البعث (4)
البعث (4)
خرجت الكلمة بصوت خافت.
لم تكن هناك كلمات قادرة على وصف حال السجن الجوفي في تلك اللحظة.
وظل النصف العلوي من وجهه غارقًا في الظلام، حتى بدا غير حقيقي.
بعد الشهقة التي انطلقت منهم جميعًا في آن واحد، خيّم صمت لبضع ثوانٍ حتى كاد كل واحد منهم يسمع دقات قلوب الآخرين. وكأن مجرد التنفس بصوت مسموع أصبح ترفًا لا يملكونه.
وأخيرًا، تعالت حفيفات خافتة.
وبعد تلك الثواني القليلة، أطلقت الشعلة في يد بارني الابن شراراتها الأخيرة في يأس، ثم انطفأت تمامًا.
“أن يعرفوا تضحياتك، وما تحملته، والمعارك التي خضتها.
غرق السجن في ظلام لا نهاية له، ولم يبقَ في الهواء سوى رائحة الدخان الكريهة. أما الأحياء القلائل في الغرفة، فبدوا كأنهم تحولوا إلى جثث؛ لم يتحرك أحد.
صر على أسنانه، وشعر بقلبه يهبط قليلًا.
شعر تاليس كأنه عاد إلى المسار الأسود.
واجه فارس الحكم الذي بدا على وشك الانهيار.
وفي ذلك الظلام الصامت، التقط أنفاسًا خافتة بالكاد تُسمع من أمامه وخلفه. وبينما كان ذهنه غائمًا، عاش بضع ثوانٍ كانت من أغرب لحظات حياته.
زفر تاليس.
في تلك اللحظة، بدا له الظلام كأنه درع يحميه؛ دفن خوفه، وخدّر ألمه، وحجب عنه مختلف النظرات الموجهة إليه.
‘“لقد مت منذ زمن طويل… مر وقت طويل… طويل إلى درجة أنني لم أعد أتذكر كم مضى.”’
وأخيرًا، تعالت حفيفات خافتة.
أما زاكريل فظل صامتًا.
أخذ أحد الحراس يتحسس طريقه في الظلام بيد مرتجفة، ثم قدح الزناد وأشعل شعلة أخرى.
“لذلك، أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي فقط.”
ضيّق تاليس عينيه محاولًا الاعتياد على الضوء، وشعر كأنه عاد لتوه إلى عالم الأحياء.
انتفض، وضم القوس النشابي إليه بحرج، ثم أجبر نفسه على الضحك بملامح بريئة.
“أنا… أنا لا أفهم… الكوارث— أعني، الصوفيون… ألم يكن يفترض أنهم… أنهم قبل ألف عام…؟”
ولم ينتظر طويلًا.
رفع كانون، كشاف فرسان الطليعة، مصدر الضوء الجديد وهو يخفض رأسه غريزيًا. ارتجفت شفتاه وعجز عن تكوين جملة كاملة، بينما ظلت عيناه مثبتتين على تاليس لا تفارقانه.
“وو…”
وبجواره، وقف برولي مذهولًا تمامًا.
“وضعت كل شيء فوق كتفيك.”
لكن ما إن بدأ كانون يستوعب ما حدث حتى استوعبه الآخرون بدورهم، وفجأة انفجرت الغرفة بالضجيج، كالماء الذي بلغ درجة الغليان.
“لم يصبح كارثة مكتملة بعد. لدى إدارة الاستخبارات سجلات عن هذا. قبل أن يخطو الخطوة الأخيرة ويتسبب بكارثة كبرى… ما زال من الممكن إيقافه.”
“صاحب السمو، هذه المزحة…”
إلى فارس الحكم.
لم يستطع مسؤول العقوبات بيلدين استيعاب ما سمعه إطلاقًا. حدق في زاكريل، وتعثر لسانه حتى كاد كلامه بلا معنى.
“أنا… أنا أيضًا آسف جدًا…”
“أيها المراقب… أيها القائد! لقد قال إنه… إنه يستطيع… إنه سيكون… هذه كذبة أخرى، أليس كذلك؟”
ولم يفهمه أحد.
أما تاردين فحدق في تاليس بعينين متسعتين من الصدمة.
“يا إلهي.”
“ماذا… الأمير كارثة؟ عائلة جادستار الملكية… اللعنة، ماذا فعلوا هذه المرة؟”
راقبه بارني وبيلدين وتاردين والآخرون خلفه في صمت.
ظل تاليس يتأمل الجرح في راحة يده بصمت، متجاهلًا الفوضى المحيطة به.
وفي اللحظة التالية، وبحركة محرجة خجولة إلى أقصى حد، لكم كتف زاكريل الأيمن مرتين، بسرعة وتردد.
والغريب أنه شعر في تلك اللحظة بهدوء لا مثيل له.
فقط نبضت عروق يده قليلًا.
لم يكن ذلك الهدوء الذي يغمره حين يطرق الباب، ذلك البرود المفرط الذي كان يخيفه من نفسه. ولم يكن أيضًا السكون الذي تفرضه عليه خطيئة نهر الجحيم حين يواجه الخطر.
“لكن اسمعني جيدًا يا زاكريل.”
بل كان هدوءًا وُلد من إلقاء جميع الأعباء جانبًا، ومن التحرر من كل قلق.
هز كتفيه ولم يكمل.
هدوء لاعب شطرنج يتأمل رقعته.
وتذكر الجثث التي لا تحصى في السجن، فقال بحزن:
“يا إلهي.”
“أريد أن أتخلى عن خوفي، وأن أضع حدًا لندمي تجاهك.
راحت نظرات ساميل تتنقل بين تاليس وزاكريل.
فتح بارني فمه وحدق فيه غير مصدق.
“زاكريل، كل ما قلته سابقًا… عن أن الملكة فيوسا كانت كارثة، وعن إصرارك على إتمام مهمتك… لم يكن كله كذبًا، أليس كذلك؟”
بل كانت ترتجف…
لكن زاكريل لم يجب.
“يجب أن أعترف أن حكم جلالته والقائد العجوز كان دقيقًا جدًا.
ظل يحدق في تاليس بذهول، وفي عينيه حزن وحيرة.
وقف كويك روب في وسط المكان، يحدق في تاليس شاردًا.
صر ساميل على أسنانه، محاولًا الحفاظ على منطقه وسط الصدمة والغضب اللذين اجتاحاه.
“بل من أجلهم أيضًا.”
“مستحيل. عمره… هل هو حقًا في الرابعة عشرة فقط؟ وإن لم يكن كذلك، فما علاقته بالسنة الدموية؟ وما تلك المهمة اللعينة التي تتحدث عنها؟!”
لكنهم جميعًا وجهوا أنظارهم المندهشة نحو زاكريل.
راقب تاليس ردود أفعالهم من الجانب.
كانت ذراعه اليمنى مكسورة وجسده مثخنًا بالجراح، لذا استخدم ذراعه اليسرى السليمة لصد زاكريل…
ومع كل نفس، أخذ يفهم أشياء كثيرة.
“زاكريل…”
‘إذًا…’
“مهما يكن… ما زلت مدينًا لك باعتذار.”
ارتفعت زاوية فمه قليلًا.
تردد…
‘هكذا يكون الشعور.’
“لذلك، إن كان مصيرنا أن نموت في هذا المكان…”
بل استطاع أن يحس بأن النظرات المصوبة إلى ظهره قد تغيرت بالفعل.
كانت ابتسامة موجعة للنظر، حتى بدا كمريض بلغ آخر لحظات حياته.
اختلط شيء آخر بذلك القبول والثقة والاحترام الذي انتزعه منهم بشق الأنفس.
وقف كويك روب في وسط المكان، يحدق في تاليس شاردًا.
‘الخوف؟ الاشمئزاز؟ الشك؟ رهبة المجهول؟ الرفض؟’
ثم ارتفع صوت زاكريل.
‘لكن… لم يعد ذلك مهمًا، أليس كذلك؟’
“إيمانويل زاكريل لم يكن ولن يكون يومًا خائنًا يبيع ولاءه من أجل مصلحة شخصية، ولا مجنونًا فقد عقله بسبب سنوات السجن.”
“مهلًا، ويا المزيف! أنا أكلمك، يا “ابن أخي”! كنت تعرف بهذا منذ البداية، أليس كذلك؟”
لا، كأنه لمس سمًا.
بدا أن تاردين فهم شيئًا. فاستدار نحو كويك روب، الذي كان قد خفض رأسه وحنى كتفيه، محاولًا تقليص وجوده قدر الإمكان.
عاد ببصره إلى الجثتين على الأرض، وحين تذكر رحيل نالجي وناير، أصبح صوته أكثر خشونة.
“ويا؟ يا ابن أخي؟ مهلًا!”
“يجب أن يعرفوا ما فعلته من أجلهم.
كان كويك روب لا يزال يحدق في تاليس بصدمة حين ناداه تاردين.
رفع تاليس رأسه.
انتفض، وضم القوس النشابي إليه بحرج، ثم أجبر نفسه على الضحك بملامح بريئة.
تردد…
“أوه! أنا… أمم… آه… بشأن ذلك، كما تعلم… هذه أول مرة أسمع فيها بالأمر…؟”
تقدم بارني.
وفي اللحظة التي أوشك فيها السجن الجوفي على الغرق في الفوضى، دوّى صوت مكتوم فجأة.
“أنا آسف. نحن من أفسد كل شيء.
طاخ!
ومعها، شعر كأنه أفرغ كل ما حمله من مرارة طوال هذا اليوم.
“صمتًا!”
ذلك البطل الذي نسيه العالم.
امتد الصوت بعيدًا في المخزن الفسيح، فسكت الجميع فورًا.
تنهد وربت على صدره.
كان بارني الابن.
لم يتكلم زاكريل.
لقد ألقى للتو بالشعلة المنطفئة من يده، فجذب أنظار الجميع إليه.
في تلك اللحظة، بدا له الظلام كأنه درع يحميه؛ دفن خوفه، وخدّر ألمه، وحجب عنه مختلف النظرات الموجهة إليه.
كان وجه قائد الطليعة محتقنًا بالغضب، وجال بأشد نظراته صرامة وحدّة على جميع الحاضرين، قبل أن تستقر عيناه في النهاية على تاليس.
“قد لا يهمك ذلك، لكنني… سأحزن من أجله.”
أخذ تاليس نفسًا، وابتسم، ثم التفت ليقابل نظرته.
“مقارنة بذلك…”
“فقدت السيطرة على سيفي.”
خفض الكشاف رأسه.
وبعد صمت قصير، تابع بارني بوجه يملؤه الصراع:
كانت ذراعه اليمنى مكسورة وجسده مثخنًا بالجراح، لذا استخدم ذراعه اليسرى السليمة لصد زاكريل…
“حين كنت على وشك… قبل قليل.”
ذلك البطل الذي نسيه العالم.
نظر إلى السيف المكسور الملقى على الأرض بجوار تاليس.
لكن ما إن بدأ كانون يستوعب ما حدث حتى استوعبه الآخرون بدورهم، وفجأة انفجرت الغرفة بالضجيج، كالماء الذي بلغ درجة الغليان.
ومع كلماته المترددة، تذكر الآخرون ما حدث منذ قليل.
“لنحسم الأمر بمبارزة حتى الموت.”
“لم تكن مصادفة… أنت فعلت ذلك؟”
وهكذا، بدا الاثنان متكافئين في حالتهما البائسة.
صمت تاليس بضع ثوانٍ، ثم ضم شفتيه.
‘وسيظل هكذا بلا نهاية… وبلا خلاص.’
“نعم.”
لم يطلب الخلاص.
خرجت الكلمة بصوت خافت.
امتد الصوت بعيدًا في المخزن الفسيح، فسكت الجميع فورًا.
فتح بارني فمه وحدق فيه غير مصدق.
وبدا أنه يعاني بشدة.
وبعد بضع ثوانٍ، أدار نظره نحو الجثتين على الأرض.
“لم يعد سري مهمًا إلى ذلك الحد، أليس كذلك؟”
“لماذا… لماذا أنا؟”
“لم تكن مصادفة… أنت فعلت ذلك؟”
حدق في نالجي وناير، وقد فارقا الحياة، وتعقدت ملامحه بشدة.
فتح بارني فمه وحدق فيه غير مصدق.
“لماذا لم… تنقذهما؟”
تجاهله تاليس، ثم عاد إلى زاكريل وتنهد.
توقف تاليس لحظة.
كانت ذراعه اليمنى مكسورة وجسده مثخنًا بالجراح، لذا استخدم ذراعه اليسرى السليمة لصد زاكريل…
وفي تلك اللحظة، عادت إلى ذهنه ذكرى استخدامه لقوته الصوفية في مرحلة “المتصل” بعد تعاليم تاوروس.
ارتجف صوته وهو يدير رأسه بعيدًا، محاولًا ألا ينظر إلى زاكريل.
كان يومها بارد المشاعر إلى حد غير منطقي.
‘إذًا…’
والأرض أيضًا كانت مغطاة بالدم.
لكن هذه المرة، لم يوبخه أحد.
دخل السجن الجوفي في حالة غريبة.
ورفعوا أسلحتهم نحو زاكريل…
كان الجميع مذهولين، والأسئلة تعصف بعقولهم، لكنهم، وكأن بينهم اتفاقًا صامتًا، لم ينطقوا.
ارتجفت ذراع قائد الطليعة، ثم انفصل السيف والفأس المتشابكان في الهواء.
اكتفوا بالتحديق في تاليس.
خفض فارس الحكم رأسه قليلًا، فغابت عيناه في الظل الذي ألقته جبهته.
“أردت ذلك… لكنني لم أستطع.”
‘أنت مثل ذلك البطل الوحيد الذي لا يعرفه أحد.’
تنهد تاليس وخفض رأسه.
ظل بارني الابن صامتًا طويلًا.
“أنا آسف.”
كان وجه قائد الطليعة محتقنًا بالغضب، وجال بأشد نظراته صرامة وحدّة على جميع الحاضرين، قبل أن تستقر عيناه في النهاية على تاليس.
ظل بارني الابن صامتًا طويلًا.
وفي النهاية، رفع زاكريل فأسه ببطء من قلب الظلام.
وفي النهاية، خفض رأسه هو الآخر.
هبط عليهم صمت لا يمكن وصفه.
“فهمت.”
“أمم… كما تعلمون… اندمجت مع الأجواء فحسب. الأجواء…”
انتشر حزن خافت في المكان.
بعد الشهقة التي انطلقت منهم جميعًا في آن واحد، خيّم صمت لبضع ثوانٍ حتى كاد كل واحد منهم يسمع دقات قلوب الآخرين. وكأن مجرد التنفس بصوت مسموع أصبح ترفًا لا يملكونه.
وبطريقة غريبة، بدت كلمات بارني كأن لها أثرًا سحريًا؛ إذ شعر تاليس فجأة أن النظرات الموجهة إليه لم تعد حادة كما كانت.
هز كتفيه ولم يكمل.
ثم ارتفع صوت زاكريل.
“أنت مخطئ.”
“لماذا؟”
“لقد حملت أكثر مما ينبغي بكثير.
جذب صوت فارس الحكم الجاف الأجش أنظار الجميع.
غرق السجن في ظلام لا نهاية له، ولم يبقَ في الهواء سوى رائحة الدخان الكريهة. أما الأحياء القلائل في الغرفة، فبدوا كأنهم تحولوا إلى جثث؛ لم يتحرك أحد.
“لماذا؟ لماذا أخبرتهم؟”
“زاكريل، مأساتك… أيًا كان المصيب والمخطئ، وأيًا كانت الحقيقة والكذب فيها، فقد بدأت كلها من أكثر سلالة باردة المشاعر، السلالة التي تقف في أعلى مكانة داخل المملكة.”
رفع زاكريل رأسه وسط الظلام وحدق في تاليس. امتزجت على وجهه الحيرة والألم والحزن وخيبة الأمل.
“ولو لم أهرب، لما اضطررت إلى تحمل عذاب العزلة الانفرادية.
“ربما لا تخشى الموت، لكنك على الأقل لم تكن مضطرًا إلى… لم يكن عليك تحمل هذا.”
ذلك البطل الذي نسيه العالم.
امتلأت عيناه بالحزن.
لكن زاكريل ظل ثابتًا في مكانه.
“كان بوسعك أن تموت وهم يكنّون لك الإعجاب والاحترام، لا أن…”
لم يستطع مسؤول العقوبات بيلدين استيعاب ما سمعه إطلاقًا. حدق في زاكريل، وتعثر لسانه حتى كاد كلامه بلا معنى.
وبينما كان فارس الحكم يسأله بألم، تنهد تاليس.
والغريب أنه شعر في تلك اللحظة بهدوء لا مثيل له.
“لكنهم سيكرهونك.”
كانت ابتسامة موجعة للنظر، حتى بدا كمريض بلغ آخر لحظات حياته.
تجمد زاكريل.
“أعرف أنني، حتى وأنت مصاب بهذا الشكل، لن أستطيع إيقافك.”
“هم؟”
تنهد ساميل، وخفت صوته.
حدق تاليس فيه بصمت.
“قد تكون هذه آخر مرة نتعانق فيها، أيها القائد.”
نظر إلى الدم والغبار والأوساخ التي غطت جسده، وإلى الإرهاق الواضح على وجهه، وإلى الطريقة التي كان يقاوم بها ألمه.
“هم؟”
وفي النهاية، استقرت عيناه على وسم المجرمين البارز والبشع على جبهته.
نظر إلى الدم والغبار والأوساخ التي غطت جسده، وإلى الإرهاق الواضح على وجهه، وإلى الطريقة التي كان يقاوم بها ألمه.
‘زاكريل… هذا المحارب القوي الذي يكاد لا يُقهر.’
“لقد تعرضت لظلم أكثر مما ينبغي، وأساء فهمك عدد أكبر مما ينبغي.
‘ترى كم كان بطوليًا ومفعمًا بالحياة في شبابه؟’
غرق السجن في ظلام لا نهاية له، ولم يبقَ في الهواء سوى رائحة الدخان الكريهة. أما الأحياء القلائل في الغرفة، فبدوا كأنهم تحولوا إلى جثث؛ لم يتحرك أحد.
ابتسم تاليس.
“لماذا؟”
“أعرف أنك، لسبب ما، كنت سترفض قول أي شيء عن هويتي حتى لو مت. بل كنت مستعدًا لأن تظل صامتًا بعد ذلك أيضًا، وأن تموت طوعًا بأيديهم.”
‘حتى وهو مدفون في أعماق الأرض، لم يتراجع، بل أضاء من داخله وطرد الظلام في مكان خلا من النور والأمل.’
التفت تاليس وألقى نظرة على الحراس خلفه.
“ماذا… الأمير كارثة؟ عائلة جادستار الملكية… اللعنة، ماذا فعلوا هذه المرة؟”
كان كثير منهم لا يزالون غارقين في الصدمة والشك.
“عائلتي… جادستار.”
تجمد بارني الابن.
رأى تاليس قبضته تشتد، لكنه لم يعلق.
“نحن؟”
وبعينين مشتعلتين، أخذ خطوات شاقة نحو زاكريل حتى وقف الاثنان وجهًا لوجه.
تجاهله تاليس، ثم عاد إلى زاكريل وتنهد.
“حسنًا. سددت ديني.”
“إنهم يحترمونني. ولهذا، نعم… كانوا سيكرهونك من جديد.”
“لكنك لم تفهم هذا يومًا… لم تفهمه قط. مرت ثمانية عشر عامًا، وما زلت تتحمل العبء وتدفع الثمن وحدك.”
تجمد زاكريل.
“لا بد أن ذلك كان قاسيًا عليك.”
“لو التزمت الصمت، ثم مت، فإن سوء الفهم الذي نجحنا بشق الأنفس في إزالته سيعود أعمق مما كان.”
ظل زاكريل مطأطئ الرأس، حريصًا على إبقاء عينيه داخل الظلام.
بدا تاليس محبطًا قليلًا.
ورغم كل ما قاله، ظل زاكريل مطأطئ الرأس كما كان، ووجهه مدفونًا خارج نطاق الضوء.
“ومرة أخرى، سيتخلى عنك الرفاق الذين كنت تعتز بهم أكثر من أي أحد. سيكرهونك، وسيرونك مجنونًا وخائنًا… وستموت حاملًا كراهيتهم.”
كررها زاكريل بشرود.
استمع بارني والآخرون إلى الحوار بينهما بصدمة وحيرة.
حاول إبقاء نبرته محايدة، لكنه لم يستطع منع ذراعه من الارتجاف، سواء أكان ذلك من الألم أم من اضطراب مشاعره.
ظل زاكريل متجمدًا مكانه.
وازدادت نظرته إلى زاكريل تعقيدًا.
وبعد فترة، قال وهو يلهث:
كان كثير منهم لا يزالون غارقين في الصدمة والشك.
“لا أفهم.”
والأرض أيضًا كانت مغطاة بالدم.
أطلق تاليس ضحكة خافتة، كأنه أدرك شيئًا.
راحت نظرات ساميل تتنقل بين تاليس وزاكريل.
ثم قال بقلب مثقل:
تجمد زاكريل، الذي كان مستعدًا للقتال.
“زاكريل، من أجل خدمة المملكة، وحماية العائلة الملكية، والدفاع عن رفاقك، وصون معتقداتك… حملت أعباء كثيرة في الماضي، ودفعت ثمنًا باهظًا طوال ثمانية عشر عامًا.”
ورأى أمام عينيه كويك روب يفرك عينيه وهو يتحدث بحزن.
رفع تاليس رأسه وحدق في الفراغ.
هز كتفيه ولم يكمل.
وتراءى أمام عينيه طيف فضي متألق.
راقب تاليس ردود أفعالهم من الجانب.
ذلك البطل الذي نسيه العالم.
ولم يمنعه أحد أيضًا.
وسمع صوته من جديد في أعماق قلبه.
وما إن لامست قبضته زاكريل حتى سحبها، كيعسوب يلامس سطح الماء…
‘“لقد مت منذ زمن طويل… مر وقت طويل… طويل إلى درجة أنني لم أعد أتذكر كم مضى.”’
“وو…”
شرد تاليس قليلًا.
“حين أقف أمامك أنت، الذي تخليت عن الكثير، وفقدت الكثير، وحملت فوق كتفيك أكثر مما ينبغي… لا أعرف ماذا بقي بوسعي أن أفعله لك.
وبدا له أن ذلك الطيف الفضي قد ظهر مجددًا أمامه، واقفًا وحيدًا وسط ظلام لا نهاية له، يواجه أرواحًا لا حصر لها من الموتى، بينما يشع منه نور خافت مهيب.
اكتفوا بالتحديق في تاليس.
ظل ذلك الرجل وحيدًا سنوات لا تحصى.
“لماذا؟”
ضحى بنفسه، وحمل أعظم المهام وأكثرها تجردًا من الأنانية، ليحمي من أحبهم وما أحبّه أكثر من أي شيء.
دخل السجن الجوفي في حالة غريبة.
لكن أحدًا لم يعرف.
ثم قال بقلب مثقل:
ولم يفهمه أحد.
“لكن اسمعني جيدًا يا زاكريل.”
ومع ذلك، ظل يبتسم.
امتلأت عيناه بالحزن.
لم يحمل ضغينة ولا حقدًا.
خفض تاليس رأسه وأطلق تنهيدة طويلة.
لم يطلب الخلاص.
“ولا ينبغي أن تواصل تحمل الكراهية وسوء الفهم.”
تقبل كل شيء بهدوء، وظل وفيًا لنفسه.
“هذا الفتى لا يمكنه أن يموت، لذا…”
‘“لتتسع الجبال لخطاك. ولتبارك الأرض رحلتك.”’
راقب تاليس ردود أفعالهم من الجانب.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وانتزع ذهنه بصعوبة من الماضي ليعود إلى الحاضر.
“صمتًا!”
إلى فارس الحكم.
نظر إلى السيف المكسور الملقى على الأرض بجوار تاليس.
“لكنك لم تفهم هذا يومًا… لم تفهمه قط. مرت ثمانية عشر عامًا، وما زلت تتحمل العبء وتدفع الثمن وحدك.”
‘“لقد مت منذ زمن طويل… مر وقت طويل… طويل إلى درجة أنني لم أعد أتذكر كم مضى.”’
ثقل قلب تاليس، ومالت ملامحه إلى الكآبة.
“إيمانويل زاكريل لم يكن ولن يكون يومًا خائنًا يبيع ولاءه من أجل مصلحة شخصية، ولا مجنونًا فقد عقله بسبب سنوات السجن.”
‘أنت مثل ذلك البطل الوحيد الذي لا يعرفه أحد.’
ومعها، شعر كأنه أفرغ كل ما حمله من مرارة طوال هذا اليوم.
‘حتى وهو مدفون في أعماق الأرض، لم يتراجع، بل أضاء من داخله وطرد الظلام في مكان خلا من النور والأمل.’
جذب صوت فارس الحكم الجاف الأجش أنظار الجميع.
‘حتى وهو محكوم عليه بأن يغرق في النسيان إلى الأبد، ظل يمد ذراعيه بكل قوته إلى أعلى، ليرفع من فقدوا موطئ أقدامهم وغرقوا في الهاوية، كي يروا النور من جديد.’
لم يتحرك زاكريل وسط الظلام، لكن قبضته حول فأسه ازدادت قوة لحظة بعد أخرى.
‘وحتى بعدما انقضى عصره، ظل عنيدًا ثابتًا، متمسكًا بوعد قطعه في الماضي.’
“زاكريل، من أجل خدمة المملكة، وحماية العائلة الملكية، والدفاع عن رفاقك، وصون معتقداتك… حملت أعباء كثيرة في الماضي، ودفعت ثمنًا باهظًا طوال ثمانية عشر عامًا.”
‘لا أحد يعرفه.’
‘هاه؟’
‘ولا أحد يهتم.’
شد قبضته حول فأسه وصر على أسنانه.
‘وسيظل هكذا بلا نهاية… وبلا خلاص.’
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وفتح عينيه.
‘“شكرًا لأنك حملت إليّ تحيتها.”’
والأرض أيضًا كانت مغطاة بالدم.
حدق تاليس في زاكريل بجدية، ورأى المشاعر ترتجف في عيني الفارس.
“أنتم لا تفهمون.”
“والأسوأ من كل ذلك أن فارس الحكم سيظل في النهاية خائنًا ومجنونًا وشريرًا في أعين أكثر الناس الذين يهتم بهم ويعتز بهم.
ارتجف صوته وهو يدير رأسه بعيدًا، محاولًا ألا ينظر إلى زاكريل.
“سيسيئون فهمه، ويكرهونه، وينفرون منه، ويتجاهلونه.”
“مقارنة بذلك…”
قالها تاليس بصوت خافت.
“أنت تعرف أنني فظيع في هذا… ولم أكن يومًا بارعًا في عملي.”
استوعب الحراس خلفه كلماته، وتباينت تعابيرهم.
ارتفع نشيج خافت لا يلائم الجو إطلاقًا.
لكنهم جميعًا وجهوا أنظارهم المندهشة نحو زاكريل.
‘“لتتسع الجبال لخطاك. ولتبارك الأرض رحلتك.”’
أما الفارس فظل يتنفس شاردًا.
البعث (4)
“قصة حياتك كلها دارت حول الأشياء والآخرين يا زاكريل: المملكة، الحرس، إخوتك، مسؤوليتك، مهمتك…
ثم أغمض بيلدين عينيه، واستدار وعاد إلى جانب بارني، غير قادر على النظر إلى زاكريل.
“وضعت كل شيء فوق كتفيك.”
“على الأقل، آمل أنه من اليوم فصاعدًا، سيصبح الظلام الذي ما زلت مضطرًا إلى مقاومته أقل قسوة وبرودة بقليل.”
توقف تاليس لحظة.
في زاوية لم ينتبه إليها أحد، شد كويك روب ملابسه غريزيًا وهو يتصبب عرقًا باردًا، محاولًا إخفاء القوس النشابي في حضنه.
وتسلل إلى صوته إرهاق وحزن لم يستطع إخفاءهما.
تردد…
“لكن بين كل الأشياء التي تعتز بها… لم تضع نفسك يومًا.”
دخل السجن الجوفي في حالة غريبة.
ارتجفت يد زاكريل اليمنى قليلًا وهي ممسكة بالسلاح.
كان بارني الابن قد رفع السيف الطويل الذي حاول قبل قليل الانتحار به، واعترض فأس زاكريل.
تنهد تاليس وقال بأسى:
“أردت ذلك… لكنني لم أستطع.”
“لا أحد يعرف كل ما فعلته. ولا أحد سيشكرك عليه.
‘حتى وهو محكوم عليه بأن يغرق في النسيان إلى الأبد، ظل يمد ذراعيه بكل قوته إلى أعلى، ليرفع من فقدوا موطئ أقدامهم وغرقوا في الهاوية، كي يروا النور من جديد.’
“كل ما يمكنك فعله هو الجلوس وحيدًا في هذه الليالي الباردة التي لا تنتهي، تستعيد الماضي بصمت، ولا تجد عزاءً سوى يقينك الداخلي.
دوّى صوت معدنين يصطدمان ببعضهما.
“وحتى حين يُسدل الستار على حياتك…”
“أنا آسف.
انخفض صوت تاليس حتى كاد يكون همسًا.
‘وسيظل هكذا بلا نهاية… وبلا خلاص.’
“قد لا يهمك ذلك، لكنني… سأحزن من أجله.”
“أنا آسف.”
ظل زاكريل يلهث بحيرة، محدقًا في الفتى أمامه دون تصديق.
وما إن انتهى ساميل حتى تنهد الحراس، كأنهم فرغوا لتوهم من مهمة هائلة.
“زاكريل…”
وبعد ثانية، حين لاحظ كويك روب النظرات الغريبة التي رمقه بها الجميع، وكأنهم يسألونه لماذا يبكي أصلًا، أدرك موقفه وتصلب وجهه.
توقف تاليس قليلًا، ثم تابع ببطء:
“والمفارقة الأقسى أنك، حتى الآن، ما زلت تريد أداء واجبك كأحد أفراد الحرس الملكي وحماية سمعة العائلة الملكية.
“لقد حملت أكثر مما ينبغي بكثير.
راقبه بارني وبيلدين وتاردين والآخرون خلفه في صمت.
“ولا ينبغي أن تواصل تحمل الكراهية وسوء الفهم.”
“لنحسم الأمر بمبارزة حتى الموت.”
وبعد بضع ثوانٍ أضاف:
“وضعت كل شيء فوق كتفيك.”
“لا معنى لذلك.”
وفكر طويلًا قبل أن ينادي زاكريل أخيرًا بذلك اللقب.
“أتظن أنك اتخذت قرارًا حكيمًا؟”
“أنا… أنا أيضًا آسف جدًا…”
تردد صوت زاكريل الأجش المرتجف.
أما بارني الابن، الذي خرج لتوه من محنته، فظل يحدق في زاكريل، وفي عينيه حزن لا ينتهي.
“هل تشفق عليّ؟ تحاول إقناعي؟ زعزعة عزيمتي؟”
اختفى الحرج من وجه بارني، وعاد يحدق في زاكريل ببرود.
خفض فارس الحكم رأسه قليلًا، فغابت عيناه في الظل الذي ألقته جبهته.
“آه، يا إلهة الغروب… كم أفتقد الأيام التي خدمت فيها تحت قيادتك في قسم الانضباط.”
شد قبضته حول فأسه وصر على أسنانه.
“أنا آسف.”
“أنت مخطئ.”
أغمض ساميل عينيه وأدار رأسه بعيدًا.
حاول إبقاء نبرته محايدة، لكنه لم يستطع منع ذراعه من الارتجاف، سواء أكان ذلك من الألم أم من اضطراب مشاعره.
“أنا آسف، أيها القائد.
“كل ما تفعله الآن… لا معنى له بالنسبة إليّ.”
انتفض، وضم القوس النشابي إليه بحرج، ثم أجبر نفسه على الضحك بملامح بريئة.
زفر تاليس.
وتسلل إلى صوته إرهاق وحزن لم يستطع إخفاءهما.
نظر إلى الظلام الذي يخفي عيني زاكريل، ثم خفض رأسه وقال بصوت مشوب بالحزن:
ثم قال بقلب مثقل:
“لكنه يعني شيئًا بالنسبة إليّ… وبالنسبة إلينا.”
“أنا… أنا لا أفهم… الكوارث— أعني، الصوفيون… ألم يكن يفترض أنهم… أنهم قبل ألف عام…؟”
تجمد زاكريل من جديد.
تجمد زاكريل من جديد.
“إلينا؟”
وبعينين مشتعلتين، أخذ خطوات شاقة نحو زاكريل حتى وقف الاثنان وجهًا لوجه.
أومأ تاليس، وابتسامته تحمل شيئًا من الألم.
وقف كويك روب في وسط المكان، يحدق في تاليس شاردًا.
“عائلتي… جادستار.”
حدق تاليس في زاكريل بجدية، ورأى المشاعر ترتجف في عيني الفارس.
وبعد ثانية واحدة، بدأ صدر زاكريل يعلو ويهبط بوضوح.
رفع كانون، كشاف فرسان الطليعة، مصدر الضوء الجديد وهو يخفض رأسه غريزيًا. ارتجفت شفتاه وعجز عن تكوين جملة كاملة، بينما ظلت عيناه مثبتتين على تاليس لا تفارقانه.
رفع تاليس رأسه.
ولم ينتظر طويلًا.
“إن كان تخميني صحيحًا، فالملك الراحل آيدي هو من عيّنك مراقبًا للحرس الملكي.
ربت على ظهر زاكريل بقوة، حتى اهتز جسد الأخير.
“وهو أيضًا من جرّك إلى صراع العائلة، ودمّر حياتك بأكملها.
طاخ، طاخ.
“ثم ألقى بك الملك كيسيل في السجن بلا رحمة، في ظلم جعلك تهوي إلى هذا القاع.”
كانت ذراعه اليمنى مكسورة وجسده مثخنًا بالجراح، لذا استخدم ذراعه اليسرى السليمة لصد زاكريل…
ساد الحزن نظرة تاليس.
“وأريدك أنت أيضًا أن ترحل بسلام.”
تنهد وربت على صدره.
تجمد زاكريل.
“وبعد ثمانية عشر عامًا، ظهر جادستار آخر فجأة في حياتك، وحطم سكونك، وأجبرك على تذكر كابوس تلك السنوات.”
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه، وتعالى صوت أنفاسه.
حاول تاليس أن ينظر إلى زاكريل بأكثر نظراته حيادًا.
فتح بارني فمه وحدق فيه غير مصدق.
“زاكريل، مأساتك… أيًا كان المصيب والمخطئ، وأيًا كانت الحقيقة والكذب فيها، فقد بدأت كلها من أكثر سلالة باردة المشاعر، السلالة التي تقف في أعلى مكانة داخل المملكة.”
وبدا كأنه عاد إلى سابق عهده، قائدًا لطليعة الحرس الملكي يجد كل شيء في زاكريل مستفزًا.
ظل زاكريل صامتًا، لكن أنفاسه اضطربت.
“على الأقل، أستطيع أن أجعلهم يرون حقيقتك.
“والمفارقة الأقسى أنك، حتى الآن، ما زلت تريد أداء واجبك كأحد أفراد الحرس الملكي وحماية سمعة العائلة الملكية.
أما الفارس فظل يتنفس شاردًا.
“مهما تعددت أسبابك، فقد منعتك من حمل الضغينة تجاه العائلة الملكية…”
نظر الفتى إلى زاكريل، وقد ارتسم على وجهه ارتياح من تحرر من حمل ثقيل.
بدا تاليس محبطًا.
تردد صوت زاكريل الأجش المرتجف.
“لا بد أن ذلك كان قاسيًا عليك.”
تنهد ساميل، وخفت صوته.
ثم تابع:
“لم أعترف بك يومًا، لكن اليوم… آه…”
“أظن أننا، عائلة جادستار، مدينون لك بالكثير.”
لم يستطع مسؤول العقوبات بيلدين استيعاب ما سمعه إطلاقًا. حدق في زاكريل، وتعثر لسانه حتى كاد كلامه بلا معنى.
رأى تاليس قبضته تشتد، لكنه لم يعلق.
“لماذا؟ لماذا أخبرتهم؟”
عاد ببصره إلى الجثتين على الأرض، وحين تذكر رحيل نالجي وناير، أصبح صوته أكثر خشونة.
كان كويك روب لا يزال يحدق في تاليس بصدمة حين ناداه تاردين.
“أتعلم؟ حين أقف أمامكم بصفتي تاليس جادستار، أستطيع مواساة نالجي وناير وتوديعهما.
“أنا آسف.
“أستطيع العفو عن تاردين والآخرين، وأن أتفهم آلامهم.
‘أنت مثل ذلك البطل الوحيد الذي لا يعرفه أحد.’
“وأستطيع أن أشجع بارني، الذي انهار بعد سماع تلك الحقيقة المدمرة، وأساعده على الوقوف مجددًا ومواجهة حياته.”
رفع تاليس رأسه وحدق في الفراغ.
راقبه بارني وبيلدين وتاردين والآخرون خلفه في صمت.
ورغم كل ما قاله، ظل زاكريل مطأطئ الرأس كما كان، ووجهه مدفونًا خارج نطاق الضوء.
“أما أنت يا زاكريل…”
“وأستطيع أن أشجع بارني، الذي انهار بعد سماع تلك الحقيقة المدمرة، وأساعده على الوقوف مجددًا ومواجهة حياته.”
أبعد تاليس نظره، متجنبًا عيني الفارس، كأن ذلك سيجعل الكلام أسهل.
“ثم ألقى بك الملك كيسيل في السجن بلا رحمة، في ظلم جعلك تهوي إلى هذا القاع.”
“بصفتي أميرًا بلا سلطة، لا أستطيع تغيير المأساة التي وقعت في الماضي.
أما تاردين فحدق في تاليس بعينين متسعتين من الصدمة.
“لا أستطيع إنصافك مما تعرضت له.
حدق تاليس في زاكريل بجدية، ورأى المشاعر ترتجف في عيني الفارس.
“ولا أستطيع إعادة فتح قضية حسمها الملك بنفسه.
رفع كانون، كشاف فرسان الطليعة، مصدر الضوء الجديد وهو يخفض رأسه غريزيًا. ارتجفت شفتاه وعجز عن تكوين جملة كاملة، بينما ظلت عيناه مثبتتين على تاليس لا تفارقانه.
“ولا أستطيع منحك العدالة التي تستحقها.
“على الأقل، لن تضطر إلى تحمل كل هذا وحدك بعد الآن.
“بل لا أستطيع حتى تقديم تفسير مقبول لمن كنت تعتز بهم.”
‘ولا أحد يهتم.’
حدق تاليس في الجثتين على الأرض بمرارة.
“زاكريل…”
وتذكر الجثث التي لا تحصى في السجن، فقال بحزن:
وفي وقت لم يلحظه أحد، كان زاكريل قد توقف تمامًا عن الحركة داخل الظلام الذي دفن نفسه فيه.
“حين أقف أمامك أنت، الذي تخليت عن الكثير، وفقدت الكثير، وحملت فوق كتفيك أكثر مما ينبغي… لا أعرف ماذا بقي بوسعي أن أفعله لك.
ارتجف زاكريل قليلًا.
“لذلك، إن كان مصيرنا أن نموت في هذا المكان…”
“…شكرًا.”
توقف لحظة.
وبطريقة غريبة، بدت كلمات بارني كأن لها أثرًا سحريًا؛ إذ شعر تاليس فجأة أن النظرات الموجهة إليه لم تعد حادة كما كانت.
“…فأريد أن أرحل بلا شيء يثقل قلبي.
“إنهم يحترمونني. ولهذا، نعم… كانوا سيكرهونك من جديد.”
“أريد أن أتخلى عن خوفي، وأن أضع حدًا لندمي تجاهك.
جذب صوت فارس الحكم الجاف الأجش أنظار الجميع.
“وأريدك أنت أيضًا أن ترحل بسلام.”
“لو التزمت الصمت، ثم مت، فإن سوء الفهم الذي نجحنا بشق الأنفس في إزالته سيعود أعمق مما كان.”
ابتسم تاليس بألم.
توقف تاليس لحظة.
كانت ابتسامة موجعة للنظر، حتى بدا كمريض بلغ آخر لحظات حياته.
“لكن بين كل الأشياء التي تعتز بها… لم تضع نفسك يومًا.”
لم يتحرك زاكريل.
هز تاليس رأسه، ودفع الحزن إلى أعمق مكان في قلبه، ثم أجبر نفسه على الابتسام مرة أخرى.
“لا أريد للآخرين أن يواصلوا كراهيتك.
استوعب الحراس خلفه كلماته، وتباينت تعابيرهم.
“ولا أريدك أن تواصل حمل جرائم لا تخصك في الظلام.
اكتفى بفتح فمه قليلًا في دهشة.
“أريدهم أن يفهموا… أو على الأقل أن يحاولوا.”
“بل لا أستطيع حتى تقديم تفسير مقبول لمن كنت تعتز بهم.”
خفض تاليس رأسه وأطلق تنهيدة طويلة.
تابع الأمير بهدوء وجدية:
ومعها، شعر كأنه أفرغ كل ما حمله من مرارة طوال هذا اليوم.
“هم؟”
“مقارنة بذلك…”
لم يتحرك زاكريل.
رفع الأمير رأسه.
انخفض صوت تاليس حتى كاد يكون همسًا.
وهذه المرة، لم يبقَ على وجهه ألم ولا تردد، بل ابتسامة هادئة لرجل ألقى جميع أعبائه.
“أن أجعلهم يفهمون ويرون العبء الذي تحمله فوق كتفيك.
واجه فارس الحكم الذي بدا على وشك الانهيار.
“أتظن أنك اتخذت قرارًا حكيمًا؟”
“لم يعد سري مهمًا إلى ذلك الحد، أليس كذلك؟”
رمق بارني تاليس، الذي ظل هادئًا خلفه، ثم شخر.
وقف كويك روب في وسط المكان، يحدق في تاليس شاردًا.
ثم استدار كمن يفر من خطر، وعاد بثلاث خطوات سريعة إلى موضعه السابق في مواجهة زاكريل.
ولم يكن وحده.
شخر صاحب سيف الكارثة بخفة، متظاهرًا بعدم الاكتراث، من دون أن يدرك أنه يتصرف تمامًا كما فعل بارني الابن.
لم يجب زاكريل، ولم يتحرك أيضًا.
“وحتى أكثر أفعالك قسوة وغرابة، لم تفعلها إلا من أجل مهمتك.
هز تاليس رأسه، ودفع الحزن إلى أعمق مكان في قلبه، ثم أجبر نفسه على الابتسام مرة أخرى.
“كل ما يمكنك فعله هو الجلوس وحيدًا في هذه الليالي الباردة التي لا تنتهي، تستعيد الماضي بصمت، ولا تجد عزاءً سوى يقينك الداخلي.
“لذلك، أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي فقط.”
بدت على وجه ساميل مشاعر متضاربة.
نظر إلى زاكريل، ثم التفت إلى من حوله.
“قد لا أكون حارسًا بعد الآن، لكنني مدين لك بالشكر، أيها القائد.”
“بل من أجلهم أيضًا.”
اكتفوا بالتحديق في تاليس.
“هم؟”
“انتظروا…”
كررها زاكريل بشرود.
رفع كانون، كشاف فرسان الطليعة، مصدر الضوء الجديد وهو يخفض رأسه غريزيًا. ارتجفت شفتاه وعجز عن تكوين جملة كاملة، بينما ظلت عيناه مثبتتين على تاليس لا تفارقانه.
وما إن قالها حتى تبدلت وجوه الحراس من حوله.
راقبه بارني وبيلدين وتاردين والآخرون خلفه في صمت.
تابع الأمير بهدوء وجدية:
وفي النهاية، خفض رأسه هو الآخر.
“من حقهم أن يعرفوا أن قائدهم ومراقبهم، في الماضي والحاضر، كان دائمًا هذا الرجل.
ورغم كل ما قاله، ظل زاكريل مطأطئ الرأس كما كان، ووجهه مدفونًا خارج نطاق الضوء.
“إيمانويل زاكريل لم يكن ولن يكون يومًا خائنًا يبيع ولاءه من أجل مصلحة شخصية، ولا مجنونًا فقد عقله بسبب سنوات السجن.”
أما زاكريل فظل صامتًا.
تنهد تاردين وخفض رأسه.
لم يطلب الخلاص.
تلوى وجه كانون من الألم.
“إيمانويل زاكريل لم يكن ولن يكون يومًا خائنًا يبيع ولاءه من أجل مصلحة شخصية، ولا مجنونًا فقد عقله بسبب سنوات السجن.”
وغرق وجه برولي في الكآبة.
“ويا؟ يا ابن أخي؟ مهلًا!”
“يجب أن يعرفوا أنك ما زلت زاكريل الذي وثقوا به واحترموه وأحبوه.
خفض فارس الحكم رأسه قليلًا، فغابت عيناه في الظل الذي ألقته جبهته.
“وأنك ما زلت فارس الحكم المتمسك بمعتقداته، الوفي بواجبه المقدس، والمحب لإخوته.”
“وضعت كل شيء فوق كتفيك.”
بدت على وجه ساميل مشاعر متضاربة.
“أنا آسف. نحن من أفسد كل شيء.
أما بيلدين فغلب عليه الحزن.
شرد تاليس قليلًا.
“يجب أن يعرفوا ما فعلته من أجلهم.
ظل زاكريل صامتًا، لكن أنفاسه اضطربت.
“أن يعرفوا تضحياتك، وما تحملته، والمعارك التي خضتها.
“وبعد ثمانية عشر عامًا، ظهر جادستار آخر فجأة في حياتك، وحطم سكونك، وأجبرك على تذكر كابوس تلك السنوات.”
“وحتى أكثر أفعالك قسوة وغرابة، لم تفعلها إلا من أجل مهمتك.
خفض تاليس رأسه وأطلق تنهيدة طويلة.
“كل ما أردته هو القضاء على الكارثة المرعبة… لا أكثر.”
خرجت الكلمة بصوت خافت.
ضم بارني الابن ذراعه اليمنى المصابة وعض شفته السفلى.
أما زاكريل فظل صامتًا.
وازدادت نظرته إلى زاكريل تعقيدًا.
لكنه لم يستطع.
“ويجب أن يعرفوا أنهم مدينون لك، أنت مراقب الحرس الملكي… باعتذار وكلمة شكر.”
“أيها المراقب… أيها القائد! لقد قال إنه… إنه يستطيع… إنه سيكون… هذه كذبة أخرى، أليس كذلك؟”
وفي وقت لم يلحظه أحد، كان زاكريل قد توقف تمامًا عن الحركة داخل الظلام الذي دفن نفسه فيه.
“أن يعرفوا تضحياتك، وما تحملته، والمعارك التي خضتها.
أغمض ساميل عينيه وأدار رأسه بعيدًا.
“والآن…”
أما بارني الابن، الذي خرج لتوه من محنته، فظل يحدق في زاكريل، وفي عينيه حزن لا ينتهي.
فقد بدا بارني وكأن استمرار التلامس بينهما لحظة أطول سيكلفه حياته.
ولم يكن الآخرون أفضل حالًا.
“زاكريل…”
هبط عليهم صمت لا يمكن وصفه.
وهكذا، بدا الاثنان متكافئين في حالتهما البائسة.
ضحك تاليس ضحكة خافتة بلا اكتراث.
أدار ساميل نظره بعيدًا، وصر على أسنانه وأغمض عينيه.
“أعتذر. هذا آخر ما أستطيع فعله من أجلك.”
خرجت الكلمة بصوت خافت.
نظر إلى زاكريل بجدية.
وبعد بضع ثوانٍ، أدار نظره نحو الجثتين على الأرض.
“على الأقل، لن تضطر إلى تحمل كل هذا وحدك بعد الآن.
كان كويك روب لا يزال يحدق في تاليس بصدمة حين ناداه تاردين.
“لن تضطر إلى صر أسنانك والتظاهر بالقوة.
ظل ذلك الرجل وحيدًا سنوات لا تحصى.
“على الأقل، أستطيع أن أجعلهم يرون حقيقتك.
“لا أحد يعرف كل ما فعلته. ولا أحد سيشكرك عليه.
“أن أجعلهم يفهمون ويرون العبء الذي تحمله فوق كتفيك.
لم يطلب الخلاص.
“لقد تعرضت لظلم أكثر مما ينبغي، وأساء فهمك عدد أكبر مما ينبغي.
تنهد تاردين وخفض رأسه.
“ولا أريد أن يصبح موتي ظلمًا آخر يُضاف إلى ما تحملته.”
“أنا آسف، أيها القائد.
ثم تابع:
على العكس، استدار بارني الابن وتاردين وبيلدين، وجرّ كل منهم جسده المنهك، ثم وقفوا إلى جوار تاليس بأقصى ما بقي لديهم من عزيمة.
“على الأقل، آمل أنه من اليوم فصاعدًا، سيصبح الظلام الذي ما زلت مضطرًا إلى مقاومته أقل قسوة وبرودة بقليل.”
أما تاردين فحدق في تاليس بعينين متسعتين من الصدمة.
ورغم كل ما قاله، ظل زاكريل مطأطئ الرأس كما كان، ووجهه مدفونًا خارج نطاق الضوء.
“ولا أستطيع إعادة فتح قضية حسمها الملك بنفسه.
وفي النهاية، تنهد تاليس حين ضربته موجة أخرى من الدوار.
‘“لتتسع الجبال لخطاك. ولتبارك الأرض رحلتك.”’
رفع زاوية فمه، وأطلق زفرة ساخرة، ثم هز رأسه.
توقف تاليس لحظة.
“إذًا نعم، أنا كارثة. وانتهى الحديث.”
أشار إلى تاليس.
بدا زاكريل كأن لسانه انعقد.
اكتفى بفتح فمه قليلًا في دهشة.
ولزم الآخرون الصمت أيضًا.
تجمد زاكريل، الذي كان مستعدًا للقتال.
ثم تنهد تاليس وقال:
“وأستطيع أن أشجع بارني، الذي انهار بعد سماع تلك الحقيقة المدمرة، وأساعده على الوقوف مجددًا ومواجهة حياته.”
“حسنًا، والآن…”
كانت يده تتحرك ببطء شديد.
نظر الفتى إلى زاكريل، وقد ارتسم على وجهه ارتياح من تحرر من حمل ثقيل.
صليل!
“لنضع حدًا لهذا.”
“هم؟”
استمر الصمت قرابة عشر ثوانٍ.
“ويا؟ يا ابن أخي؟ مهلًا!”
وفي النهاية، رفع زاكريل فأسه ببطء من قلب الظلام.
ولدهشة الجميع، التصق الرجل بكتف زاكريل الأيمن، ومد ذراعه اليسرى وأحاط ظهره برفق.
كانت يده تتحرك ببطء شديد.
“أن أجعلهم يفهمون ويرون العبء الذي تحمله فوق كتفيك.
بل كانت ترتجف…
ثم أغمض بيلدين عينيه، واستدار وعاد إلى جانب بارني، غير قادر على النظر إلى زاكريل.
ومع ذلك، رفع الفأس.
بدت على وجه ساميل مشاعر متضاربة.
أغمض تاليس عينيه بهدوء وانتظر تلك اللحظة.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 18 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉Ahmed khirallh🔥 1004السيد الشاب🔥 1005med abda🔥 1006ABDULWAHAB ALKHALAF🔥 1007A k🔥 1008Wassim Sun🔥 1009Arhama Alnuaimi🔥 10010lsas xzpo🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057Abdulaziz Alzahrani💎 10081 1💎 1009Abdullah S💎 10010Abdullah AL RAGAWY💎 100
ولم ينتظر طويلًا.
استمر الصمت قرابة عشر ثوانٍ.
صليل!
وبعد تلك الثواني القليلة، أطلقت الشعلة في يد بارني الابن شراراتها الأخيرة في يأس، ثم انطفأت تمامًا.
دوّى صوت معدنين يصطدمان ببعضهما.
“زاكريل، كل ما قلته سابقًا… عن أن الملكة فيوسا كانت كارثة، وعن إصرارك على إتمام مهمتك… لم يكن كله كذبًا، أليس كذلك؟”
ثم جاء صوت بارني الابن الواهن:
وفي اللحظة التي أوشك فيها السجن الجوفي على الغرق في الفوضى، دوّى صوت مكتوم فجأة.
“أتعلم؟ إن كان كل ما قاله صحيحًا، فكل ما فعلته كان بلا جدوى.”
“صمتًا!”
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وفتح عينيه.
كان بارني الابن.
كان بارني الابن قد رفع السيف الطويل الذي حاول قبل قليل الانتحار به، واعترض فأس زاكريل.
ارتفعت زاوية فمه قليلًا.
كانت ذراعه اليمنى مكسورة وجسده مثخنًا بالجراح، لذا استخدم ذراعه اليسرى السليمة لصد زاكريل…
ثم تنهد تاليس وقال:
وبدا أنه يعاني بشدة.
أدار بارني رأسه وحدق في الأرض.
أما زاكريل أمامه، فكانت ذراعه اليسرى مكسورة أيضًا.
ساد الحزن نظرة تاليس.
وهكذا، بدا الاثنان متكافئين في حالتهما البائسة.
أما زاكريل أمامه، فكانت ذراعه اليسرى مكسورة أيضًا.
رمق بارني تاليس، الذي ظل هادئًا خلفه، ثم شخر.
ورفعوا أسلحتهم نحو زاكريل…
“لا تملك سلاحًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين، ومع ذلك تظن أنك تستطيع قتله؟”
وظل النصف العلوي من وجهه غارقًا في الظلام، حتى بدا غير حقيقي.
في زاوية لم ينتبه إليها أحد، شد كويك روب ملابسه غريزيًا وهو يتصبب عرقًا باردًا، محاولًا إخفاء القوس النشابي في حضنه.
استوعب الحراس خلفه كلماته، وتباينت تعابيرهم.
ظل زاكريل مطأطئ الرأس، حريصًا على إبقاء عينيه داخل الظلام.
تردد صوت زاكريل الأجش المرتجف.
صر على أسنانه، وأجبر الكلمات على الخروج بصعوبة:
نظر إلى السيف المكسور الملقى على الأرض بجوار تاليس.
“لم يصبح كارثة مكتملة بعد. لدى إدارة الاستخبارات سجلات عن هذا. قبل أن يخطو الخطوة الأخيرة ويتسبب بكارثة كبرى… ما زال من الممكن إيقافه.”
البعث (4)
ابتسم تاليس بخفة، وتنهد وأومأ.
لكن زاكريل ظل ثابتًا في مكانه.
“ربما يكون محقًا.”
“صاحب السمو، هذه المزحة…”
لكن بارني رد عليه بفظاظة:
شرد تاليس قليلًا.
“لم أسألك، أيها الأمير الصغير.”
ابتسم تاليس بخفة، وتنهد وأومأ.
تجمد وجه تاليس.
فقد بدا بارني وكأن استمرار التلامس بينهما لحظة أطول سيكلفه حياته.
عاد بارني إلى زاكريل وهز رأسه.
“لذلك، أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي فقط.”
“سجلات إدارة الاستخبارات السرية؟ مكتملة؟ وماذا في ذلك؟ هل يحتاج المرء إلى اجتياز اختبار حتى يصبح كارثة؟”
‘هاه؟’
ارتجف فأس زاكريل.
“مستحيل. عمره… هل هو حقًا في الرابعة عشرة فقط؟ وإن لم يكن كذلك، فما علاقته بالسنة الدموية؟ وما تلك المهمة اللعينة التي تتحدث عنها؟!”
وكان صوته مضطربًا أصلًا، لكن نبرة ضيق تسللت إليه الآن.
“لماذا؟ لماذا أخبرتهم؟”
“هذه ليست مزحة! ابتعد! أنت تعرف بالفعل أنه—”
تجاهله تاليس، ثم عاد إلى زاكريل وتنهد.
لكن بارني رفع صوته فجأة:
إلى فارس الحكم.
“وماذا في ذلك؟! حسب كلامك، الملك الراحل نفسه ضاجع واحدة منهم!”
وصمت زاكريل.
ظل تاليس صامتًا وهو يراقب بارني.
“مهما يكن… ما زلت مدينًا لك باعتذار.”
صر على أسنانه، وشعر بقلبه يهبط قليلًا.
كان كثير منهم لا يزالون غارقين في الصدمة والشك.
ارتجفت ذراع قائد الطليعة، ثم انفصل السيف والفأس المتشابكان في الهواء.
كان يومها بارد المشاعر إلى حد غير منطقي.
وصمت زاكريل.
ولدهشة الجميع، التصق الرجل بكتف زاكريل الأيمن، ومد ذراعه اليسرى وأحاط ظهره برفق.
عندها رأى أن بيلدين وتاردين قد تسلحا بالكامل في وقت ما، ووصلا إلى خلف تاليس.
فما إن وصل بارني أمامه حتى اختفت جميع تعابيره فجأة، وأطلق تنهيدة كئيبة.
وتبعهما كانون وبرولي.
“أما الآن، فعلى الأقل يمكننا أن نرقد بسلام إلى جوار الإمبراطور، مثل أولئك الحمقى الثلاثين ونيفًا…
كانوا جميعًا يراقبون زاكريل بوجوه تحررت من أعبائها.
“لماذا… لماذا أنا؟”
ارتجف فأس الفارس قليلًا.
وبجواره، وقف برولي مذهولًا تمامًا.
“أنتم لا تفهمون.”
“يا إلهي.”
امتلأ صوت زاكريل بالصراع.
دوّى صوتان مكتومان لاصطدام القبضة بالكتف.
“الإمبراطورية… المملكة لا يمكنها الوقوع في الفخ نفسه مرة أخرى.”
وبعد ثانية واحدة، بدأ صدر زاكريل يعلو ويهبط بوضوح.
شخر بارني الابن.
“لذلك، أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي فقط.”
وبدا كأنه عاد إلى سابق عهده، قائدًا لطليعة الحرس الملكي يجد كل شيء في زاكريل مستفزًا.
ولم ينتظر طويلًا.
“أعرف أنني، حتى وأنت مصاب بهذا الشكل، لن أستطيع إيقافك.”
“كل ما تفعله الآن… لا معنى له بالنسبة إليّ.”
تأوه من الألم ورفع سيفه بصعوبة.
رأى تاليس قبضته تشتد، لكنه لم يعلق.
“وفوق ذلك… حالي ليست أفضل من حالك بكثير.”
“أيها القائد.”
تقدم بارني.
“أردت ذلك… لكنني لم أستطع.”
وبعينين مشتعلتين، أخذ خطوات شاقة نحو زاكريل حتى وقف الاثنان وجهًا لوجه.
“هذا الفتى لا يمكنه أن يموت، لذا…”
“لكن اسمعني جيدًا يا زاكريل.”
“قصة حياتك كلها دارت حول الأشياء والآخرين يا زاكريل: المملكة، الحرس، إخوتك، مسؤوليتك، مهمتك…
لم يتحرك زاكريل وسط الظلام، لكن قبضته حول فأسه ازدادت قوة لحظة بعد أخرى.
ارتجف كتفا زاكريل قليلًا.
غير أن ما حدث بعدها خالف كل التوقعات.
رفع تاليس رأسه.
فما إن وصل بارني أمامه حتى اختفت جميع تعابيره فجأة، وأطلق تنهيدة كئيبة.
“إنهم يحترمونني. ولهذا، نعم… كانوا سيكرهونك من جديد.”
“أنا آسف.”
لكن أحدًا لم يعرف.
تجمد زاكريل، الذي كان مستعدًا للقتال.
“أتعلم؟ إن كان كل ما قاله صحيحًا، فكل ما فعلته كان بلا جدوى.”
“بارني، أنت…”
رمق بارني تاليس، الذي ظل هادئًا خلفه، ثم شخر.
أدار بارني رأسه وحدق في الأرض.
على العكس، استدار بارني الابن وتاردين وبيلدين، وجرّ كل منهم جسده المنهك، ثم وقفوا إلى جوار تاليس بأقصى ما بقي لديهم من عزيمة.
وتكلم بتيبس، كأنه يخاطب الهواء.
“أنا… أنا أيضًا آسف جدًا…”
“لم أعترف بك يومًا، لكن اليوم… آه…”
“لكنه يعني شيئًا بالنسبة إليّ… وبالنسبة إلينا.”
لم يتكلم زاكريل.
“لو التزمت الصمت، ثم مت، فإن سوء الفهم الذي نجحنا بشق الأنفس في إزالته سيعود أعمق مما كان.”
اكتفى بفتح فمه قليلًا في دهشة.
كان بارني الابن قد رفع السيف الطويل الذي حاول قبل قليل الانتحار به، واعترض فأس زاكريل.
قال بارني بضيق، ساخرًا من نفسه:
‘أنت مثل ذلك البطل الوحيد الذي لا يعرفه أحد.’
“يجب أن أعترف أن حكم جلالته والقائد العجوز كان دقيقًا جدًا.
غرق السجن في ظلام لا نهاية له، ولم يبقَ في الهواء سوى رائحة الدخان الكريهة. أما الأحياء القلائل في الغرفة، فبدوا كأنهم تحولوا إلى جثث؛ لم يتحرك أحد.
“أنت بالفعل… مراقب أفضل مني بكثير.”
“أما الآن، فعلى الأقل يمكننا أن نرقد بسلام إلى جوار الإمبراطور، مثل أولئك الحمقى الثلاثين ونيفًا…
ظل فمه مفتوحًا قليلًا.
“أنا آسف.”
وفكر طويلًا قبل أن ينادي زاكريل أخيرًا بذلك اللقب.
لم يطلب الخلاص.
“أيها القائد.”
“لذلك، أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي فقط.”
ارتجف زاكريل قليلًا.
وبعد تلك الثواني القليلة، أطلقت الشعلة في يد بارني الابن شراراتها الأخيرة في يأس، ثم انطفأت تمامًا.
“وأيضًا…”
“والمفارقة الأقسى أنك، حتى الآن، ما زلت تريد أداء واجبك كأحد أفراد الحرس الملكي وحماية سمعة العائلة الملكية.
ظل بارني يحدق في البلاط تحت قدمي زاكريل، كأنه لا يجرؤ على رفع رأسه.
استعدادًا للمعركة الأخيرة في حياتهم.
قلب سيفه وأمسكه بيده اليسرى قبضة معكوسة.
“أتعلم؟ حين أقف أمامكم بصفتي تاليس جادستار، أستطيع مواساة نالجي وناير وتوديعهما.
تردد…
ثم جاء صوت بارني الابن الواهن:
لكنه رفع يده في النهاية.
ثم تابع:
“…شكرًا.”
بدت على وجه ساميل مشاعر متضاربة.
وفي اللحظة التالية، وبحركة محرجة خجولة إلى أقصى حد، لكم كتف زاكريل الأيمن مرتين، بسرعة وتردد.
أما زاكريل أمامه، فكانت ذراعه اليسرى مكسورة أيضًا.
طاخ، طاخ.
“يجب أن يعرفوا أنك ما زلت زاكريل الذي وثقوا به واحترموه وأحبوه.
دوّى صوتان مكتومان لاصطدام القبضة بالكتف.
والأرض أيضًا كانت مغطاة بالدم.
وما إن لامست قبضته زاكريل حتى سحبها، كيعسوب يلامس سطح الماء…
رأى تاليس قبضته تشتد، لكنه لم يعلق.
لا، كأنه لمس سمًا.
“أنا آسف.”
فقد بدا بارني وكأن استمرار التلامس بينهما لحظة أطول سيكلفه حياته.
“أن أجعلهم يفهمون ويرون العبء الذي تحمله فوق كتفيك.
وحين انتهى، أطلق تنهيدة طويلة كأنه فرغ لتوه من أصعب مهمة في حياته.
أدار بارني رأسه وحدق في الأرض.
ثم استدار كمن يفر من خطر، وعاد بثلاث خطوات سريعة إلى موضعه السابق في مواجهة زاكريل.
أغمض تاليس عينيه بهدوء وانتظر تلك اللحظة.
راقبه تاليس، ولم يستطع منع زاوية فمه من الارتفاع.
تردد صوت زاكريل الأجش المرتجف.
“حسنًا. سددت ديني.”
وبعد صمت قصير، تابع بارني بوجه يملؤه الصراع:
اختفى الحرج من وجه بارني، وعاد يحدق في زاكريل ببرود.
تنهد تاليس وقال بأسى:
“فلنتقاتل.”
‘حتى وهو مدفون في أعماق الأرض، لم يتراجع، بل أضاء من داخله وطرد الظلام في مكان خلا من النور والأمل.’
لكن زاكريل ظل ثابتًا في مكانه.
في زاوية لم ينتبه إليها أحد، شد كويك روب ملابسه غريزيًا وهو يتصبب عرقًا باردًا، محاولًا إخفاء القوس النشابي في حضنه.
لم يتحرك.
“لا تملك سلاحًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين، ومع ذلك تظن أنك تستطيع قتله؟”
وظل النصف العلوي من وجهه غارقًا في الظلام، حتى بدا غير حقيقي.
“إذًا نعم، أنا كارثة. وانتهى الحديث.”
ثم تجاوز شخص آخر بارني واتجه نحو زاكريل.
هز تاليس رأسه، ودفع الحزن إلى أعمق مكان في قلبه، ثم أجبر نفسه على الابتسام مرة أخرى.
ولدهشة الجميع، التصق الرجل بكتف زاكريل الأيمن، ومد ذراعه اليسرى وأحاط ظهره برفق.
“لم يعد لدي أي شعور بواجبي كحارس، لكن…”
“قد تكون هذه آخر مرة نتعانق فيها، أيها القائد.”
“حين كنت على وشك… قبل قليل.”
اهتز فأس زاكريل قليلًا.
امتد الصوت بعيدًا في المخزن الفسيح، فسكت الجميع فورًا.
التصق بيلدين بكتفه الأيمن وربت على ظهره برفق، وقال بصوت مختنق بالبكاء:
بعد الشهقة التي انطلقت منهم جميعًا في آن واحد، خيّم صمت لبضع ثوانٍ حتى كاد كل واحد منهم يسمع دقات قلوب الآخرين. وكأن مجرد التنفس بصوت مسموع أصبح ترفًا لا يملكونه.
“آه، يا إلهة الغروب… كم أفتقد الأيام التي خدمت فيها تحت قيادتك في قسم الانضباط.”
وتذكر الجثث التي لا تحصى في السجن، فقال بحزن:
ارتجف كتفا زاكريل قليلًا.
عندها رأى أن بيلدين وتاردين قد تسلحا بالكامل في وقت ما، ووصلا إلى خلف تاليس.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه، وتعالى صوت أنفاسه.
توقف لحظة.
“ما كان ينبغي أن تجعلني مسؤول العقوبات.”
“مستحيل. عمره… هل هو حقًا في الرابعة عشرة فقط؟ وإن لم يكن كذلك، فما علاقته بالسنة الدموية؟ وما تلك المهمة اللعينة التي تتحدث عنها؟!”
ضحك بيلدين بمرارة.
‘أنت مثل ذلك البطل الوحيد الذي لا يعرفه أحد.’
ارتجف صوته وهو يدير رأسه بعيدًا، محاولًا ألا ينظر إلى زاكريل.
زفر تاليس.
“أنت تعرف أنني فظيع في هذا… ولم أكن يومًا بارعًا في عملي.”
تلوى وجه كانون من الألم.
ربت على ظهر زاكريل بقوة، حتى اهتز جسد الأخير.
وكان صوته مضطربًا أصلًا، لكن نبرة ضيق تسللت إليه الآن.
ثم أغمض بيلدين عينيه، واستدار وعاد إلى جانب بارني، غير قادر على النظر إلى زاكريل.
في تلك اللحظة، بدا له الظلام كأنه درع يحميه؛ دفن خوفه، وخدّر ألمه، وحجب عنه مختلف النظرات الموجهة إليه.
قال كانون وهو يبكي دون أن يتقدم:
فقط نبضت عروق يده قليلًا.
“أنا آسف، أيها القائد.
كانت يده تتحرك ببطء شديد.
“في ذلك العام…”
صر على أسنانه، وأجبر الكلمات على الخروج بصعوبة:
خفض الكشاف رأسه.
وبعد تلك الثواني القليلة، أطلقت الشعلة في يد بارني الابن شراراتها الأخيرة في يأس، ثم انطفأت تمامًا.
“أنا آسف. نحن من أفسد كل شيء.
لكنه لم يستطع.
“كان خطأنا…”
تنهد ساميل، وخفت صوته.
أطلق زاكريل زفرة مؤلمة.
تجمد زاكريل.
“أوغ… ووو…”
وبعد فترة، قال وهو يلهث:
أصدر برولي بجوار كانون أصواتًا غير مفهومة.
ورغم كل ما قاله، ظل زاكريل مطأطئ الرأس كما كان، ووجهه مدفونًا خارج نطاق الضوء.
“وو…”
‘“لقد مت منذ زمن طويل… مر وقت طويل… طويل إلى درجة أنني لم أعد أتذكر كم مضى.”’
تنهد تاردين.
وفي تلك اللحظة، عادت إلى ذهنه ذكرى استخدامه لقوته الصوفية في مرحلة “المتصل” بعد تعاليم تاوروس.
“آه، أظنه يقول إنه نادم بشدة.”
ربت على ظهر زاكريل بقوة، حتى اهتز جسد الأخير.
تجاهل احتجاجات برولي، ثم أظهر ابتسامته الأخيرة الشاحبة.
نظر إلى الظلام الذي يخفي عيني زاكريل، ثم خفض رأسه وقال بصوت مشوب بالحزن:
“لكن… نحن من جررناك وجررنا الجميع معنا إلى الهاوية، أيها القائد زاكريل.”
إلى فارس الحكم.
حدق تاردين في الجثث على الأرض بعينين خاليتين من الحياة.
“وحتى حين يُسدل الستار على حياتك…”
“أما الآن، فعلى الأقل يمكننا أن نرقد بسلام إلى جوار الإمبراطور، مثل أولئك الحمقى الثلاثين ونيفًا…
راقبه تاليس، ولم يستطع منع زاوية فمه من الارتفاع.
“سنلتقي من جديد.”
“بصفتي أميرًا بلا سلطة، لا أستطيع تغيير المأساة التي وقعت في الماضي.
ازداد ارتجاف فأس زاكريل.
“لا أحد يعرف كل ما فعلته. ولا أحد سيشكرك عليه.
“هه…”
نظر إلى الدم والغبار والأوساخ التي غطت جسده، وإلى الإرهاق الواضح على وجهه، وإلى الطريقة التي كان يقاوم بها ألمه.
كان ساميل هذه المرة.
“فلولاك آنذاك، لما تمكنت من الهرب.”
“قد لا أكون حارسًا بعد الآن، لكنني مدين لك بالشكر، أيها القائد.”
‘“شكرًا لأنك حملت إليّ تحيتها.”’
شخر صاحب سيف الكارثة بخفة، متظاهرًا بعدم الاكتراث، من دون أن يدرك أنه يتصرف تمامًا كما فعل بارني الابن.
لم يتحرك زاكريل وسط الظلام، لكن قبضته حول فأسه ازدادت قوة لحظة بعد أخرى.
“فلولاك آنذاك، لما تمكنت من الهرب.”
شخر صاحب سيف الكارثة بخفة، متظاهرًا بعدم الاكتراث، من دون أن يدرك أنه يتصرف تمامًا كما فعل بارني الابن.
وللمرة الأولى، فتح زاكريل فمه كأنه يريد الكلام.
أما زاكريل فظل صامتًا.
لكنه لم يستطع.
بل كانت ترتجف…
تنهد ساميل، وخفت صوته.
لكن ما إن بدأ كانون يستوعب ما حدث حتى استوعبه الآخرون بدورهم، وفجأة انفجرت الغرفة بالضجيج، كالماء الذي بلغ درجة الغليان.
“ولو لم أهرب، لما اضطررت إلى تحمل عذاب العزلة الانفرادية.
أدار بارني رأسه وحدق في الأرض.
“مهما يكن… ما زلت مدينًا لك باعتذار.”
والأرض أيضًا كانت مغطاة بالدم.
أدار ساميل نظره بعيدًا، وصر على أسنانه وأغمض عينيه.
“لا معنى لذلك.”
“أنا آسف.
وتراجع خطوة غريزيًا وهو يبتسم بحرج.
“لم يعد لدي أي شعور بواجبي كحارس، لكن…”
تنهد وربت على صدره.
أشار إلى تاليس.
“أعرف أنك، لسبب ما، كنت سترفض قول أي شيء عن هويتي حتى لو مت. بل كنت مستعدًا لأن تظل صامتًا بعد ذلك أيضًا، وأن تموت طوعًا بأيديهم.”
“هذا الفتى لا يمكنه أن يموت، لذا…”
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه، وتعالى صوت أنفاسه.
هز كتفيه ولم يكمل.
ورفعوا أسلحتهم نحو زاكريل…
لم يبد زاكريل أي رد فعل.
غرق السجن في ظلام لا نهاية له، ولم يبقَ في الهواء سوى رائحة الدخان الكريهة. أما الأحياء القلائل في الغرفة، فبدوا كأنهم تحولوا إلى جثث؛ لم يتحرك أحد.
فقط نبضت عروق يده قليلًا.
لم تكن هناك كلمات قادرة على وصف حال السجن الجوفي في تلك اللحظة.
وما إن انتهى ساميل حتى تنهد الحراس، كأنهم فرغوا لتوهم من مهمة هائلة.
كان كثير منهم لا يزالون غارقين في الصدمة والشك.
أما زاكريل فظل صامتًا.
تابع الأمير بهدوء وجدية:
“والآن…”
ولم يرمقه أحد بنظرة ازدراء.
رفع بارني الابن زاوية فمه، ونظر إلى زاكريل وكأن حملًا ثقيلاً أزيح عن كتفيه.
ارتجف فأس زاكريل.
“لنحسم الأمر بمبارزة حتى الموت.”
كان وجه قائد الطليعة محتقنًا بالغضب، وجال بأشد نظراته صرامة وحدّة على جميع الحاضرين، قبل أن تستقر عيناه في النهاية على تاليس.
لكن…
“هذا الفتى لا يمكنه أن يموت، لذا…”
“انتظروا…”
“والآن…”
ارتفع نشيج خافت لا يلائم الجو إطلاقًا.
حدق تاليس فيه بصمت.
“أنا… أنا أيضًا آسف جدًا…”
“من حقهم أن يعرفوا أن قائدهم ومراقبهم، في الماضي والحاضر، كان دائمًا هذا الرجل.
التفت تاليس.
‘“لتتسع الجبال لخطاك. ولتبارك الأرض رحلتك.”’
ورأى أمام عينيه كويك روب يفرك عينيه وهو يتحدث بحزن.
رفع زاكريل رأسه وسط الظلام وحدق في تاليس. امتزجت على وجهه الحيرة والألم والحزن وخيبة الأمل.
‘هاه؟’
تلوى وجه كانون من الألم.
وبعد ثانية، حين لاحظ كويك روب النظرات الغريبة التي رمقه بها الجميع، وكأنهم يسألونه لماذا يبكي أصلًا، أدرك موقفه وتصلب وجهه.
خفض الكشاف رأسه.
اختفى حزنه في الحال.
تجاهل احتجاجات برولي، ثم أظهر ابتسامته الأخيرة الشاحبة.
وتراجع خطوة غريزيًا وهو يبتسم بحرج.
“زاكريل…”
“أمم… كما تعلمون… اندمجت مع الأجواء فحسب. الأجواء…”
“وماذا في ذلك؟! حسب كلامك، الملك الراحل نفسه ضاجع واحدة منهم!”
لكن هذه المرة، لم يوبخه أحد.
“سيسيئون فهمه، ويكرهونه، وينفرون منه، ويتجاهلونه.”
ولم يرمقه أحد بنظرة ازدراء.
“إن كان تخميني صحيحًا، فالملك الراحل آيدي هو من عيّنك مراقبًا للحرس الملكي.
ولم يمنعه أحد أيضًا.
أدار بارني رأسه وحدق في الأرض.
على العكس، استدار بارني الابن وتاردين وبيلدين، وجرّ كل منهم جسده المنهك، ثم وقفوا إلى جوار تاليس بأقصى ما بقي لديهم من عزيمة.
لم يتحرك.
ورفعوا أسلحتهم نحو زاكريل…
“يجب أن أعترف أن حكم جلالته والقائد العجوز كان دقيقًا جدًا.
استعدادًا للمعركة الأخيرة في حياتهم.
ارتفع نشيج خافت لا يلائم الجو إطلاقًا.
لا، كأنه لمس سمًا.
