153
وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.
الفصل 153: انتصار المقبرة
وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.
كانت رائحة الدخان الخانق ونقع الدماء الزكية تفوح في غلاف الهواء وتملأ الأرجاء عندما وطئت قدما البطل (باي تشيهان) ساحة المعركة المدمرة.
ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.
وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.
وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.
اقـطـع! اقـطـع!
وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.
وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.
ولكن نصل الشفرة الحادة لم ينفذ بعمق كبير في الداخل.
ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.
وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.
فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.
ملك سمات الفنون القتالية
إذ كانت فريسته الحقيقية وغايته الكبرى… هي رصد ذلك الكائن المسؤول عن إحداث هذه الفوضى العارمة وهدم أسوار المدينة الحصينة، مما تسبب في تمكين وتدفق المزيد من جحافل الوحوش النَاغُورية واكتساحها للمدينة الداخلية.
لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.
‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›
أعمال أخرى لنفس المترجم
وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].
«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»
فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.
فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.
ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.
لقد فات أوان الإنقاذ وسبق السيف العذل، ولم يعد بمقدوره فعل شيء لإنقاذ حياته!
ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.
وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.
وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.
ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.
وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.
«ما الذي استجد وما عساه أن يكون هذا الصوت المروع فسروا لي؟!»
اقـطـع! اقـطـع!
ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.
«إن هذه المخلوقات ما هي إلا حشرات واهنة…»
وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.
تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.
ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.
ثم بعد ذلك فجأة-
ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»
بـوووووم!
لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.
«ما الذي استجد وما عساه أن يكون هذا الصوت المروع فسروا لي؟!»
«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»
وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.
وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.
ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.
بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.
ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.
وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.
وفي واقع الأمر والصدق؟ فقد شعر في قرارة نفسه بشيء من الإعجاب والتقدير لذكاء وجسارة ذلك الشخص الذي فكر ودبر وتوصل إلى بناء مثل هذه الخطة المتهورة والقاسية، ولكنها في ذات الوقت ذكية ومحكمة للقضاء على خطر وحش نَاغُوري من الدرجة الثالثة والبطش به.
فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.
لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.
فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.
ومع هذا الإعجاب، لم يكن متأكداً بشكل جازم مما إذا كانت القوة الناتجة عن هذا التفجير ستكون كافية وحدها لإبادة واستئصال شأفة وحش نَاغُوري من هذا الطراز العاتي من الدرجة الثالثة.
وهبط على قدميه وثبت في موضعه وهو يتنفس الصعداء ويلهث قليلاً من أثر المجهود العنيف.
وكل ما كان بمقدوره فعله في تلك اللحظات هو عقد الأمل في نفسه بأنه حتى لو لم يفضِ الانفجار إلى إزهاق روحه فوراً، فإنه على أقل تقدير قد ألحق بجسده إصابات بالغة وأضعف قوته.
وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.
فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.
واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.
وعند وصوله، وجده شاخصاً في موضعه هناك.
لقد كانت هذه المواجهة بحق معركة كبرى تدور بين وحوش كاسرة لا ترحم.
إنه الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة، ولا يزال يحتفظ بحياته ولم يمت بعد.
فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.
وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.
وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.
ولكن، لفت انتباهه واستأثر باهتمامه شخص آخر كان وجوده أوقع في نفسه وأشد تأثيراً.
إنه الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة، ولا يزال يحتفظ بحياته ولم يمت بعد.
إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!
«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»
وقد بدا جسده منهكاً للغاية، وممزق الأوصال إرباً إرباً، وبالكاد يتردد النفس في صدره ويقترب من الخفوت والتلاشي.
وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.
لقد فات أوان الإنقاذ وسبق السيف العذل، ولم يعد بمقدوره فعل شيء لإنقاذ حياته!
اقـطـع! اقـطـع!
«…»
ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟
«وليكن التدبير الآن هو القتل والبطش بالعدو!»
وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.
وقفز (باي تشيهان) نحو الأمام بجسارة وعزم، مستقبلاً الوحش ووجهاً لوجه في واجهة الميدان.
زئـيـر!
فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.
والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.
وثبت عيناه القرمزيتان والملتهبتان بالشر توجها نحو شخص (باي تشيهان).
ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.
وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.
تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.
لقد كان الوحش يشرف على الهلاك والزوال حتماً – فنصف جسده الهائل قد استحال متفحماً من أثر لهيب الانفجار، وذراع واحدة من أطرافه باتت تتدلى إلى جانبه عاجزة ومحرومة من الحراك، وكانت مشيته مضطربة ومترنحة ل غياب التوازن.
وتحرك (باي تشيهان) في ذات اللحظة وبسرعة خاطفة تنافس الريح.
ولكنه رغم كل هذا التشويه والضعف ظل قائماً على قدميه يصارع ب غطرسة.
وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.
وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.
ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.
فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.
ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.
ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»
فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.
زئـيـر!
واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.
فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.
فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.
ووش!
‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›
وتحرك (باي تشيهان) في ذات اللحظة وبسرعة خاطفة تنافس الريح.
بـوووووم!
فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.
ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.
وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.
ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.
فانحنى (باي تشيهان) بجسده منخفضاً نحو الأسفل بخفة متناهية، والتوى وانحرف متفادياً ببراعة وقوع الضربة القاتلة، ووجه في ذات الوقت ضربة قاطعة ومحكمة بسيفه – فأحدث شقاً غائراً ممتداً بشكل قطري عبر جانب جسد الوحش، ممزقاً حراشفه المتفحمة وعضلاته المحترقة وموجعاً إياه.
ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.
فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.
ولم يكن بمقدورهم التدخل بأي حال من الأحوال جراء الفزع.
واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.
ومع كل هذا الحزن والأسى المحيط بهم، كان لزاماً عليهم حتماً مواصلة السير والمضي قدماً في مسيرة الحياة، وفاءً لأنفسهم وحفاظاً على وجودهم، وإكراماً لأرواح أولئك الأبطال الأباة الذين جادوا بكل شيء وتنازلوا عن حياتهم في سبيل إبقائهم على قيد الحياة وتنفس الصعداء في أمان.
ولكنه وجد الخصم قد تلاشى واختفى من أمام ناظريه في لمحة عين.
ومع وجود هذا التبرير النفسي، إلا أن الشكوك كانت تساوره في مدى إمكانية حدوث أي تبدل أو تغيير في موقفه حتى لو قُدر لهذه المصائب والأهوال أن تقع وتحدث في عالم الواقع الفعلي واليقين.
ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.
فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.
ولكن نصل الشفرة الحادة لم ينفذ بعمق كبير في الداخل.
فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.
نظراً لأن جلد الوحش في ذلك الموضع كان سميكاً للغاية، وصلباً ومقاوماً للقطع.
وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.
ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.
لقد فات أوان الإنقاذ وسبق السيف العذل، ولم يعد بمقدوره فعل شيء لإنقاذ حياته!
فوجه (باي تشيهان) ركلة قوية نحو صدر الوحش وارتد وانقلب نحو الخلف بخفة ورشاقة ليؤمن موقعه.
فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.
وهبط على قدميه وثبت في موضعه وهو يتنفس الصعداء ويلهث قليلاً من أثر المجهود العنيف.
وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.
زئـيـر!
بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.
فجأر الوحش وزأر مرة أخرى بصوت تدميري ملأ الفضاء، بعد أن حل جنون الموت والرغبة العارمة في الانتقام محل مشاعر الألم والوجع في صدره.
وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.
واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.
وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.
وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.
ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.
واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.
ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟
فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.
فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.
ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.
وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.
فأخذ الوحش يتخبط في حركته يمنة ويسرة، مصاباً ب العمى من أحد جانبيه – ولكنه رغم هذا النكال والنزيف لم يسقط صريعاً بعد.
وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.
إذ رفض الاستسلام وواصل المقاومة بضراوة وعناد.
ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»
وتحول هذا النزال الحامي إلى مواجهة ثنائية فردية طاحنة وباسلة بين البطل (باي تشيهان) والوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة.
ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.
وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.
فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.
وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.
ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.
وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.
واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.
ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.
بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.
ولم يكن بمقدورهم التدخل بأي حال من الأحوال جراء الفزع.
ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.
فقد كان هذا الخطب الجسيم وعظم هذه المعركة يفوق بكثير حدود طاقاتهم وقدراتهم البشرية المتاحة.
وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.
لقد كانت هذه المواجهة بحق معركة كبرى تدور بين وحوش كاسرة لا ترحم.
واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.
بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.
إنها الأميرة ‘في ليان’!
وتمزقت أثواب (باي تشيهان) ودرعه وتلطخت بالدماء، وتعرّض نصل سيفه للثلم والكسر جراء شدة الضربات واصطدامه بالجلد الصخري، وأخذت طاقته الحيوية وقوة “التشي” تتآكل وتضعف عند الأطراف من فرط الإنهاك.
فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.
ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.
وتوقفت مخالبه القوية السليمة وهوت على مسافة بوصات قليلة وصغيرة تفصلها عن عنق ورقبة (باي تشيهان) دون أن تتمكن من لمسه أو إيذائه.
وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.
فأشرق نصل سيفه وتوهج المعدن – ووجه طعنة واحدة نظيفة، قاطعة، ومحكمة مستقيمة –
واستمر في الضغط العنيف ومحاصرة خصمه ل يسحق بأسه.
إمبراطور الخيمياء
«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»
ثم بعد ذلك فجأة-
صرخ بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالكبرياء والغطرسة، وصوب عينه ونظراته الحادة وثبتها نحو عين الوحش السليمة والمتبقية الوحيدة ليحرمه من الرؤية.
ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.
«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»
ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.
فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.
إنها الأميرة ‘في ليان’!
ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.
ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.
بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.
فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.
فأشرق نصل سيفه وتوهج المعدن – ووجه طعنة واحدة نظيفة، قاطعة، ومحكمة مستقيمة –
إنها الأميرة ‘في ليان’!
استقرت ونفذت مباشرة عبر سقف فم الوحش المفتوح وجوفه.
والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.
كـسـر!
وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.
واخترقت الشفرة الحادة وبقوة بالغة الجزء العلوي من جمجمته الصلبة ونفذت منها.
«فأنتم تتساءلون في أنفسكم وتبحثون عما إذا كان تحقيق هذا الفوز وانجلاء الغمة يستحق فعلاً بذل كل هذا الثمن الغالي والباهظ. وهل يستحق الحفاظ على بنيان المدينة واستمرارها واقفة على قدميها التضحية بكل هذه الأرواح والنفوس الزكية التي فقدناها وودعناها في هذا القتال؟ وهل تظنون أن أعداد الأشخاص الأبرياء الذين عجزنا عن حمايتهم وإنقاذهم تفوق بكثير أعداد من كتب الله لهم النجاة والسلامة على أيدينا؟»
فانتفض الوحش المريع واهتز جسده بالكامل هزة عنيفة تعبيراً عن سكرات الموت.
وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.
ثم تجمد في موضعه وتوقف حراكه تماماً.
وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.
وتوقفت مخالبه القوية السليمة وهوت على مسافة بوصات قليلة وصغيرة تفصلها عن عنق ورقبة (باي تشيهان) دون أن تتمكن من لمسه أو إيذائه.
وكل ما كان بمقدوره فعله في تلك اللحظات هو عقد الأمل في نفسه بأنه حتى لو لم يفضِ الانفجار إلى إزهاق روحه فوراً، فإنه على أقل تقدير قد ألحق بجسده إصابات بالغة وأضعف قوته.
ثم بعد ذلك –
ثم بعد ذلك فجأة-
تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.
وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.
وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.
فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.
لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.
فقد كان هذا الخطب الجسيم وعظم هذه المعركة يفوق بكثير حدود طاقاتهم وقدراتهم البشرية المتاحة.
واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.
الفصل 153: انتصار المقبرة
«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»
وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.
هكذا تحدث (باي تشيهان) ب عبارات التفاخر والكبرياء الصادق، وهو قول يحمل نصيباً كبيراً من الحق والصدق بالنظر إلى أصله ومقامه.
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
ولكن، كان إقدامه على هذا التفاخر نابعاً أيضاً من كونه قد وجد أن هذا الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة كان يملك بأساً شديداً وقوة صمود تفوق بكثير ما استقر في تقديره وظنه في بداية المعركة لإبادته.
لقد كُتب لنا الفوز وانجلت الغمة!
فبصفته مزارعاً متمرساً حظي في أوقاته السابقة بالوصول والاستقرار في مراتب عالم [أصل الروح] الرفيعة، فإن العجز عن حسم هذه المعركة بسرعة قد سبب جرحاً لكبريائه وأثار حفيظته؛ على الرغم من إدراكه الكامل ومعرفته بأن هذا الجسد البشري الضعيف الحالي لا يمثل حقيقته ومقامه الأصلي.
زئـيـر!
وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.
ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.
ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.
فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.
وانطلقت هتافات النصر والفرح المدوية تهز أركان المكان.
والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.
«أجل والله، قد تحقق المأرب ونجح التدبير بأيدينا وبذلنا المخلص!»
ولكن، لفت انتباهه واستأثر باهتمامه شخص آخر كان وجوده أوقع في نفسه وأشد تأثيراً.
لقد كُتب لنا الفوز وانجلت الغمة!
ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.
«إن الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة قد هلك وسقط صريعاً ومات حتماً!»
إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!
• • •
وكل ما كان بمقدوره فعله في تلك اللحظات هو عقد الأمل في نفسه بأنه حتى لو لم يفضِ الانفجار إلى إزهاق روحه فوراً، فإنه على أقل تقدير قد ألحق بجسده إصابات بالغة وأضعف قوته.
ورفع جنود المدينة أسلحتهم ومعداتهم عاليًا احتفاءً بالنصر، وصاحت فئات وجماعات اللاجرين تلهج باسمه وتهتف بحياته وتثني على شجاعته.
ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.
وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.
وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.
والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.
«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»
ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.
ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.
فقد كان يوجه كل نظراته الحادة وصوب اهتمامه نحو موضع رفيقه البطل ‘هونغ تاو’.
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.
وثبت عيناه القرمزيتان والملتهبتان بالشر توجها نحو شخص (باي تشيهان).
وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.
فأخذ الوحش يتخبط في حركته يمنة ويسرة، مصاباً ب العمى من أحد جانبيه – ولكنه رغم هذا النكال والنزيف لم يسقط صريعاً بعد.
ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.
وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.
ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—
فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.
«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»
واستمر في الضغط العنيف ومحاصرة خصمه ل يسحق بأسه.
وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.
«…»
فلم تذرف عيناه الدموع جهراً.
وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.
ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.
كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.
نظراً لأنه كان يدرك في أعماق وجدانه وتفكيره الروحي أن سائر هذه الأمور المحيطة به لا تحمل صفة الديمومة أو الحقيقة المطلقة.
نظراً لأن جلد الوحش في ذلك الموضع كان سميكاً للغاية، وصلباً ومقاوماً للقطع.
فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.
فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.
وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.
بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.
فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.
فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.
هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.
بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.
ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.
فأخذ الوحش يتخبط في حركته يمنة ويسرة، مصاباً ب العمى من أحد جانبيه – ولكنه رغم هذا النكال والنزيف لم يسقط صريعاً بعد.
• • •
ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»
ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.
ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.
فربما استمرت لزمن يسير يقارب الدقيقة الواحدة – أو دقيقتين اثنتين على أقصى تقدير في حساب الوقت.
«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»
نظراً لأن مشاعر الفرح والسرور غدت شيئاً هشاً وضعيفاً لا يستقر في مكان تحول بفعل الموت والدمار إلى ما يشبه المقبرة الكبيرة الممتلئة بالجثث.
ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.
فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.
«ولن أخدعكم بالباطل أو أكذب عليكم بأقاويل واهية؛ فإن هذا الخطب الجسيم مؤلم وموجع للنفوس، ويجب حتماً أن يكون كذلك ليوقظ الضمائر. فلقد ت جرعنا جميعاً مرارة الفقد وفقدنا في هذه المعركة شيئاً غزيراً وثميناً… بل ودعنا أشخاصاً يعز علينا أمرهم وتفطر قلوبنا لرحيلهم. فقد منا الأخ الشقيق، والابنة الحبيبة، والصديق المخلص والوفي.»
وتلاشت صيحات الفرح والابتهاج بالنصر ببطء وتدريج، وغرقت وتبدلت بأصوات البكاء والنحيب، وفي أنين وعويل أولئك الثكالى والمفجوعين الذين وجدوا أجساد من يحبونهم ويعز عليهم أمرهم محطمة وممزقة الأوصال تحت ركام الأنقاض والحطام، أو محترقة ومتفحمة لدرجة يصعب معها التعرف على ملامح أصحابها، أو ممزقة بفعل مخالب الوحوش الغاشمة.
«إن هذه المخلوقات ما هي إلا حشرات واهنة…»
فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.
«وليكن التدبير الآن هو القتل والبطش بالعدو!»
فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.
فقد كان يوجه كل نظراته الحادة وصوب اهتمامه نحو موضع رفيقه البطل ‘هونغ تاو’.
ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.
وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.
وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.
فبصفته مزارعاً متمرساً حظي في أوقاته السابقة بالوصول والاستقرار في مراتب عالم [أصل الروح] الرفيعة، فإن العجز عن حسم هذه المعركة بسرعة قد سبب جرحاً لكبريائه وأثار حفيظته؛ على الرغم من إدراكه الكامل ومعرفته بأن هذا الجسد البشري الضعيف الحالي لا يمثل حقيقته ومقامه الأصلي.
لقد تحقق لهم الفوز وانجلت الغمة حتماً وعادت السيطرة.
ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.
ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟
وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.
واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.
فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.
وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.
هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.
ومع وجود هذا التبرير النفسي، إلا أن الشكوك كانت تساوره في مدى إمكانية حدوث أي تبدل أو تغيير في موقفه حتى لو قُدر لهذه المصائب والأهوال أن تقع وتحدث في عالم الواقع الفعلي واليقين.
ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.
ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.
«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»
وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.
فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.
ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.
بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.
ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.
ملك سمات الفنون القتالية
كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.
وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.
إنها الأميرة ‘في ليان’!
ولكنه وجد الخصم قد تلاشى واختفى من أمام ناظريه في لمحة عين.
واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.
لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.
وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».
وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.
«فأنتم تتساءلون في أنفسكم وتبحثون عما إذا كان تحقيق هذا الفوز وانجلاء الغمة يستحق فعلاً بذل كل هذا الثمن الغالي والباهظ. وهل يستحق الحفاظ على بنيان المدينة واستمرارها واقفة على قدميها التضحية بكل هذه الأرواح والنفوس الزكية التي فقدناها وودعناها في هذا القتال؟ وهل تظنون أن أعداد الأشخاص الأبرياء الذين عجزنا عن حمايتهم وإنقاذهم تفوق بكثير أعداد من كتب الله لهم النجاة والسلامة على أيدينا؟»
وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.
فخيم صمت مطبق وساد السكون الأرجاء انصياعاً لحديثها!
واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.
وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.
«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»
وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.
تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.
«ولن أخدعكم بالباطل أو أكذب عليكم بأقاويل واهية؛ فإن هذا الخطب الجسيم مؤلم وموجع للنفوس، ويجب حتماً أن يكون كذلك ليوقظ الضمائر. فلقد ت جرعنا جميعاً مرارة الفقد وفقدنا في هذه المعركة شيئاً غزيراً وثميناً… بل ودعنا أشخاصاً يعز علينا أمرهم وتفطر قلوبنا لرحيلهم. فقد منا الأخ الشقيق، والابنة الحبيبة، والصديق المخلص والوفي.»
تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.
وقبضت أصابع يديها بقوة بالغة على جانبي جسدها تعبيراً عن الحزم وتجدد العزيمة في صدرها.
ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.
«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»
فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.
ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.
واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.
«فخذوا ما تحتاجون إليه من وقت لتجرع الحزن وبكاء الراحلين ومواساة النفوس. ودعوا قلوبكم تنفطر لوعاً؛ فهذه المشاعر الإنسانية النبيلة والرحمة هي ما تجعلنا بشراً نحمل دماء أحرار في عروقنا. ولكن إياكم أن يتطرق النسيان إلى عقولكم أو يغيب عن بالكم حقيقة الإنجاز – لقد دحرنا الأعداء وسحقنا جمعهم الباطل ب بأسنا. ووقفنا بثبات وجسارة في وجه تلك الجحافل الهائلة ولم تسقط رايتنا ولم ينحنِ بنياننا. وهذا هو نصرنا المؤزر الذي صنعناه. نصر صلب تطلب بذل الكثير. نصر شاق كُتب بدماء وتضحيات غالية. ولكنه نصر حقيقي، واقعي، وساطع كالشمس في رابعة النهار لا يمكن لأحد إنكاره.»
فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.
فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.
وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.
بينما أجهش آخرون في البكاء وارتفع نحيبهم تعبيراً عن عظم التأثر والفقد.
زئـيـر!
وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.
ثم بعد ذلك فجأة-
ومع كل هذا الحزن والأسى المحيط بهم، كان لزاماً عليهم حتماً مواصلة السير والمضي قدماً في مسيرة الحياة، وفاءً لأنفسهم وحفاظاً على وجودهم، وإكراماً لأرواح أولئك الأبطال الأباة الذين جادوا بكل شيء وتنازلوا عن حياتهم في سبيل إبقائهم على قيد الحياة وتنفس الصعداء في أمان.
إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!
إنـتـهـــــى الـفـصــــل, اللهم إنا نؤمن بك وحدك لا شريك لك، فاحفظنا من الشرك وأفكاره، ونجنا من كل سوء، وثبت قلوبنا على التوحيد والإخلاص لك.
وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.
أعمال أخرى لنفس المترجم
ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.
إمبراطور الخيمياء
وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.
ملك سمات الفنون القتالية
وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
