Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 13

الخروج من الجنة إلى الجحيم.

الخروج من الجنة إلى الجحيم.

داخل مشفى النور وتحت صرخات الطبيبة رحمة، ملاك ساقطة على الأرضية الباهتة مغمًى عليها كما تريان… في مكان آخر، داخل:

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

 

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

(بوابة الغيبيات) 

“مت أيها…”

حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.

“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.

وبعد بضع لحظات، تكثف ذلك الضوء وأصبح ناصعاً كالنجمة في السماء؛ لتتجلى منها الملاك بعين دامعة وتسكن حِجر ذلك الشيطان.

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

كيف… أتت… إلى هنا…

تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:

تساءل بينما يمسح بيديه على جسدها حتى لامس يدها.

وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.

توقف ينظر إلى ذلك الخاتم الذهبي وقد خلا فؤاده من الهواء. في تلك اللحظات، كانت قواعد العرش المتقوسة تتأرجح بهدوء…

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

“سقط الفارس بعد فرسه!”

في ذلك.

قالها لنفسه بهدوء. ثم نظر إلى الأسفل حيث يجلس طاهر على ركبتيه ويحتضن زوجته. أزفر طويلاً فيما تتقوس عيناه الدارئيتان ذات الرموش الكثيفة، وشد شفتيه النحيلتين ليفرج عن “مووه!” انطلقت من بين شفتيه.

وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

ومن بين شقٍّ عند ذراع طاهر، انتفضت ملاك وأخفت رأسها في حجره.

———- 

شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”

هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.

كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:

هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:

“خذهما إلى قصر الناسك…”

———- 

نظر الوزير إلى الجهة المقابلة ليقول بصوته العميق الذي تردّد: “حرس!” اهتزت ملاك على صدى صوته العائد، فمسح طاهر على رأسها:

سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:

“كل شيء على ما يرام”. 

كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:

هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.

اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.

في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.

“هيا.”

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

“خادمكم المطيع ڤالكور يحيّي جلالة الملك الموقر العظيم المرتفع علوَّ السماء، ويمتثل احتراماً لأوامركم المبجلة…” كان يتحدث بصوتٍ منخفض.

أكان… والدي هنا؟!

همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:

 

“خذهما إلى قصر الناسك.” 

في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.

أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:

“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.

“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!” 

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:

ومن بين شقٍّ عند ذراع طاهر، انتفضت ملاك وأخفت رأسها في حجره.

“فلينهض كليكما الآن.”

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

“كل شيء على ما يرام”. 

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”

“خذهما إلى قصر الناسك…”

اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

إنها تتحاشى النظر إلى عينيّ! أحاط به حارسا الظل الآخران من جانبيه أثناء ما كانت تراقبه عين الملك الشاحبة من الخلف.

خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.

رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

“ليلة كزهرة حمراء تزهر مرة، ومرةً تزهر العذراء في أرض الورود~”

السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.

هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.

وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.

“أحضراها.” 

تحرك الظلان من جانبيه بخطواتٍ خفيفة بعدما أمرهما حارس الظل ڤالكور، تاركين آثار ظلالهما تتهاوى ببطء في الهواء، وسط ذلك الضوء الخافت المنبعث من الخلف.

شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.

اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.

رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:

ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:

في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.

“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!” 

تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:

من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:

“ملاك، هل أنتِ بخير؟”

“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..

توجهت عيناها نحوه ولم تنظر في عينيه، ثم أبعدت يده برأسها وأغلقت عينيها.

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.

تحرك الظلان من جانبيه بخطواتٍ خفيفة بعدما أمرهما حارس الظل ڤالكور، تاركين آثار ظلالهما تتهاوى ببطء في الهواء، وسط ذلك الضوء الخافت المنبعث من الخلف.

ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…

خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.

التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:

نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.

في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…

 

اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:

وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.

بينما يبحلق طاهر بنظره في تلك الأرض، لمح ظلاً فوق إحدى الورود. أمال بجسده قليلاً بعدما ألقى نظرة سريعة إلى الظل فالكور.

“هيا.”

“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.

ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…

دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:

السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.

أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:

كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

“خذهما إلى قصر الناسك…”

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.

بينما يبحلق طاهر بنظره في تلك الأرض، لمح ظلاً فوق إحدى الورود. أمال بجسده قليلاً بعدما ألقى نظرة سريعة إلى الظل فالكور.

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”

“كل شيء على ما يرام”. 

قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.

توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.

نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:

“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:

ما الذي رأيته منذ قليل؟!

“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!” 

كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.

وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.

وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.

سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:

“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

أمال ڤالكور رأسه، ثم ضحك من أنفه بهدوء:

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:

“مثل ذلك الأعرج!”

تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.

فجأةً، انقضّت يد نحيلة مظلمة على عنقه.

في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”

حارس الظل في الخلف رفع ڤالكور للأعلى.

“أحضراها.” 

“كيف علمت بذلك؟!” قالها بصوت منخفض.

في ذلك.

انقشع الظلام عن رأس الظل ڤالكور لتظهر ملامح وجهه.

يتبع…

تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.

كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.

رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:

“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.

“مت أيها…”

السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.

وضع الظل يده الأخرى على ساعد يد الظل المعتصرة لعنقه، يحاول إبعادها بينما يرتفع بصره للأعلى. في تلك اللحظة، بينما تسقط يديع، اهتزت العربة، واختل توازنها لتميل على جانب واحد.

من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:

في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”

هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.

شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.

“خادمكم المطيع ڤالكور يحيّي جلالة الملك الموقر العظيم المرتفع علوَّ السماء، ويمتثل احتراماً لأوامركم المبجلة…” كان يتحدث بصوتٍ منخفض.

التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.

راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…

رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.

كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.

في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

أكان… والدي هنا؟!

نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.

من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:

“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”

“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.

هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”

أقال للتو أنه لا يكذب…؟

وضع الظل يده الأخرى على ساعد يد الظل المعتصرة لعنقه، يحاول إبعادها بينما يرتفع بصره للأعلى. في تلك اللحظة، بينما تسقط يديع، اهتزت العربة، واختل توازنها لتميل على جانب واحد.

لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!

انقشع الظلام عن رأس الظل ڤالكور لتظهر ملامح وجهه.

راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…

التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.

وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

يتبع…

“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.

هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”

كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.

في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

ارفعي الصوت أيتها النجمة ليسمعا إليه يسرد ذلك المشهد:

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

———- 

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

[حسناً…]

حارس الظل في الخلف رفع ڤالكور للأعلى.

———- 

رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.

تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

8

حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.

توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.

“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.

بغتة، غاصت قدمي في الأرض وكأني خطوت فوق لحم طري.

وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.

انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.

أقال للتو أنه لا يكذب…؟

اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:

 

“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”

نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

“مت أيها…”

نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.

هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.

كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.

 

كانت تلتف على جوانبها نزولاً إلى هذه العتبة المرسوم عليها ميزان مقلوب، ثم تعود إلى باطن الأرض مرة أخرى…

في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.

كل شيء من حول هذا القصر كان فاقداً للحياة، وكأنك تعيش في منطقة منعزلة بين طرفين من العالم.

“ملاك، هل أنتِ بخير؟”

خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.

تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.

تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.

“هيا.”

طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.

حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”

“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.

في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.

أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:

“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

“ليلة كزهرة حمراء تزهر مرة، ومرةً تزهر العذراء في أرض الورود~”

“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.

التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:

“حسناً أيها المختار”. 

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:

شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…

“تفضّل، أيها المختار”. 

ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…

دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:

“تفضّل، أيها المختار”. 

أنا أثمن.

في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

إن نظرتَ فوقه تجد شعلة زرقاء في مصباح مزخرف بميزانين، يلتف بهدوء لينبعث منه هواء بارد لطيف له رائحة كالفراولة والنعناع.

كل شيء من حول هذا القصر كان فاقداً للحياة، وكأنك تعيش في منطقة منعزلة بين طرفين من العالم.

وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.

“حسناً أيها المختار”. 

في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.

التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”

في ذلك.

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.

———- 

رفعت يدي لأشير لها إلى السرير، ثم أنزلتها وأنا أنظر إلى سلمه الزجاجي وقد اعتصرت قبضتي. لا يمكنني، ليس بعد.

في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.

تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.

خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.

أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.

انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.

أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

يتبع…

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط