Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

طبقات في البحر الملكي 13

الخروج من الجنة إلى الجحيم.

الخروج من الجنة إلى الجحيم.

داخل مشفى النور وتحت صرخات الطبيبة رحمة، ملاك ساقطة على الأرضية الباهتة مغمًى عليها كما تريان… في مكان آخر، داخل:

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

 

انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.

(بوابة الغيبيات) 

خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.

حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.

في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.

وبعد بضع لحظات، تكثف ذلك الضوء وأصبح ناصعاً كالنجمة في السماء؛ لتتجلى منها الملاك بعين دامعة وتسكن حِجر ذلك الشيطان.

ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.

كيف… أتت… إلى هنا…

وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.

تساءل بينما يمسح بيديه على جسدها حتى لامس يدها.

اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:

توقف ينظر إلى ذلك الخاتم الذهبي وقد خلا فؤاده من الهواء. في تلك اللحظات، كانت قواعد العرش المتقوسة تتأرجح بهدوء…

[حسناً…]

هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:

خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.

“سقط الفارس بعد فرسه!”

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

قالها لنفسه بهدوء. ثم نظر إلى الأسفل حيث يجلس طاهر على ركبتيه ويحتضن زوجته. أزفر طويلاً فيما تتقوس عيناه الدارئيتان ذات الرموش الكثيفة، وشد شفتيه النحيلتين ليفرج عن “مووه!” انطلقت من بين شفتيه.

حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

ومن بين شقٍّ عند ذراع طاهر، انتفضت ملاك وأخفت رأسها في حجره.

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”

———- 

كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:

توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.

“خذهما إلى قصر الناسك…”

تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.

نظر الوزير إلى الجهة المقابلة ليقول بصوته العميق الذي تردّد: “حرس!” اهتزت ملاك على صدى صوته العائد، فمسح طاهر على رأسها:

ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.

“كل شيء على ما يرام”. 

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.

في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.

في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.

أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.

تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:

في ذلك.

“خادمكم المطيع ڤالكور يحيّي جلالة الملك الموقر العظيم المرتفع علوَّ السماء، ويمتثل احتراماً لأوامركم المبجلة…” كان يتحدث بصوتٍ منخفض.

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:

همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:

“خذهما إلى قصر الناسك.” 

توقف ينظر إلى ذلك الخاتم الذهبي وقد خلا فؤاده من الهواء. في تلك اللحظات، كانت قواعد العرش المتقوسة تتأرجح بهدوء…

أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!” 

وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.

التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:

كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.

“فلينهض كليكما الآن.”

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

داخل مشفى النور وتحت صرخات الطبيبة رحمة، ملاك ساقطة على الأرضية الباهتة مغمًى عليها كما تريان… في مكان آخر، داخل:

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.

“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

إنها تتحاشى النظر إلى عينيّ! أحاط به حارسا الظل الآخران من جانبيه أثناء ما كانت تراقبه عين الملك الشاحبة من الخلف.

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

“ليلة كزهرة حمراء تزهر مرة، ومرةً تزهر العذراء في أرض الورود~”

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.

نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.

نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.

هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:

ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.

التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.

“أحضراها.” 

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

تحرك الظلان من جانبيه بخطواتٍ خفيفة بعدما أمرهما حارس الظل ڤالكور، تاركين آثار ظلالهما تتهاوى ببطء في الهواء، وسط ذلك الضوء الخافت المنبعث من الخلف.

أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:

اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.

خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.

التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:

تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:

———- 

“ملاك، هل أنتِ بخير؟”

أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.

توجهت عيناها نحوه ولم تنظر في عينيه، ثم أبعدت يده برأسها وأغلقت عينيها.

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.

نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.

ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..

في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.

انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.

كيف… أتت… إلى هنا…

في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…

تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.

خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.

ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.

تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.

في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.

نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.

ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.

 

حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”

وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.

(بوابة الغيبيات) 

“هيا.”

من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:

ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…

أمال ڤالكور رأسه، ثم ضحك من أنفه بهدوء:

السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.

تساءل بينما يمسح بيديه على جسدها حتى لامس يدها.

كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.

نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:

في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.

“هيا.”

رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.

نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

في ذلك.

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

أنا أثمن.

بينما يبحلق طاهر بنظره في تلك الأرض، لمح ظلاً فوق إحدى الورود. أمال بجسده قليلاً بعدما ألقى نظرة سريعة إلى الظل فالكور.

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”

نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.

قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:

السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.

ما الذي رأيته منذ قليل؟!

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.

فجأةً، انقضّت يد نحيلة مظلمة على عنقه.

كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”

رفعت يدي لأشير لها إلى السرير، ثم أنزلتها وأنا أنظر إلى سلمه الزجاجي وقد اعتصرت قبضتي. لا يمكنني، ليس بعد.

أمال ڤالكور رأسه، ثم ضحك من أنفه بهدوء:

“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”

“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:

“سقط الفارس بعد فرسه!”

“مثل ذلك الأعرج!”

ما الذي رأيته منذ قليل؟!

فجأةً، انقضّت يد نحيلة مظلمة على عنقه.

وبعد بضع لحظات، تكثف ذلك الضوء وأصبح ناصعاً كالنجمة في السماء؛ لتتجلى منها الملاك بعين دامعة وتسكن حِجر ذلك الشيطان.

حارس الظل في الخلف رفع ڤالكور للأعلى.

“مثل ذلك الأعرج!”

“كيف علمت بذلك؟!” قالها بصوت منخفض.

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

انقشع الظلام عن رأس الظل ڤالكور لتظهر ملامح وجهه.

قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.

تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.

شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”

رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:

وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.

“مت أيها…”

انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.

وضع الظل يده الأخرى على ساعد يد الظل المعتصرة لعنقه، يحاول إبعادها بينما يرتفع بصره للأعلى. في تلك اللحظة، بينما تسقط يديع، اهتزت العربة، واختل توازنها لتميل على جانب واحد.

أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.

في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”

في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.

شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.

في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.

التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.

كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.

رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.

———- 

في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:

“خذهما إلى قصر الناسك…”

أكان… والدي هنا؟!

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:

في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.

“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.

———- 

أقال للتو أنه لا يكذب…؟

كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:

لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!

رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.

راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…

“حسناً أيها المختار”. 

وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.

تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”

وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.

راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…

“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.

في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.

هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.

“كل شيء على ما يرام”. 

ارفعي الصوت أيتها النجمة ليسمعا إليه يسرد ذلك المشهد:

نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:

———- 

ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.

[حسناً…]

سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:

———- 

رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.

(بوابة الغيبيات) 

ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…

اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:

8

انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.

توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.

كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.

بغتة، غاصت قدمي في الأرض وكأني خطوت فوق لحم طري.

ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..

انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:

لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!

“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”

أنا أثمن.

أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.

كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.

نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.

كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.

كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.

خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.

كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

كانت تلتف على جوانبها نزولاً إلى هذه العتبة المرسوم عليها ميزان مقلوب، ثم تعود إلى باطن الأرض مرة أخرى…

في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.

كل شيء من حول هذا القصر كان فاقداً للحياة، وكأنك تعيش في منطقة منعزلة بين طرفين من العالم.

ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.

خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.

“خذهما إلى قصر الناسك.” 

تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.

“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”

طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.

ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.

“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.

ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.

أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:

نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.

“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:

اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.

“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.

“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:

“حسناً أيها المختار”. 

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!

كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.

في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.

انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.

“تفضّل، أيها المختار”. 

يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.

دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:

شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”

أنا أثمن.

أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.

حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.

“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..

إن نظرتَ فوقه تجد شعلة زرقاء في مصباح مزخرف بميزانين، يلتف بهدوء لينبعث منه هواء بارد لطيف له رائحة كالفراولة والنعناع.

“ملاك، هل أنتِ بخير؟”

وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.

“خذهما إلى قصر الناسك…”

ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.

وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.

في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.

هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”

على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير

“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”

في ذلك.

“خذهما إلى قصر الناسك…”

في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.

أكان… والدي هنا؟!

رفعت يدي لأشير لها إلى السرير، ثم أنزلتها وأنا أنظر إلى سلمه الزجاجي وقد اعتصرت قبضتي. لا يمكنني، ليس بعد.

“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:

تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.

وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.

أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.

كيف… أتت… إلى هنا…

أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.

“ملاك، هل أنتِ بخير؟”

“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..

“تفضّل، أيها المختار”. 

يتبع…

ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…

أقال للتو أنه لا يكذب…؟

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط