العبور إلى الجانب الآخر
دخل إيثان الصف بخطواتٍ هادئة ومتزنة.
نفث الدخان قائلاً بنبرة متباطئة مريبة: “تعرفون… سمعت عن أسطورة قديمة في هذا المكان. قبل سنواتٍ طويلة، كان هناك منزل قديم على بُعد كيلومترٍ واحدٍ من المخيم. دخل إليه توأمان في إحدى الليالي الماطرة لاختبار شجاعتهما… لكنّهما لم يخرجا أبدًا.”
جلس في مقعده المعتاد قرب النافذة، حيث يمكنه مراقبة السماء الرمادية خارج المدرسة. أخرج دفترًا قديمًا، تقشرت أطرافه من كثرة الاستعمال، وبدأ يخط عليه خطوطًا متقاطعة بلا معنى. كان كل خط محاولةً صامتة لتفريغ ثقلٍ يخنق صدره شيء لا يمكن قوله ولا كتابته.
المقاعد كانت شبه ممتلئة، الأصوات خافتة، والجميع يتحدث عن الرحلة القادمة كأنه حدث ينتظرونه منذ قرن. لم يلتفت إليه أحد، وهذا بالضبط ما أراده.
دخلوا الكوخ الخشبي الصغير، المكان ضيق تفوح منه رائحة الخشب الرطب، يتدلّى من السقف مصباح خافت بالكاد يضيء المكان. ضحك لوكاس قائلاً وهو يرمي حقيبته على أحد الأسرة: “على الأقل عندنا سقف فوق رؤوسنا!”
جلس في مقعده المعتاد قرب النافذة، حيث يمكنه مراقبة السماء الرمادية خارج المدرسة. أخرج دفترًا قديمًا، تقشرت أطرافه من كثرة الاستعمال، وبدأ يخط عليه خطوطًا متقاطعة بلا معنى. كان كل خط محاولةً صامتة لتفريغ ثقلٍ يخنق صدره شيء لا يمكن قوله ولا كتابته.
تراجع خطوة، وقلبه يخفق بعنف: “لكنهم قالوا… لا أحد تمكن من فتحه.”
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
اخترق صوت المعلم شروده: “إيثان، هل ستشارك في الرحلة؟ الورقة وُقعت باسمك.”
بينما كانوا يصطفون في الممر الطويل، تعمد جيمس رفع صوته قائلاً: “أتمنى ألا يغمى على أحد هذه المرة، الرحلات ليست مستشفيات متنقلة!”
رفع عينيه ببطء، وصوته خافت لكنه ثابت: “نعم… وقّعت.” ثم أضاف بعد لحظة، بابتسامة صغيرة ساخرة: “أعتقد أن الجميع يحتاج إجازة من وجودي.”
رفع عينيه ببطء، وصوته خافت لكنه ثابت: “نعم… وقّعت.” ثم أضاف بعد لحظة، بابتسامة صغيرة ساخرة: “أعتقد أن الجميع يحتاج إجازة من وجودي.”
سحب يده بسرعة، ثم أعاد لمسَه مرةً أخرى مترددًا، وكأنه يرفض تصديق ما شعر به. لم يكن مجرد دفءٍ عابر… بل احتفظ بحرارة شخصٍ غادره قبل لحظات، حتى خيل إليه أن صاحب ذلك المقعد قد نهض قبل وصوله بثوانٍ فقط.
ساد صمت قصير، والتفت بعض الطلاب نحوه بارتباك، بينما ضحك آخرون بخفة، غير مدركين أنه لا يمزح. المعلم اكتفى بنظرة سريعة ثم واصل حديثه كأن شيئًا لم يكن.
راقبة إيثان وهو يجلس بين زملائه يتحدث ويضحك، نفس الضحكة التي يستخدمها بعد كل مرة يسخر فيها منه.
تجمد في مكانه.
عاد إيثان إلى شروده، يتأمل السماء التي ما زالت رمادية؛ لا شمس ولا مطر، فقط صمت ثقيل يشبه ما في داخله. فكر في الغابة التي سيزورونها، في الأيام الثلاثة بعيدًا عن كل هذا الصخب. ربما تكون فرصة صغيرة للهروب… ولو قليلاً.
في تلك اللحظة، مر جيمس قربه متعمداً الاصطدام بحقيبته، ثم قال بنبرةٍ متعالية: “حاول ألا تتأخر عن الحافلة، لا نريد أن ننتظرك كالعادة، يا بطل الغيبوبة.”
تجمد إيثان، غير مصدق ما سمعه. أدار وجهه نحو جيمس الذي كان يبتسم بسخرية خبيثة وهو يهمس أثناء مروره: “يبدو أننا سنقضي وقتًا ممتعًا معًا، يا بطل.”
التقت عيناه بعيني جيمس. في تلك اللحظة لم تكن نظرته باردة فحسب، بل تحمل سخرية خفيفة نظر إليه كمن يشاهد مشهدًا مكررًا ومملًّا، كأن وجود جيمس نفسه أصبح مزحة باهتة لا تستحق عناء الرد.
المقاعد كانت شبه ممتلئة، الأصوات خافتة، والجميع يتحدث عن الرحلة القادمة كأنه حدث ينتظرونه منذ قرن. لم يلتفت إليه أحد، وهذا بالضبط ما أراده.
تجمد جيمس للحظة، وشعر بشيء غير مريح في تلك النظرة، ثم تمتم بغاضب وغادر.
لم يعلّق إيثان، فقط تنفس بعمق وهو يسحب حقيبته نحو الكوخ الخشبي الذي خُصص لهم.
غمر الصمت المكان، وظل إيثان مستلقيًا على الفراش، يحدق في العتمة بعينين نصف مفتوحتين. كانت كلمات جيمس تدور في رأسه كأصداءٍ لا تهدأ.
راقبة إيثان وهو يجلس بين زملائه يتحدث ويضحك، نفس الضحكة التي يستخدمها بعد كل مرة يسخر فيها منه.
رفع عينيه ببطء، وصوته خافت لكنه ثابت: “نعم… وقّعت.” ثم أضاف بعد لحظة، بابتسامة صغيرة ساخرة: “أعتقد أن الجميع يحتاج إجازة من وجودي.”
زفر بهدوء، وأدار نظره عنه؛ لا غضب في عينيه ولا ضعف، فقط ملل عميق من تكرار المشهد ذاته. أغمض عينيه، مستندًا إلى مقعده.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
رفع الأستاذ ملفًا صغيرًا وقال بصوتٍ واضحٍ وسط الضجيج: “الذين وقع أولياء أمورهم على ورقة الموافقة ودفعوا الرسوم… يتبعوني الآن إلى الساحة الخلفية، سنبدأ بالتجهيز للحافلة الأولى.”
ضحك لوكاس بخفة: “أوه، بدأ العرض!”
تعالت أصوات الكراسي، وترددت ضحكات الطلاب بحماس مفعم بالنشاط الطفولي، عكس الهدوء في ركن إيثان. فتح عينيه بتكاسل ونهض، جسده ما زال متعبًا من آثار ما مر به، لكن ملامحه لم تُظهر شيئًا.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
حمل حقيبته الصغيرة، وانتظر حتى خف الزحام عند الباب قبل أن يخرج.
بينما كانوا يصطفون في الممر الطويل، تعمد جيمس رفع صوته قائلاً: “أتمنى ألا يغمى على أحد هذه المرة، الرحلات ليست مستشفيات متنقلة!”
تجمد جيمس، ثم رسم ابتسامة زائفة، واقترب من أذن إيثان يهمس: “قد تكون محميًا الآن… لكن لن يبقى المعلم بجانبك طوال الوقت.”
ضحك من حوله، لكن إيثان لم يلتفت. ظل يسير بخطوات صامتة، وعيناه تتنقلان ببرود بين الجدران والوجوه.
ابتسم إيثان بدوره، ونظرة عينيه الزرقاوين ثابتة: “وأنا لا أحتاج أحدًا بجانبي… يكفيني أنني لست مثلك.”
عند الساحة الخلفية، كانت الحافلتان بانتظارهم، محركاتهما تهتز، والهواء محمل برائحة الوقود والتراب. أشار الأستاذ: “الصف الثالث في الحافلة الأولى، والصف الرابع في الثانية. اجلسوا بهدوء.”
وجد نفسه في ساحة ساكنة يلفها ضباب أبيض كثيف، والأرض مغطاة بعشب يابس رمادي. لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه، حتى الريح التي كانت تعصف بالغابة اختفت هنا، وكأن الضباب ابتلع كل شيء.
تقدم الجميع يتنافسون على المقاعد الخلفية، أما إيثان، فصعد ببطء متجنبًا الاصطدام بأحد، حتى وجد مقعدًا قرب النافذة في الصف الأخير. أراح رأسه على الزجاج البارد، ينظر إلى السماء التي بدأت تكتسي بلونٍ رمادي أغمق. جلس جيمس في المقعد الأمامي، يلتفت بين حينٍ وآخر بخفية، وكأنه لا يصدق أن إيثان قد جاء فعلاً.
ساد الصمت من جديد.
لم يبدِ إيثان أي اهتمام؛ أخرج من جيبه شظية صغيرة من حجر أبيه التي يحتفظ بها دائمًا، وقلبها بين أصابعه بهدوء بينما تحركت الحافلة ببطء، وتداخل صوت المحرك مع ضجيج الطلاب.
عاد إيثان إلى شروده، يتأمل السماء التي ما زالت رمادية؛ لا شمس ولا مطر، فقط صمت ثقيل يشبه ما في داخله. فكر في الغابة التي سيزورونها، في الأيام الثلاثة بعيدًا عن كل هذا الصخب. ربما تكون فرصة صغيرة للهروب… ولو قليلاً.
جلس في مقعده المعتاد قرب النافذة، حيث يمكنه مراقبة السماء الرمادية خارج المدرسة. أخرج دفترًا قديمًا، تقشرت أطرافه من كثرة الاستعمال، وبدأ يخط عليه خطوطًا متقاطعة بلا معنى. كان كل خط محاولةً صامتة لتفريغ ثقلٍ يخنق صدره شيء لا يمكن قوله ولا كتابته.
توقفت الحافلة بعد رحلة طويلة في طريقٍ ترابي تحيط به الأشجار الكثيفة. ارتفع صوت المعلم: “حسنًا، وصلنا إلى المخيم! الجميع ينزل بهدوء.”
ساد الصمت من جديد.
نزل الطلاب بحماس نحو الساحة الواسعة التي نُصبت فيها الخيام، أما إيثان، فانتظر كالعادة يراقب المساحات الخضراء والنسيم البارد الذي يحمل رائحة التراب المبلل. حين نهض أخيرًا، تعمد جيمس الاصطدام به، ودفعه بقوة أثناء نزوله من الحافلة. سقط إيثان على الأرض الترابية، وانفتحت حقيبته لتتناثر كتبه وأوراقه.
تعالت ضحكات جيمس وجماعته: “ها هو البطل من جديد! يبدو أن الجاذبية تحبك أكثر من اللازم!”
تجمد بعض الطلاب، واكتفى آخرون بالنظر بصمت. رفع إيثان رأسه ببطء، نظر إلى التراب العالق على كفه، ثم مسح وجهه ووقف بهدوء، جمع أوراقه، التفت نحو جيمس بنظرات ساخرة: “الغريب أنك تتحدث كثيرًا… وأنت من لم يستطع أن يرفع رأسه بعد توبيخ المدير لك. هل تعلم؟ بعض الناس لا يتعلمون، حتى لو وُضعوا على ركبهم.”
توقف جيمس، وتنفس بعمق، ثم جلس على الأرض يشعل سيجارة ببطء. صوت الشرارة كسر الصمت، والدخان صعد متراقصًا نحو السقف.
وقف أمام الباب تمامًا، محاصرًا بين ظلامٍ مرعب خلفه ونورٍ مجهولٍ أمامه.
صدرت ضحكة خافتة من الخلف، فاحمر وجه جيمس غضبًا. تقدم خطوة وهو يشد قبضته حتى برزت عروقها، لكن دوى صوت المعلم: “جيمس! لا أريد مشاكل منذ البداية!”
وقف أمام الباب الأسود، مد يده ببطء، وما إن لامس الخشب حتى انفتح الباب وحده انساب تيار هواء دافئ على وجهه، يحمل رائحة خشبٍ جديد امتزجت بعطرٍ خافت لم يستطع تمييزه.
تجمد جيمس، ثم رسم ابتسامة زائفة، واقترب من أذن إيثان يهمس: “قد تكون محميًا الآن… لكن لن يبقى المعلم بجانبك طوال الوقت.”
ابتسم إيثان بدوره، ونظرة عينيه الزرقاوين ثابتة: “وأنا لا أحتاج أحدًا بجانبي… يكفيني أنني لست مثلك.”
“اللعنة… الممر يبدو وكأنه يتحرك…”
استمرت الرحلة طوال النهار، بين التجول في الغابة والتقاط الصور ومساعدة المعلمين في تجهيز مكان المخيم. ومع غروب الشمس، بدأ التعب يظهر على الجميع، فاجتمعوا حول نارٍ صغيرة لتناول العشاء قبل أن يُعلن المعلم المسؤول عن توزيع الغرف.
“مستحيل…! هذا غير منطقي! الساعة تجاوزت الثانية صباحًا.. من أين يأتي هذا النور؟!”
كانت الغرف عبارة عن أكواخ خشبية صغيرة، كل كوخ يتسع لخمسة طلاب..وقف المعلم أمامهم وهو يقرأ الأسماء: “الكوخ رقم 3… جيمس، إيثان، لوكاس، آرون، وسايلس.”
تجمد إيثان، غير مصدق ما سمعه. أدار وجهه نحو جيمس الذي كان يبتسم بسخرية خبيثة وهو يهمس أثناء مروره: “يبدو أننا سنقضي وقتًا ممتعًا معًا، يا بطل.”
النوافذ أصبحت لامعة تعكس صورته، والأرض صارت صلبة ونظيفة.
كانت الغابة صامتة على نحوٍ مريب، لا يُسمع فيها سوى صوت الريح وهي تلامس أوراق الأشجار الجافة.
لم يعلّق إيثان، فقط تنفس بعمق وهو يسحب حقيبته نحو الكوخ الخشبي الذي خُصص لهم.
انعقد حاجباه، وظل يحدق في الضوء المتسلل من أسفل الباب لثوانٍ، وهو يحاول إقناع نفسه بأن ما يراه ليس حقيقيًا.
دخلوا الكوخ الخشبي الصغير، المكان ضيق تفوح منه رائحة الخشب الرطب، يتدلّى من السقف مصباح خافت بالكاد يضيء المكان. ضحك لوكاس قائلاً وهو يرمي حقيبته على أحد الأسرة: “على الأقل عندنا سقف فوق رؤوسنا!”
اقترب ببطءٍ شديد من الباب كلما اقترب، ازداد دفء الهواء حوله، بينما بقيت الأرض تحت قدميه باردة كالجليد، حتى بدا كأنه يقف بين فصلين مختلفين.
بينما جلس إيثان بصمت على السرير القريب من النافذة، محاولًا تجاهلهم.
زحف عبر الفتحة تاركاً وراءه العالم بأسره.
حل الليل وساد الهدوء… حتى خيل لإيثان أن الجميع ناموا. فجأة، داهمته لكمة قوية على جانبه جعلته يختنق بالألم. فتح عينيه بسرعة ليجد جيمس واقفًا فوقه بتلك الابتسامة الشيطانية.
ضحك لوكاس بخفة: “أوه، بدأ العرض!”
“ليحدث ما يحدث.. لم يعد لدي ما أخسره على أي حال. فلنرَ ما تخفيه خلفك!”
وانضم آرون وسايلس يمسكون بإيثان لشل حركته، بينما جيمس ينهال عليه بضربات صامتة وقاسية، والضحكات المكتومة تملأ المكان كأنهم يستمتعون بتعذيب صيد واهن.
رفع عينيه ببطء، وصوته خافت لكنه ثابت: “نعم… وقّعت.” ثم أضاف بعد لحظة، بابتسامة صغيرة ساخرة: “أعتقد أن الجميع يحتاج إجازة من وجودي.”
تراجع خطوة، وقلبه يخفق بعنف: “لكنهم قالوا… لا أحد تمكن من فتحه.”
همس إيثان وهو يصارع لجر الهواء إلى رئتيه: “أنتم… جبناء.”
توقف جيمس، وتنفس بعمق، ثم جلس على الأرض يشعل سيجارة ببطء. صوت الشرارة كسر الصمت، والدخان صعد متراقصًا نحو السقف.
فتح الباب بصرير خافت، ووقف عند العتبة يستقبل الهواء البارد الذي صفع وجهه المرهق. رفع عينيه نحو القمر المختبئ خلف الغيوم. في صدره، لم يكن هناك خوف… بل فراغ تام.
نفث الدخان قائلاً بنبرة متباطئة مريبة: “تعرفون… سمعت عن أسطورة قديمة في هذا المكان. قبل سنواتٍ طويلة، كان هناك منزل قديم على بُعد كيلومترٍ واحدٍ من المخيم. دخل إليه توأمان في إحدى الليالي الماطرة لاختبار شجاعتهما… لكنّهما لم يخرجا أبدًا.”
النوافذ أصبحت لامعة تعكس صورته، والأرض صارت صلبة ونظيفة.
ساد الصمت ولم يبقى سوى صوت احتراق السيجارة. تابع جيمس وعيناه تلمعان: “حاول الناس كسر الباب، إحراقه، أو حتى خدش الجدران المحيطة به.. لكن المكان كان يرفض الأذى، كأنه جزء من لعنة أبدية. وفي النهاية، بنوا حوله سورًا حتى لا يقترب منه أحد مجددًا. والمنزل ما زال هناك… قريبٌ جدًا منا.”
تشنج فكه، وأخذت عيناه تتنقلان بين المائدة والكراسي والجدران بسرعة.
ضحك سايلس بخفة: “أساطير مخيمات لا أكثر.”
أطفأ جيمس سيجارته على الأرض: “لننم الآن، وغداً نذهب لرؤية هذه الأسطورة.”
ساد صمت قصير، والتفت بعض الطلاب نحوه بارتباك، بينما ضحك آخرون بخفة، غير مدركين أنه لا يمزح. المعلم اكتفى بنظرة سريعة ثم واصل حديثه كأن شيئًا لم يكن.
غمر الصمت المكان، وظل إيثان مستلقيًا على الفراش، يحدق في العتمة بعينين نصف مفتوحتين. كانت كلمات جيمس تدور في رأسه كأصداءٍ لا تهدأ.
نزل الطلاب بحماس نحو الساحة الواسعة التي نُصبت فيها الخيام، أما إيثان، فانتظر كالعادة يراقب المساحات الخضراء والنسيم البارد الذي يحمل رائحة التراب المبلل. حين نهض أخيرًا، تعمد جيمس الاصطدام به، ودفعه بقوة أثناء نزوله من الحافلة. سقط إيثان على الأرض الترابية، وانفتحت حقيبته لتتناثر كتبه وأوراقه.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
شعر بكل كدمة في جسده تصرخ بالألم مع كل نبضة، لكن الفضول كان أقوى. جلس ببطء، كابتاً أنينه كي لا يوقظهم. ارتدى سترته الصوفية المهترئة، وشدّ الضمادات حول ذراعه وجسده بإحكام، ثم تسلل خارجاً.
تقدم في أرجاء المنزل بخطواتٍ حذرة، وعيناه تجوبان الجدران بحثًا عن نافذةٍ مفتوحة أو مخرجٍ آخر. مر بممرٍ طويل يمتد في عمق المكان، تكسوه أضواء خافتة تومض ببطء، حتى خيل إليه أنها تتنفس.
فتح الباب بصرير خافت، ووقف عند العتبة يستقبل الهواء البارد الذي صفع وجهه المرهق. رفع عينيه نحو القمر المختبئ خلف الغيوم. في صدره، لم يكن هناك خوف… بل فراغ تام.
بينما كانوا يصطفون في الممر الطويل، تعمد جيمس رفع صوته قائلاً: “أتمنى ألا يغمى على أحد هذه المرة، الرحلات ليست مستشفيات متنقلة!”
“وما الخسارة إن مت؟” تساءل في نفسه بمرارة، “هل هناك ما يمكن أن أندم عليه أصلًا؟”
يراقب ذلك النور المنساب من تحته. لم يكن نورًا عاديًا، بل كان يبث دفئًا غريبًا يلامس جلده البارد، دفءٌ يخرج من أعماق الغرفة.
لم يكن يملك شيئًا؛ لا حبًّها، ولا منزلاً، ولا أحدًا ينتظره. لم يبقَ له سوى ذلك الخيط الرفيع بين الحياة والموت: الفضول.
بدأ يسير في الطريق المؤدي إلى الغابة، خطواته تغوص في التراب الرطب، وصوتها يتلاشى وسط صفير الريح. كل شجرةٍ كان يمر بها بدت كأنها تراقبه بعينٍ خفية، وكل ظلٍّ يمرّ بجانبه كان يشبه شبحًا يتبعه في صمت.
وضع يده على الحائط ليستعيد توازنه، بينما أخذت أنفاسه تتسارع ليشعر بالجدران تضيق حوله
ارتجف جسده لكنه قاوم خوفه كل ما أراده هو أن يرى… أن يعرف. أن يكتشف إن كانت تلك القصة أكثر من مجرد أسطورةٍ سخيفةٍ رواها صبي مغرور.
كان هناك منزلاً ضخمًا ومثيراً للاضطراب، جدرانه مائلة للسواد ونوافذه مغلقة بستائر مهترئة. لكن كلما تقدم خطوة، بدا المنزل أقل خراباً وأكثر حياة!
واصل السير مكرهًا حتى لمح في نهاية الممر بابًا آخر؛ الباب الوحيد غير ذاك الذي أغلق في وجهه. كان مختلفًا تمامًا، مطليًا بلونٍ أبيض ناعم، تتسلل من أسفله خيوط ضوءٍ ذهبي دافئ يشبه نور الصباح.
كانت الغابة صامتة على نحوٍ مريب، لا يُسمع فيها سوى صوت الريح وهي تلامس أوراق الأشجار الجافة.
رفع الأستاذ ملفًا صغيرًا وقال بصوتٍ واضحٍ وسط الضجيج: “الذين وقع أولياء أمورهم على ورقة الموافقة ودفعوا الرسوم… يتبعوني الآن إلى الساحة الخلفية، سنبدأ بالتجهيز للحافلة الأولى.”
كان الكرسي دافئًا.
الليل يزداد عمقًا، والقمر نصف مختفٍ خلف الغيوم، ينثر ضوءًا شاحبًا بالكاد يضيء الطريق أمام إيثان.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
كان يسير بين الأشجار بخطواتٍ مترددة، أنفاسه تتصاعد مع البرد، وعيناه تبحثان بلهفةٍ عن أي أثرٍ للمنزل الذي سمع عنه في تلك الأسطورة.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
ساد الصمت من جديد.
كان السور مبنيًا من حجارة رمادية داكنة متداخلة بإحكام، كأنها صُنعت لتحبس شيئاً بالداخل لا لتحمي من بالخارج. تقدم إيثان ببطء وتحسس الجدار البارد كالجليد. دار حوله حتى لمح فتحة ضيقة عند القاعدة مغطاة بالأغصان.
“تبًا! ما هذا الجنون؟!”
جثا على ركبتيه متأوهاً من كدماته، وأزاح الفروع بحذر. كانت الفتحة كأنها حُفرت عمداً كمدخل خفي منذ زمن بعيد. نظر خلفه إلى الغابة، ثم إلى الفتحة التي انبعثت منها نسمة هواء دافئة رغم بروده الجو. ابتسم بوهن وتمتم: “إن كانت هذه نهايتي… فلتكن غامضة على الأقل.”
نفث الدخان قائلاً بنبرة متباطئة مريبة: “تعرفون… سمعت عن أسطورة قديمة في هذا المكان. قبل سنواتٍ طويلة، كان هناك منزل قديم على بُعد كيلومترٍ واحدٍ من المخيم. دخل إليه توأمان في إحدى الليالي الماطرة لاختبار شجاعتهما… لكنّهما لم يخرجا أبدًا.”
زحف عبر الفتحة تاركاً وراءه العالم بأسره.
رفع الأستاذ ملفًا صغيرًا وقال بصوتٍ واضحٍ وسط الضجيج: “الذين وقع أولياء أمورهم على ورقة الموافقة ودفعوا الرسوم… يتبعوني الآن إلى الساحة الخلفية، سنبدأ بالتجهيز للحافلة الأولى.”
وجد نفسه في ساحة ساكنة يلفها ضباب أبيض كثيف، والأرض مغطاة بعشب يابس رمادي. لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه، حتى الريح التي كانت تعصف بالغابة اختفت هنا، وكأن الضباب ابتلع كل شيء.
كان هناك منزلاً ضخمًا ومثيراً للاضطراب، جدرانه مائلة للسواد ونوافذه مغلقة بستائر مهترئة. لكن كلما تقدم خطوة، بدا المنزل أقل خراباً وأكثر حياة!
تجمد جيمس للحظة، وشعر بشيء غير مريح في تلك النظرة، ثم تمتم بغاضب وغادر.
النوافذ أصبحت لامعة تعكس صورته، والأرض صارت صلبة ونظيفة.
ساد الصمت من جديد.
“هل يمازحني أحد؟ جيمس؟ هل هذه خدعة مقيتة أخرى منك ومن رفاقك؟”
وقف أمام الباب الأسود، مد يده ببطء، وما إن لامس الخشب حتى انفتح الباب وحده انساب تيار هواء دافئ على وجهه، يحمل رائحة خشبٍ جديد امتزجت بعطرٍ خافت لم يستطع تمييزه.
تراجع خطوة، وقلبه يخفق بعنف: “لكنهم قالوا… لا أحد تمكن من فتحه.”
سحب يده بسرعة، ثم أعاد لمسَه مرةً أخرى مترددًا، وكأنه يرفض تصديق ما شعر به. لم يكن مجرد دفءٍ عابر… بل احتفظ بحرارة شخصٍ غادره قبل لحظات، حتى خيل إليه أن صاحب ذلك المقعد قد نهض قبل وصوله بثوانٍ فقط.
أطفأ جيمس سيجارته على الأرض: “لننم الآن، وغداً نذهب لرؤية هذه الأسطورة.”
دفعت الريح الباب ليفتح فاستجمع شجاعته وعبر العتبة. فور دخوله، انغلق الباب خلفه بقوة هائلة ارتد صداها كضربة مطرقة!
وانضم آرون وسايلس يمسكون بإيثان لشل حركته، بينما جيمس ينهال عليه بضربات صامتة وقاسية، والضحكات المكتومة تملأ المكان كأنهم يستمتعون بتعذيب صيد واهن.
حاول فتحه، ركله، ونادى بأعلى صوته.. لكنه أصبح كجزء من الجدار بلا أي مخرج.
التفت ليرى المفاجأة؛ المنزل من الداخل جديد تمامًا كأنه بُني هذا الصباح. الأرضيات لامعة، والمصابيح تنشر ضوءًا دافئًا، ورائحة الخشب الطازج تعبق في المكان مع عطر زهورٍ بيضاء، بينما كانت المائدة مرتبة بعناية، تتوسطها الصحون والأكواب كأن أحدهم أعدها قبل لحظات.
وقف أمام الباب الأسود، مد يده ببطء، وما إن لامس الخشب حتى انفتح الباب وحده انساب تيار هواء دافئ على وجهه، يحمل رائحة خشبٍ جديد امتزجت بعطرٍ خافت لم يستطع تمييزه.
تردد لبرهة، ثم تقدم نحوها بخطواتٍ حذرة. كان وقع قدميه مكتومًا على نحوٍ غريب، كأن المنزل يبتلع الأصوات قبل أن تولد.
“مستحيل…! هذا غير منطقي! الساعة تجاوزت الثانية صباحًا.. من أين يأتي هذا النور؟!”
توقف إلى جوار أحد الكراسي، ومد يده ببطء حتى لامست أصابعه ظهره الخشبي.
توقف إلى جوار أحد الكراسي، ومد يده ببطء حتى لامست أصابعه ظهره الخشبي.
كان يسير بين الأشجار بخطواتٍ مترددة، أنفاسه تتصاعد مع البرد، وعيناه تبحثان بلهفةٍ عن أي أثرٍ للمنزل الذي سمع عنه في تلك الأسطورة.
تجمد في مكانه.
رفع الأستاذ ملفًا صغيرًا وقال بصوتٍ واضحٍ وسط الضجيج: “الذين وقع أولياء أمورهم على ورقة الموافقة ودفعوا الرسوم… يتبعوني الآن إلى الساحة الخلفية، سنبدأ بالتجهيز للحافلة الأولى.”
كان الكرسي دافئًا.
“ليحدث ما يحدث.. لم يعد لدي ما أخسره على أي حال. فلنرَ ما تخفيه خلفك!”
سحب يده بسرعة، ثم أعاد لمسَه مرةً أخرى مترددًا، وكأنه يرفض تصديق ما شعر به. لم يكن مجرد دفءٍ عابر… بل احتفظ بحرارة شخصٍ غادره قبل لحظات، حتى خيل إليه أن صاحب ذلك المقعد قد نهض قبل وصوله بثوانٍ فقط.
كان الكرسي دافئًا.
رفع الأستاذ ملفًا صغيرًا وقال بصوتٍ واضحٍ وسط الضجيج: “الذين وقع أولياء أمورهم على ورقة الموافقة ودفعوا الرسوم… يتبعوني الآن إلى الساحة الخلفية، سنبدأ بالتجهيز للحافلة الأولى.”
تراجع إيثان خطوتين إلى الوراء، وارتطمت ساقه بحافة الطاولة. حدق في المكان بعينين متسعتين، قبل أن تنفلت الكلمات من بين شفتيه:
أدار المقبض ببطء، وبدأ الباب ينفتح ببطء شديد.
“تبًا! ما هذا الجنون؟!”
كان الكرسي دافئًا.
همس إيثان وهو يصارع لجر الهواء إلى رئتيه: “أنتم… جبناء.”
مرر كفه على جبينه بعصبية، وأخذ يلتفت في أرجاء المنزل كأنه ينتظر خروج أحد من الظلال.
النوافذ أصبحت لامعة تعكس صورته، والأرض صارت صلبة ونظيفة.
“هل يمازحني أحد؟ جيمس؟ هل هذه خدعة مقيتة أخرى منك ومن رفاقك؟”
تقدم في أرجاء المنزل بخطواتٍ حذرة، وعيناه تجوبان الجدران بحثًا عن نافذةٍ مفتوحة أو مخرجٍ آخر. مر بممرٍ طويل يمتد في عمق المكان، تكسوه أضواء خافتة تومض ببطء، حتى خيل إليه أنها تتنفس.
لم يجبه سوى صدى صوته.
تعالت أصوات الكراسي، وترددت ضحكات الطلاب بحماس مفعم بالنشاط الطفولي، عكس الهدوء في ركن إيثان. فتح عينيه بتكاسل ونهض، جسده ما زال متعبًا من آثار ما مر به، لكن ملامحه لم تُظهر شيئًا.
مرر كفه على جبينه بعصبية، وأخذ يلتفت في أرجاء المنزل كأنه ينتظر خروج أحد من الظلال.
تشنج فكه، وأخذت عيناه تتنقلان بين المائدة والكراسي والجدران بسرعة.
غمر الصمت المكان، وظل إيثان مستلقيًا على الفراش، يحدق في العتمة بعينين نصف مفتوحتين. كانت كلمات جيمس تدور في رأسه كأصداءٍ لا تهدأ.
“لا… مستحيل أن يفعلوا هذا. وهذا الكرسي دافئ… كأن أحدهم كان هنا قبل أن أطأ عتبة الباب بنصف ثانية.”
تقدم في أرجاء المنزل بخطواتٍ حذرة، وعيناه تجوبان الجدران بحثًا عن نافذةٍ مفتوحة أو مخرجٍ آخر. مر بممرٍ طويل يمتد في عمق المكان، تكسوه أضواء خافتة تومض ببطء، حتى خيل إليه أنها تتنفس.
همس إيثان وهو يصارع لجر الهواء إلى رئتيه: “أنتم… جبناء.”
ساد الصمت من جديد.
سحب يده بسرعة، ثم أعاد لمسَه مرةً أخرى مترددًا، وكأنه يرفض تصديق ما شعر به. لم يكن مجرد دفءٍ عابر… بل احتفظ بحرارة شخصٍ غادره قبل لحظات، حتى خيل إليه أن صاحب ذلك المقعد قد نهض قبل وصوله بثوانٍ فقط.
تقدم في أرجاء المنزل بخطواتٍ حذرة، وعيناه تجوبان الجدران بحثًا عن نافذةٍ مفتوحة أو مخرجٍ آخر. مر بممرٍ طويل يمتد في عمق المكان، تكسوه أضواء خافتة تومض ببطء، حتى خيل إليه أنها تتنفس.
كان السور مبنيًا من حجارة رمادية داكنة متداخلة بإحكام، كأنها صُنعت لتحبس شيئاً بالداخل لا لتحمي من بالخارج. تقدم إيثان ببطء وتحسس الجدار البارد كالجليد. دار حوله حتى لمح فتحة ضيقة عند القاعدة مغطاة بالأغصان.
وضع يده على الحائط ليستعيد توازنه، بينما أخذت أنفاسه تتسارع ليشعر بالجدران تضيق حوله
جثا على ركبتيه متأوهاً من كدماته، وأزاح الفروع بحذر. كانت الفتحة كأنها حُفرت عمداً كمدخل خفي منذ زمن بعيد. نظر خلفه إلى الغابة، ثم إلى الفتحة التي انبعثت منها نسمة هواء دافئة رغم بروده الجو. ابتسم بوهن وتمتم: “إن كانت هذه نهايتي… فلتكن غامضة على الأقل.”
ساد صمت قصير، والتفت بعض الطلاب نحوه بارتباك، بينما ضحك آخرون بخفة، غير مدركين أنه لا يمزح. المعلم اكتفى بنظرة سريعة ثم واصل حديثه كأن شيئًا لم يكن.
“اللعنة… الممر يبدو وكأنه يتحرك…”
بينما جلس إيثان بصمت على السرير القريب من النافذة، محاولًا تجاهلهم.
كان الكرسي دافئًا.
واصل السير مكرهًا حتى لمح في نهاية الممر بابًا آخر؛ الباب الوحيد غير ذاك الذي أغلق في وجهه. كان مختلفًا تمامًا، مطليًا بلونٍ أبيض ناعم، تتسلل من أسفله خيوط ضوءٍ ذهبي دافئ يشبه نور الصباح.
وضع يده على الحائط ليستعيد توازنه، بينما أخذت أنفاسه تتسارع ليشعر بالجدران تضيق حوله
“ليحدث ما يحدث.. لم يعد لدي ما أخسره على أي حال. فلنرَ ما تخفيه خلفك!”
توقف في مكانه، ثم التفت بسرعة نحو النافذة القريبة؛ فرأى ظلامًا دامسًا في الخارج، والسماء سوداء بلا نجوم، والوقت منتصف الليل…
كان يسير بين الأشجار بخطواتٍ مترددة، أنفاسه تتصاعد مع البرد، وعيناه تبحثان بلهفةٍ عن أي أثرٍ للمنزل الذي سمع عنه في تلك الأسطورة.
انعقد حاجباه، وظل يحدق في الضوء المتسلل من أسفل الباب لثوانٍ، وهو يحاول إقناع نفسه بأن ما يراه ليس حقيقيًا.
“مستحيل…! هذا غير منطقي! الساعة تجاوزت الثانية صباحًا.. من أين يأتي هذا النور؟!”
نزل الطلاب بحماس نحو الساحة الواسعة التي نُصبت فيها الخيام، أما إيثان، فانتظر كالعادة يراقب المساحات الخضراء والنسيم البارد الذي يحمل رائحة التراب المبلل. حين نهض أخيرًا، تعمد جيمس الاصطدام به، ودفعه بقوة أثناء نزوله من الحافلة. سقط إيثان على الأرض الترابية، وانفتحت حقيبته لتتناثر كتبه وأوراقه.
اقترب ببطءٍ شديد من الباب كلما اقترب، ازداد دفء الهواء حوله، بينما بقيت الأرض تحت قدميه باردة كالجليد، حتى بدا كأنه يقف بين فصلين مختلفين.
يراقب ذلك النور المنساب من تحته. لم يكن نورًا عاديًا، بل كان يبث دفئًا غريبًا يلامس جلده البارد، دفءٌ يخرج من أعماق الغرفة.
وقف أمام الباب تمامًا، محاصرًا بين ظلامٍ مرعب خلفه ونورٍ مجهولٍ أمامه.
دخل إيثان الصف بخطواتٍ هادئة ومتزنة.
استمر في السير حتى انكشفت أمامه مساحة واسعة تتوسطها جدران حجرية ضخمة تشكّل سورًا عملاقًا يمتد إلى الأفق.
أغمض عينيه للحظة، ثم أطلق زفرة طويلة قبل أن تلتف أصابعه حول المقبض الذهبي.
جلس في مقعده المعتاد قرب النافذة، حيث يمكنه مراقبة السماء الرمادية خارج المدرسة. أخرج دفترًا قديمًا، تقشرت أطرافه من كثرة الاستعمال، وبدأ يخط عليه خطوطًا متقاطعة بلا معنى. كان كل خط محاولةً صامتة لتفريغ ثقلٍ يخنق صدره شيء لا يمكن قوله ولا كتابته.
“ليحدث ما يحدث.. لم يعد لدي ما أخسره على أي حال. فلنرَ ما تخفيه خلفك!”
وضع يده على الحائط ليستعيد توازنه، بينما أخذت أنفاسه تتسارع ليشعر بالجدران تضيق حوله
عند الساحة الخلفية، كانت الحافلتان بانتظارهم، محركاتهما تهتز، والهواء محمل برائحة الوقود والتراب. أشار الأستاذ: “الصف الثالث في الحافلة الأولى، والصف الرابع في الثانية. اجلسوا بهدوء.”
أدار المقبض ببطء، وبدأ الباب ينفتح ببطء شديد.
واصل السير مكرهًا حتى لمح في نهاية الممر بابًا آخر؛ الباب الوحيد غير ذاك الذي أغلق في وجهه. كان مختلفًا تمامًا، مطليًا بلونٍ أبيض ناعم، تتسلل من أسفله خيوط ضوءٍ ذهبي دافئ يشبه نور الصباح.
