Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

اتضح أنني من عشيرة الأشرار! 153

PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

153

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ

وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.

الفصل 153: انتصار المقبرة

فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.

كانت رائحة الدخان الخانق ونقع الدماء الزكية تفوح في غلاف الهواء وتملأ الأرجاء عندما وطئت قدما البطل (باي تشيهان) ساحة المعركة المدمرة.

وتحول هذا النزال الحامي إلى مواجهة ثنائية فردية طاحنة وباسلة بين البطل (باي تشيهان) والوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة.

وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.

واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.

اقـطـع! اقـطـع!

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.

ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.

فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.

فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.

«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»

إذ كانت فريسته الحقيقية وغايته الكبرى… هي رصد ذلك الكائن المسؤول عن إحداث هذه الفوضى العارمة وهدم أسوار المدينة الحصينة، مما تسبب في تمكين وتدفق المزيد من جحافل الوحوش النَاغُورية واكتساحها للمدينة الداخلية.

هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.

‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›

لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.

اقـطـع! اقـطـع!

ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

اقـطـع! اقـطـع!

واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.

«إن هذه المخلوقات ما هي إلا حشرات واهنة…»

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.

وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.

ثم بعد ذلك فجأة-

فجأر الوحش وزأر مرة أخرى بصوت تدميري ملأ الفضاء، بعد أن حل جنون الموت والرغبة العارمة في الانتقام محل مشاعر الألم والوجع في صدره.

بـوووووم!

«…»

«ما الذي استجد وما عساه أن يكون هذا الصوت المروع فسروا لي؟!»

فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

فقد كان يوجه كل نظراته الحادة وصوب اهتمامه نحو موضع رفيقه البطل ‘هونغ تاو’.

ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.

وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.

وفي واقع الأمر والصدق؟ فقد شعر في قرارة نفسه بشيء من الإعجاب والتقدير لذكاء وجسارة ذلك الشخص الذي فكر ودبر وتوصل إلى بناء مثل هذه الخطة المتهورة والقاسية، ولكنها في ذات الوقت ذكية ومحكمة للقضاء على خطر وحش نَاغُوري من الدرجة الثالثة والبطش به.

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.

«…»

ومع هذا الإعجاب، لم يكن متأكداً بشكل جازم مما إذا كانت القوة الناتجة عن هذا التفجير ستكون كافية وحدها لإبادة واستئصال شأفة وحش نَاغُوري من هذا الطراز العاتي من الدرجة الثالثة.

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

وكل ما كان بمقدوره فعله في تلك اللحظات هو عقد الأمل في نفسه بأنه حتى لو لم يفضِ الانفجار إلى إزهاق روحه فوراً، فإنه على أقل تقدير قد ألحق بجسده إصابات بالغة وأضعف قوته.

فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.

فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

وعند وصوله، وجده شاخصاً في موضعه هناك.

فأشرق نصل سيفه وتوهج المعدن – ووجه طعنة واحدة نظيفة، قاطعة، ومحكمة مستقيمة –

إنه الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة، ولا يزال يحتفظ بحياته ولم يمت بعد.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.

تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN

ولكن، لفت انتباهه واستأثر باهتمامه شخص آخر كان وجوده أوقع في نفسه وأشد تأثيراً.

ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.

إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!

وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.

وقد بدا جسده منهكاً للغاية، وممزق الأوصال إرباً إرباً، وبالكاد يتردد النفس في صدره ويقترب من الخفوت والتلاشي.

إنـتـهـــــى الـفـصــــل, اللهم إنا نؤمن بك وحدك لا شريك لك، فاحفظنا من الشرك وأفكاره، ونجنا من كل سوء، وثبت قلوبنا على التوحيد والإخلاص لك.

لقد فات أوان الإنقاذ وسبق السيف العذل، ولم يعد بمقدوره فعل شيء لإنقاذ حياته!

ومع هذا الإعجاب، لم يكن متأكداً بشكل جازم مما إذا كانت القوة الناتجة عن هذا التفجير ستكون كافية وحدها لإبادة واستئصال شأفة وحش نَاغُوري من هذا الطراز العاتي من الدرجة الثالثة.

«…»

ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.

«وليكن التدبير الآن هو القتل والبطش بالعدو!»

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

وقفز (باي تشيهان) نحو الأمام بجسارة وعزم، مستقبلاً الوحش ووجهاً لوجه في واجهة الميدان.

وتلاشت صيحات الفرح والابتهاج بالنصر ببطء وتدريج، وغرقت وتبدلت بأصوات البكاء والنحيب، وفي أنين وعويل أولئك الثكالى والمفجوعين الذين وجدوا أجساد من يحبونهم ويعز عليهم أمرهم محطمة وممزقة الأوصال تحت ركام الأنقاض والحطام، أو محترقة ومتفحمة لدرجة يصعب معها التعرف على ملامح أصحابها، أو ممزقة بفعل مخالب الوحوش الغاشمة.

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.

وثبت عيناه القرمزيتان والملتهبتان بالشر توجها نحو شخص (باي تشيهان).

وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.

وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.

فربما استمرت لزمن يسير يقارب الدقيقة الواحدة – أو دقيقتين اثنتين على أقصى تقدير في حساب الوقت.

لقد كان الوحش يشرف على الهلاك والزوال حتماً – فنصف جسده الهائل قد استحال متفحماً من أثر لهيب الانفجار، وذراع واحدة من أطرافه باتت تتدلى إلى جانبه عاجزة ومحرومة من الحراك، وكانت مشيته مضطربة ومترنحة ل غياب التوازن.

فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.

ولكنه رغم كل هذا التشويه والضعف ظل قائماً على قدميه يصارع ب غطرسة.

فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.

وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.

وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.

فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»

ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.

زئـيـر!

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

الفصل 153: انتصار المقبرة

ووش!

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

وتحرك (باي تشيهان) في ذات اللحظة وبسرعة خاطفة تنافس الريح.

وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.

فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.

تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.

وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.

نظراً لأنه كان يدرك في أعماق وجدانه وتفكيره الروحي أن سائر هذه الأمور المحيطة به لا تحمل صفة الديمومة أو الحقيقة المطلقة.

فانحنى (باي تشيهان) بجسده منخفضاً نحو الأسفل بخفة متناهية، والتوى وانحرف متفادياً ببراعة وقوع الضربة القاتلة، ووجه في ذات الوقت ضربة قاطعة ومحكمة بسيفه – فأحدث شقاً غائراً ممتداً بشكل قطري عبر جانب جسد الوحش، ممزقاً حراشفه المتفحمة وعضلاته المحترقة وموجعاً إياه.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.

بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.

ولكنه وجد الخصم قد تلاشى واختفى من أمام ناظريه في لمحة عين.

وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.

ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

ولكن نصل الشفرة الحادة لم ينفذ بعمق كبير في الداخل.

فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.

نظراً لأن جلد الوحش في ذلك الموضع كان سميكاً للغاية، وصلباً ومقاوماً للقطع.

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

فوجه (باي تشيهان) ركلة قوية نحو صدر الوحش وارتد وانقلب نحو الخلف بخفة ورشاقة ليؤمن موقعه.

وقفز (باي تشيهان) نحو الأمام بجسارة وعزم، مستقبلاً الوحش ووجهاً لوجه في واجهة الميدان.

وهبط على قدميه وثبت في موضعه وهو يتنفس الصعداء ويلهث قليلاً من أثر المجهود العنيف.

ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.

زئـيـر!

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

فجأر الوحش وزأر مرة أخرى بصوت تدميري ملأ الفضاء، بعد أن حل جنون الموت والرغبة العارمة في الانتقام محل مشاعر الألم والوجع في صدره.

والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.

واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.

«ما الذي استجد وما عساه أن يكون هذا الصوت المروع فسروا لي؟!»

واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.

واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.

فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.

وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.

ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.

والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.

فأخذ الوحش يتخبط في حركته يمنة ويسرة، مصاباً ب العمى من أحد جانبيه – ولكنه رغم هذا النكال والنزيف لم يسقط صريعاً بعد.

وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.

إذ رفض الاستسلام وواصل المقاومة بضراوة وعناد.

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

وتحول هذا النزال الحامي إلى مواجهة ثنائية فردية طاحنة وباسلة بين البطل (باي تشيهان) والوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة.

واستمر في الضغط العنيف ومحاصرة خصمه ل يسحق بأسه.

وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.

وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

• • •

ولم يكن بمقدورهم التدخل بأي حال من الأحوال جراء الفزع.

ووش!

فقد كان هذا الخطب الجسيم وعظم هذه المعركة يفوق بكثير حدود طاقاتهم وقدراتهم البشرية المتاحة.

لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.

لقد كانت هذه المواجهة بحق معركة كبرى تدور بين وحوش كاسرة لا ترحم.

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.

• • •

وتمزقت أثواب (باي تشيهان) ودرعه وتلطخت بالدماء، وتعرّض نصل سيفه للثلم والكسر جراء شدة الضربات واصطدامه بالجلد الصخري، وأخذت طاقته الحيوية وقوة “التشي” تتآكل وتضعف عند الأطراف من فرط الإنهاك.

وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

وقد بدا جسده منهكاً للغاية، وممزق الأوصال إرباً إرباً، وبالكاد يتردد النفس في صدره ويقترب من الخفوت والتلاشي.

وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.

وقد بدا جسده منهكاً للغاية، وممزق الأوصال إرباً إرباً، وبالكاد يتردد النفس في صدره ويقترب من الخفوت والتلاشي.

واستمر في الضغط العنيف ومحاصرة خصمه ل يسحق بأسه.

وقبضت أصابع يديها بقوة بالغة على جانبي جسدها تعبيراً عن الحزم وتجدد العزيمة في صدرها.

«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»

لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.

صرخ بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالكبرياء والغطرسة، وصوب عينه ونظراته الحادة وثبتها نحو عين الوحش السليمة والمتبقية الوحيدة ليحرمه من الرؤية.

ولكنه رغم كل هذا التشويه والضعف ظل قائماً على قدميه يصارع ب غطرسة.

«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»

ولكنه وجد الخصم قد تلاشى واختفى من أمام ناظريه في لمحة عين.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.

فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.

بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.

وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.

فأشرق نصل سيفه وتوهج المعدن – ووجه طعنة واحدة نظيفة، قاطعة، ومحكمة مستقيمة –

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

استقرت ونفذت مباشرة عبر سقف فم الوحش المفتوح وجوفه.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

كـسـر!

واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.

واخترقت الشفرة الحادة وبقوة بالغة الجزء العلوي من جمجمته الصلبة ونفذت منها.

وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.

فانتفض الوحش المريع واهتز جسده بالكامل هزة عنيفة تعبيراً عن سكرات الموت.

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

ثم تجمد في موضعه وتوقف حراكه تماماً.

وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.

وتوقفت مخالبه القوية السليمة وهوت على مسافة بوصات قليلة وصغيرة تفصلها عن عنق ورقبة (باي تشيهان) دون أن تتمكن من لمسه أو إيذائه.

هكذا تحدث (باي تشيهان) ب عبارات التفاخر والكبرياء الصادق، وهو قول يحمل نصيباً كبيراً من الحق والصدق بالنظر إلى أصله ومقامه.

ثم بعد ذلك –

ثم تجمد في موضعه وتوقف حراكه تماماً.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

ومع كل هذا الحزن والأسى المحيط بهم، كان لزاماً عليهم حتماً مواصلة السير والمضي قدماً في مسيرة الحياة، وفاءً لأنفسهم وحفاظاً على وجودهم، وإكراماً لأرواح أولئك الأبطال الأباة الذين جادوا بكل شيء وتنازلوا عن حياتهم في سبيل إبقائهم على قيد الحياة وتنفس الصعداء في أمان.

وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.

وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.

لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.

كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.

«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»

ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.

هكذا تحدث (باي تشيهان) ب عبارات التفاخر والكبرياء الصادق، وهو قول يحمل نصيباً كبيراً من الحق والصدق بالنظر إلى أصله ومقامه.

فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.

ولكن، كان إقدامه على هذا التفاخر نابعاً أيضاً من كونه قد وجد أن هذا الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة كان يملك بأساً شديداً وقوة صمود تفوق بكثير ما استقر في تقديره وظنه في بداية المعركة لإبادته.

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

فبصفته مزارعاً متمرساً حظي في أوقاته السابقة بالوصول والاستقرار في مراتب عالم [أصل الروح] الرفيعة، فإن العجز عن حسم هذه المعركة بسرعة قد سبب جرحاً لكبريائه وأثار حفيظته؛ على الرغم من إدراكه الكامل ومعرفته بأن هذا الجسد البشري الضعيف الحالي لا يمثل حقيقته ومقامه الأصلي.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ

وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.

فانتفض الوحش المريع واهتز جسده بالكامل هزة عنيفة تعبيراً عن سكرات الموت.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.

وانطلقت هتافات النصر والفرح المدوية تهز أركان المكان.

ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.

«أجل والله، قد تحقق المأرب ونجح التدبير بأيدينا وبذلنا المخلص!»

• • •

لقد كُتب لنا الفوز وانجلت الغمة!

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

«إن الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة قد هلك وسقط صريعاً ومات حتماً!»

ملك سمات الفنون القتالية

• • •

وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.

ورفع جنود المدينة أسلحتهم ومعداتهم عاليًا احتفاءً بالنصر، وصاحت فئات وجماعات اللاجرين تلهج باسمه وتهتف بحياته وتثني على شجاعته.

«فخذوا ما تحتاجون إليه من وقت لتجرع الحزن وبكاء الراحلين ومواساة النفوس. ودعوا قلوبكم تنفطر لوعاً؛ فهذه المشاعر الإنسانية النبيلة والرحمة هي ما تجعلنا بشراً نحمل دماء أحرار في عروقنا. ولكن إياكم أن يتطرق النسيان إلى عقولكم أو يغيب عن بالكم حقيقة الإنجاز – لقد دحرنا الأعداء وسحقنا جمعهم الباطل ب بأسنا. ووقفنا بثبات وجسارة في وجه تلك الجحافل الهائلة ولم تسقط رايتنا ولم ينحنِ بنياننا. وهذا هو نصرنا المؤزر الذي صنعناه. نصر صلب تطلب بذل الكثير. نصر شاق كُتب بدماء وتضحيات غالية. ولكنه نصر حقيقي، واقعي، وساطع كالشمس في رابعة النهار لا يمكن لأحد إنكاره.»

وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.

واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.

والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.

وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.

ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

فقد كان يوجه كل نظراته الحادة وصوب اهتمامه نحو موضع رفيقه البطل ‘هونغ تاو’.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.

وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ

ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.

ورفع جنود المدينة أسلحتهم ومعداتهم عاليًا احتفاءً بالنصر، وصاحت فئات وجماعات اللاجرين تلهج باسمه وتهتف بحياته وتثني على شجاعته.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

إنها الأميرة ‘في ليان’!

«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»

وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.

وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

فلم تذرف عيناه الدموع جهراً.

فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.

ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.

وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.

نظراً لأنه كان يدرك في أعماق وجدانه وتفكيره الروحي أن سائر هذه الأمور المحيطة به لا تحمل صفة الديمومة أو الحقيقة المطلقة.

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.

ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

فوجه (باي تشيهان) ركلة قوية نحو صدر الوحش وارتد وانقلب نحو الخلف بخفة ورشاقة ليؤمن موقعه.

• • •

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.

ملك سمات الفنون القتالية

فربما استمرت لزمن يسير يقارب الدقيقة الواحدة – أو دقيقتين اثنتين على أقصى تقدير في حساب الوقت.

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

نظراً لأن مشاعر الفرح والسرور غدت شيئاً هشاً وضعيفاً لا يستقر في مكان تحول بفعل الموت والدمار إلى ما يشبه المقبرة الكبيرة الممتلئة بالجثث.

وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.

فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.

وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.

وتلاشت صيحات الفرح والابتهاج بالنصر ببطء وتدريج، وغرقت وتبدلت بأصوات البكاء والنحيب، وفي أنين وعويل أولئك الثكالى والمفجوعين الذين وجدوا أجساد من يحبونهم ويعز عليهم أمرهم محطمة وممزقة الأوصال تحت ركام الأنقاض والحطام، أو محترقة ومتفحمة لدرجة يصعب معها التعرف على ملامح أصحابها، أو ممزقة بفعل مخالب الوحوش الغاشمة.

وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.

فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.

ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.

والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.

فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.

فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.

هكذا تحدث (باي تشيهان) ب عبارات التفاخر والكبرياء الصادق، وهو قول يحمل نصيباً كبيراً من الحق والصدق بالنظر إلى أصله ومقامه.

ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.

بينما أجهش آخرون في البكاء وارتفع نحيبهم تعبيراً عن عظم التأثر والفقد.

وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.

ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.

لقد تحقق لهم الفوز وانجلت الغمة حتماً وعادت السيطرة.

واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

وعند وصوله، وجده شاخصاً في موضعه هناك.

واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.

لقد كانت هذه المواجهة بحق معركة كبرى تدور بين وحوش كاسرة لا ترحم.

وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ومع وجود هذا التبرير النفسي، إلا أن الشكوك كانت تساوره في مدى إمكانية حدوث أي تبدل أو تغيير في موقفه حتى لو قُدر لهذه المصائب والأهوال أن تقع وتحدث في عالم الواقع الفعلي واليقين.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

إنه الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة، ولا يزال يحتفظ بحياته ولم يمت بعد.

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN

كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.

ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.

إنها الأميرة ‘في ليان’!

«وليكن التدبير الآن هو القتل والبطش بالعدو!»

واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

«فأنتم تتساءلون في أنفسكم وتبحثون عما إذا كان تحقيق هذا الفوز وانجلاء الغمة يستحق فعلاً بذل كل هذا الثمن الغالي والباهظ. وهل يستحق الحفاظ على بنيان المدينة واستمرارها واقفة على قدميها التضحية بكل هذه الأرواح والنفوس الزكية التي فقدناها وودعناها في هذا القتال؟ وهل تظنون أن أعداد الأشخاص الأبرياء الذين عجزنا عن حمايتهم وإنقاذهم تفوق بكثير أعداد من كتب الله لهم النجاة والسلامة على أيدينا؟»

إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!

فخيم صمت مطبق وساد السكون الأرجاء انصياعاً لحديثها!

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.

وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.

وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

«ولن أخدعكم بالباطل أو أكذب عليكم بأقاويل واهية؛ فإن هذا الخطب الجسيم مؤلم وموجع للنفوس، ويجب حتماً أن يكون كذلك ليوقظ الضمائر. فلقد ت جرعنا جميعاً مرارة الفقد وفقدنا في هذه المعركة شيئاً غزيراً وثميناً… بل ودعنا أشخاصاً يعز علينا أمرهم وتفطر قلوبنا لرحيلهم. فقد منا الأخ الشقيق، والابنة الحبيبة، والصديق المخلص والوفي.»

نظراً لأن مشاعر الفرح والسرور غدت شيئاً هشاً وضعيفاً لا يستقر في مكان تحول بفعل الموت والدمار إلى ما يشبه المقبرة الكبيرة الممتلئة بالجثث.

وقبضت أصابع يديها بقوة بالغة على جانبي جسدها تعبيراً عن الحزم وتجدد العزيمة في صدرها.

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»

وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.

ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.

ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.

«فخذوا ما تحتاجون إليه من وقت لتجرع الحزن وبكاء الراحلين ومواساة النفوس. ودعوا قلوبكم تنفطر لوعاً؛ فهذه المشاعر الإنسانية النبيلة والرحمة هي ما تجعلنا بشراً نحمل دماء أحرار في عروقنا. ولكن إياكم أن يتطرق النسيان إلى عقولكم أو يغيب عن بالكم حقيقة الإنجاز – لقد دحرنا الأعداء وسحقنا جمعهم الباطل ب بأسنا. ووقفنا بثبات وجسارة في وجه تلك الجحافل الهائلة ولم تسقط رايتنا ولم ينحنِ بنياننا. وهذا هو نصرنا المؤزر الذي صنعناه. نصر صلب تطلب بذل الكثير. نصر شاق كُتب بدماء وتضحيات غالية. ولكنه نصر حقيقي، واقعي، وساطع كالشمس في رابعة النهار لا يمكن لأحد إنكاره.»

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.

• • •

بينما أجهش آخرون في البكاء وارتفع نحيبهم تعبيراً عن عظم التأثر والفقد.

«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

«إن هذه المخلوقات ما هي إلا حشرات واهنة…»

ومع كل هذا الحزن والأسى المحيط بهم، كان لزاماً عليهم حتماً مواصلة السير والمضي قدماً في مسيرة الحياة، وفاءً لأنفسهم وحفاظاً على وجودهم، وإكراماً لأرواح أولئك الأبطال الأباة الذين جادوا بكل شيء وتنازلوا عن حياتهم في سبيل إبقائهم على قيد الحياة وتنفس الصعداء في أمان.

‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›

إنـتـهـــــى الـفـصــــل, اللهم إنا نؤمن بك وحدك لا شريك لك، فاحفظنا من الشرك وأفكاره، ونجنا من كل سوء، وثبت قلوبنا على التوحيد والإخلاص لك.

وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.

تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN

واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.

أعمال أخرى لنفس المترجم

ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.

إمبراطور الخيمياء

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

ملك سمات الفنون القتالية

«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»

ملك سمات الفنون القتالية

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط