبض على قدمه اليسرى.
رمى العم أوريون المطرة الجلدية، فالتقطها تايتوس بسرعة. تحركت حنجرته صعوداً وهبوطاً وهو يبتلع الماء، ثم مسح طرف فمه وسأل: “لماذا لا تخزن الماء داخل كيس الأبعاد الخاص بك؟”
كانت سيدةً عجوزاً، أكل الشيب شعرها، وكأن الزمان قد شرب من دمها ولحمها. اهتز جسدها الضئيل، واهتزت معه قدم تايتوس.
أطلق تايتوس ضحكة خفيفة: “حقاً؟ ولكن تأكدي من عدم أكل قلبي، فقلبي فاسد.”
“هل يُفترض بهذا أن يكون هجوماً؟” قال تايتوس، ثم انحنى ورفع يده ليدفعها برفق. “يا سيدة، احترمي عمركِ، قد تموتين بمجرد دفعة خفيفة. أنا تايتوس، جئت للزيارة فقط.”
“آه…” خرج الصوت ثقيلاً ورقيقاً كأوراق الخريف الجافة.
تراقصت أشعة الموقد على جدران المطبخ. وقف بجانب العجوز رجل ضخم، ففكر تايتوس ساخراً: (هل يأكل من طعام هذه الجدة كي يصبح بهذا الطول؟)
تحرك فم العم أوريون قائلاً: “يكفي هذا، سنأخذ بضع ساعات للاستراحة، وبعدها نهرول حتى نصل إلى الحانة.”
حدقت العجوز في تايتوس بشدة، لدرجة أن عينيها لمعتا تحت ضوء الشعلة. “أمير!” قالت وهي ترفع صوتها المرتعش: “أمير!”
بقبضة مشدودة، امتطى العم أوريون فحله الأسود، فأطلق الحصان صهيلاً ضارباً الأرض المتجمدة بالحوافر. ببطء وثبات، ركب تايتوس الأيل.. وبدا الطريق الضيق من خلفهما مظلماً، وكأن الشمس تهرب منه.
“أمير سابق،” أردف تايتوس مصححاً.
حاول العم أوريون نزع الكيس الجلدي من حقيبة الحصان، وارتفعت أصابعه المرتعشة، لكن كيس الماء طاف في الهواء وتشنجت الأجواء؛ حيث اخترق شيء مدبب كيس الجلد، كان ثلجاً تشكل على هيئة رأس رمح حاد.
اتخذت العجوز خطوة نحو تايتوس، وربتت على ساقه: “سمعتُ.. العشيرة كلها تعرف الأمير المريض والجنرال.” شعر تايتوس بيديها من خلال ملابسه، كانتا تحملان حرارة غريبة. وأردفت: “كي يطردك والدك، وتقفز أمك من الحافة…”
سقطت يده، ومال رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يترك سيرة ذاتية. ماذا رأى هذا الرجل كي يصاب بهذا الجنون قبل موته؟ كانت عيناه مفتوحتين في ذهول.
قاطعها تايتوس ببرود: “لم أطلب منكِ التعاطف. أنا لا أتذكر والدتي ولا أريد ذلك، ووالدي.. حسناً، سمعته تسبقه.” ثم نظر إليها وسأل: “كم تبقى على موتكِ؟”
أمسك العم أوريون بغصن وقذفه نحوه، فتفاداه تايتوس بسهولة.
“ماذا؟” تمتمت العجوز.
مرر تايتوس أصابعه على ذقنه الشائك: “نجري حتى يموت الحصانان.. أو نموت نحن.”
شعر تايتوس بفمه يُفتح ذهولاً حين أكملت: “إذا متَّ.. أريد جثتك!” وشعر بيديها تتحسسان ساقه بشغف مريب.
“أمير سابق،” أردف تايتوس مصححاً.
أخذ خطوتين للوراء: “أخبريني، لماذا تريدين جثتي؟”
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
تحركت أصابعها ببعض الجنون وهي تقترب منه: “كي أصبح أميرة! أخبرني هيا.. لا، بل أعطني قطعة فقط، أريد قطعة من لحمك.”
هز تايتوس كتفيه: “ماذا تراني أفعل؟”
وفي تلك اللحظة، سحبت يدٌ طويلة عظمية شاحبة السيدة العجوز إلى الخلف. كان شاباً يحمل دلواً مملوءاً بالحليب، قال معتذراً: “الجدة مولي تظن أن أكل لحم شخص من العائلة الملكية يمنحها قدرة أسياد العناصر.. اعذرها.”
أخذ تايتوس الدلو وملأ الكأس الفضي، ثم رفعه وشرب رشفة. كان الحليب حامضاً وثقيلاً، فبصقه من فمه على الفور متذمراً: “كان الأجدر به تحويلكِ إلى تمثال!” ثم أخذ بعض الماء النقي من دلو آخر، تمضمض وشرب.
أطلق تايتوس ضحكة خفيفة: “حقاً؟ ولكن تأكدي من عدم أكل قلبي، فقلبي فاسد.”
فكر تايتوس وهو ينظر في أثرهم: (يبدو أنني أنوي عقد صفقة مع الشيطان).
حدق الشاب في تايتوس بغرابة، ثم مد يده وأعطاه كأساً فضياً: “خذ هذا.. هناك المزيد إذا أردت شيئاً.” ومع هذا، سحب السيدة العجوز خلفه كأنها كيس بطاطس. وقبل أن يختفيا، سألت العجوز بصوت باهت: “هل هذا يعني أنني أستطيع…؟” فرد الشاب بحسم: “لا.”
رمى العم أوريون المطرة الجلدية، فالتقطها تايتوس بسرعة. تحركت حنجرته صعوداً وهبوطاً وهو يبتلع الماء، ثم مسح طرف فمه وسأل: “لماذا لا تخزن الماء داخل كيس الأبعاد الخاص بك؟”
فكر تايتوس وهو ينظر في أثرهم: (يبدو أنني أنوي عقد صفقة مع الشيطان).
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
أخذ تايتوس الدلو وملأ الكأس الفضي، ثم رفعه وشرب رشفة. كان الحليب حامضاً وثقيلاً، فبصقه من فمه على الفور متذمراً: “كان الأجدر به تحويلكِ إلى تمثال!” ثم أخذ بعض الماء النقي من دلو آخر، تمضمض وشرب.
ركب تايتوس الأيل، فأطلق الأخير زئيراً بدا وكأنه منزعج. سأل تايتوس وهو يوكز الأيل برفق، شاعراً بخطواته الثابتة على عكس الحصان، حتى تقدم وأصبح بجوار الحصان الأسود: “لماذا لم تصبح سيد عناصر؟”
فجأة، ظهر العم أوريون خلف ظهره كأنه شبح، وأمسك بمعصم تايتوس بقوة: “الأحصنة جاهزة، لنذهب.” شعر تايتوس بمعصمه يُعصر بينما كان عمه يسحبه خلفه.
أجاب العم: “قلت لك، كانت موهبتي متوسطة، وما يعنيه ذلك هو التدريب والزراعة لمدة طويلة مثل الكلب بموارد قليلة.”
“عمي، أين الماء؟” سأل تايتوس.
حدق الشاب في تايتوس بغرابة، ثم مد يده وأعطاه كأساً فضياً: “خذ هذا.. هناك المزيد إذا أردت شيئاً.” ومع هذا، سحب السيدة العجوز خلفه كأنها كيس بطاطس. وقبل أن يختفيا، سألت العجوز بصوت باهت: “هل هذا يعني أنني أستطيع…؟” فرد الشاب بحسم: “لا.”
التفت العم أوريون، الذي كان يمتطي جواداً أسود، ووضع يده في جيب الحقيبة المعلقة على جانب الحصان ليخرج مطرة جلدية. تذكر تايتوس بسببها ذلك العجوز في البلدة الجديدة، وتمتم في نفسه: (كان يحاول أكلي).
استشعر تايتوس زجاجة “سفر الصيف” في جيبه فأخرجها مستعداً.
أما تايتوس، فكان يركب فحل أيل ضخماً.
مرر تايتوس أصابعه على ذقنه الشائك: “نجري حتى يموت الحصانان.. أو نموت نحن.”
رمى العم أوريون المطرة الجلدية، فالتقطها تايتوس بسرعة. تحركت حنجرته صعوداً وهبوطاً وهو يبتلع الماء، ثم مسح طرف فمه وسأل: “لماذا لا تخزن الماء داخل كيس الأبعاد الخاص بك؟”
رد تايتوس: “لا تقلق بشأن الموارد، بعد أن تموت بعد عمر طويل -أعني طبعاً- سأستغل كل ما تتركه لي من ميراث وموارد. أوه، وحتى سأقوم بإنشاء مدينتك الخيالية المليئة بالطهاة كما تخيلتها.”
كانت الزهور تنمو على طول الطريق الذي لا يبدو له نهاية. هبت رياح ثقيلة هزت بتلات الزهور، ومع شروق الشمس، بدت السماء كأنها كدمة بنفسجية واسعة.
رمى تايتوس كيس الماء عائداً إلى العم أوريون. توقف حصان العم، وبدا الحصان ممتناً للاستراحة فبدأ يرعى من الأزهار الصغيرة المحيطة به، ليصبح في محاذاة أيل تايتوس.
قاطعها تايتوس ببرود: “لم أطلب منكِ التعاطف. أنا لا أتذكر والدتي ولا أريد ذلك، ووالدي.. حسناً، سمعته تسبقه.” ثم نظر إليها وسأل: “كم تبقى على موتكِ؟”
بدأ الطريق يضيق، واقتربت الورود الضخمة من الجانبين حتى بدا تايتوس بينها كحبة عنب ضائعة بين ثمار البرتقال.
أخذ خطوتين للوراء: “أخبريني، لماذا تريدين جثتي؟”
قال العم أوريون بابتسامة: “أوه، تقصد كيس التخزين الخاص بي؟ هناك بعض الأوراق والأشياء داخل كيسي التي ربما تتلف بفعل الماء.”
هوت قدما العم أوريون في التربة المتجمدة بلا غبار، محدثة صوتاً مسموعاً. اهتز رداء الفحل الأسود بجانب العم، وبدا الحصان بكامل قوته. ببطء، أنزل تايتوس قدمه اليمنى، فشعر ببرودة التربة القارسة تخترق حذاءه، وسرت قشعريرة باردة من أصابع قدمه حتى عموده الفقري.
رد تايتوس: “لم أقبل عرضك بعد، كما تعلم.”
أمسك العم أوريون بغصن وقذفه نحوه، فتفاداه تايتوس بسهولة.
هز العم أوريون رأسه: “صديقي الذي من البحر الشرقي موجود في العاصمة الآن، وهو يستطيع علاجك. لا تقلق، سيفعل ذلك حتى لو لم تقبل أن تصبح وريثي.. بعد كل شيء، أنت ابن أخي العزيز.”
شعر تايتوس بفمه يُفتح ذهولاً حين أكملت: “إذا متَّ.. أريد جثتك!” وشعر بيديها تتحسسان ساقه بشغف مريب.
شعر تايتوس بشيء خاطئ، فقال متوجساً: “خدعتك الصغيرة لن تجدي نفعاً. تريد علاجي وبعدها تمنعني من مسار الزراعة وقدرات سادة العناصر.. تغريني بالفوائد، صحيح؟”
تحركت أصابعها ببعض الجنون وهي تقترب منه: “كي أصبح أميرة! أخبرني هيا.. لا، بل أعطني قطعة فقط، أريد قطعة من لحمك.”
“ماذا؟ لا، بالطبع لا!” قال العم بسخرية مصطنعة.
كانت الزهور تنمو على طول الطريق الذي لا يبدو له نهاية. هبت رياح ثقيلة هزت بتلات الزهور، ومع شروق الشمس، بدت السماء كأنها كدمة بنفسجية واسعة.
عقب تايتوس وهو يرفع حاجبه محدقاً في جبهة عمه: “إذا كنت تريد شيئاً من شخص ما، فاعرض عليه الفوائد التي سيحصل عليها من خلال العمل معك.. هذا أول شيء علمته لي، هاه؟”
قال العم: “لنذهب، صديقي يبحث عنا في الحانة الآن.”
أشاح العم أوريون بوجهه، ونكز حصانه ليتحرك. توقف أيل تايتوس كذلك حيث أصبح الطريق أكثر ضيقاً.
استشعر تايتوس زجاجة “سفر الصيف” في جيبه فأخرجها مستعداً.
هوت قدما العم أوريون في التربة المتجمدة بلا غبار، محدثة صوتاً مسموعاً. اهتز رداء الفحل الأسود بجانب العم، وبدا الحصان بكامل قوته. ببطء، أنزل تايتوس قدمه اليمنى، فشعر ببرودة التربة القارسة تخترق حذاءه، وسرت قشعريرة باردة من أصابع قدمه حتى عموده الفقري.
أغمض عينيه ورفع رأسه، وارتفع صدره مستنشقاً الهواء اللاذع. فتح عينيه، لكنه تلقى صفعة من غصن تلك الزهرة التي لم تحترم طولها الفارع، والذي يبلغ نحو سبعة عشر قدماً.
(اللعنة.. رحلة يفترض أن تستغرق يومين تتحول إلى هذا!) فكر تايتوس. بدأت تلك الأزهار على الجانبين وكأنها تمتص الضوء بهدوء مريب.
أغمض عينه وأردف: “لم أرغب بذلك.. كانت موهبتي متوسطة. هل تعرف ماذا يعني هذا؟ وحتى الزراعة.. ماذا تعني الزراعة أصلاً؟”
حدق في الطريق خلفه، حيث تراءى له دمار المعركة السابقة؛ وكأن آلاف الشالات البرتقالية تتراقص، تتداخل وتتخارج فيما بينها. لو كان اللورد الصغير شجاعاً بما يكفي، لأعطى كل مطية لرجاله ونسائه كي يمشطوا نقطة الموارد هذه ويبقى هو في الخلف، ولكن الأحمق جعلهم يمشطونها على أقدامهم.. إنه جبان بقدر ما هو بخيل.
تراقصت أشعة الموقد على جدران المطبخ. وقف بجانب العجوز رجل ضخم، ففكر تايتوس ساخراً: (هل يأكل من طعام هذه الجدة كي يصبح بهذا الطول؟)
“عمي، تمهل يا…”
رمى تايتوس كيس الماء عائداً إلى العم أوريون. توقف حصان العم، وبدا الحصان ممتناً للاستراحة فبدأ يرعى من الأزهار الصغيرة المحيطة به، ليصبح في محاذاة أيل تايتوس.
ضيق تايتوس عينيه كي يراه؛ بدا عمه متجمداً أكثر من كونه واقفاً، مثل بومة في غسق الليل. التفت عنق العجوز ببطء قائلاً: “اركَب الأيل، لم يعد الطريق ضيقاً.”
“هل يُفترض بهذا أن يكون هجوماً؟” قال تايتوس، ثم انحنى ورفع يده ليدفعها برفق. “يا سيدة، احترمي عمركِ، قد تموتين بمجرد دفعة خفيفة. أنا تايتوس، جئت للزيارة فقط.”
بقبضة مشدودة، امتطى العم أوريون فحله الأسود، فأطلق الحصان صهيلاً ضارباً الأرض المتجمدة بالحوافر. ببطء وثبات، ركب تايتوس الأيل.. وبدا الطريق الضيق من خلفهما مظلماً، وكأن الشمس تهرب منه.
اتخذت العجوز خطوة نحو تايتوس، وربتت على ساقه: “سمعتُ.. العشيرة كلها تعرف الأمير المريض والجنرال.” شعر تايتوس بيديها من خلال ملابسه، كانتا تحملان حرارة غريبة. وأردفت: “كي يطردك والدك، وتقفز أمك من الحافة…”
رفع تايتوس عنقه محدقاً؛ كانت الشمس البرتقالية، ذات لون يشبه الدم، تزحف من الشرق. اخترق ضوؤها البرتقالي مجموعة السحب الرمادية، ليبدو كأنه شق دموي في السماء الرمادية الشاحبة.
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
أغمض عينيه ورفع رأسه، وارتفع صدره مستنشقاً الهواء اللاذع. فتح عينيه، لكنه تلقى صفعة من غصن تلك الزهرة التي لم تحترم طولها الفارع، والذي يبلغ نحو سبعة عشر قدماً.
سأله العم فجأة: “بعد أن تفتح بحر روحك، ماذا تريد أن تزرع؟ أو أي نوع من أسياد العناصر ستكون؟”
“حتى الزهور تحاول ضربي!” تمتم بغيظ. امتد حقل الزهور بدرجات مختلفة من الأحمر وبعض الأخضر.
(أعطوها الماء.. أعطوها، أو نموت.)
أمامه، كان الفحل الأسود يتخذ خطوات واسعة وسريعة، بينما كان الأيل أبطأ ولكن أكثر ثباتاً. اهتز ظهر العم المستقيم كرمح حرب يخط بثبات نحو الأمام.
“سبعة عشر فارساً، وثلاثة أضعافهم من المرافقين. لماذا؟”
أطلق تايتوس الصعداء، فارتفعت سحابة من البخار من فمه، وكأن الأرض نفسها تتنفس بارتياح. بدأ حصان العم أوريون يبطئ حتى أصبح في محاذاة الأيل.
“كم رجلاً لديك، دون العبيد، من البحر الشرقي؟” سأل العم، بينما كانت دموع بايرون تحاول أن تجف.
تحرك فم العم أوريون قائلاً: “يكفي هذا، سنأخذ بضع ساعات للاستراحة، وبعدها نهرول حتى نصل إلى الحانة.”
رد تايتوس: “لم أقبل عرضك بعد، كما تعلم.”
ترددت كلمة “استراحة” في رأس تايتوس، فقبض على عنان مطيته وقال: “هذا تصرف غير حكيم أيها الجنرال.”
تجعد وجه العم أوريون بابتسامة.. هل كان يسخر منه، أم أن النكتة أعجبته؟ وأردف العم: “من الكلب؟ أنت أم..؟” أوقف حصانه ونزل إلى الأرض.
“وما التصرف الحكيم برأيك أيها العبد؟” سأل العم.
ثم نهض فجأة وحدق للأعلى في ذهول.
مرر تايتوس أصابعه على ذقنه الشائك: “نجري حتى يموت الحصانان.. أو نموت نحن.”
عقب تايتوس وهو يرفع حاجبه محدقاً في جبهة عمه: “إذا كنت تريد شيئاً من شخص ما، فاعرض عليه الفوائد التي سيحصل عليها من خلال العمل معك.. هذا أول شيء علمته لي، هاه؟”
حدق العم أوريون بعينيه الواسعتين: “في بعض الأحيان، لا أعرف لماذا أربيك حتى الآن!”
نفضت يد العم أوريون رداء بايرون الأبيض المزين بالزهور الخضراء: “منظمة التحدي جي كي. من البحر الشرقي.. ولكن…”
فكر تايتوس داخلياً: (بسبب شعورك بالذنب.. تعتقد أنك السبب في موت ابنك، وربما أنت كذلك بالفعل). لكنه أبقى أفكاره داخل جمجمته، وقال علناً: “لأنني ابن أخيك الكلب.”
التفت تايتوس نحو باب بجانبه، فجاء صوت العم أوريون حاداً كالصقر: “إلى أين أنت ذاهب؟”
تجعد وجه العم أوريون بابتسامة.. هل كان يسخر منه، أم أن النكتة أعجبته؟ وأردف العم: “من الكلب؟ أنت أم..؟” أوقف حصانه ونزل إلى الأرض.
“كم رجلاً لديك، دون العبيد، من البحر الشرقي؟” سأل العم، بينما كانت دموع بايرون تحاول أن تجف.
تبعه تايتوس، وبدأ يجمع بعض الصخور حوله.
اتخذت العجوز خطوة نحو تايتوس، وربتت على ساقه: “سمعتُ.. العشيرة كلها تعرف الأمير المريض والجنرال.” شعر تايتوس بيديها من خلال ملابسه، كانتا تحملان حرارة غريبة. وأردفت: “كي يطردك والدك، وتقفز أمك من الحافة…”
“ماذا تفعل؟” سأل العم أوريون بصوت يشبه نعيق الغراب.
قال العم أوريون بابتسامة: “أوه، تقصد كيس التخزين الخاص بي؟ هناك بعض الأوراق والأشياء داخل كيسي التي ربما تتلف بفعل الماء.”
هز تايتوس كتفيه: “ماذا تراني أفعل؟”
“لن نشعل النار هنا، هاك.” مد العم كيس ماء جلدياً بدا أكثر إشراقاً وجدة من ذلك الكيس العتيق في قلعة البلدة الجديدة.
قاطعها تايتوس ببرود: “لم أطلب منكِ التعاطف. أنا لا أتذكر والدتي ولا أريد ذلك، ووالدي.. حسناً، سمعته تسبقه.” ثم نظر إليها وسأل: “كم تبقى على موتكِ؟”
فتح تايتوس الغطاء وابتلع جرعة كبيرة، فنزل الماء في حلقه ككرة جليدية يصعب بلعها. همَّ تايتوس بالجلوس بقرب زهرة، كانت أصغر ببضع أقدام من كف البرج الذي أحرقه من قبل.
بدأت تلك الزهرة الدموية تطلق شعاعاً أحمر ياقوتياً قانياًّ. رفع تايتوس يده، ولكن الأفكار تجمدت في رأسه مثل من يرى الموت يحدق في عينيه مباشرة؛ إذ خرجت من تلك الزهرة الحمراء فتاة، وبها ثقب دموي في بطنها يطل على ما خلف الزهرة!
سأله العم فجأة: “بعد أن تفتح بحر روحك، ماذا تريد أن تزرع؟ أو أي نوع من أسياد العناصر ستكون؟”
أغمض عينه وأردف: “لم أرغب بذلك.. كانت موهبتي متوسطة. هل تعرف ماذا يعني هذا؟ وحتى الزراعة.. ماذا تعني الزراعة أصلاً؟”
“عمي، يا رجل.. لماذا تسأل هذا في وقت كهذا؟”
كانت سيدةً عجوزاً، أكل الشيب شعرها، وكأن الزمان قد شرب من دمها ولحمها. اهتز جسدها الضئيل، واهتزت معه قدم تايتوس.
هز العم كتفه ورفع يده: “مجرد فضول. هل ربما بعد أن تصبح سيد عناصر، ستغدو كما كنت تقول لي؛ بطلاً عظيماً في المسار الصالح، تنقذ الأبرياء وتساعد الفقراء والمحتاجين؟ مثل تلك القصص التي كنت أحضرها لك في القصر.. لقد أحببتها، أليس كذلك؟”
ركب العم حصانه وأردف: “هيا، فقط بضع دقائق ونخرج من نقطة الموارد الملعونة هذه.”
رمى تايتوس كيس الماء الجلدي على العم أوريون ممتعضاً: “تبول على هذا البطل العظيم! لا.. أظن أن مسار البرق سيكون الأفضل. أن أكون سيد عناصر من مسار البرق، فلديه قدرة تدميرية عالية، وحتى في إشعال الحرائق، يستطيع حرق أميال وأميال من المنازل وأشياء كثيرة.”
أطلق تايتوس الصعداء، فارتفعت سحابة من البخار من فمه، وكأن الأرض نفسها تتنفس بارتياح. بدأ حصان العم أوريون يبطئ حتى أصبح في محاذاة الأيل.
أطلق العم أوريون ضحكة كغراب سمع أطرف شيء في الحياة: “نعم.. نعم.. نعم!” بدأ الصوت يخرج من بين أسنانه المطبقة، ثم وضع يده على صدره وأطلق زفيراً كثيفاً، وغمغم: “الأمر يتطلب موارد ووقتًا.”
أغمض عينيه ورفع رأسه، وارتفع صدره مستنشقاً الهواء اللاذع. فتح عينيه، لكنه تلقى صفعة من غصن تلك الزهرة التي لم تحترم طولها الفارع، والذي يبلغ نحو سبعة عشر قدماً.
رد تايتوس: “لا تقلق بشأن الموارد، بعد أن تموت بعد عمر طويل -أعني طبعاً- سأستغل كل ما تتركه لي من ميراث وموارد. أوه، وحتى سأقوم بإنشاء مدينتك الخيالية المليئة بالطهاة كما تخيلتها.”
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
“استمر في أحلام اليقظة هذه،” قال العم متهكماً. ثم سأله تايتوس: “ماذا عن قدرات سادة العناصر عمي؟ ولماذا لا تزرع أنت؟”
حدق في الطريق خلفه، حيث تراءى له دمار المعركة السابقة؛ وكأن آلاف الشالات البرتقالية تتراقص، تتداخل وتتخارج فيما بينها. لو كان اللورد الصغير شجاعاً بما يكفي، لأعطى كل مطية لرجاله ونسائه كي يمشطوا نقطة الموارد هذه ويبقى هو في الخلف، ولكن الأحمق جعلهم يمشطونها على أقدامهم.. إنه جبان بقدر ما هو بخيل.
أغمض عينه وأردف: “لم أرغب بذلك.. كانت موهبتي متوسطة. هل تعرف ماذا يعني هذا؟ وحتى الزراعة.. ماذا تعني الزراعة أصلاً؟”
(يا رجل، كيف لم تمت بعد؟ هل هو سيد عناصر؟)
لم يستطع تايتوس إخفاء ابتسامته التي أحس بها ترتفع على شفتيه دون إرادته. بالتفكير في الأمر، ما الفارق بينهما؟ رفع تايتوس يده ووضعها على صدره بمسرحية: “الجنرال الأعظم، أنِر هذا الصبي الضال…”
نفضت يد العم أوريون رداء بايرون الأبيض المزين بالزهور الخضراء: “منظمة التحدي جي كي. من البحر الشرقي.. ولكن…”
أمسك العم أوريون بغصن وقذفه نحوه، فتفاداه تايتوس بسهولة.
وفجأة، شعر تايتوس بنفسه يطفو؛ بدأ الأيل يهتز ويركل بعنف في الهواء. لولا عنان الأيل لوقع تايتوس أرضاً. ببطء نزل من الأيل وغرست قدمه في حفرة، فسحبه تايتوس وهو يلاحظ اهتزازه وخوفه. فكر تايتوس: (هل يظن أنني سآكله؟ اهدأ يا كلب).
“تحدث مثل البشر يا عبد!” شتم العم.
بدأ الصوت يبدو بعيداً، والتفت تايتوس ليرى العم أوريون يستدير بفزع، قبل أن يفقد وعيه ويسقط على الأرض المتجمدة.
“لا أعرف الفرق،” قال تايتوس.
“وما التصرف الحكيم برأيك أيها العبد؟” سأل العم.
بصق العم أوريون على جذع زهرة مسودة: “فقط قل ذلك…” صمت العم فجأة وبدا متجمداً، فتح فمه محاولاً بصق بعض الكلمات: “لا فرق.. ربما لا شيء في ميراثي يوضح الفرق، فقط الأمر مثل اختلاف طريقة نطق سيد عنصر ومزارع، لهما المعنى ذاته.”
“عمي، أين الماء؟” سأل تايتوس.
ثم نهض فجأة وحدق للأعلى في ذهول.
“اهرب يا تايتوس! اشرب الآن!” جاء الصوت مهزوزاً ومرعوباً من العم أوريون، الذي كان جاثياً على أربع أمام زهرة حمراء هائلة يبلغ طولها ثمانية أقدام. شعر تايتوس برائحة دموية لاذعة تهاجم أنفه.
فكر تايتوس: (هذا الرجل العجوز، هل جُنَّ أخيراً؟).
هز العم كتفه ورفع يده: “مجرد فضول. هل ربما بعد أن تصبح سيد عناصر، ستغدو كما كنت تقول لي؛ بطلاً عظيماً في المسار الصالح، تنقذ الأبرياء وتساعد الفقراء والمحتاجين؟ مثل تلك القصص التي كنت أحضرها لك في القصر.. لقد أحببتها، أليس كذلك؟”
قال العم: “لنذهب، صديقي يبحث عنا في الحانة الآن.”
“حتى الزهور تحاول ضربي!” تمتم بغيظ. امتد حقل الزهور بدرجات مختلفة من الأحمر وبعض الأخضر.
“أي أختام اتصال هذه؟” ضيق تايتوس عينيه ولعق شفتيه: “اقبل عرضي إذن.”
(يا رجل، كيف لم تمت بعد؟ هل هو سيد عناصر؟)
ركب العم حصانه وأردف: “هيا، فقط بضع دقائق ونخرج من نقطة الموارد الملعونة هذه.”
شعر بعيني العم أوريون تتألقان.. هل سيقول حكمة ما أم قصة؟ اللعنة فقط.
ركب تايتوس الأيل، فأطلق الأخير زئيراً بدا وكأنه منزعج. سأل تايتوس وهو يوكز الأيل برفق، شاعراً بخطواته الثابتة على عكس الحصان، حتى تقدم وأصبح بجوار الحصان الأسود: “لماذا لم تصبح سيد عناصر؟”
فكر تايتوس داخلياً: (بسبب شعورك بالذنب.. تعتقد أنك السبب في موت ابنك، وربما أنت كذلك بالفعل). لكنه أبقى أفكاره داخل جمجمته، وقال علناً: “لأنني ابن أخيك الكلب.”
شعر بعيني العم أوريون تتألقان.. هل سيقول حكمة ما أم قصة؟ اللعنة فقط.
“لص! تحاول تسميم الصغير بايرون؟” جاء الصوت من الأسفل، وشعر تايتوس بشيء يقبض على قدمه اليسرى.
أجاب العم: “قلت لك، كانت موهبتي متوسطة، وما يعنيه ذلك هو التدريب والزراعة لمدة طويلة مثل الكلب بموارد قليلة.”
أما تايتوس، فكان يركب فحل أيل ضخماً.
“هل تعني أنك لم تتحكم في أي عنصر؟ ماذا عن تلك القوة المريبة حين رفعت العربة بمفردك؟”
اتخذت العجوز خطوة نحو تايتوس، وربتت على ساقه: “سمعتُ.. العشيرة كلها تعرف الأمير المريض والجنرال.” شعر تايتوس بيديها من خلال ملابسه، كانتا تحملان حرارة غريبة. وأردفت: “كي يطردك والدك، وتقفز أمك من الحافة…”
بضحكة مزمجرة رد العم: “هذا سرٌّ في ميراثي…”
رفع تايتوس رأسه وأخذ يحدق بها بذهول.. لم تكن سيدة عناصر، شيطانية لا يهم.
وفجأة، شعر تايتوس بنفسه يطفو؛ بدأ الأيل يهتز ويركل بعنف في الهواء. لولا عنان الأيل لوقع تايتوس أرضاً. ببطء نزل من الأيل وغرست قدمه في حفرة، فسحبه تايتوس وهو يلاحظ اهتزازه وخوفه. فكر تايتوس: (هل يظن أنني سآكله؟ اهدأ يا كلب).
تحرك فم العم أوريون قائلاً: “يكفي هذا، سنأخذ بضع ساعات للاستراحة، وبعدها نهرول حتى نصل إلى الحانة.”
سمع عمه يقول بفزع: “يا إلهي.. أوه، يا سماء المشاعر!”
قاطعها تايتوس ببرود: “لم أطلب منكِ التعاطف. أنا لا أتذكر والدتي ولا أريد ذلك، ووالدي.. حسناً، سمعته تسبقه.” ثم نظر إليها وسأل: “كم تبقى على موتكِ؟”
تعجب تايتوس؛ هل يسخر منه في هذا الوقت؟ التفت تايتوس حيث كان الفحل الأسود يرعى هناك بلا راكب. “عمي؟” ترك الأيل يتلوى محاولاً الخروج من الحفرة، واتخذ خطوة للأمام، ولكن فجأة.. أمسكت خمسة أصابع بكاحله، كانت باردة ولزجة. ومثل الأيل، ركل تايتوس برعب وبلا وعي.
رفع تايتوس رأسه وأخذ يحدق بها بذهول.. لم تكن سيدة عناصر، شيطانية لا يهم.
“آه…” خرج الصوت ثقيلاً ورقيقاً كأوراق الخريف الجافة.
“لن نشعل النار هنا، هاك.” مد العم كيس ماء جلدياً بدا أكثر إشراقاً وجدة من ذلك الكيس العتيق في قلعة البلدة الجديدة.
حدق به تايتوس، ورأى نصف رجل! الجزء السفلي من جسده قد اختفى في قطع نظيف، مخلفاً وراءه خطاً دموياً وبعض الأمعاء البارزة.
فكر تايتوس داخلياً: (بسبب شعورك بالذنب.. تعتقد أنك السبب في موت ابنك، وربما أنت كذلك بالفعل). لكنه أبقى أفكاره داخل جمجمته، وقال علناً: “لأنني ابن أخيك الكلب.”
(يا رجل، كيف لم تمت بعد؟ هل هو سيد عناصر؟)
ارتجف الرجل واتسعت عيناه الفضيتان تشعان بالجنون، ومد يده محاولاً الإمساك بتايتوس وهو يزمجر: “أنت لا تتغير.. دعني أقتلك هذه المرة فقط! في المرة القادمة سأعطيك الكثير من الأشياء.. هذه المرة سأقتلك، دعني أقتلك أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك! لقد حاولت كثيراً، أرجوكم دعوني أقتله.. جسدي…”
هوى تايتوس على ركبتيه وسأل: “من فعل هذا بك؟”
هز العم كتفه ورفع يده: “مجرد فضول. هل ربما بعد أن تصبح سيد عناصر، ستغدو كما كنت تقول لي؛ بطلاً عظيماً في المسار الصالح، تنقذ الأبرياء وتساعد الفقراء والمحتاجين؟ مثل تلك القصص التي كنت أحضرها لك في القصر.. لقد أحببتها، أليس كذلك؟”
كان وجه نصف الرجل مصفرّاً تماماً، والتوت شفتاه في ابتسامة غريبة: “لم يكونوا هم.. لماذا؟ كانت الخطة جيدة.. لكنها فسدت.”
نفضت يد العم أوريون رداء بايرون الأبيض المزين بالزهور الخضراء: “منظمة التحدي جي كي. من البحر الشرقي.. ولكن…”
فكر تايتوس: (هل جُن جنونه؟ يا رجل، اترك ميراثاً أو سيرة ذاتية قبل أن تموت!). فقال له علناً: “هل لديك عائلة؟ أعطني سيرتك الذاتية وسأوصلها لهم.”
“تحدث مثل البشر يا عبد!” شتم العم.
ارتجف الرجل واتسعت عيناه الفضيتان تشعان بالجنون، ومد يده محاولاً الإمساك بتايتوس وهو يزمجر: “أنت لا تتغير.. دعني أقتلك هذه المرة فقط! في المرة القادمة سأعطيك الكثير من الأشياء.. هذه المرة سأقتلك، دعني أقتلك أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك! لقد حاولت كثيراً، أرجوكم دعوني أقتله.. جسدي…”
قاطعه بايرون: “إذن، إذا أرسلنا العبيد، قد نكون كمن يُغذي العدو!”
سقطت يده، ومال رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يترك سيرة ذاتية. ماذا رأى هذا الرجل كي يصاب بهذا الجنون قبل موته؟ كانت عيناه مفتوحتين في ذهول.
التفت العم أوريون، الذي كان يمتطي جواداً أسود، ووضع يده في جيب الحقيبة المعلقة على جانب الحصان ليخرج مطرة جلدية. تذكر تايتوس بسببها ذلك العجوز في البلدة الجديدة، وتمتم في نفسه: (كان يحاول أكلي).
بصق تايتوس عليه وفكر: (لو ترك سيرة ذاتية لدفنته). نفض ملابسه، وأخذ خطوة سريعة بجانب الفحل الأسود منادياً: “عمي!”
لم يستطع تايتوس إخفاء ابتسامته التي أحس بها ترتفع على شفتيه دون إرادته. بالتفكير في الأمر، ما الفارق بينهما؟ رفع تايتوس يده ووضعها على صدره بمسرحية: “الجنرال الأعظم، أنِر هذا الصبي الضال…”
هناك، كان المشهد مرعباً؛ ما لا يقل عن ثلاثين جثة ونصف! بدا الأمر وكأن أحدهم قد نبش مقبرة كاملة، فكل الجثث كانت عبارة عن جلد على عظم، وانتشرت أمامه وكأنهم كانوا يهاجمون في خطة كماشة.
أخذ خطوتين للوراء: “أخبريني، لماذا تريدين جثتي؟”
استشعر تايتوس زجاجة “سفر الصيف” في جيبه فأخرجها مستعداً.
بصق العم أوريون على جذع زهرة مسودة: “فقط قل ذلك…” صمت العم فجأة وبدا متجمداً، فتح فمه محاولاً بصق بعض الكلمات: “لا فرق.. ربما لا شيء في ميراثي يوضح الفرق، فقط الأمر مثل اختلاف طريقة نطق سيد عنصر ومزارع، لهما المعنى ذاته.”
“اهرب يا تايتوس! اشرب الآن!” جاء الصوت مهزوزاً ومرعوباً من العم أوريون، الذي كان جاثياً على أربع أمام زهرة حمراء هائلة يبلغ طولها ثمانية أقدام. شعر تايتوس برائحة دموية لاذعة تهاجم أنفه.
فتح تايتوس الغطاء وابتلع جرعة كبيرة، فنزل الماء في حلقه ككرة جليدية يصعب بلعها. همَّ تايتوس بالجلوس بقرب زهرة، كانت أصغر ببضع أقدام من كف البرج الذي أحرقه من قبل.
فكر تايتوس: (هل أهرب؟ لديه زجاجة أخرى من المؤكد.. لديه واحدة ولن يموت بسهولة).
حدق العم أوريون بعينيه الواسعتين: “في بعض الأحيان، لا أعرف لماذا أربيك حتى الآن!”
بدأت تلك الزهرة الدموية تطلق شعاعاً أحمر ياقوتياً قانياًّ. رفع تايتوس يده، ولكن الأفكار تجمدت في رأسه مثل من يرى الموت يحدق في عينيه مباشرة؛ إذ خرجت من تلك الزهرة الحمراء فتاة، وبها ثقب دموي في بطنها يطل على ما خلف الزهرة!
رمى العم أوريون المطرة الجلدية، فالتقطها تايتوس بسرعة. تحركت حنجرته صعوداً وهبوطاً وهو يبتلع الماء، ثم مسح طرف فمه وسأل: “لماذا لا تخزن الماء داخل كيس الأبعاد الخاص بك؟”
شعر تايتوس بعينيها تفحصانه كأنه لعبة في راحة يد الموت، من الأعلى إلى الأسفل. كان الجانب الأيسر من وجهها مهشماً، ويتحرك فيه اللحم كآلاف الديدان الصغيرة التي تتلوى.
فتح تايتوس الغطاء وابتلع جرعة كبيرة، فنزل الماء في حلقه ككرة جليدية يصعب بلعها. همَّ تايتوس بالجلوس بقرب زهرة، كانت أصغر ببضع أقدام من كف البرج الذي أحرقه من قبل.
“ماء…” خرج الصوت من فمها.
أخذ تايتوس الدلو وملأ الكأس الفضي، ثم رفعه وشرب رشفة. كان الحليب حامضاً وثقيلاً، فبصقه من فمه على الفور متذمراً: “كان الأجدر به تحويلكِ إلى تمثال!” ثم أخذ بعض الماء النقي من دلو آخر، تمضمض وشرب.
(أعطوها الماء.. أعطوها، أو نموت.)
سقطت يده، ومال رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يترك سيرة ذاتية. ماذا رأى هذا الرجل كي يصاب بهذا الجنون قبل موته؟ كانت عيناه مفتوحتين في ذهول.
حاول العم أوريون نزع الكيس الجلدي من حقيبة الحصان، وارتفعت أصابعه المرتعشة، لكن كيس الماء طاف في الهواء وتشنجت الأجواء؛ حيث اخترق شيء مدبب كيس الجلد، كان ثلجاً تشكل على هيئة رأس رمح حاد.
فكر تايتوس بذعر: (اشرب، العم ميت.. اشرب هيا، بهذا الرمح الجليدي ستكون نهايتي، ولكن هذا أفضل من الهرس).
(اللعنة.. رحلة يفترض أن تستغرق يومين تتحول إلى هذا!) فكر تايتوس. بدأت تلك الأزهار على الجانبين وكأنها تمتص الضوء بهدوء مريب.
تحول الثلج فجأة إلى كتلة ماء سائل واختفى في فم الفتاة.
شعر بعيني العم أوريون تتألقان.. هل سيقول حكمة ما أم قصة؟ اللعنة فقط.
“يا سيدة العناصر الموقرة.. أنا…” جاء صوت العم أوريون مهزوزاً ومتردداً، ثم أردف مستعطفاً: “أرجوكِ، ارحمي حياة ابني، إنه مريض ولم يعش كثيراً…”
ترجمة Joy in the water
تلاقت عيناها مع تايتوس بعنف، ثم حدقت في قدمه وكيف هي حالها الآن، وقالت بصوت هادئ: “ولماذا سأقتلكم؟ شكراً على الماء.. انصرفوا.”
“يا سيدة العناصر الموقرة.. أنا…” جاء صوت العم أوريون مهزوزاً ومتردداً، ثم أردف مستعطفاً: “أرجوكِ، ارحمي حياة ابني، إنه مريض ولم يعش كثيراً…”
رفع تايتوس رأسه وأخذ يحدق بها بذهول.. لم تكن سيدة عناصر، شيطانية لا يهم.
ثم نهض فجأة وحدق للأعلى في ذهول.
“شكراً.. شكراً، لن أنسى لطفكِ أبداً،” قال العم أوريون، وبدأ يزحف باتجاه تايتوس ليمسك به ويهربا.
ركب تايتوس الأيل، فأطلق الأخير زئيراً بدا وكأنه منزعج. سأل تايتوس وهو يوكز الأيل برفق، شاعراً بخطواته الثابتة على عكس الحصان، حتى تقدم وأصبح بجوار الحصان الأسود: “لماذا لم تصبح سيد عناصر؟”
بدأت الرؤية تشوش وأصبح العم أوريون يظهر كضباب، وشعر تايتوس بقلبه يدق بعنف لدرجة أنه كان يسمع صوته بوضوح في أذنيه.
رد تايتوس: “لا تقلق بشأن الموارد، بعد أن تموت بعد عمر طويل -أعني طبعاً- سأستغل كل ما تتركه لي من ميراث وموارد. أوه، وحتى سأقوم بإنشاء مدينتك الخيالية المليئة بالطهاة كما تخيلتها.”
وفي وسط ذلك الضباب، اخترق المسامع صوت الفتاة الشيطانية الحاد وهي تقول من خلفهم: “إلى أين أنتم ذاهبون يا كبار السن؟”
أما تايتوس، فكان يركب فحل أيل ضخماً.
بدأ الصوت يبدو بعيداً، والتفت تايتوس ليرى العم أوريون يستدير بفزع، قبل أن يفقد وعيه ويسقط على الأرض المتجمدة.
“حتى الزهور تحاول ضربي!” تمتم بغيظ. امتد حقل الزهور بدرجات مختلفة من الأحمر وبعض الأخضر.
ترجمة Joy in the water
رفع تايتوس يده ولوح بها دون أن يلتفت: “إلى المطبخ، للبحث عن بعض الحليب. ألا تريد القدوم؟ ربما لديهم وصفات جديدة.”
رمى تايتوس كيس الماء عائداً إلى العم أوريون. توقف حصان العم، وبدا الحصان ممتناً للاستراحة فبدأ يرعى من الأزهار الصغيرة المحيطة به، ليصبح في محاذاة أيل تايتوس.
