Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

اتضح أنني من عشيرة الأشرار! 153

153

فقد كان هذا الخطب الجسيم وعظم هذه المعركة يفوق بكثير حدود طاقاتهم وقدراتهم البشرية المتاحة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ

نظراً لأنه كان يدرك في أعماق وجدانه وتفكيره الروحي أن سائر هذه الأمور المحيطة به لا تحمل صفة الديمومة أو الحقيقة المطلقة.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.

الفصل 153: انتصار المقبرة

فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.

كانت رائحة الدخان الخانق ونقع الدماء الزكية تفوح في غلاف الهواء وتملأ الأرجاء عندما وطئت قدما البطل (باي تشيهان) ساحة المعركة المدمرة.

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.

وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.

اقـطـع! اقـطـع!

فوجه (باي تشيهان) ركلة قوية نحو صدر الوحش وارتد وانقلب نحو الخلف بخفة ورشاقة ليؤمن موقعه.

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.

وتحرك (باي تشيهان) في ذات اللحظة وبسرعة خاطفة تنافس الريح.

فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.

وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.

إذ كانت فريسته الحقيقية وغايته الكبرى… هي رصد ذلك الكائن المسؤول عن إحداث هذه الفوضى العارمة وهدم أسوار المدينة الحصينة، مما تسبب في تمكين وتدفق المزيد من جحافل الوحوش النَاغُورية واكتساحها للمدينة الداخلية.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›

واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.

فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

ومع كل هذا التحدي، ورغم يقينه بصعوبة حصد روحه، فقد استقر اعتقاده على أنه يملك على أقل تقدير القدرة والكفاءة على الصمود والنجاة من أتون هذا القتال الحامي.

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.

وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.

اقـطـع! اقـطـع!

ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.

«إن هذه المخلوقات ما هي إلا حشرات واهنة…»

ملك سمات الفنون القتالية

تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

ثم بعد ذلك فجأة-

«فأنتم تتساءلون في أنفسكم وتبحثون عما إذا كان تحقيق هذا الفوز وانجلاء الغمة يستحق فعلاً بذل كل هذا الثمن الغالي والباهظ. وهل يستحق الحفاظ على بنيان المدينة واستمرارها واقفة على قدميها التضحية بكل هذه الأرواح والنفوس الزكية التي فقدناها وودعناها في هذا القتال؟ وهل تظنون أن أعداد الأشخاص الأبرياء الذين عجزنا عن حمايتهم وإنقاذهم تفوق بكثير أعداد من كتب الله لهم النجاة والسلامة على أيدينا؟»

بـوووووم!

لقد كُتب لنا الفوز وانجلت الغمة!

«ما الذي استجد وما عساه أن يكون هذا الصوت المروع فسروا لي؟!»

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.

ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.

زئـيـر!

ولكن (باي تشيهان) بفضل فطنته وخبرته بدأت الشكوك تساور عقله وتتجه نحو تفسير الأمر. وتيقن أن الحادثة ترتبط حتماً ب إشعال وتفجير كمية ضخمة وهائلة من مادة البارود الأسود المتفجرة في موضع واحد.

ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.

وفي واقع الأمر والصدق؟ فقد شعر في قرارة نفسه بشيء من الإعجاب والتقدير لذكاء وجسارة ذلك الشخص الذي فكر ودبر وتوصل إلى بناء مثل هذه الخطة المتهورة والقاسية، ولكنها في ذات الوقت ذكية ومحكمة للقضاء على خطر وحش نَاغُوري من الدرجة الثالثة والبطش به.

ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.

لقد سبق له بالفعل أن شارك وبسط مثل هذا النوع من المعلومات والتدابير لرفاقه، ولكن شتان بين مجرد المعرفة النظرية بالأمر وبين التطبيق العملي له على أرض الواقع الفعلي؛ فالتطبيق يحمل صعوبات شتى، ناهيك عن وجوب استيفاء وتحقق سائر الشروط والظروف الدقيقة لضمان نجاح الخطة وعدم ارتدادها بالهلاك.

ثم تجمد في موضعه وتوقف حراكه تماماً.

ومع هذا الإعجاب، لم يكن متأكداً بشكل جازم مما إذا كانت القوة الناتجة عن هذا التفجير ستكون كافية وحدها لإبادة واستئصال شأفة وحش نَاغُوري من هذا الطراز العاتي من الدرجة الثالثة.

فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.

وكل ما كان بمقدوره فعله في تلك اللحظات هو عقد الأمل في نفسه بأنه حتى لو لم يفضِ الانفجار إلى إزهاق روحه فوراً، فإنه على أقل تقدير قد ألحق بجسده إصابات بالغة وأضعف قوته.

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

وعند وصوله، وجده شاخصاً في موضعه هناك.

فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.

إنه الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة، ولا يزال يحتفظ بحياته ولم يمت بعد.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

وقد كسا الحرق جسده، ونال التدمير من بنيته، ولكنه كان لا يزال يتنفس الصعداء ويصارع الموت.

«إن الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة قد هلك وسقط صريعاً ومات حتماً!»

ولكن، لفت انتباهه واستأثر باهتمامه شخص آخر كان وجوده أوقع في نفسه وأشد تأثيراً.

وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.

إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!

«ولن أخدعكم بالباطل أو أكذب عليكم بأقاويل واهية؛ فإن هذا الخطب الجسيم مؤلم وموجع للنفوس، ويجب حتماً أن يكون كذلك ليوقظ الضمائر. فلقد ت جرعنا جميعاً مرارة الفقد وفقدنا في هذه المعركة شيئاً غزيراً وثميناً… بل ودعنا أشخاصاً يعز علينا أمرهم وتفطر قلوبنا لرحيلهم. فقد منا الأخ الشقيق، والابنة الحبيبة، والصديق المخلص والوفي.»

وقد بدا جسده منهكاً للغاية، وممزق الأوصال إرباً إرباً، وبالكاد يتردد النفس في صدره ويقترب من الخفوت والتلاشي.

وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.

لقد فات أوان الإنقاذ وسبق السيف العذل، ولم يعد بمقدوره فعل شيء لإنقاذ حياته!

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

«…»

«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»

«وليكن التدبير الآن هو القتل والبطش بالعدو!»

ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.

وقفز (باي تشيهان) نحو الأمام بجسارة وعزم، مستقبلاً الوحش ووجهاً لوجه في واجهة الميدان.

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

فاستدار المخلوق المريع ذو الحراشف السوداء الكثيفة، وقد تخضب ب دماء قتامه ونال منه التحطيم، وأطلق نبرات هدير خافت ومفزع تنبعث وتتصاعد من بين ثنايا حلقه وجوفه المدمر بفعل التفجير.

إنه الرفيق البطل ‘هونغ تاو’!

وثبت عيناه القرمزيتان والملتهبتان بالشر توجها نحو شخص (باي تشيهان).

فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.

وها هي اللحظة الحاسمة قد حانت للمواجهة الأخيرة.

«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»

لقد كان الوحش يشرف على الهلاك والزوال حتماً – فنصف جسده الهائل قد استحال متفحماً من أثر لهيب الانفجار، وذراع واحدة من أطرافه باتت تتدلى إلى جانبه عاجزة ومحرومة من الحراك، وكانت مشيته مضطربة ومترنحة ل غياب التوازن.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

ولكنه رغم كل هذا التشويه والضعف ظل قائماً على قدميه يصارع ب غطرسة.

وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.

وعند موضع قدميه، كان يرقد جسد ‘هونغ تاو’ محطماً وساكناً تماماً مفارقاً للحياة.

وتحول هذا النزال الحامي إلى مواجهة ثنائية فردية طاحنة وباسلة بين البطل (باي تشيهان) والوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة.

فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.

بـوووووم!

ثم تمتم بعبارات قاطعة موجهاً خطابه للوحش قائلًا: «لا جرم أنك أيتها السحلية العملاقة والمخلوق الوضيع تملك حظاً وافراً من المحن والنعام؛ كونك تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنجاة من أتون هذا الانفجار المروع. ولكن اعلم يقيناً أن حظك المزعوم قد نفد وانتهى في هذه اللحظة بالذات وبوصولي.»

وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.

زئـيـر!

هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.

ووش!

بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.

وتحرك (باي تشيهان) في ذات اللحظة وبسرعة خاطفة تنافس الريح.

اقـطـع! اقـطـع!

فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ

وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.

فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.

فانحنى (باي تشيهان) بجسده منخفضاً نحو الأسفل بخفة متناهية، والتوى وانحرف متفادياً ببراعة وقوع الضربة القاتلة، ووجه في ذات الوقت ضربة قاطعة ومحكمة بسيفه – فأحدث شقاً غائراً ممتداً بشكل قطري عبر جانب جسد الوحش، ممزقاً حراشفه المتفحمة وعضلاته المحترقة وموجعاً إياه.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.

وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.

واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.

واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.

ولكنه وجد الخصم قد تلاشى واختفى من أمام ناظريه في لمحة عين.

«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»

ثم ما لبث أن ظهر وبرز من خلف ظهره مجدداً – وقد أحكم قبضته على مقبض السيف بوضعية معكوسة – ووجه طعنة قوية سريعة نحو الأعلى، استقرت مباشرة تحت موضع فكه وجوفه.

وثبت عيناه القرمزيتان والملتهبتان بالشر توجها نحو شخص (باي تشيهان).

ولكن نصل الشفرة الحادة لم ينفذ بعمق كبير في الداخل.

وهبط على قدميه وثبت في موضعه وهو يتنفس الصعداء ويلهث قليلاً من أثر المجهود العنيف.

نظراً لأن جلد الوحش في ذلك الموضع كان سميكاً للغاية، وصلباً ومقاوماً للقطع.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

ولكن هذه الطعنة المباغتة نجحت على أقل تقدير في إرباك الوحش وتشويش تفكيره وتشتيت تركيزه.

إنها الأميرة ‘في ليان’!

فوجه (باي تشيهان) ركلة قوية نحو صدر الوحش وارتد وانقلب نحو الخلف بخفة ورشاقة ليؤمن موقعه.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

وهبط على قدميه وثبت في موضعه وهو يتنفس الصعداء ويلهث قليلاً من أثر المجهود العنيف.

إنـتـهـــــى الـفـصــــل, اللهم إنا نؤمن بك وحدك لا شريك لك، فاحفظنا من الشرك وأفكاره، ونجنا من كل سوء، وثبت قلوبنا على التوحيد والإخلاص لك.

زئـيـر!

ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.

فجأر الوحش وزأر مرة أخرى بصوت تدميري ملأ الفضاء، بعد أن حل جنون الموت والرغبة العارمة في الانتقام محل مشاعر الألم والوجع في صدره.

ووش!

واندفع بكامل ثقله وصخبه يشن هجوماً جارفاً لا يبقي ولا يذر.

وقد اخترقت أشعة الشمس المشرقة حجب الضباب الكثيف في هيئة خطوط ذهبية براقة، ولكنها رغم ت ألقها لم تملك القدرة على بث الدفء في الأجساد المحطمة الملقاة على الأرض، أو تخفيف حدة صرخات الألم والعويل التي كانت تتردد أصداؤها في المسافات البعيدة.

وعلى الجانب الآخر، استجمع (باي تشيهان) قواه وشحن طاقته وعزيمته لخوض النزال الأخير.

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.

نظراً لأن جلد الوحش في ذلك الموضع كان سميكاً للغاية، وصلباً ومقاوماً للقطع.

فخدشت مخالب الوحش الحادة جانب جسده، فمزقت الجلد وهتكت اللحم البشري الضعيف وسالت دماؤه.

ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.

ولكنه في المقابل شق بنصل سيفه الحاد وجه الوحش المريع، ففتح وفجر إحدى عينيه المتوهجتين بالشر وعطل عملها.

«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»

فأخذ الوحش يتخبط في حركته يمنة ويسرة، مصاباً ب العمى من أحد جانبيه – ولكنه رغم هذا النكال والنزيف لم يسقط صريعاً بعد.

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

إذ رفض الاستسلام وواصل المقاومة بضراوة وعناد.

ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.

وتحول هذا النزال الحامي إلى مواجهة ثنائية فردية طاحنة وباسلة بين البطل (باي تشيهان) والوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة الفتاكة.

ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.

وكانت كل ثانية تمر من زمن هذا القتال تبدو في حساب العقول أطول وأشد امتداداً من الأيام.

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.

⊷⊶⊷⊶⊷⊶

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.

ولم يكن بمقدورهم التدخل بأي حال من الأحوال جراء الفزع.

فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.

فقد كان هذا الخطب الجسيم وعظم هذه المعركة يفوق بكثير حدود طاقاتهم وقدراتهم البشرية المتاحة.

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

لقد كانت هذه المواجهة بحق معركة كبرى تدور بين وحوش كاسرة لا ترحم.

«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»

بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.

ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.

وتمزقت أثواب (باي تشيهان) ودرعه وتلطخت بالدماء، وتعرّض نصل سيفه للثلم والكسر جراء شدة الضربات واصطدامه بالجلد الصخري، وأخذت طاقته الحيوية وقوة “التشي” تتآكل وتضعف عند الأطراف من فرط الإنهاك.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

وواصل شن الهجمات والضربات المتلاحقة دون إبطاء.

زئـيـر!

واستمر في الضغط العنيف ومحاصرة خصمه ل يسحق بأسه.

فقد كان الإقدام على هذا الفعل يشبه إلى حد كبير خوض غمار قتال ضد خصم قوي يفوقه في المرتبة بمستويين كاملين. ناهيك عن الحقيقة الثابتة بأن الوحوش النَاغُورية، حتى وإن تساوت مع المزارع في ذات مستوى التدريب وصقل الطاقة، فإن بنيتها الطبيعية تمنحها دائماً تفوقاً في القوة والبأس.

«تقدم إلي وأرني أقصى ما تملك من قوة ومكر!»

• • •

صرخ بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالكبرياء والغطرسة، وصوب عينه ونظراته الحادة وثبتها نحو عين الوحش السليمة والمتبقية الوحيدة ليحرمه من الرؤية.

وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.

«أقبل نحوي أيتها الكتلة الضخمة والحيوان الوضيع لترى مصيرك المحتوم.»

وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

فانتفض الوحش المريع واهتز جسده بالكامل هزة عنيفة تعبيراً عن سكرات الموت.

ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

بل بادر بالتدخل والاندفاع نحو جوفه مجدداً وفي لفتة عين وسرعة برق.

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

فأشرق نصل سيفه وتوهج المعدن – ووجه طعنة واحدة نظيفة، قاطعة، ومحكمة مستقيمة –

فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.

استقرت ونفذت مباشرة عبر سقف فم الوحش المفتوح وجوفه.

فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.

كـسـر!

فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.

واخترقت الشفرة الحادة وبقوة بالغة الجزء العلوي من جمجمته الصلبة ونفذت منها.

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

فانتفض الوحش المريع واهتز جسده بالكامل هزة عنيفة تعبيراً عن سكرات الموت.

فحدق فيه (باي تشيهان) وصوب نظراته نحوه لبرهة من الزمن وعصره الألم.

ثم تجمد في موضعه وتوقف حراكه تماماً.

«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»

وتوقفت مخالبه القوية السليمة وهوت على مسافة بوصات قليلة وصغيرة تفصلها عن عنق ورقبة (باي تشيهان) دون أن تتمكن من لمسه أو إيذائه.

ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.

ثم بعد ذلك –

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

تهاوى الجسد الهائل وسقط صريعاً أرضاً.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

وزُلزلت الساحة واهتزت جوانب قاعة القتال عندما ارتطم جسد الوحش بالتراب، وسقط ذلك الجبل الأشم من اللحم الممزق والحراشف الصخرية الثقيلة جثة هامدة لا روح فيها على سطح الأرض.

«فخذوا ما تحتاجون إليه من وقت لتجرع الحزن وبكاء الراحلين ومواساة النفوس. ودعوا قلوبكم تنفطر لوعاً؛ فهذه المشاعر الإنسانية النبيلة والرحمة هي ما تجعلنا بشراً نحمل دماء أحرار في عروقنا. ولكن إياكم أن يتطرق النسيان إلى عقولكم أو يغيب عن بالكم حقيقة الإنجاز – لقد دحرنا الأعداء وسحقنا جمعهم الباطل ب بأسنا. ووقفنا بثبات وجسارة في وجه تلك الجحافل الهائلة ولم تسقط رايتنا ولم ينحنِ بنياننا. وهذا هو نصرنا المؤزر الذي صنعناه. نصر صلب تطلب بذل الكثير. نصر شاق كُتب بدماء وتضحيات غالية. ولكنه نصر حقيقي، واقعي، وساطع كالشمس في رابعة النهار لا يمكن لأحد إنكاره.»

لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.

فزمجر الوحش وارتفع صوته مرعباً، وتألق وتوهج قرنه المتشقق والمكسور تحت وطأة ضوء النيران المشتعلة وهو يندفع بكامل ثقله وبأسه نحو الخصم ل يفتك به.

واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.

لقد هلك الوحش ومات أخيراً وانقشع خطر بـأسه.

«هاه… هاه… ووالله لو أنني أمتلك قراءتي وقوتي الأصلية ومقامي الرفيع، لكانت الملايين من أشباهك وأمثالك عاجزة عن الاقتراب من ساحتي أو لمس خصلة واحدة من شعري.»

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

هكذا تحدث (باي تشيهان) ب عبارات التفاخر والكبرياء الصادق، وهو قول يحمل نصيباً كبيراً من الحق والصدق بالنظر إلى أصله ومقامه.

فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.

ولكن، كان إقدامه على هذا التفاخر نابعاً أيضاً من كونه قد وجد أن هذا الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة كان يملك بأساً شديداً وقوة صمود تفوق بكثير ما استقر في تقديره وظنه في بداية المعركة لإبادته.

واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.

فبصفته مزارعاً متمرساً حظي في أوقاته السابقة بالوصول والاستقرار في مراتب عالم [أصل الروح] الرفيعة، فإن العجز عن حسم هذه المعركة بسرعة قد سبب جرحاً لكبريائه وأثار حفيظته؛ على الرغم من إدراكه الكامل ومعرفته بأن هذا الجسد البشري الضعيف الحالي لا يمثل حقيقته ومقامه الأصلي.

وتهاوت العشرات من الوحوش النَاغُورية الصريعة وسقطت تباعاً تحت حد سيفه القاطع – فبانت أنيابها محطمة، ونحورها مذبوحة، وعظام أجسادها مهشمة ومفتتة.

وطال الصمت وخيم السكون على أرجاء الساحة لبرهة من الزمن تعظيماً للموقف.

ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.

ثم بعد ذلك، عادت الأصوات والصيحات لتدوي في الأرجاء من جديد.

ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.

وانطلقت هتافات النصر والفرح المدوية تهز أركان المكان.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

«أجل والله، قد تحقق المأرب ونجح التدبير بأيدينا وبذلنا المخلص!»

ولكن (باي تشيهان) لم يتراجع ولم ينحرف عن المسار ليؤمن نفسه.

لقد كُتب لنا الفوز وانجلت الغمة!

اقـطـع! اقـطـع!

«إن الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة قد هلك وسقط صريعاً ومات حتماً!»

واصطدما بقوة بالغة في قلب الساحة.

• • •

أعمال أخرى لنفس المترجم

ورفع جنود المدينة أسلحتهم ومعداتهم عاليًا احتفاءً بالنصر، وصاحت فئات وجماعات اللاجرين تلهج باسمه وتهتف بحياته وتثني على شجاعته.

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

وبدا جلياً للعيان أن بقية أفراد ومجموعات الوحوش النَاغُورية الصغيرة قد جرى التعامل مع خطرها وإبادتها بالكامل، بمجرد نجاحهم في محاصرة وقهر ذلك الوحش القائد الكبير من الدرجة الثالثة وسحق قوته.

فاندفع يسرع في خطاه متوجهاً نحو مصدر الصوت وموقع الانفجار – ت حدي حداً نحو المكان والمقصد الذي كان من المفترض وجود واستقرار الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة فيه.

والآن، ولم يعد متبقياً في ميدان المعركة أي مصدر للتهديد سوى جسد هذا الوحش النَاغُوري الصريع من الدرجة الثالثة – والذي تولى البطل (باي تشيهان) أمره وفصل في قضية وجوده وحصد روحه.

153

ولكن (باي تشيهان) لم يعر كل تلك الهتافات الصاخبة أي اهتمام ولم تسترعِ انتباهه مسامعه في تلك الأثناء.

واستوى (باي تشيهان) واقفاً في موضعه منتصراً، وكان صدره يعلو ويهبط ويتنفس بسرعة وعمق جراء الإنهاك الشديد، وكان نصل سيفه لا يزال مغروساً ومستقراً في داخل جمجمة الوحش الصريع.

فقد كان يوجه كل نظراته الحادة وصوب اهتمامه نحو موضع رفيقه البطل ‘هونغ تاو’.

ثم بعد ذلك فجأة-

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.

ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.

ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.

والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.

ثم تحدث بعد ذلك بصوت خفيض النبرة وبلين—

فمشى وتقدم نحوه بخطى وئيدة وثقيلة من أثر التعب والحزن.

«…كم كنت رجلاً غبياً ومندفعاً يا صاحبي.»

‹فهل ترى بمقدوري قتله والقضاء عليه بمفردي؟›

وأدار وجهه ونحى نظراته جانباً عن الجسد الممدد، ورمش بعينيه ر مشة واحدة حزينة.

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

فلم تذرف عيناه الدموع جهراً.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

ولم تسعفه الشفتان للعثور على كلمات رثاء تليق بمقامه.

ولكن لم يكن لأي من تلك الكائنات الساقطة أدنى أهمية أو قيمة في نظره.

نظراً لأنه كان يدرك في أعماق وجدانه وتفكيره الروحي أن سائر هذه الأمور المحيطة به لا تحمل صفة الديمومة أو الحقيقة المطلقة.

لقد تحقق لهم الفوز وانجلت الغمة حتماً وعادت السيطرة.

فحتى شخص ‘هونغ تاو’ هذا لم يكن يمثل كائناً حقيقياً مستقراً في نظره الشامل.

كـسـر!

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

وأدرك (باي تشيهان) في خلده وبتدبر عقله أن الإقدام على قتل وحش نَاغُوري ينتمي إلى مراتب الدرجة الثالثة الفتاكة قد يشوبه شيء من الصعوبة والمشقة البالغة – حتى بعد نجاحه في قطع الخطوة الأولى والولوج إلى عالم [صقل الطاقة الحيوية].

فهذه العاقبة السيئة هي النتيجة الحتمية والجزاء العادل الذي يلقاه المرء عندما يقع في خطأ المبالغة في تقدير كفاءته وقدراته الذاتية، واندفاعه لتجاوز حدوده. وبناءً على هذا المبدأ، وجب على العاقل ألا يقدم على خوض غمار أي مخاطرة أو اندفاع حتى تتضح له الرؤية بالكامل ويستيقن من سلامة العواقب ومآل الأمور.

إمبراطور الخيمياء

هكذا كان أسلوبه ومنهجه في إدارة الأحوال – وبفضل هذا الحذر والتدبر تمكن من الحفاظ على حياته والبقاء على قيد الحياة طوال مسيرته الصعبة. أو هكذا كان يظن ويخيل لعقله.

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

ولكنه رغم هذا التبرير العقلي، كان يعترف في قرارة نفسه وبأعماق وجدانه بيقين صادق: أنه لولا التضحية الباسلة والجسارة العالية التي قدمها وبذلها ‘هونغ تاو’ بنفسه، لما كان بمقدوره بأي حال من الأحوال الإجهاز على ذلك الوحش النَاغُوري العاتي من الدرجة الثالثة الفتاكة والتمكن من قهر بأسه وسحقه.

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

• • •

ولكنه رغم كل هذا الوهن والوجع استمر في حركته السريعة والرشاقة.

ولم تدم هذه الهتافات الصاخبة وأصوات الفرح والابتهاج المدوية طويلاً في المكان بعد انجلاد الغمة.

فبصفته مزارعاً متمرساً حظي في أوقاته السابقة بالوصول والاستقرار في مراتب عالم [أصل الروح] الرفيعة، فإن العجز عن حسم هذه المعركة بسرعة قد سبب جرحاً لكبريائه وأثار حفيظته؛ على الرغم من إدراكه الكامل ومعرفته بأن هذا الجسد البشري الضعيف الحالي لا يمثل حقيقته ومقامه الأصلي.

فربما استمرت لزمن يسير يقارب الدقيقة الواحدة – أو دقيقتين اثنتين على أقصى تقدير في حساب الوقت.

ولكن، كان إقدامه على هذا التفاخر نابعاً أيضاً من كونه قد وجد أن هذا الوحش النَاغُوري من الدرجة الثالثة كان يملك بأساً شديداً وقوة صمود تفوق بكثير ما استقر في تقديره وظنه في بداية المعركة لإبادته.

نظراً لأن مشاعر الفرح والسرور غدت شيئاً هشاً وضعيفاً لا يستقر في مكان تحول بفعل الموت والدمار إلى ما يشبه المقبرة الكبيرة الممتلئة بالجثث.

وانقض الوحش المريع يضرب بمخالبه القوية الغاشمة يبتغي ر أس خصمه وص رعه أرضاً.

فلا يزال ضباب الدخان الخانق الممتزج بغبار الدماء والرماد المتفحم يخيم بثقله على الأجواء ويملأ الفضاء المحيط بهم، ويتسلل بين جنبات وثنايا الساحة المحطمة كأنه زفير وحش مريع لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة والنهائية في النزع.

وسيكون هذا الإخفاق أمراً ثقيلاً لا يمكن قبوله أو تجرع مرارته، وخاصة مع علمه ويقينه بأن الفوز بميراث الإمبراطور الخالد الرفيع بات قاب قوسين أو أدنى وعلى المحك.

وتلاشت صيحات الفرح والابتهاج بالنصر ببطء وتدريج، وغرقت وتبدلت بأصوات البكاء والنحيب، وفي أنين وعويل أولئك الثكالى والمفجوعين الذين وجدوا أجساد من يحبونهم ويعز عليهم أمرهم محطمة وممزقة الأوصال تحت ركام الأنقاض والحطام، أو محترقة ومتفحمة لدرجة يصعب معها التعرف على ملامح أصحابها، أو ممزقة بفعل مخالب الوحوش الغاشمة.

وتلاشت صيحات الفرح والابتهاج بالنصر ببطء وتدريج، وغرقت وتبدلت بأصوات البكاء والنحيب، وفي أنين وعويل أولئك الثكالى والمفجوعين الذين وجدوا أجساد من يحبونهم ويعز عليهم أمرهم محطمة وممزقة الأوصال تحت ركام الأنقاض والحطام، أو محترقة ومتفحمة لدرجة يصعب معها التعرف على ملامح أصحابها، أو ممزقة بفعل مخالب الوحوش الغاشمة.

فقد كان ل تحقيق هذا النصر ثمن غالٍ وباهظ جداً جرى دفعه من دمائهم وأرواحهم.

بل في حقيقة الأمر والبيان، كانت قتالاً يدور بين وحش كاسر حقيقي واحد يمثل قوى الشر، وبين رجل واحد باسل ومجنون بما يكفي ليقف في وجهه ويحاربه بضراوة دون خوف من الهلاك.

والآن وفي هذه اللحظات، أصبح بمقدور كل إنسان من الحاضرين عيانه الحقيقة ومواجهة هذا الثمن الصعب بأعينهم.

واستدار الوحش فجأة وبحركة عشوائية غاضبة، وأطبق فكيه القويين بقوة غاشمة يبتغي قضم خصمه وسحقه.

فهناك امرأة مفجوعة تحمل بين ذراعيها جسد صبي صغير وفلذة كبدها – وعيناه متسعتان من هول الصدمة، وشفتيه منفرجتان ومفتوحتان كأنه كان يهم بالتفوه بعبارة أو قول شيء ما قبل مفارقته للحياة.

ولم يكن لدى غالبية الحاضرين أدنى معرفة أو دراية بالسبب الحقيقي الذي أدى إلى وقوع هذا التفجير المروع.

ولكنه لن يتحدث ولن ينطق بكلمة بعد اليوم أبدًا. وانطلقت صرخات لوعتها ونحيبها لتخترق القلوب وتحدث أثراً غائراً يفوق في قسوته تأثير زئير الوحوش الكاسرة.

تمتم (باي تشيهان) بتلك الكلمات بنبرة تفيض بالضيق والانزعاج جراء كثرة أعداد هذه الوحوش النَاغُورية الصغيرة التي كانت تعيق حركته وتمنعه من التقدم السريع نحو هدفه.

وسقط جندي نظامي على ركبتيه فوق التراب متأثراً إلى جوار جسد صديقه الصريع، وأخذ يضغط بكفي يديه بقوة على موضع الفتحة الواسعة والجرح الغائر في صدر الرجل، كأنما يتوهم ويخيل لعقله أن إغلاق هذا الجرح ومحاصرة النزيف سيعيد الحياة لصاحبه ويبطل ما اقترفته يد المنون في حقه.

إذ كانت فريسته الحقيقية وغايته الكبرى… هي رصد ذلك الكائن المسؤول عن إحداث هذه الفوضى العارمة وهدم أسوار المدينة الحصينة، مما تسبب في تمكين وتدفق المزيد من جحافل الوحوش النَاغُورية واكتساحها للمدينة الداخلية.

لقد تحقق لهم الفوز وانجلت الغمة حتماً وعادت السيطرة.

فلم يفكر في التراجع أو الفرار من المسار، بل اندفع مستقيماً ليلج إلى قلب المواجهة المباشرة.

ولكن بأي ثمن فادح وبأي تضحيات جسيمة كُتب هذا النصر؟

وكانت كل نبضة من نبضات القلب المتسارعة تحمل نذيراً بأنها قد تكون النبضة الأخيرة والنهائية في حياة صاحبها.

واستمر (باي تشيهان) واقفاً في موضعه بلا حراك، يراقب سائر هذه التفاصيل والأحداث المأساوية وهي تتكشف وتجري أمامه في الساحة وعصره الألم المكتوم.

ثم بعد ذلك –

وحتى تلك الساعة واللحظة، لم تكن مشاعره الإنسانية قد تفاعلت بشكل كامل مع عظم الكارثة. فربما كان ينظر ويعتبر مجمل هذه الحوادث والمشاهد المؤثرة كأنها مجرد فصول في فيلم سينمائي معروض أمام عينيه، أو جولة في لعبة من ألعاب الواقع الافتراضي المصطنعة، وليست واقعاً حقيقياً ملموساً يمس النفوس.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

ومع وجود هذا التبرير النفسي، إلا أن الشكوك كانت تساوره في مدى إمكانية حدوث أي تبدل أو تغيير في موقفه حتى لو قُدر لهذه المصائب والأهوال أن تقع وتحدث في عالم الواقع الفعلي واليقين.

ملك سمات الفنون القتالية

ومن خلف ظهره، شرعت فئات وجماعات الجنود في تجميع المصابين والجرحى لتقديم الإسعافات لهم. وجرى العمل على إخماد بقايا النيران ولهيب الحريق المشتعل في الأبنية. وانطلقت أصوات القادة تدوي عالية بإصدار الأوامر والتوجيهات المنظمة.

كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.

وبدأت أعمال التطهير وتنظيف الساحة وإزالة مخلفات الدمار والخراب.

زئـيـر!

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

إذ رفض الاستسلام وواصل المقاومة بضراوة وعناد.

ثم تلا ذلك سماع صوت وقع خطوات أقدام تقترب نحوهم بثبات.

واخترقت الشفرة الحادة وبقوة بالغة الجزء العلوي من جمجمته الصلبة ونفذت منها.

كانت خطى وئيدة، ناعمة الملمس، تحمل هيبة ملكية، ومصحوبة بالتدبر والوقار والمواساة.

وصب نظره يتأمل تلك الابتسامة العفوية البسيطة التي لا تزال جامدة وثابتة على ملامح وجهه الصامت النبيل.

إنها الأميرة ‘في ليان’!

وهز صوت الانفجار الهائل أركان الأرض وزلزل البنيان، مسبباً حدوث هزة أرضية عنيفة وقصيرة المدى في الأرجاء. فشعر الجنود المرابطون في المحيط – بل وحتى البطل (باي تشيهان) نفسه – ب الذهول والصدمة جراء هذا الحدث الطارئ.

واستوت واقفة بشموخ فوق جزء متصدع ومهدم من سور المدينة الحصين، ورفعت رأسها وذقنها عالياً في إباء، وأطلقت نبرات صوتها تدوي قوية لتخترق مسامع الجماهير المحتشدة.

كانت رائحة الدخان الخانق ونقع الدماء الزكية تفوح في غلاف الهواء وتملأ الأرجاء عندما وطئت قدما البطل (باي تشيهان) ساحة المعركة المدمرة.

وتحدثت قائلة: «إنني أعلم بيقين… وأدرك أن الكثير منكم وفي هذه اللحظات العصيبة يدور في عقله ونفسه ذات التساؤل ويفكر في نفس الأمر».

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

«فأنتم تتساءلون في أنفسكم وتبحثون عما إذا كان تحقيق هذا الفوز وانجلاء الغمة يستحق فعلاً بذل كل هذا الثمن الغالي والباهظ. وهل يستحق الحفاظ على بنيان المدينة واستمرارها واقفة على قدميها التضحية بكل هذه الأرواح والنفوس الزكية التي فقدناها وودعناها في هذا القتال؟ وهل تظنون أن أعداد الأشخاص الأبرياء الذين عجزنا عن حمايتهم وإنقاذهم تفوق بكثير أعداد من كتب الله لهم النجاة والسلامة على أيدينا؟»

لقد كان الوحش يشرف على الهلاك والزوال حتماً – فنصف جسده الهائل قد استحال متفحماً من أثر لهيب الانفجار، وذراع واحدة من أطرافه باتت تتدلى إلى جانبه عاجزة ومحرومة من الحراك، وكانت مشيته مضطربة ومترنحة ل غياب التوازن.

فخيم صمت مطبق وساد السكون الأرجاء انصياعاً لحديثها!

وإلا، فإن عاقبة الأمر ستؤول إلى الفشل والوجوع في المحاكمة، لمجرد عجزهم عن دفع خطر وجود وحش نَاغُوري واحد من الدرجة الثالثة.

وانتقلت الأنظار والأبصار كلها وتوجهت الصوب نحو موضع وجودها تنصت إليها وتتدبر كلماتها.

لقد كان الوحش يشرف على الهلاك والزوال حتماً – فنصف جسده الهائل قد استحال متفحماً من أثر لهيب الانفجار، وذراع واحدة من أطرافه باتت تتدلى إلى جانبه عاجزة ومحرومة من الحراك، وكانت مشيته مضطربة ومترنحة ل غياب التوازن.

وقد شاب نبرات صوت الأميرة ‘في ليان’ شيء من الارتجاف والتهدج اليسير – لبرهة خاطفة لا غير – ولكنها لم تتوقف عن الحديث واستعادت رباطة جأشها وقوتها لتواصل.

ولم يجرؤ أي مقاتل من الحاضرين على إحداث أدنى حركة أو خطوة نحو الساحة.

«ولن أخدعكم بالباطل أو أكذب عليكم بأقاويل واهية؛ فإن هذا الخطب الجسيم مؤلم وموجع للنفوس، ويجب حتماً أن يكون كذلك ليوقظ الضمائر. فلقد ت جرعنا جميعاً مرارة الفقد وفقدنا في هذه المعركة شيئاً غزيراً وثميناً… بل ودعنا أشخاصاً يعز علينا أمرهم وتفطر قلوبنا لرحيلهم. فقد منا الأخ الشقيق، والابنة الحبيبة، والصديق المخلص والوفي.»

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

وقبضت أصابع يديها بقوة بالغة على جانبي جسدها تعبيراً عن الحزم وتجدد العزيمة في صدرها.

وقف جنود المدينة المرابطون يراقبون تفاصيل هذه الملحمة الرهيبة في حالة من الذهول المطلق والصدمة التي عقدت ألسنتهم. وسكنت أصوات البنادق وصمتت في الأرجاء.

«ولكن أعيروني عقولكم واستمعوا إلي جيداً – فوالله ما مات هؤلاء الأبطال عبثاً ولا ذهبت دماؤهم سدى دون طائل! فهذه المدينة العظيمة وبنيانها لا تزال قائمة ومستمرة في الوجود بفضل تضحياتهم وبسالتهم. ونحن لا نزال صامدين في مواقعنا ونملك إرادتنا بفضل بذلهم. فلم يضحوا بأرواحهم الغالية ونفوسهم الزكية في سبيل حماية الجدران الصماء أو صيانة الأحجار الصخرية الفانية، بل جادوا بها فداءً لحماية الناس والمواطنين الأحرار الذين يعيشون ويستقرون خلف تلك الأسوار. وبذلوها لأجل إبقاء جذوة الأمل حية ومشتعلة في النفوس، لتستمر الحياة وتزدهر بعد أن تضع هذه الحرب الضارية أوزارها وتنتهي المحنة.»

فصرخ الوحش صرخة ألم مدوية تزلزلت لها الأرجاء. وانفجرت الدماء القاتمة وتدفقت كالقوس البخاري الثائر لشدة الحرارة.

ثم توقفت عن الكلام لبرهة من الزمن، وألقت نظرة خاطفة فاحصة تتفقد أحوال الحشد المحتشم المكسور والملطخ ب بقايا الدماء والغبار.

وتوقفت مخالبه القوية السليمة وهوت على مسافة بوصات قليلة وصغيرة تفصلها عن عنق ورقبة (باي تشيهان) دون أن تتمكن من لمسه أو إيذائه.

«فخذوا ما تحتاجون إليه من وقت لتجرع الحزن وبكاء الراحلين ومواساة النفوس. ودعوا قلوبكم تنفطر لوعاً؛ فهذه المشاعر الإنسانية النبيلة والرحمة هي ما تجعلنا بشراً نحمل دماء أحرار في عروقنا. ولكن إياكم أن يتطرق النسيان إلى عقولكم أو يغيب عن بالكم حقيقة الإنجاز – لقد دحرنا الأعداء وسحقنا جمعهم الباطل ب بأسنا. ووقفنا بثبات وجسارة في وجه تلك الجحافل الهائلة ولم تسقط رايتنا ولم ينحنِ بنياننا. وهذا هو نصرنا المؤزر الذي صنعناه. نصر صلب تطلب بذل الكثير. نصر شاق كُتب بدماء وتضحيات غالية. ولكنه نصر حقيقي، واقعي، وساطع كالشمس في رابعة النهار لا يمكن لأحد إنكاره.»

ولم يتفوه (باي تشيهان) بأي كلمة أو عبارة لزمن ممتد وطويل واكتفى بالنظر والتأمل وعصره الألم.

فأومأ عدد من الحاضرين برؤوسهم علامة الفهم وتجدد الأمل في نفوسهم وعقولهم.

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

بينما أجهش آخرون في البكاء وارتفع نحيبهم تعبيراً عن عظم التأثر والفقد.

ولكنه رغم كل هذا التشويه والضعف ظل قائماً على قدميه يصارع ب غطرسة.

وصوب بعضهم نظراته نحو الأرض متأملاً، بعد أن ت خدرت مشاعرهم وأصاب الوهن حواسهم كأنما شعروا في أنفسهم بفقدان كل شيء ثمين يملكونه في هذه الدنيا.

كـسـر!

ومع كل هذا الحزن والأسى المحيط بهم، كان لزاماً عليهم حتماً مواصلة السير والمضي قدماً في مسيرة الحياة، وفاءً لأنفسهم وحفاظاً على وجودهم، وإكراماً لأرواح أولئك الأبطال الأباة الذين جادوا بكل شيء وتنازلوا عن حياتهم في سبيل إبقائهم على قيد الحياة وتنفس الصعداء في أمان.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

إنـتـهـــــى الـفـصــــل, اللهم إنا نؤمن بك وحدك لا شريك لك، فاحفظنا من الشرك وأفكاره، ونجنا من كل سوء، وثبت قلوبنا على التوحيد والإخلاص لك.

فزمجر الوحش وزأر للمرة الأخيرة والنهائية في حياته، واندفع بكامل ثقله وبقايا قوته يبتغي توجيه قضمة قاضية وأخيرة ينهي بها النزال لصالح معسكره.

تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN

ولكن رغم جلاء الغمة وتحقق الغلبة، لم تكن ملامح الفوز والابتهاج بالنصر تظهر على محيا أي مقاتل أو إنسان من الحاضرين لشدة الحزن وعظم الفقد.

أعمال أخرى لنفس المترجم

فقد كانت في حقيقة الأمر مجرد عقبات يسيرة وعوائق في طريقه وجب إزاحتها.

إمبراطور الخيمياء

وسواء كتبت لهم الوفاة وهلكوا في المعارك أم كتبت لهم السلامة والنجاة، فإن هذا التبدل لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يشغل باله أو يؤثر في هدوء نفسه ومسيرته الروحية.

ملك سمات الفنون القتالية

ولم يكن بمقدورهم التدخل بأي حال من الأحوال جراء الفزع.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 8 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Muh Muh🔥 100
4Mohammad Aldosari🔥 100
5Ahmed Abdelghaffar🔥 100
6AZ .🔥 100
7A A🔥 100
8Ali Omar🔥 100
9Anass Alofiy🔥 100
10الشيطان الموقر صمت الرمال🔥 100

ولم يكن لأي إنسان آخر في هذا المكان فرصة للثبات أو تحقيق النصر؛ فكان لزاماً حتمياً أن يتصدر هو للمواجهة ويتحمل العبء بمفرده.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط