ورودة الليل تفوح بالسلام، وجلسة مع الناسك تحت ضوء الرماد.
أشرقت الشمس عبر النافذة كما تشاهدان، وها هي غلاك ممدة فوق السرير الأبيض. بجانبها أميرة تحتضن يدها بين كفيها، وتنظر إلى الطبيبة في الجانب الآخر من السرير. قالت بنبرة مبحوحة:
بالإضافة إلى النجوم السوداء أو البيضاء منها والمهارات، هذا كل ما أعرفه عنها. يجب أن أعلم كيف تدار هذه اللعبة!
“أستكون بخير أيتها الطبيبة؟!”
“أيمكنكِ منحنا بعض الوقت؟”
وضعت الطبيبة السمراء السماعة الطبية حول عنقها، ثم أخرجت قلماً أزرق من جيب معطفها، ومن الجيب الآخر السفلي ورقة بيضاء. أطلقت زفيراً ثم قالت:
قد يراها الآخرون مجرد ألوان فقط، أما بالنسبة للخياط المحترف، إنها تعني الكثير…
“إن شاء الله. يبدو أنها كانت تمر ببعض الضغوطات في الفترة الأخيرة…”
وضع إصبعاً أزرق على المربع الرمادي في أحد الأركان التي بجواره. كان الإصبع له ضوء أزرق في بطنه، ويقف على قاعدة ذات درجين رماديين.
خطت نحو الطاولة الرمادية بجانب المخرج وثبتت الورقة فوقها، ثم أخذت تكتب بحركة سريعة وكأنها فعلت ذلك ألف مرة.
ومن بعدها قام الملك بتحريك قطعة من تلك الأحجار الغريبة، أو الأصابع كما سمعته يقول.
“أيتها الطبيبة، هلا تفحصتِ رأسها مرة أخرى؟!”
“حيدر، ما الذي تفعله هنا؟!”
قالت أميرة بصوت مضطرب، وضعت الطبيبة القلم بجانب الورقة وراحت نحوها بسرعة، حفيف خمارها الأسود يُسمع في الحجرة.
“لا تقلق.” ضيقت عيني قليلاً ثم سألته بتردد:
وضعت يدها على غلاك، ثم تحركت خطوة وأخذت إبرة من داخل الدرج السفلي للطاولة البيضاء.
“من الذي سيبقى في النهاية؟”
ملأتها بسائل شفاف، طرقتها لبضع مرات حتى تسرب بعضه، ثم حقنتها في وريدها فيما تقول:
رفعت عينيَّ على صوتها وهي تلف رأسها نحو اليسار:
“لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شافي، اشفِ هذه الطفلة المسكينة…”
كانت تنظر إلي بعينيها اللؤلؤيتين وابتسامة صغيرة تنزلق على وجهها. لم أستطع التعبير عما في قلبي إلا بقبلة زوجية رقيقة، ثم نهضت والباب يطرق مرة أخرى.
وضعت الإبرة بجانب المصباح الأصفر، ثم أخرجت علبة مرهم أصفر شفاف وحلقة شاش من أحد الأدراج. بدأت تدهنه على رأسها، ثم أخذت قطعة من الشاش وراحت تلفها حول رأسها…
“الإصبع الأسود، خطوة واحدة إلى الجوهرة دون تفعيل المهارة…”
في هذه اللحظات، كانت أميرة واقفة على قدميها المرتجفتين، تنظر إليها بعينين تذرفان الدموع، ويدين محتضنتين قلقاً.
أيجب عليّ أن أستمر في تتبع تحركاته حقاً؟ ولكن في آخر المطاف قد تكون الخطوة الأخيرة مكلفة للغاية. كل إصبع هنا يبدو مختلفاً عن الآخر، ومن غير المرجح أن تكون له نفس الأهداف. الأمر يبدو وكأنك تنسج رداءً واحداً بخيوط مختلفة.
بالرغم من ذلك، حاولت أميرة أن تتقدم للمساعدة إلا أن الطبيبة رفعت رأسها بانزعاج وقالت:
“أنتم البشر، مجرد عظم ولحم سيدفن”.
“ألا تخافين الله، ما الذي فعلتِه لهذه الفتاة؟!” كانت أميرة بالفعل قد وصلت حدها من تصرفات هذه الطبيبة. صرخت وقد غمر صوتها النشاز:
اعتدل ورفع رأسه نحوي وهو يحرك إصبع يده على المائدة ذهاباً: “ألم تتعلم بعد… أم يجب أن يسري السم في عروقك؟”
“أنتِ من قال إنها بخير، والآن تلقين باللوم عليّ على عدم كفاءتكِ؟!” رفعت سبابتها ولوحت مراراً لتهدد وتقول بصوت مرتفع:
“سامحيني فقط لمرة واحدة”. ذهبت وانحنيت أمامها.
“إن أصابها مكروه أيتها الطبيبة، فلا تلومي إلا نفسكِ!”
وجه رأسه نحوي وأردف قائلاً: “طاهر صحيح… هل أنت ابن ذلك النزيل السابق؟”
نظرت إليها الطبيبة مطولاً وقد توسعت عيناها، ثم نفثت على يسارها ثلاث مرات فيما تقول:
“أنا لا أعلم.. أنا لا أستطيع…”
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…”
خطت نحو الطاولة الرمادية بجانب المخرج وثبتت الورقة فوقها، ثم أخذت تكتب بحركة سريعة وكأنها فعلت ذلك ألف مرة.
شدت الشاش برقة حول رأسها وعقدته. نظرت إلى أميرة، ثم ذهبت وضغطت جرساً فوق الطاولة البيضاء بجانب النافذة، والتفتت نحوها تقول:
“حيدر، ما الذي تفعله هنا؟!”
“أيمكنكِ منحنا بعض الوقت؟”
“واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت، وهم لا يظلمون. الله أكبر”.
جلست أميرة على المقعد وكأنها لا تسمع شيئاً وراحت تمسح بيدها على رأس غلاك:
خطت قدماها في الساحة الخارجية، نظرت يمنة وشمالاً وهي تقول: “أين هو؟!”
“غلاك… أتسمعينني؟!”
جلس طاهر بجانبها وأسند ظهره على خشب السرير المزخرف بالزهور البارزة. ثم رفع ركبته إلى حجره ووضع ساعده الأيمن عليها، مسنداً يده اليسرى إلى الأرض. أطبق القدم الأخرى بينما ينظر إلى الأسفل ويفكر: ما الثمن الذي سيعيدها إلى هناك؟
في هذه الثانية، طرق الباب. دخل الطبيب وهو يقول: “ما الأمر يا أم عامر، هل حدث شيء ما؟”
كنت أشعر بثقل شديد فوق كاهلي، وكأني أحمل أرطالاً من الحديد…
قالت الطبيبة فيما تقترب وتحاول كبح غضبها: “اتقِ الله فيَّ أيها الطبيب، ما الذي كنت تفعله بينما هذه الطفلة تعاني هنا؟!”
“كنت أحاول إبعاد ذلك المزارع المزعج. لقد ادعى أنه زوجها، ويريد الاطمئنان عليها. يبدو لي مشبوهاً بعض الشيء”.
نظر الطبيب إلى الخارج وهو يشير:
تهبط من منبع الضوء هناك.
“كنت أحاول إبعاد ذلك المزارع المزعج. لقد ادعى أنه زوجها، ويريد الاطمئنان عليها. يبدو لي مشبوهاً بعض الشيء”.
“كنت أحاول إبعاد ذلك المزارع المزعج. لقد ادعى أنه زوجها، ويريد الاطمئنان عليها. يبدو لي مشبوهاً بعض الشيء”.
التفتت أميرة نحوه فيما تقول الطبيبة:
رفعت عينيَّ على صوتها وهي تلف رأسها نحو اليسار:
“حسناً، ماذا عن المريض الآخر…”. انتفضت أميرة من مكانها.
اعتدل في جلسته وحمل الكوب الذي بجانبه فوق الطرف البني الصلب، قائلاً:
“هل استيقظ؟!”
“أنفق ثلاث نجوم سوداء لإخراج إصبع الروح السوداء”.
نظر إليها الطبيب برأس يميل بعلامة استفهام، قبل أن تتحرك أميرة بخطوات سريعة إلى الخارج…
“واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت، وهم لا يظلمون. الله أكبر”.
خطت قدماها في الساحة الخارجية، نظرت يمنة وشمالاً وهي تقول: “أين هو؟!”
“سامحيني فقط لمرة واحدة”. ذهبت وانحنيت أمامها.
في تلك اللحظة، لمحت هيئة لرجل يستريح على مقعد العوائل، يتكئ على ذراع المقعد ويطرق عليه بأصابعه. كان ينظر إلى الخارج حيث وقفت سيارة بنتلي. “أهلاً”.
أبعدت يدي في ذهول بينما يحرك الناسك يده.
لم تستطع أميرة أن تصدق عينيها وأخذت تفكر:
لماذا هو هنا؟!
لم تعد هناك أصابع، بل خيوط مختلفة يتشابك مصيرها في نفس المسار.
نظر إليها بابتسامة عريضة، ثم أسند كفيه إلى المقعد ونهض بزفرة طويلة فيما ينفض رداءه المغطى بالثرى. “مرحباً”. خدش رأسه الصحراوي بينما
ينظر إليها بعين مبتسمة بهدوء.
التفتت أميرة نحوه فيما تقول الطبيبة:
شدت أميرة قبضتيها، ثم قالت بصوت خافت:
نظرت إلى الباب بينما أمرر يدي على رأسها وأفكر: أحان وقت الجولة الثانية؟ تراجعت ملاك للخلف وأخذت بيدي تحتضنها بين يديها، ثم قالت:
“حيدر، ما الذي تفعله هنا؟!”
“سيدي المختار، إن الناسك يدعوك إلى مجلسه”.
توقف أمامها وثبت كفه إلى الحائط يعقد قدميه، قائلاً: “بما أن صاحب النزل قد رحل، ألا يجب أن يسكنه سواه…”
نظر الطبيب إلى الخارج وهو يشير:
في تلك اللحظة داخل بوابة:
أخفض رأسه نحو الطاولة. كانت تقف فوقها ثلاث أصابع. أسود، وأبيض، ورمادي.
(عالم الغيبيات- في أرض الجن)
في تلك الثواني.
استيقظ طاهر على صوت ناعم مبحوح…
كانت تنظر إلي بعينيها اللؤلؤيتين وابتسامة صغيرة تنزلق على وجهها. لم أستطع التعبير عما في قلبي إلا بقبلة زوجية رقيقة، ثم نهضت والباب يطرق مرة أخرى.
“واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت، وهم لا يظلمون. الله أكبر”.
لا أعلم ما الذي حدث، عندما حملت الإصبع الأسود ووضعته في المثلث الأزرق داخل الجوهرة، شعرت ببصري يتموج من حولي، واجتاحني برد قارص… كان الأمر وكأنني أنسلخ من جلدي هذا لأرتدي جلداً آخر.
جلس طاهر بجانبها وأسند ظهره على خشب السرير المزخرف بالزهور البارزة. ثم رفع ركبته إلى حجره ووضع ساعده الأيمن عليها، مسنداً يده اليسرى إلى الأرض. أطبق القدم الأخرى بينما ينظر إلى الأسفل ويفكر: ما الثمن الذي سيعيدها إلى هناك؟
(عالم الغيبيات- في أرض الجن)
أعدها إلى الجنة حيث كانت أيها المنافق!
شدت أميرة قبضتيها، ثم قالت بصوت خافت:
لن أكمل سرد هذا المشهد، استمعا إليه إن أردتما ذلك:
وعلى الأطراف الغائرة داخل إطارها الذهبي، اثنا عشر إصبعاً مختلفاً في الشكل واللون.
رفعت عينيَّ على صوتها وهي تلف رأسها نحو اليسار:
“عندما تُوخز مرةً، فقد تكون الثانية سامةً إن لم تقتلك فوراً”. هذا ما كان يقوله لي والد وسيم.
“السلام عليكم ورحمة الله”.
ظللت أنظر إليه في صمت هذا المكان، أفكر:
اعتدلت فوراً وضمت يديها لتدعو فيما أحاول التحدث إليها.
“أنفق نجمةً واحدةً لتحريك الملاك الأبيض خطوةً في الجوهرة، دون تفعيل المهارة.”
كنت أستمع إلى صوتها المتقطع بين شهقاتها المكبوتة وهي تدعو الله:
“عندما أعود، ستكون وجهتنا إلى المنزل”.
“إلهي، يا من تجيب المضطر إذا دعاك، اجبر كسري، واحمني من نفسي ومن…”
“لقد أخبرني الطفلان أن آتي إلى هنا…”
كانت تريد أن تتلفظ بكلمة إلا أن شهقاتها أخذت تعيقها. أكملت بصعوبة وتلعثم:
لم تستطع أميرة أن تصدق عينيها وأخذت تفكر: لماذا هو هنا؟!
“يا الله، إن كنت.. ابتليتني بذنوبي.. أرجو منك المغفرة…”
في تلك الثواني.
لقد كانت تردد ذلك حتى قلت في نفسي:
“واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت، وهم لا يظلمون. الله أكبر”.
لا يمكن لهذا الابتلاء أن يكون غيري، ولولا وجودي فقط، لما آل بها الأمر منكسرة أمام عينيَّ.
“هل استيقظ؟!”
كيف لها أن تصبر بعدما بلغت حداً لا يمكن لأي امرأة أن تبلغه، والسبب في كل تلك المعاناة.. هو زوجها…
رفعت عينيَّ على صوتها وهي تلف رأسها نحو اليسار:
كنت أفكر في ذلك وأحاول ابتلاع غصة بالغة الأسى في عنقي. في تلك اللحظة، نظرت إلي من طرف عينيها ويديها تنزلان على قدميها.
عقد الناسك إصبع يده المنتصب على المائدة، وشد قبضته قائلاً:
رفعت رأسي قليلاً وأنا أفكر: لا يوجد شيء يمكن أن يكفر عن ذنبي… لا شيء.
في هذه اللحظات، كانت أميرة واقفة على قدميها المرتجفتين، تنظر إليها بعينين تذرفان الدموع، ويدين محتضنتين قلقاً.
اقتربت منها بهدوء ووضعت يدي على يديها الدافئتين. همست بتلعثم وعين لا تقوى على النظر إلى عينيها:
صمت للحظة دون أن يقول شيئاً، ثم أشار لي باللعب.
“أعلم أن أعذاري لم يعد لها أي معنى لديكِ، فقد تحملتِ الكثير من أجلي. وها أنا اليوم…”
إن حركت أحد هذه الخيوط فستؤثر حركته بكل تأكيد على بقية الخيوط، إما سلباً أو إيجاباً.
صمتُّ بعدما شعرت بدموع تخنقني من رقبتي، ثم أكملت بصعوبة ويدي ترتجف:
“لا تقلق.” ضيقت عيني قليلاً ثم سألته بتردد:
“ليس هذا فحسب، بل حتى عندما فقدت والديَّ، أنتِ من وقف معي حتى آخر لحظة ولم تفكري في تركي مثلما فعل الآخرون… وها أنا اليوم، أردُّ كل ذلك بخنجر في ظهرك…”
شدت الشاش برقة حول رأسها وعقدته. نظرت إلى أميرة، ثم ذهبت وضغطت جرساً فوق الطاولة البيضاء بجانب النافذة، والتفتت نحوها تقول:
رفعت رأسي ونظرت بخجل إلى عينيها الغارقتين في الدموع، ثم أكملت: “ملاك، أرجوكِ لمرة أخيرة فقط… امنحيني فرصة واحدة!”
أمال رأسه قليلاً، ثم اقترب نحوي متكئاً بيديه فوق الطرف البني من المائدة. “لماذا تسأل؟”
صمتت دون أن تقولي أي شيء. وضعت يدي الأخرى على يدها، متمسكاً بها كآخر قطعة من الأمل لأجذبها إليَّ في هدوء. وقبل أن أحتضنها، انسحبت من يديَّ وذهبت إلى مقدمة السرير حيث تنساب الأقمشة الحمراء من أطرافه العلوية.
رفع رأسه بهدوء وكأنه شعر بهبوط مقعده أخيراً. تنفس بصوت طفيف، ثم عاد يتحدث بصوت هادئ ويحرك الإصبع الأبيض نحو أحد المربعات داخل الجوهرة:
قالت بصوتها المرتجف:
كنت أفكر في ذلك وأحاول ابتلاع غصة بالغة الأسى في عنقي. في تلك اللحظة، نظرت إلي من طرف عينيها ويديها تنزلان على قدميها.
“أنا لا أعلم.. أنا لا أستطيع…”
وضع إصبعاً أزرق على المربع الرمادي في أحد الأركان التي بجواره. كان الإصبع له ضوء أزرق في بطنه، ويقف على قاعدة ذات درجين رماديين.
قاطعتها دون أن أشعر بينما أنهض:
“السلام عليكم ورحمة الله”.
“ملاك، أرجوكِ. من أجل غلاك، ابنتنا… لم يكن لدي خيار آخر، يجب أن نعود معاً… إن ضحيتُ بنفسي، فلن يحدث ذلك. وكيف يمكنني التضحية بغلاك…”
“حسناً، ماذا عن المريض الآخر…”. انتفضت أميرة من مكانها.
نظرت إلى يدها المنعكسة تنقبض بجانب السرير.
جلست أميرة على المقعد وكأنها لا تسمع شيئاً وراحت تمسح بيدها على رأس غلاك:
“…قمت باختياركِ حتى تكون لدينا فرصة أخرى!”
“لقد أخبرني الطفلان أن آتي إلى هنا…”
كنت أقول ذلك ودموعي تطرق الأرض فيما صدى شهقاتها يرتفع بتدرج. بدأت أسير وأنا أقول:
“إن شاء الله. يبدو أنها كانت تمر ببعض الضغوطات في الفترة الأخيرة…”
“سامحيني فقط لمرة واحدة”. ذهبت وانحنيت أمامها.
نظر إليها بابتسامة عريضة، ثم أسند كفيه إلى المقعد ونهض بزفرة طويلة فيما ينفض رداءه المغطى بالثرى. “مرحباً”. خدش رأسه الصحراوي بينما ينظر إليها بعين مبتسمة بهدوء.
أمسكت بيديها مرة أخرى بشدة ولطف.
“ملاك، أرجوكِ. من أجل غلاك، ابنتنا… لم يكن لدي خيار آخر، يجب أن نعود معاً… إن ضحيتُ بنفسي، فلن يحدث ذلك. وكيف يمكنني التضحية بغلاك…”
نظرت إليها ودموعي تنعكس في دموعها، تجري على خدودنا…. جذبتها بتودد بينما تقاوم بضعف حتى غمرتها في حضني. بدأتُ أمرر يديَّ على رأسها فيما صوت أنفاسها المتقطعة يرتفع، وأخذت ذراعاها تلتفان حولي بشدة.
بالإضافة إلى النجوم السوداء أو البيضاء منها والمهارات، هذا كل ما أعرفه عنها. يجب أن أعلم كيف تدار هذه اللعبة!
في تلك اللحظة، طرق الباب.
“أنفق نجمةً واحدةً لتحريك الملاك الأبيض خطوةً في الجوهرة، دون تفعيل المهارة.”
“سيدي المختار، إن الناسك يدعوك إلى مجلسه”.
كان صوته يعبر عن تلك الابتسامة التي لم تستطع ملامحه التعبير عنها.
نظرت إلى الباب بينما أمرر يدي على رأسها وأفكر: أحان وقت الجولة الثانية؟ تراجعت ملاك للخلف وأخذت بيدي تحتضنها بين يديها، ثم قالت:
ويستريح على مقعد ملتحم بطاولة نجمية أصغر حجماً، ترفعها من أطرافها الأربع سلاسل غليظة
“سأكون بانتظارك…”
كنت أفكر في ذلك وأحاول ابتلاع غصة بالغة الأسى في عنقي. في تلك اللحظة، نظرت إلي من طرف عينيها ويديها تنزلان على قدميها.
كانت تنظر إلي بعينيها اللؤلؤيتين وابتسامة صغيرة تنزلق على وجهها. لم أستطع التعبير عما في قلبي إلا بقبلة زوجية رقيقة، ثم نهضت والباب يطرق مرة أخرى.
“لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شافي، اشفِ هذه الطفلة المسكينة…”
“أيها المختار، إن الناسك يدعوك إلى مجلسه”.
“اعتبارها جولةً غير رسمية… يمكنك التحدث دون الحاجة إلى الإصبع الرمادي.”
سرت نحوهما، قائلاً:
أرحت يدي فوق الطاولة قليلاً مع ذلك الشعور الغريب، وأكملت الكلام: “دون تفعيل المهارة”.
“عندما أعود، ستكون وجهتنا إلى المنزل”.
وضع يده على إبريقٍ رماديٍّ مكوكب، وحرك يده اليمنى نحو الإصبع الأبيض، الذي تطوف فوق رأسه البيضاوي حلقتان أفقيتان، ويقف على قاعدة رمادية لها ثلاث درجات.
لم ألتفت للخلف، ولكنني رأيتها من خلال البلاط الفضي تلوح لي بيدها، ولا تزال ابتسامتها هناك…
“إن السيد الناسك ينتظرك في مجلسه”.
خرجت من داخل الحجرة بخطوات صلبة، وسرت رفقة الخادمين الأسود والأبيض وقلبي قد زاح عنه التعب… على طول الطريق، كان كل واحد منهما يسير على جهة بجانبي، دون أن يقول شيئاً سوى:
أو إلى إصبعه الملاك الأبيض في المنتصف.
“إن السيد الناسك ينتظرك في مجلسه”.
“لا تقلق.” ضيقت عيني قليلاً ثم سألته بتردد:
أخذت أفكر عندها: كيف سأستطيع الفوز في لعبة لا أفهم قواعدها بشكل صحيح أو حتى الهدف منها؟ كل ما أعرفه أن الوزير كان يلقي نرداً مميزاً، ثم يشير نحو الملك.
أمال رأسه قليلاً، ثم اقترب نحوي متكئاً بيديه فوق الطرف البني من المائدة. “لماذا تسأل؟”
ومن بعدها قام الملك بتحريك قطعة من تلك الأحجار الغريبة، أو الأصابع كما سمعته يقول.
“عندما تُوخز مرةً، فقد تكون الثانية سامةً إن لم تقتلك فوراً”. هذا ما كان يقوله لي والد وسيم.
حسناً، أيمكنني القول إن النرد هو الأداة التي تحدد بداية اللعبة، أم أنها أداة لتحديد اللاعب الأول في اللعبة؟
“إن شاء الله. يبدو أنها كانت تمر ببعض الضغوطات في الفترة الأخيرة…”
بالإضافة إلى النجوم السوداء أو البيضاء منها والمهارات، هذا كل ما أعرفه عنها. يجب أن أعلم كيف تدار هذه اللعبة!
جلست أميرة على المقعد وكأنها لا تسمع شيئاً وراحت تمسح بيدها على رأس غلاك:
في هذه اللحظة، توقف الخادمان بمحاذاة الردهة المظلمة. كان يعزلها عن الممر سور رمادي، تتموج ظلاله على نور شمعة فوق حامل من فضة مرادف لهذه الردهة.
“هل استيقظ؟!”
نظرت إليهما وهما ينحنيان باحترام ويبتعد كل واحد منهما إلى جهة واحدة. “أهلاً بالضيف”، تحدث رجل من داخل السور بصوت شبيه بذلك الكيان السماوي الداكن إلا أنه لا يحمل أية مشاعر. تردد صدى ذلك الصوت حتى وصل إليَّ مرة أخرى.
لم ألتفت للخلف، ولكنني رأيتها من خلال البلاط الفضي تلوح لي بيدها، ولا تزال ابتسامتها هناك…
تحركت نحوه بخطوات تتكرر في أذنيَّ، وتعمقت في الظلام بالتزامن مع صوت حديد ثقيل يتأرجح في المقدمة… وبعد بضع خطوات أخرى، أخذت خيوط الظلام تتلاشى فيما ينبعث نور رمادي من هناك، أعلى السقف.
وضعت يدها على غلاك، ثم تحركت خطوة وأخذت إبرة من داخل الدرج السفلي للطاولة البيضاء.
كان يتمايل بهدوء داخل ذلك المصباح الأسود ذي القبتين، ليسايره من تحته ظل ذلك الكيان الممتلئ بالعضلات.
في هذه اللحظة، توقف الخادمان بمحاذاة الردهة المظلمة. كان يعزلها عن الممر سور رمادي، تتموج ظلاله على نور شمعة فوق حامل من فضة مرادف لهذه الردهة.
يرتدي ثوباً رماديّاً داكناً ذا أكمام طويلة، يبرز منها لونه الأسود كالذهب من بين فجواتها المتروسة،
“من الذي سيبقى في النهاية؟”
ويستريح على مقعد ملتحم بطاولة نجمية أصغر حجماً، ترفعها من أطرافها الأربع سلاسل غليظة
رفعت رأسي ونظرت بخجل إلى عينيها الغارقتين في الدموع، ثم أكملت: “ملاك، أرجوكِ لمرة أخيرة فقط… امنحيني فرصة واحدة!”
تهبط من منبع الضوء هناك.
“عندما تُوخز مرةً، فقد تكون الثانية سامةً إن لم تقتلك فوراً”. هذا ما كان يقوله لي والد وسيم.
أكملت السير فيما أشعر بالهواء يجتاح رئتي. نفسٌ واحدٌ هنا، قد يعادل عشرات أضعافه في الخارج.
قاطعتها دون أن أشعر بينما أنهض:
جلست على المقعد الدائري الصلب من الجهة المقابلة، ونظرت إليه دون أن أتنفس لمرة واحدة.
ملأتها بسائل شفاف، طرقتها لبضع مرات حتى تسرب بعضه، ثم حقنتها في وريدها فيما تقول:
كنت أشعر بثقل شديد فوق كاهلي، وكأني أحمل
أرطالاً من الحديد…
خرجت من داخل الحجرة بخطوات صلبة، وسرت رفقة الخادمين الأسود والأبيض وقلبي قد زاح عنه التعب… على طول الطريق، كان كل واحد منهما يسير على جهة بجانبي، دون أن يقول شيئاً سوى:
رفع رأسَه من بين أصابع يديه المتشابكتين، فظهرت عيناه المجوفتان كالهاوية. وجهت نظري إلى الأسفل فوراً. لقد شعرت وكأني سأسقط هناك إن أطلت النظر.
وضعت يديَّ المرتعشتين على طرف الطاولة البني الذي أمامي، ثم قلت بصوت منخفض:
“حسناً، ماذا عن المريض الآخر…”. انتفضت أميرة من مكانها.
“لقد أخبرني الطفلان أن آتي إلى هنا…”
“السلام عليكم ورحمة الله”.
أخفض رأسه نحو الطاولة. كانت تقف فوقها ثلاث أصابع. أسود، وأبيض، ورمادي.
جلست على المقعد الدائري الصلب من الجهة المقابلة، ونظرت إليه دون أن أتنفس لمرة واحدة.
وعلى الأطراف الغائرة داخل إطارها الذهبي، اثنا عشر إصبعاً مختلفاً في الشكل واللون.
بل خيوطاً متشابكة في نفس المسار. قلتها داخلي.
وضع يده على إبريقٍ رماديٍّ مكوكب، وحرك يده اليمنى نحو الإصبع الأبيض، الذي تطوف فوق رأسه البيضاوي حلقتان أفقيتان، ويقف على قاعدة رمادية لها ثلاث درجات.
رفعت عينيَّ على صوتها وهي تلف رأسها نحو اليسار:
“أنفق نجمةً واحدةً لتحريك الملاك الأبيض خطوةً في الجوهرة، دون تفعيل المهارة.”
وضع إصبعاً أزرق على المربع الرمادي في أحد الأركان التي بجواره. كان الإصبع له ضوء أزرق في بطنه، ويقف على قاعدة ذات درجين رماديين.
اعتدل في جلسته وحمل الكوب الذي بجانبه فوق الطرف البني الصلب، قائلاً:
أرحت يدي فوق الطاولة قليلاً مع ذلك الشعور الغريب، وأكملت الكلام: “دون تفعيل المهارة”.
“كما ترى، ليس لدينا حكمٌ يدير الجولة…” وضع الإبريق دون صوت، ثم أردف وهو يمد القهوة على
ما يبدو:
“إن أصابها مكروه أيتها الطبيبة، فلا تلومي إلا نفسكِ!”
“اعتبارها جولةً غير رسمية… يمكنك التحدث دون الحاجة إلى الإصبع الرمادي.”
حتى لو كان كاذباً، فلا يمكنني إلا أن أنفق كل جهدي في التعلم قبل الجولة الثالثة… لم ينتهِ الوقت بعد.
نظرت إلى الكوب، ثم أخذته: “شكراً لك”.
“الإصبع الأسود، خطوة واحدة إلى الجوهرة دون تفعيل المهارة…”
كنت أشعر أني مرغمٌ على قبول ذلك، ولا يمكنني سوى التظاهر بابتسامة طفيفة لا يمكنه النظر إليها.
قالت الطبيبة فيما تقترب وتحاول كبح غضبها: “اتقِ الله فيَّ أيها الطبيب، ما الذي كنت تفعله بينما هذه الطفلة تعاني هنا؟!”
قلت وأنا أضع كوب القهوة أمامي:
“سأكون بانتظارك…”
“ولكن، لماذا سنلعب هذه اللعبة؟”
“إلهي، يا من تجيب المضطر إذا دعاك، اجبر كسري، واحمني من نفسي ومن…”
أمال رأسه قليلاً، ثم اقترب نحوي متكئاً بيديه فوق الطرف البني من المائدة. “لماذا تسأل؟”
قالت الطبيبة فيما تقترب وتحاول كبح غضبها: “اتقِ الله فيَّ أيها الطبيب، ما الذي كنت تفعله بينما هذه الطفلة تعاني هنا؟!”
قال ذلك وهو يمسح يده اليمنى بهدوء. نظرت إليه عن كثب، على الرغم من تلك الهيئة البشرية التي يبدو عليها، إلا أنه يثير القشعريرة في عظمي كلما حاول التحدث ببساطة.
“من الذي سيبقى في النهاية؟”
قلت وأنا أوجه نظري إلى اللوح:
جلست على المقعد الدائري الصلب من الجهة المقابلة، ونظرت إليه دون أن أتنفس لمرة واحدة.
“عندما تُوخز مرةً، فقد تكون الثانية سامةً إن لم تقتلك فوراً”. هذا ما كان يقوله لي والد وسيم.
في هذه اللحظة، توقف الخادمان بمحاذاة الردهة المظلمة. كان يعزلها عن الممر سور رمادي، تتموج ظلاله على نور شمعة فوق حامل من فضة مرادف لهذه الردهة.
صمت للحظة دون أن يقول شيئاً، ثم أشار لي باللعب.
في هذه اللحظة وبينما أفكر، ظللت أنظر إلى اللوح.
“لا تقلق.” ضيقت عيني قليلاً ثم سألته بتردد:
قال ذلك وهو يمسح يده اليمنى بهدوء. نظرت إليه عن كثب، على الرغم من تلك الهيئة البشرية التي يبدو عليها، إلا أنه يثير القشعريرة في عظمي كلما حاول التحدث ببساطة.
“ألن تكون هنالك أي مخاطرة؟”
تنهد وهو يقلب كفه ليعيدها فوق الأخرى، قائلاً: “نعم”.
“حسناً، ماذا عن المريض الآخر…”. انتفضت أميرة من مكانها.
على الرغم من عدم وجود دليل يثبت صحة قوله، إلا أنني أجد فيه هيبةً لا يمكن لرجل كاذب أن يمتلكها.
“أنتم البشر، مجرد عظم ولحم سيدفن”.
حتى لو كان كاذباً، فلا يمكنني إلا أن أنفق كل جهدي في التعلم قبل الجولة الثالثة… لم ينتهِ الوقت بعد.
“لقد أخبرني الطفلان أن آتي إلى هنا…”
في هذه اللحظة وبينما أفكر، ظللت أنظر إلى اللوح.
لن أكمل سرد هذا المشهد، استمعا إليه إن أردتما ذلك:
أو إلى إصبعه الملاك الأبيض في المنتصف.
في تلك اللحظة، لمحت هيئة لرجل يستريح على مقعد العوائل، يتكئ على ذراع المقعد ويطرق عليه بأصابعه. كان ينظر إلى الخارج حيث وقفت سيارة بنتلي. “أهلاً”.
“الإصبع الأسود، خطوة واحدة إلى الجوهرة دون تفعيل المهارة…”
قلت وأنا أوجه نظري إلى اللوح:
لا أعلم ما الذي حدث، عندما حملت الإصبع الأسود ووضعته في المثلث الأزرق داخل الجوهرة، شعرت ببصري يتموج من حولي، واجتاحني برد قارص… كان الأمر وكأنني أنسلخ من جلدي هذا لأرتدي جلداً آخر.
شدت أميرة قبضتيها، ثم قالت بصوت خافت:
أبعدت يدي في ذهول بينما يحرك الناسك يده.
في هذه الثانية، طرق الباب. دخل الطبيب وهو يقول: “ما الأمر يا أم عامر، هل حدث شيء ما؟”
وضع إصبعاً أزرق على المربع الرمادي في أحد الأركان التي بجواره. كان الإصبع له ضوء أزرق في بطنه، ويقف على قاعدة ذات درجين رماديين.
“إلهي، يا من تجيب المضطر إذا دعاك، اجبر كسري، واحمني من نفسي ومن…”
“أنفق ثلاث نجوم سوداء لإخراج الروح الزرقاء… تبقت لدي 8 نجوم سوداء وأنت 10”.
بالإضافة إلى النجوم السوداء أو البيضاء منها والمهارات، هذا كل ما أعرفه عنها. يجب أن أعلم كيف تدار هذه اللعبة!
شددت يدي اليمنى، ثم حركت الأخرى. حملت إصبعاً مشابهاً له في الشكل، ثم وضعته في نفس الزاوية المرادفة، قائلاً:
أرحت يدي فوق الطاولة قليلاً مع ذلك الشعور الغريب، وأكملت الكلام: “دون تفعيل المهارة”.
“أنفق ثلاث نجوم سوداء لإخراج إصبع الروح السوداء”.
نظرت إليها ودموعي تنعكس في دموعها، تجري على خدودنا…. جذبتها بتودد بينما تقاوم بضعف حتى غمرتها في حضني. بدأتُ أمرر يديَّ على رأسها فيما صوت أنفاسها المتقطعة يرتفع، وأخذت ذراعاها تلتفان حولي بشدة.
نظرت إلى الزاوية في الأسفل بينما أفكر في عدد نجومي السوداء التي تقلصت إلى 7 نجوم، بينما هو يمتلك 8 قطع منها… إن استمريت في محاكاة طريقة لعبه، فقد أقع في نسج خيط غير مكتمل،
فيما هو ينسج بكل دقة وتخطيط…
وضع يده على إبريقٍ رماديٍّ مكوكب، وحرك يده اليمنى نحو الإصبع الأبيض، الذي تطوف فوق رأسه البيضاوي حلقتان أفقيتان، ويقف على قاعدة رمادية لها ثلاث درجات.
في هذه اللحظة، طرق إصبعه الذهبي أول مربع أسود في الركن الذي أمامه مباشرة، “أنفق ثلاث نجوم سوداء لإخراج إصبع الملك الذهبي…”
صمتت دون أن تقولي أي شيء. وضعت يدي الأخرى على يدها، متمسكاً بها كآخر قطعة من الأمل لأجذبها إليَّ في هدوء. وقبل أن أحتضنها، انسحبت من يديَّ وذهبت إلى مقدمة السرير حيث تنساب الأقمشة الحمراء من أطرافه العلوية.
اعتدل ورفع رأسه نحوي وهو يحرك إصبع يده على المائدة ذهاباً: “ألم تتعلم بعد… أم يجب أن يسري السم في عروقك؟”
“أيتها الطبيبة، هلا تفحصتِ رأسها مرة أخرى؟!”
ظللت أنظر إليه في صمت هذا المكان، أفكر:
كانت تريد أن تتلفظ بكلمة إلا أن شهقاتها أخذت تعيقها. أكملت بصعوبة وتلعثم:
أيجب عليّ أن أستمر في تتبع تحركاته حقاً؟ ولكن في آخر المطاف قد تكون الخطوة الأخيرة مكلفة للغاية. كل إصبع هنا يبدو مختلفاً عن الآخر، ومن غير المرجح أن تكون له نفس الأهداف. الأمر يبدو وكأنك تنسج رداءً واحداً بخيوط مختلفة.
“كما ترى، ليس لدينا حكمٌ يدير الجولة…” وضع الإبريق دون صوت، ثم أردف وهو يمد القهوة على ما يبدو:
قد يراها الآخرون مجرد ألوان فقط، أما بالنسبة للخياط المحترف، إنها تعني الكثير…
قالت الطبيبة فيما تقترب وتحاول كبح غضبها: “اتقِ الله فيَّ أيها الطبيب، ما الذي كنت تفعله بينما هذه الطفلة تعاني هنا؟!”
في هذه اللحظة، نظرت إلى اللوح بعين مختلفة.
“لا تقلق.” ضيقت عيني قليلاً ثم سألته بتردد:
لم تعد هناك أصابع، بل خيوط مختلفة يتشابك مصيرها في نفس المسار.
حتى لو كان كاذباً، فلا يمكنني إلا أن أنفق كل جهدي في التعلم قبل الجولة الثالثة… لم ينتهِ الوقت بعد.
إن حركت أحد هذه الخيوط فستؤثر حركته بكل تأكيد على بقية الخيوط، إما سلباً أو إيجاباً.
كيف لها أن تصبر بعدما بلغت حداً لا يمكن لأي امرأة أن تبلغه، والسبب في كل تلك المعاناة.. هو زوجها…
تحركت يدي دون أن أشعر نحو إصبع أسود آخر، له رأس كالتاج، وجسد أملس غريب. وضعته في نفس الركن المرادف للناسك، ثم نظرت إليه قائلاً:
كان صوته يعبر عن تلك الابتسامة التي لم تستطع ملامحه التعبير عنها. “أنت مثير للاهتمام…”
“أنفق ثلاث نجوم سوداء لهذا الإصبع الأسود…”
اعتدلت فوراً وضمت يديها لتدعو فيما أحاول التحدث إليها.
أرحت يدي فوق الطاولة قليلاً مع ذلك الشعور الغريب، وأكملت الكلام: “دون تفعيل المهارة”.
رفع رأسَه من بين أصابع يديه المتشابكتين، فظهرت عيناه المجوفتان كالهاوية. وجهت نظري إلى الأسفل فوراً. لقد شعرت وكأني سأسقط هناك إن أطلت النظر. وضعت يديَّ المرتعشتين على طرف الطاولة البني الذي أمامي، ثم قلت بصوت منخفض:
عقد الناسك إصبع يده المنتصب على المائدة، وشد قبضته قائلاً:
خطت نحو الطاولة الرمادية بجانب المخرج وثبتت الورقة فوقها، ثم أخذت تكتب بحركة سريعة وكأنها فعلت ذلك ألف مرة.
“سيظل البشر عظاماً بلا روح فوق جلد ميت”.
“أعلم أن أعذاري لم يعد لها أي معنى لديكِ، فقد تحملتِ الكثير من أجلي. وها أنا اليوم…”
بل خيوطاً متشابكة في نفس المسار. قلتها داخلي.
“أستكون بخير أيتها الطبيبة؟!”
رفع إصبعه السبابة نحوي، مردفاً:
نظر الطبيب إلى الخارج وهو يشير:
“أنتم البشر، مجرد عظم ولحم سيدفن”.
قلت وأنا أضع كوب القهوة أمامي:
“من الذي سيبقى في النهاية؟”
جلس طاهر بجانبها وأسند ظهره على خشب السرير المزخرف بالزهور البارزة. ثم رفع ركبته إلى حجره ووضع ساعده الأيمن عليها، مسنداً يده اليسرى إلى الأرض. أطبق القدم الأخرى بينما ينظر إلى الأسفل ويفكر: ما الثمن الذي سيعيدها إلى هناك؟
خرجت الكلمات من فيَّ دون أن أشعر بها.
نظرت إلى الكوب، ثم أخذته: “شكراً لك”.
في تلك الثواني.
رفعت رأسي ونظرت بخجل إلى عينيها الغارقتين في الدموع، ثم أكملت: “ملاك، أرجوكِ لمرة أخيرة فقط… امنحيني فرصة واحدة!”
كان مقعدي يرتفع ببطء بينما ينخفض مقعده.
في تلك اللحظة، لمحت هيئة لرجل يستريح على مقعد العوائل، يتكئ على ذراع المقعد ويطرق عليه بأصابعه. كان ينظر إلى الخارج حيث وقفت سيارة بنتلي. “أهلاً”.
رفع رأسه بهدوء وكأنه شعر بهبوط مقعده أخيراً. تنفس بصوت طفيف، ثم عاد يتحدث بصوت هادئ ويحرك الإصبع الأبيض نحو أحد المربعات داخل الجوهرة:
“أنفق ثلاث نجوم سوداء لهذا الإصبع الأسود…”
“بعد ألف سنة من حرب الغيبيات المظلمة، يبدو أنني قد أخطأت الحكم مرة أخرى…”
أرحت يدي فوق الطاولة قليلاً مع ذلك الشعور الغريب، وأكملت الكلام: “دون تفعيل المهارة”.
كان صوته يعبر عن تلك الابتسامة التي لم تستطع ملامحه التعبير عنها.
“اعتبارها جولةً غير رسمية… يمكنك التحدث دون الحاجة إلى الإصبع الرمادي.”
كان صوته يعبر عن تلك الابتسامة التي لم تستطع ملامحه التعبير عنها. “أنت مثير للاهتمام…”
كنت أفكر في ذلك وأحاول ابتلاع غصة بالغة الأسى في عنقي. في تلك اللحظة، نظرت إلي من طرف عينيها ويديها تنزلان على قدميها.
وجه رأسه نحوي وأردف قائلاً: “طاهر صحيح… هل أنت ابن ذلك النزيل السابق؟”
رفع إصبعه السبابة نحوي، مردفاً:
يتبع…
“لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شافي، اشفِ هذه الطفلة المسكينة…”
“الإصبع الأسود، خطوة واحدة إلى الجوهرة دون تفعيل المهارة…”
