الخروج من الجنة إلى الجحيم.
داخل مشفى النور وتحت صرخات الطبيبة رحمة، ملاك ساقطة على الأرضية الباهتة مغمًى عليها كما تريان… في مكان آخر، داخل:
انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.
اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:
(بوابة الغيبيات)
“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟
حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.
ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.
وبعد بضع لحظات، تكثف ذلك الضوء وأصبح ناصعاً كالنجمة في السماء؛ لتتجلى منها الملاك بعين دامعة وتسكن حِجر ذلك الشيطان.
8
كيف… أتت… إلى هنا…
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
تساءل بينما يمسح بيديه على جسدها حتى لامس يدها.
ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..
توقف ينظر إلى ذلك الخاتم الذهبي وقد خلا فؤاده من الهواء. في تلك اللحظات، كانت قواعد العرش المتقوسة تتأرجح بهدوء…
كانت تلتف على جوانبها نزولاً إلى هذه العتبة المرسوم عليها ميزان مقلوب، ثم تعود إلى باطن الأرض مرة أخرى…
هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:
“تفضّل، أيها المختار”.
“سقط الفارس بعد فرسه!”
(بوابة الغيبيات)
قالها لنفسه بهدوء. ثم نظر إلى الأسفل حيث يجلس طاهر على ركبتيه ويحتضن زوجته. أزفر طويلاً فيما تتقوس عيناه الدارئيتان ذات الرموش الكثيفة، وشد شفتيه النحيلتين ليفرج عن “مووه!” انطلقت من بين شفتيه.
كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:
ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…
طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.
ومن بين شقٍّ عند ذراع طاهر، انتفضت ملاك وأخفت رأسها في حجره.
في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”
شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”
رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:
كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
“خذهما إلى قصر الناسك…”
نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:
نظر الوزير إلى الجهة المقابلة ليقول بصوته العميق الذي تردّد: “حرس!” اهتزت ملاك على صدى صوته العائد، فمسح طاهر على رأسها:
كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.
“كل شيء على ما يرام”.
لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!
هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.
“فلينهض كليكما الآن.”
في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.
“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!”
تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:
“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.
“خادمكم المطيع ڤالكور يحيّي جلالة الملك الموقر العظيم المرتفع علوَّ السماء، ويمتثل احتراماً لأوامركم المبجلة…” كان يتحدث بصوتٍ منخفض.
ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…
همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:
راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…
“خذهما إلى قصر الناسك.”
نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.
أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!”
ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..
التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:
في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”
“فلينهض كليكما الآن.”
[حسناً…]
وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.
السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.
“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:
التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:
“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”
أقال للتو أنه لا يكذب…؟
اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:
نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:
إنها تتحاشى النظر إلى عينيّ! أحاط به حارسا الظل الآخران من جانبيه أثناء ما كانت تراقبه عين الملك الشاحبة من الخلف.
نظر الوزير إلى الجهة المقابلة ليقول بصوته العميق الذي تردّد: “حرس!” اهتزت ملاك على صدى صوته العائد، فمسح طاهر على رأسها:
رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:
“هيا.”
“ليلة كزهرة حمراء تزهر مرة، ومرةً تزهر العذراء في أرض الورود~”
قالها لنفسه بهدوء. ثم نظر إلى الأسفل حيث يجلس طاهر على ركبتيه ويحتضن زوجته. أزفر طويلاً فيما تتقوس عيناه الدارئيتان ذات الرموش الكثيفة، وشد شفتيه النحيلتين ليفرج عن “مووه!” انطلقت من بين شفتيه.
هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.
رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:
نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.
“فلينهض كليكما الآن.”
ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.
أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:
“أحضراها.”
قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:
تحرك الظلان من جانبيه بخطواتٍ خفيفة بعدما أمرهما حارس الظل ڤالكور، تاركين آثار ظلالهما تتهاوى ببطء في الهواء، وسط ذلك الضوء الخافت المنبعث من الخلف.
تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:
اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.
كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.
ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.
خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.
خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.
(بوابة الغيبيات)
في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.
“مت أيها…”
تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
“ملاك، هل أنتِ بخير؟”
“مثل ذلك الأعرج!”
توجهت عيناها نحوه ولم تنظر في عينيه، ثم أبعدت يده برأسها وأغلقت عينيها.
8
رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.
7
ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..
“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”
انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.
هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.
في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…
“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.
خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.
أنا أثمن.
تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.
ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.
نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.
“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”
السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.
وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.
“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟
“هيا.”
في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.
ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…
7
السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.
كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.
كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.
وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.
في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.
———-
رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.
“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.
كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.
في ذلك.
ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.
كيف… أتت… إلى هنا…
بينما يبحلق طاهر بنظره في تلك الأرض، لمح ظلاً فوق إحدى الورود. أمال بجسده قليلاً بعدما ألقى نظرة سريعة إلى الظل فالكور.
اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.
“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”
“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”
قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.
وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.
نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:
انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.
ما الذي رأيته منذ قليل؟!
كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.
كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.
ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.
وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.
“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.
(بوابة الغيبيات)
حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”
ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…
أمال ڤالكور رأسه، ثم ضحك من أنفه بهدوء:
“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.
“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:
تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.
“مثل ذلك الأعرج!”
نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.
فجأةً، انقضّت يد نحيلة مظلمة على عنقه.
في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.
حارس الظل في الخلف رفع ڤالكور للأعلى.
أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:
“كيف علمت بذلك؟!” قالها بصوت منخفض.
سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:
انقشع الظلام عن رأس الظل ڤالكور لتظهر ملامح وجهه.
6
تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:
في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.
“مت أيها…”
ما الذي رأيته منذ قليل؟!
وضع الظل يده الأخرى على ساعد يد الظل المعتصرة لعنقه، يحاول إبعادها بينما يرتفع بصره للأعلى. في تلك اللحظة، بينما تسقط يديع، اهتزت العربة، واختل توازنها لتميل على جانب واحد.
“تفضّل، أيها المختار”.
في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”
خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.
شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.
“سقط الفارس بعد فرسه!”
التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.
التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:
رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:
“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”
أكان… والدي هنا؟!
التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.
من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:
“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.
ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.
أقال للتو أنه لا يكذب…؟
في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.
لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!
كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.
راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…
في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.
وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.
“كيف علمت بذلك؟!” قالها بصوت منخفض.
يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.
في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.
وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.
[حسناً…]
“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.
“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.
هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”
كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.
في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.
“خذهما إلى قصر الناسك.”
ارفعي الصوت أيتها النجمة ليسمعا إليه يسرد ذلك المشهد:
في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.
———-
همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:
[حسناً…]
“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.
———-
بغتة، غاصت قدمي في الأرض وكأني خطوت فوق لحم طري.
5
قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.
6
هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.
7
رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:
8
تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:
بغتة، غاصت قدمي في الأرض وكأني خطوت فوق لحم طري.
“أحضراها.”
انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.
اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:
اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:
في ذلك.
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:
أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.
5
نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.
تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:
كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.
ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..
كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.
كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.
كانت تلتف على جوانبها نزولاً إلى هذه العتبة المرسوم عليها ميزان مقلوب، ثم تعود إلى باطن الأرض مرة أخرى…
تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:
كل شيء من حول هذا القصر كان فاقداً للحياة، وكأنك تعيش في منطقة منعزلة بين طرفين من العالم.
“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.
خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.
حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.
تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.
في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:
“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.
إنها تتحاشى النظر إلى عينيّ! أحاط به حارسا الظل الآخران من جانبيه أثناء ما كانت تراقبه عين الملك الشاحبة من الخلف.
كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.
خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.
أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:
طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.
“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”
في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…
قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:
7
“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟
“كل شيء على ما يرام”.
“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.
رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.
“حسناً أيها المختار”.
ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…
سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:
شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.
لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!
“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.
في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.
“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟
“تفضّل، أيها المختار”.
“أحضراها.”
دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:
رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.
أنا أثمن.
“كل شيء على ما يرام”.
حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.
———-
إن نظرتَ فوقه تجد شعلة زرقاء في مصباح مزخرف بميزانين، يلتف بهدوء لينبعث منه هواء بارد لطيف له رائحة كالفراولة والنعناع.
8
وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.
“ملاك، هل أنتِ بخير؟”
ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.
تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.
في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.
“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”
على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير
5
في ذلك.
اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.
في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.
قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:
رفعت يدي لأشير لها إلى السرير، ثم أنزلتها وأنا أنظر إلى سلمه الزجاجي وقد اعتصرت قبضتي. لا يمكنني، ليس بعد.
ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.
تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.
اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:
أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.
[حسناً…]
أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.
“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:
“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..
خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.
يتبع…
أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:
“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.
