Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 464

البعث (5)
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

البعث (5)

البعث (5)

وهز بارني جونيور رأسه نحوه.

في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة عميقة، خافتة، تكاد تقطر أسى.

كان الصوت هادئًا، لكنه بارد وغير مبالٍ.

«هاهاهاها…»

«اذهب.»

اتجهت الأنظار جميعًا إلى زاكريل.

«لو أنك لم تكشف السر، لو أنك لم تبحث عن الحقيقة…»

رفع زاكريل ذقنه، وخطا إلى الأمام، داخل نطاق الضوء المنبعث من النار.

صُدم تاليس.

وفي اللحظة التالية، ذُهل الجميع.

«اعتراف… تمثيل… بشر… قطع شطرنج… إنقاذ الآخرين… إنقاذ نفسي؟»

كان زاكريل، المراقب السابق للحرس الملكي وفارس الحكم المرعب، يعرج نحوهم وهو يضحك بصوت خافت.

رتب كانون جثتي نالغي ونائر للمرة الأخيرة، وأومأ وهو يكتم بكاءه بين أسنانه.

لكن ذلك لم يكن سبب ذهولهم.

«…ذكي أكثر مما ينبغي.»

فلم يعرف أحد متى حدث الأمر، إلا أن وجه هذا الرجل الصلب الذي بدا يومًا عصيًا على الهزيمة، كان مغمورًا بالدموع.

كانت في البداية بالكاد تُسمع، ثم صارت واضحة.

«أنت ذكي، يا صاحب السمو.»

«إذن… هل نحن جميعًا مستعدون للخروج من السجن؟»

كان صوت زاكريل أجش، وقد اختنق بالعبرات، فيما ظل صدره يعلو ويهبط بعنف. حدّق في تاليس بعينين محمرتين.

نقر ريكي بلسانه وهز رأسه ببطء.

«…ذكي أكثر مما ينبغي.»

«ثيرينجيرانا. هل سمعتم بهذا الاسم؟»

رفع فأسه ببطء.

تنهد الشاب.

وعلى الفور، اتخذ الآخرون تشكيلًا دفاعيًا غريزيًا.

كان صوته كصوت أمين مكتبة شرح القواعد للناس مئات المرات، ثم ظل يراهم يخالفونها كل يوم.

«كنت تعرف أنك ما إن تقع تحت بصري في هذا السجن المظلم فلن تملك أي فرصة، لذلك تخليت عن القوة، وتوقفت عن الهرب أو استخدام قوتك المحرمة، ولجأت بدلًا من ذلك إلى الوسائل السياسية.»

وما إن وصل إلى الفكرة حتى شحب وجهه.

تفاجأ تاليس قليلًا.

أدار بارني جونيور وجهه بعيدًا، يقاوم النظر إليه.

كان صوت زاكريل خشنًا، مثقلًا باليأس والحزن، كصوت رجل جريح فقد كل أمل.

غطى زاكريل عينيه والدموع بيده. ارتجف بعنف وأطلق ضحكة مريرة.

«كنت تعرف علاقتي بهؤلاء الرجال، لذلك أطلقت سراحهم عمدًا. جعلتهم يقفون في وجهي، وراقبت صراعنا، وجمعت المعلومات، وانتظرت الفرصة بينما كنت تعلم أن المواجهة بيننا ستقع لا محالة.»

«هو أيضًا فعل الشيء نفسه قبل كل تلك السنوات. مثلك تمامًا، نظر إليّ بهدوء وصدق، وكشف الحقيقة دون أن يخفي شيئًا. اعترف بنواياه بلا تردد. بل واعترف بالقناع الذي ارتداه، وبندمه، وبأنه اضطر إلى فعل ما فعل.»

راح ينظر إلى أفراد الحرس الملكي واحدًا تلو الآخر، يتفحص أعينهم، فلا يرى فيها إلا الألم والتردد.

لم يرد فارس الحكم.

«منذ اللحظة التي التقينا فيها، بدوت كأنك تفر هائمًا على وجهك، عاجزًا لا حول لك. لكنك في الحقيقة كنت تدفعني خطوة بعد خطوة إلى الزاوية بخطة محكمة ومدروسة.

حميا تاليس خلفهما، بينما ظل الأمير غارقًا في صدمته وحيرته.

«أثرت ساميل وبارني ونالغي بكلماتك كي تستخرج المعلومات التي تريدها، لكنك لم تسألهم عنها مباشرة قط. وبهذا، دفعوك بأنفسهم أقرب فأقرب إلى حقيقة السنة الدموية. ثم وجدت نقطة ضعفي… والأشياء التي أهتم بها.»

نظر إلى جثتي نالغي ونائر، ثم إلى بارني جونيور، وامتلأ وجهه بأسى عميق.

ألقى زاكريل نظرة حوله، ثم أطلق ضحكة قصيرة موجوعة، والدموع ما تزال تخط طريقها على وجهه.

«لم تعد بالنسبة إليهم الأمير الذي التقوه لتوهم… أنت من ودّع نالغي ونائر، وغافر المذنبين، ومواسي السجناء. أنت أمير جادستار الذي قبلوه، والقديس الذي خاطر بحياته ليمحو سوء الفهم الذي أحاط بي.

فتح تاليس فمه.

كان في ضحكته شيء يستخرج أعمق مخاوف تاليس من أعماق قلبه.

«أنا…»

رتب كانون جثتي نالغي ونائر للمرة الأخيرة، وأومأ وهو يكتم بكاءه بين أسنانه.

أراد الرد، لكنه اكتشف أنه عاجز عن نطق كلمة واحدة.

«لا أعرف مدى قدرتك، لكن إن كشف أحدنا هويتك ككارثة…»

طنين!

تنهد تاليس، واستدار ومضى.

رن صوت معدني حاد.

ظل تاليس صامتًا برهة، ثم قال أخيرًا:

سقط فأس زاكريل على الأرض.

أدار تاليس رأسه ببطء وصلابة نحو الرجل على الدرج.

وفي تلك اللحظة، وتحت أنظار الجميع المذهولة، بدا على زاكريل لأول مرة إرهاق العمر وثقله.

ومشى نحو زاكريل مجددًا بلا تردد.

ومع ذلك، بقي واقفًا وحده في مواجهتهم جميعًا، كما فعل من قبل.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

رجل واحد في مواجهة ثمانية.

استخدم سيفه أولًا لاقتلاع بلاطة من الأرض.

«لكن الآن…»

استمر عويل زاكريل المؤلم عدة ثوانٍ قبل أن يخفت.

رفع زاكريل رأسه.

«لقد برأتني أمامهم. جعلتهم يحترمونني من جديد. والأهم… أنك حولت مشاعرهم نحوي إلى سلاح ضدي.»

«الآن…»

ارتجف صوته.

تداخلت الصور أمام عينيه، قبل أن يستقر بصره أخيرًا على الشاب الأشعث، المرهق، والغريب في هدوئه، الواقف أمامه.

تقدم خطوة.

حدق زاكريل في تاليس بصمت، والدموع في عينيه، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة موجوعة شديدة المرارة.

تسارعت كلماته، فيما ازداد وجهه صرامة ويأسًا.

«منذ متى… تحول الأمر إلى مبارزة؟»

صمت ساميل برهة.

تنهد في أعماقه، ثم أبعد نظره عن رفاقه السابقين.

إلا أنهم لاحظوا أن وجه الأمير تاليس أصبح فجأة شاحبًا ومصدومًا.

لم يعودوا هاربين.

ارتفعت زاوية فم تاليس قليلًا.

ولم يعودوا مجرمين محكومًا عليهم بالسجن المؤبد.

«ربما…»

لقد عادوا مرة أخرى إلى ما كانوا عليه.

جعل هذا السؤال الحساس الجميع يتوترون.

فخر المملكة.

نظر الجميع إلى بارني جونيور.

نخبة الحرس الملكي للكوكبة.

لكنه لم يأخذ المفتاح.

وفي تلك اللحظة، ولسبب لم يعرفه، عجز زاكريل عن كبح دموعه، كما عجز عن ملء الفراغ الهائل في قلبه.

حميا تاليس خلفهما، بينما ظل الأمير غارقًا في صدمته وحيرته.

واكتفى بالنظر إلى تاليس في ذهول.

اندفع هواء بارد باستمرار من الفتحة الآخذة في الاتساع، فارتجف تاليس.

«لو لم يكن وجودًا محرّمًا… لكان هذا رائعًا.»

وفي اللحظة التالية، أغلق تاردين فم كويك روب من الخلف.

ترنح زاكريل، ثم استعاد توازنه بصعوبة.

«كان بوسعي أن أتحمل كراهيتهم بصفتي الشرير من ذلك اليوم فصاعدًا. أعيش وأموت على هذا النحو. فقد عشت هكذا ثمانية عشر عامًا! ثمانية عشر عامًا!»

«سألت وبحثت عن الحقيقة بإصرار، بلا هوادة. دفعتهم إلى الزاوية وأجبرتهم على إظهار حقيقتهم، ثم استخرجت أدق التفاصيل التي يمكنك استخدامها.»

نقر ريكي بلسانه وهز رأسه ببطء.

تسارعت كلماته، فيما ازداد وجهه صرامة ويأسًا.

لكن فجأة، تجمدت نظرته.

«ثم ظهرت أمامهم كمنقذ. منحتهم الغفران، وحررتهم من أعبائهم باسم جادستار.

ثم غمره حزن غامض.

«والأهم… أنك أصبحت عمادهم الروحي، وربطتهم بك تمامًا.»

حميا تاليس خلفهما، بينما ظل الأمير غارقًا في صدمته وحيرته.

شعر تاليس بوخزة ألم في صدره، وقاوم رغبته في النظر إلى وجوه من حوله.

تنهد طويلًا.

أخذ زاكريل نفسًا عميقًا، وحدق في تاليس بألم، فيما ارتسمت على وجه الأمير مشاعر معقدة.

فصدر من النصل رنين واضح امتد في الفراغ المظلم وراء المخرج.

وتابع فارس الحكم بصوت خافت مفعم بالأسى:

فكر تاليس.

«لم تعد بالنسبة إليهم الأمير الذي التقوه لتوهم… أنت من ودّع نالغي ونائر، وغافر المذنبين، ومواسي السجناء. أنت أمير جادستار الذي قبلوه، والقديس الذي خاطر بحياته ليمحو سوء الفهم الذي أحاط بي.

غطى كويك روب فمه بتكلف، وتمتم بكلمات مبعثرة، فيما ظلت ذراعه الممدودة نحو تاليس ترتجف.

«إذا قتلتك، فسأدمر كل ما بقي لهم… أجسادهم وعقولهم.»

لم يتحرك وهو يحدق في تاليس.

غطى زاكريل عينيه والدموع بيده. ارتجف بعنف وأطلق ضحكة مريرة.

أخرج الشاب نفسًا طويلًا، وتقدم نحو زاكريل المرتجف، الذي كان قد لف ذراعيه حول رأسه وأخذ يتمتم لنفسه.

«وكل ما حدث بدا طبيعيًا، وكأنه النتيجة الوحيدة المنطقية. لا أستطيع حتى أن أعثر على عيب واحد فيه… هاها.»

وهز بارني جونيور رأسه نحوه.

تنهد تاليس.

زفر بارني جونيور.

«زاكريل—»

«ساميل؟ والمفتاح؟»

لكن فارس الحكم لم يمنحه فرصة الكلام.

«…مستحيل.»

«قبل قليل، حين كنت ما أزال الشرير، كنت أستطيع أن أضربهم حتى يعجزوا عن الحركة بلا تردد، ثم أقتلك.»

فتح القادم ذراعيه باسترخاء.

أنزل زاكريل ذراعه، فتوتر الجميع من شراسة نبرته.

كان صوته كصوت أمين مكتبة شرح القواعد للناس مئات المرات، ثم ظل يراهم يخالفونها كل يوم.

«كان بوسعي أن أتحمل كراهيتهم بصفتي الشرير من ذلك اليوم فصاعدًا. أعيش وأموت على هذا النحو. فقد عشت هكذا ثمانية عشر عامًا! ثمانية عشر عامًا!»

كان الجميع مذهولين.

زمجر زاكريل.

وتحول وجهه تدريجيًا إلى الكآبة.

ترنح كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، فتراجع واتكأ على الجدار.

ولم يقل شيئًا.

حل صمت خانق في السجن.

لم يبق في قلبه سوى حزن خافت.

وتحول وجهه تدريجيًا إلى الكآبة.

«ماذا تقصد؟»

«لكن كلماتك التي قلتها دفاعًا عني لم تكن موجهة إليّ…»

«اذهب، يا صاحب السمو. ارحل.»

رفع رأسه ونظر إلى كل واحد من رفاقه.

تفاجأ تاليس قليلًا.

ولسبب ما، شعر كل من التقى بعينيه بألم لا يوصف في قلبه.

قطب حاجبيه وسأل من جديد:

«بل كانت موجهة إليهم.»

التفت بقلق، فرأى الحرس الملكي يحدقون في زاكريل المضطرب بأعين مليئة بالحزن والأسى.

اتسعت عينا تاليس قليلًا.

«جيد. إن كنت تحب هذا المكان، فمت هنا كما تشاء. لكن قبل ذلك عليك أن تخبرني…»

«لقد برأتني أمامهم. جعلتهم يحترمونني من جديد. والأهم… أنك حولت مشاعرهم نحوي إلى سلاح ضدي.»

«لكنني أذكر أنك لم تستطع فهم الكلمات المنقوشة على السيف.»

صار صوته أشد ألمًا، حتى بدا كأنه يتوسل.

ارتفعت زاوية فم تاليس قليلًا.

«لأنك كنت تعرف… كنت تعرف أنه ما إن أنظر إلى وجوههم، فلا أرى كراهية موجهة إلى خائن، بل اعتذارًا واحترامًا لقائد…»

كان ساميل ينظر إلى زاكريل حين قال بصوت مرتفع:

أشار زاكريل إلى صدره، ثم إلى رأسه، وأنفاسه مضطربة.

وبذل جهدًا للسيطرة على أنفاسه، ثم رفع المفتاح الأخضر بيد مرتجفة.

«…ستكون هذه أعظم نقطة ضعف لدي.»

«أثرت ساميل وبارني ونالغي بكلماتك كي تستخرج المعلومات التي تريدها، لكنك لم تسألهم عنها مباشرة قط. وبهذا، دفعوك بأنفسهم أقرب فأقرب إلى حقيقة السنة الدموية. ثم وجدت نقطة ضعفي… والأشياء التي أهتم بها.»

حدق بحزن في الفأس عند قدميه، ثم رفع وجهه إلى السقف وأطلق أنينًا مؤلمًا من أعماق حلقه.

وبينما كان ينظر إلى تاليس الغارق في الحيرة، لمع في عينيه بريق بارد.

«كنت تعرف أنني حين أراهم هكذا… لن أستطيع فعل أي شيء.»

فتح فمه وأغلقه مرارًا، ثم قال في النهاية بصوت خافت:

ظل تاليس يحدق فيه، عاجزًا عن الكلام.

«يا صاحب الجلالة! يا صاحب السمو! لماذا؟!»

«لكن لماذا؟»

«درع الظل، الشماليون، إدارة الاستخبارات السرية، أصدقاؤك السجناء، وذلك الرجل الملعون المقنّع… لا بد أنهم تكبدوا خسائر كبيرة وهم يقاتلون بعضهم، صحيح؟»

أخذ فارس الحكم الذي بدا على شفا الموت نفسًا حادًا، وكأنه استعاد بعض قوته.

ثم قال بلا مبالاة:

«لو أنك لم تكشف السر، لو أنك لم تبحث عن الحقيقة…»

بدا زاكريل مذهولًا.

توقف.

بردت ملامحه.

نظر إلى جثتي نالغي ونائر، ثم إلى بارني جونيور، وامتلأ وجهه بأسى عميق.

كان صوت زاكريل أجش، وقد اختنق بالعبرات، فيما ظل صدره يعلو ويهبط بعنف. حدّق في تاليس بعينين محمرتين.

«ربما… ربما كان نالغي ونائر سيظلان حيين، يتنفسان. وكان بارني سيظل يكرهني أنا، لا والده، ولا الملك الراحل.»

قال ساميل وهو يقف إلى جوار الدرج الجديد:

أغلق زاكريل عينيه.

مد يده وأمسك رأس زاكريل برفق.

أدار بارني جونيور وجهه بعيدًا، يقاوم النظر إليه.

قبّل برولي جبينَي الراحلين، وعدل درعه ثم نهض.

وأخذ كانون نفسًا مؤلمًا قبل أن يخفض سلاحه.

وفي تلك اللحظة، ولسبب لم يعرفه، عجز زاكريل عن كبح دموعه، كما عجز عن ملء الفراغ الهائل في قلبه.

صار الهواء أثقل من أن يُحتمل.

«فلن يهم كونك أميرًا. كثيرون سيريدون قتلك.»

شعر تاليس بضغط هائل غير مسبوق في صدره. لو لم يتكلم الآن، خُيل إليه أنه سينفجر.

«إذن، كل مشاكلنا…»

«أنا آسف بشأن نالغي ونائر، أنا—»

«كائن لا يموت حتى بعد أن يُقتل؟

لكن زاكريل قاطعه من جديد.

«لو لم يكن وجودًا محرّمًا… لكان هذا رائعًا.»

ضغط بكفه على جبهته، وقد التوى وجهه من الألم.

«جيد. إن كنت تحب هذا المكان، فمت هنا كما تشاء. لكن قبل ذلك عليك أن تخبرني…»

«لا أعرف. حقًا لا أعرف. الكلمات التي قلتها لهم، المواساة التي منحتهم إياها، كلامك معي حين كشفت هويتك، وحتى تضحية كشفك لهويتك نفسها…»

اندفع هواء بارد باستمرار من الفتحة الآخذة في الاتساع، فارتجف تاليس.

ارتجف صوته.

«انتظر.»

«هل كانت اعترافًا صادقًا من القلب… أم تمثيلًا محسوبًا؟

تداخلت الصور أمام عينيه، قبل أن يستقر بصره أخيرًا على الشاب الأشعث، المرهق، والغريب في هدوئه، الواقف أمامه.

«ماذا كنا بالنسبة إليك؟ بشرًا أحياء تتبادل معهم ما في القلب، أم قطعًا على رقعة لتحقيق غاية ما؟ هل كنت تحاول إنقاذهم… أم إنقاذ نفسك؟»

«آآآآآه!!»

تجمد تاليس.

«آآآآآه!!»

«اعتراف… تمثيل… بشر… قطع شطرنج… إنقاذ الآخرين… إنقاذ نفسي؟»

نظر إلى جثتي نالغي ونائر، ثم إلى بارني جونيور، وامتلأ وجهه بأسى عميق.

شردت أفكاره للحظة.

وأخذت مساحة الفتحة تتسع.

ثم غمره حزن غامض.

ظل ساميل يحدق في المفتاح، ثم رفع بصره إلى تاليس نفسه.

«ربما…»

«في الحقيقة، لم أفكر بكل هذا العمق. أنا فقط شعرت أن… أن…»

تنهد الشاب.

حدق تاليس في السلم الحجري الذي بدا وكأنه تحرك إلى الخلف من تلقاء نفسه.

«ربما قليلًا من الاثنين.»

أومأ ببرود.

تسارعت أنفاس زاكريل، وكأنه على وشك أن يدخل في نوبة أخرى.

أخذ زاكريل نفسًا عميقًا، وحدق في تاليس بألم، فيما ارتسمت على وجه الأمير مشاعر معقدة.

«هاهاها… تختبئ في الظلام، تحدد نقاط ضعفي، ثم تضرب موضع قاتلي في النهاية.»

رتب كانون جثتي نالغي ونائر للمرة الأخيرة، وأومأ وهو يكتم بكاءه بين أسنانه.

تسارعت ضحكاته.

توقف.

«والأكثر رعبًا… أنني، رغم أنني كنت أعرف ما تفعله طوال الوقت، لم أستطع مقاومتك!»

«أعني… هل سمعتم بهذا الاسم قبل ثمانية عشر عامًا، وخصوصًا قبل السنة الدموية؟»

امتلأ صوته باليأس.

«حسنًا، إذن لنـ…»

«ليست لدي موهبة اللورد هانسن. لم أستطع حتى أن أعرف إن كان ما قلته اعترافًا صادقًا أم مجرد تمثيل.»

وفي اللحظة التالية، أغلق تاردين فم كويك روب من الخلف.

«صادق أم تمثيل؟»

أومأ تاليس.

حدق تاليس في زاكريل بمشاعر متضاربة.

«لقد انتهت سنتهم الدموية.»

فتح فمه وأغلقه مرارًا، ثم قال في النهاية بصوت خافت:

«هذا صحيح. إذا انكشفت هويتي، سيأتي كثيرون خلفي…»

«سمعت منذ زمن طويل رجلًا أعور يقول شيئًا.»

وفي اللحظة التالية، تغير وجه بارني جونيور وبيلدين.

تنهد طويلًا.

لكن يدًا أمسكت به.

«إن كان الأمر يصب في مصلحة الكوكبة… فهل يهم إن كان صادقًا أم لا؟»

تسارعت أنفاس زاكريل، وكأنه على وشك أن يدخل في نوبة أخرى.

ارتجف زاكريل وتجمد لثوانٍ.

حدق فارس الحكم في الفراغ، ثم رفع إصبعه ببطء.

ثم بدأ وجهه المبلل بالدموع يتلوى.

كان يعلم أنهم قلقون، لكنه كان يعرف أيضًا أنه آمن الآن.

«في مصلحة الكوكبة؟ الكوكبة… الكوكبة… هاهاهاها…»

«الآن…»

تمتم كمن فقد صوابه.

صمت ساميل برهة.

ظل تاليس صامتًا برهة، ثم قال أخيرًا:

«إذن… هل نحن جميعًا مستعدون للخروج من السجن؟»

«في الحقيقة، لم أفكر بكل هذا العمق. أنا فقط شعرت أن… أن…»

فتح فمه وأغلقه مرارًا، ثم قال في النهاية بصوت خافت:

فتح فمه، لكنه لم يستطع إكمال الجملة.

«إنه هو.»

حينها أنزل زاكريل رأسه، وقال بغضب والدموع في عينيه:

لكن…

«أنتم آل جادستار متشابهون جميعًا، أليس كذلك؟»

كانت في البداية بالكاد تُسمع، ثم صارت واضحة.

صُدم تاليس.

لكنه سحب يده ولم يهتم بالمفتاح.

«نحن؟»

«لأن هذا المخرج فُتح قبل ساعة، قبل أن يقع المفتاح في يدك أصلًا.»

أطلق زاكريل ضحكة غريبة أخرى.

كان في ضحكته شيء يستخرج أعمق مخاوف تاليس من أعماق قلبه.

«هو أيضًا فعل الشيء نفسه قبل كل تلك السنوات. مثلك تمامًا، نظر إليّ بهدوء وصدق، وكشف الحقيقة دون أن يخفي شيئًا. اعترف بنواياه بلا تردد. بل واعترف بالقناع الذي ارتداه، وبندمه، وبأنه اضطر إلى فعل ما فعل.»

وما إن انتهى، حتى أحس بأن شيئًا ما داخله قد تغير.

حدق فارس الحكم في الفراغ، ثم رفع إصبعه ببطء.

ومن شدة ذهوله، تراجع خطوة فاصطدم بتاردين.

«انظر. إنه جالس هناك. يبتسم لي تلك الابتسامة البريئة الصادقة، ويحاول إقناعي بأن أختار… كما تفعل أنت الآن.»

لم يرد فارس الحكم.

نظر تاليس إلى الاتجاه الذي أشار إليه زاكريل.

فتح فمه، لكنه لم يستطع إكمال الجملة.

لم يكن هناك سوى ظلام فارغ.

حل صمت خانق في السجن.

التفت بقلق، فرأى الحرس الملكي يحدقون في زاكريل المضطرب بأعين مليئة بالحزن والأسى.

راح ينظر إلى أفراد الحرس الملكي واحدًا تلو الآخر، يتفحص أعينهم، فلا يرى فيها إلا الألم والتردد.

«مزجتم الصدق بالأكاذيب. رسمتم رقعة شطرنج لم يكن بوسعنا رفض دخولها.»

كان الصوت هادئًا، لكنه بارد وغير مبالٍ.

بدا زاكريل في تلك اللحظة كشيخ ذابل، وقد فقد كل هيبة المحارب التي كانت تملأه.

أغمض تاليس عينيه بقوة.

آلم المنظر صدر تاليس.

ترك تاردين كويك روب، وعدل موضع سيفه.

خفت صوت زاكريل تدريجيًا، وصار إيقاع كلماته حزينًا.

«…مستحيل.»

«أنا أكرهكما… لكنني أكره نفسي أكثر لأنني لا أستطيع أن أكرهكما.

ألقى بيلدين نظرة إلى زاكريل الجالس في زاوية مظلمة، ثم قال بصرامة:

«وأكره نفسي أكثر لأنني عاجز عن كراهيتكما.

خفض ذراعيه وحدق في الشاب بغباء وحيرة.

«جادستار… أنتم قساة. كلكم سواء.»

قطب ساميل حاجبيه.

«قساة.»

وفي اللحظة التالية، انفجر فارس الحكم صارخًا:

أغمض تاليس عينيه بقوة.

«لا شيء يا صاحب السمو. إنه متحمس قليلًا فحسب.»

«أنا آسف.»

وبدا كأن الطوب الذي يصل السقف بالجدار يتراجع قطعة بعد قطعة، كاشفًا ببطء عن فتحة مربعة واسعة.

أجبر الكلمات على الخروج من فمه.

نطق تاليس كلماته بصدق، وبأهدأ وألطف نبرة استطاعها.

وفي اللحظة التالية، انفجر فارس الحكم صارخًا:

صار صوته أشد ألمًا، حتى بدا كأنه يتوسل.

«آآآآآه!!»

«ساميل!»

جثا زاكريل على ركبتيه وضغط كفيه على جبهته.

حاول بارني جونيور الإمساك به بذراعه السليمة الوحيدة، لكنه أخفق، وشحب وجهه.

«يا صاحب الجلالة! يا صاحب السمو! لماذا؟!»

أومأ تاليس.

كان صراخه أجش، لكنه أشد فجيعة.

ثم انحنى ومد يده وسحب شيئًا من تحتها.

أراد تاليس التقدم، إلا أن بيلدين أمسكه من الخلف.

حدق فارس الحكم في الفراغ، ثم رفع إصبعه ببطء.

وهز بارني جونيور رأسه نحوه.

طنين!

استمر عويل زاكريل المؤلم عدة ثوانٍ قبل أن يخفت.

قبّل برولي جبينَي الراحلين، وعدل درعه ثم نهض.

ثم رفع عينيه إلى تاليس، مثقلًا بالأسى.

نقر ريكي بلسانه وهز رأسه ببطء.

«اذهب.»

في موضع خارج مجال رؤية تاليس، فتح كويك روب فمه على اتساعه.

هذه المرة، كانت كلماته بسيطة.

فتح له بارني وبيلدين الطريق بصمت متفاهم.

«اذهب، يا صاحب السمو. ارحل.»

صاروا أكثر احترامًا له…

تكور بمحاذاة الجدار وهو يمسك رأسه، وبدا كأنه يتوسل.

وفيما كان الحرس ينظرون إليه بذهول وحيرة، حدق تاليس في الشخص الذي لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا هنا.

«ولا تعد إلى هنا أبدًا… تظاهر أنك لم… تقابلني قط.»

وفي تلك اللحظة، ولسبب لم يعرفه، عجز زاكريل عن كبح دموعه، كما عجز عن ملء الفراغ الهائل في قلبه.

حدق تاليس فيه مذهولًا.

«أنت… قبل قليل…»

«أنا بأمان.»

لكن تاليس رفع يده بهدوء، وأوقف الجميع.

لكن…

التفت بجسده المليء بالإصابات، ونظر إلى زاكريل الجريح الجالس على الأرض في شرود.

«هذا ليس ما أريده.»

اتسعت عينا تاليس قليلًا.

نظر بحزن إلى زاكريل الذي كان قبل لحظات في حالة هستيرية، والآن يقف على حافة انهيار كامل.

«رأيت ذلك بعينيك. لقد مت.»

«لا.»

جذب سؤاله انتباه الجميع تقريبًا.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وشد قبضتيه.

«هاهاهاها…»

«يمكنك… يمكنك أن تأتي معنا. غادر سجن العظام. ربما لن تستطيع العودة إلى العاصمة، لكن على الأقل—»

«انتظرنا طويلًا حتى ظننت أنك مت.»

انتفض زاكريل فجأة وصرخ:

«ارحل قبل أن أفقد السيطرة… أرجوك، يا جادستار.»

«ارحل!»

ثم بدأ وجهه المبلل بالدموع يتلوى.

ارتد تاليس من المفاجأة، وأمسك بيلدين كتفه.

انطلقت أصوات خطوات غامضة من الظلام خلف المخرج.

هوى زاكريل على الأرض من جديد، مكتئبًا.

حدق تاليس في السلم الحجري الذي بدا وكأنه تحرك إلى الخلف من تلقاء نفسه.

وصار صوته خافتًا، متوسلًا.

وعندها فقط لاحظ أن الحرس خلفه يحدقون فيه بعيون متسعة من الصدمة.

«ارحل قبل أن أفقد السيطرة… أرجوك، يا جادستار.»

تسارعت كلماته، فيما ازداد وجهه صرامة ويأسًا.

ظل تاليس ينظر إليه.

تراجع من الأعلى إلى الأسفل، وكل لبنة إلى مسافة مختلفة عن الأخرى.

وبعد ثوانٍ، سعل بارني جونيور بخفة خلفه.

وتحت قبضته التي لا ترحم، لم يجد كويك روب سوى أن يومئ، وقد أوشك على البكاء.

«فهمت.»

لكن فجأة، تجمدت نظرته.

تنهد تاليس، واستدار ومضى.

استمرت الاهتزازات.

«انتهى الأمر.»

ومع ذلك، بقي واقفًا وحده في مواجهتهم جميعًا، كما فعل من قبل.

قالها لنفسه.

ترنح كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، فتراجع واتكأ على الجدار.

لكن لسبب مجهول، لم يشعر بأي فرح.

زمجر زاكريل.

لم يبق في قلبه سوى حزن خافت.

أومأ تاليس.

«انتظر.»

تداخلت الصور أمام عينيه، قبل أن يستقر بصره أخيرًا على الشاب الأشعث، المرهق، والغريب في هدوئه، الواقف أمامه.

التفت الجميع.

ثم أطلق تنهيدة خيبة أمل.

كان ساميل ينظر إلى زاكريل حين قال بصوت مرتفع:

«لا تنس أن صاحب السمو أنقذ حياتك… وحياتنا.»

«زاكريل، هل تنوي البقاء في سجن العظام بقية حياتك البائسة؟»

صار صوته أشد ألمًا، حتى بدا كأنه يتوسل.

لم يرد فارس الحكم.

فخر المملكة.

قطب ساميل حاجبيه.

«لكن شون لم ينجُ.»

«جيد. إن كنت تحب هذا المكان، فمت هنا كما تشاء. لكن قبل ذلك عليك أن تخبرني…»

ترنح زاكريل، ثم استعاد توازنه بصعوبة.

صر على أسنانه.

«كان بوسعي أن أتحمل كراهيتهم بصفتي الشرير من ذلك اليوم فصاعدًا. أعيش وأموت على هذا النحو. فقد عشت هكذا ثمانية عشر عامًا! ثمانية عشر عامًا!»

«من كان؟ قبل ثمانية عشر عامًا، من كان الجادستار الذي حاول اغتصاب العرش؟»

وتجاهل نظرات الشك والخذلان التي ألقاها عليه رفاقه السابقون.

جعل هذا السؤال الحساس الجميع يتوترون.

ثم جثا أمامه.

لكن زاكريل الغائب عن الواقع لم يفعل سوى أن ضحك وهز رأسه بجنون.

أومأ ساميل.

«لا يهم. لم يعد يهم…»

شد قبضته على السيف الفضي، وضرب به البلاط الحجري.

اشتد عبوس ساميل، ولم يرضه الجواب.

رفع زاكريل ذقنه، وخطا إلى الأمام، داخل نطاق الضوء المنبعث من النار.

تقدم خطوة.

«أمنحك بركته.»

«أنت—»

«فعّلت المخرج من دون حتى أن تبحث عنه؟ كنت تعرف مكانه منذ البداية؟»

لكن يدًا أمسكت به.

«أنا أكرهكما… لكنني أكره نفسي أكثر لأنني لا أستطيع أن أكرهكما.

«إنه محق، ساميل.»

نظر الجميع إلى بارني جونيور.

زفر بارني جونيور.

لقد عادوا مرة أخرى إلى ما كانوا عليه.

كان صوته يحمل احتقارًا للماضي ولأكاذيبه.

قطب ساميل حاجبيه.

«لم يعد يهم من فعلها… فالنتيجة لن تتغير.»

استغرب تاليس، وألقى عليهم نظرة حائرة.

صمت ساميل برهة.

«إذن… هل نحن جميعًا مستعدون للخروج من السجن؟»

ثم نخر بضيق ونفض ذراع بارني عنه.

ومع ذلك، بقي واقفًا وحده في مواجهتهم جميعًا، كما فعل من قبل.

ولم ينظر إلى زاكريل ثانية.

أطلق زاكريل ضحكة غريبة أخرى.

تنهد بارني جونيور.

«أتعرف يا فارسي؟»

«حسنًا. والآن ماذا؟»

تسارعت أنفاس زاكريل، وكأنه على وشك أن يدخل في نوبة أخرى.

وحين ظن الجميع أن الأمر انتهى، زفر تاليس بعمق، ثم استدار فجأة، وكأنه حسم أمرًا ما.

وعلى الفور، اتخذ الآخرون تشكيلًا دفاعيًا غريزيًا.

ومشى نحو زاكريل مجددًا بلا تردد.

وفي اللحظة التالية، ذُهل الجميع.

حاول بارني جونيور الإمساك به بذراعه السليمة الوحيدة، لكنه أخفق، وشحب وجهه.

«بالطبع. الجميع هنا مصابون. لم يعودوا يشكلون تهديدًا.»

«يا صاحب السمو!»

أراد تاليس التقدم، إلا أن بيلدين أمسكه من الخلف.

حاول بيلدين منعه غريزيًا.

وما إن وصل إلى الفكرة حتى شحب وجهه.

لكن تاليس رفع يده بهدوء، وأوقف الجميع.

«أي نوع من الكائنات في هذا العالم…»

«أعرف ما أفعله.»

«الآن…»

أخرج الشاب نفسًا طويلًا، وتقدم نحو زاكريل المرتجف، الذي كان قد لف ذراعيه حول رأسه وأخذ يتمتم لنفسه.

أجبر الكلمات على الخروج من فمه.

ثم جثا أمامه.

نطق تاليس كلماته بصدق، وبأهدأ وألطف نبرة استطاعها.

«أتعرف يا فارسي؟»

قطب حاجبيه وسأل من جديد:

ابتسم تاليس ابتسامة لطيفة حزينة.

فكر تاليس.

«مررت خلال رحلتي بفترة من اليأس غمرها الظلام.»

«أنا آسف بشأن نالغي ونائر، أنا—»

توقف زاكريل عن الارتجاف.

تفاجأ تاليس قليلًا.

خفض ذراعيه وحدق في الشاب بغباء وحيرة.

«نعم، نعم، أعرف.»

«وفي تلك الفترة، منحني بطل وحيد، نكران ذاته ولم يعرفه أحد، أصدق وأكرم بركة تلقيتها.»

«اذهب، يا صاحب السمو. ارحل.»

وفي اللحظة التالية، فعل تاليس شيئًا أذهل الجميع.

«لأنك كنت تعرف… كنت تعرف أنه ما إن أنظر إلى وجوههم، فلا أرى كراهية موجهة إلى خائن، بل اعتذارًا واحترامًا لقائد…»

مد يده وأمسك رأس زاكريل برفق.

حل صمت خانق في السجن.

«والآن، باسم تاليس جادستار…»

لم يتحرك وهو يحدق في تاليس.

نطق تاليس كلماته بصدق، وبأهدأ وألطف نبرة استطاعها.

«كان بوسعي أن أتحمل كراهيتهم بصفتي الشرير من ذلك اليوم فصاعدًا. أعيش وأموت على هذا النحو. فقد عشت هكذا ثمانية عشر عامًا! ثمانية عشر عامًا!»

«أمنحك بركته.»

«منذ اللحظة التي التقينا فيها، بدوت كأنك تفر هائمًا على وجهك، عاجزًا لا حول لك. لكنك في الحقيقة كنت تدفعني خطوة بعد خطوة إلى الزاوية بخطة محكمة ومدروسة.

«بركة…؟»

«أحسنت، ساميل.»

بدا زاكريل مذهولًا.

أومأ ببرود.

لم يتحرك وهو يحدق في تاليس.

«كائن لا يموت حتى بعد أن يُقتل؟

انحنى الأمير نحوه ووضع جبهته على جبهة الفارس.

استمرت الاهتزازات.

«ليطهر الظلام روحك، ولتهدك النيران في دربك.»

«أنت—»

كان صوت تاليس أجش، لكنه حمل رنينًا غريبًا عميقًا، حتى إن قلق من حولهما بدأ يتلاشى من دون أن يشعروا.

«اذهب.»

أغمض تاليس عينيه، وضغط جبهته على الوصمة البشعة المحروقة في جلد زاكريل.

رفع فأسه ببطء.

«أيها المراقب الوحيد، زاكريل… عسى ألا تضل طريقك أبدًا.»

«أحسنت، ساميل.»

في اللحظة التي تلامسا فيها، ارتجف زاكريل بخفة.

«ثم ظهرت أمامهم كمنقذ. منحتهم الغفران، وحررتهم من أعبائهم باسم جادستار.

شعر تاليس بهدوء عجيب.

«كنت تعرف علاقتي بهؤلاء الرجال، لذلك أطلقت سراحهم عمدًا. جعلتهم يقفون في وجهي، وراقبت صراعنا، وجمعت المعلومات، وانتظرت الفرصة بينما كنت تعلم أن المواجهة بيننا ستقع لا محالة.»

وما إن انتهى، حتى أحس بأن شيئًا ما داخله قد تغير.

توقف لحظة، وكأنه يستمتع بتعبير تاليس.

لكن…

أومأ تاليس.

«آه!»

توتر الجميع.

سمع فجأة صيحات دهشة متزامنة خلفه.

وبمشاعر هي الأشد غرابة وتعقيدًا في قلبه، نظر إلى السجن القديم، الوحيد، المظلم.

تجاهلها تاليس.

فخر المملكة.

كان يعلم أنهم قلقون، لكنه كان يعرف أيضًا أنه آمن الآن.

أما كويك روب فظل واقفًا في مكانه مذهولًا، حتى جذبه تاردين إلى الجانب.

«هذا…»

لكن تاليس رفع يده بهدوء، وأوقف الجميع.

في موضع خارج مجال رؤية تاليس، فتح كويك روب فمه على اتساعه.

هوى زاكريل على الأرض من جديد، مكتئبًا.

فقد رأى ضوءًا فضيًا خافتًا ينتشر من جسد تاليس.

«كنت تعرف أنني حين أراهم هكذا… لن أستطيع فعل أي شيء.»

ومن شدة ذهوله، تراجع خطوة فاصطدم بتاردين.

«أنتم آل جادستار متشابهون جميعًا، أليس كذلك؟»

حدق بارني جونيور في ذلك الضوء الاستثنائي.

«في الحقيقة، لم أفكر بكل هذا العمق. أنا فقط شعرت أن… أن…»

وتبادل نظرة مذهولة مع بيلدين، عاجزًا عن الكلام.

«ربما…»

بعد عدة ثوانٍ، فتح تاليس عينيه ونهض في شرود.

نقر ريكي بلسانه وهز رأسه ببطء.

وعندها فقط لاحظ أن الحرس خلفه يحدقون فيه بعيون متسعة من الصدمة.

صمت ساميل برهة.

«غريب.»

وفي النهاية، سأل بيلدين مرتبكًا:

استغرب تاليس، وألقى عليهم نظرة حائرة.

صمت ساميل برهة.

«ما الأمر؟»

نظر تاليس إلى الاتجاه الذي أشار إليه زاكريل.

«أنت… قبل قليل…»

امتد السلم من الأرض حتى السقف، وكان عرضه يتسع لثمانية أو تسعة أشخاص جنبًا إلى جنب، ويقود إلى الفتحة المظلمة المؤدية إلى المجهول.

غطى كويك روب فمه بتكلف، وتمتم بكلمات مبعثرة، فيما ظلت ذراعه الممدودة نحو تاليس ترتجف.

بدت الحيرة على الرجال.

«يا سماوات… إلهة القمر الساطع، سيدة الحصاد، عذراء حارسة المحيط، إله الصحراء…

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وشد قبضتيه.

«هل يمكن أن يكون هذا… ذلك الشيء الأسطوري الخاص بالعائلة الملكية… الذهبي، اللامع، اللامع—»

حميا تاليس خلفهما، بينما ظل الأمير غارقًا في صدمته وحيرته.

وفي اللحظة التالية، أغلق تاردين فم كويك روب من الخلف.

حاول بيلدين منعه غريزيًا.

«لا شيء يا صاحب السمو. إنه متحمس قليلًا فحسب.»

بردت ملامحه.

قالها تاردين بحذر.

اتجه الأمير نحو الآخرين.

وتحت قبضته التي لا ترحم، لم يجد كويك روب سوى أن يومئ، وقد أوشك على البكاء.

هز ساميل رأسه.

هز تاليس رأسه في حيرة، لكنه عرف أن هذا ليس الوقت المناسب للتحقيق في الأمر.

غطى كويك روب فمه بتكلف، وتمتم بكلمات مبعثرة، فيما ظلت ذراعه الممدودة نحو تاليس ترتجف.

التفت بجسده المليء بالإصابات، ونظر إلى زاكريل الجريح الجالس على الأرض في شرود.

«كائن لا يموت حتى بعد أن يُقتل؟

كان الرجل يحدق فيه بصمت لا يصدق ما رأى.

وفي النهاية، سأل بيلدين مرتبكًا:

«لكن على الأقل… زال الخطر.»

نظر بارني جونيور حوله، ثم زفر بخفة وأومأ إلى تاليس.

فكر تاليس.

وبينما كان ينظر إلى تاليس الغارق في الحيرة، لمع في عينيه بريق بارد.

ظل ينظر إلى زاكريل قليلًا، ثم تنهد أخيرًا.

«إذن لماذا… لم تحتج إلى المفتاح؟»

اتجه الأمير نحو الآخرين.

«إن كان الأمر يصب في مصلحة الكوكبة… فهل يهم إن كان صادقًا أم لا؟»

فتح له بارني وبيلدين الطريق بصمت متفاهم.

لم يفكر تاليس كثيرًا في الأمر.

وأفسح له ساميل وتاردين وكانون وبرولي الطريق أيضًا.

قال ساميل وهو يقف إلى جوار الدرج الجديد:

أما كويك روب فظل واقفًا في مكانه مذهولًا، حتى جذبه تاردين إلى الجانب.

حدق فارس الحكم في الفراغ، ثم رفع إصبعه ببطء.

مشى تاليس وهو يعرج بين الصف الذي فتحه له الحرس احترامًا.

لكن ساميل لم يبادله إلا نظرة باردة.

ولوهلة، خُيل إليه أنه يدخل قصر النهضة.

وتابع صاحب الصوت الهادئ:

ابتسم ساخرًا من نفسه.

صر على أسنانه.

ولسبب ما، شعر أن نظرة هؤلاء الرجال إليه تغيرت.

«أنا أكرهكما… لكنني أكره نفسي أكثر لأنني لا أستطيع أن أكرهكما.

صاروا أكثر احترامًا له…

وفي اللحظة التالية، ذُهل الجميع.

وأقل قربًا مما كانوا عليه قبل أن يغفر لهم ويواسيهم.

وتحت قبضته التي لا ترحم، لم يجد كويك روب سوى أن يومئ، وقد أوشك على البكاء.

لم يفكر تاليس كثيرًا في الأمر.

ابتسم تاليس ابتسامة لطيفة حزينة.

واصل السير حتى وصل إلى جثتي نالغي ونائر.

هوى زاكريل على الأرض من جديد، مكتئبًا.

«…كيف ستتعاملون مع جثتيهما؟»

«سألت وبحثت عن الحقيقة بإصرار، بلا هوادة. دفعتهم إلى الزاوية وأجبرتهم على إظهار حقيقتهم، ثم استخرجت أدق التفاصيل التي يمكنك استخدامها.»

تجمد بارني جونيور قليلًا عند السؤال، ثم ظهر الحزن على وجهه.

نظر إلى جثتي نالغي ونائر، ثم إلى بارني جونيور، وامتلأ وجهه بأسى عميق.

وقال بصوت منخفض، حذر ولطيف:

واكتفى بالنظر إلى تاليس في ذهول.

«سنعود يومًا ما… ونستعيد جثثهم جميعًا.»

ومع ذلك، بقي واقفًا وحده في مواجهتهم جميعًا، كما فعل من قبل.

أومأ تاليس.

وقبل أن يكمل بارني كلامه، اكتشف تاليس، وهو يغطي فمه وأنفه، مفتاح اللغز.

«لقد انتهت سنتهم الدموية.»

«درع الظل، الشماليون، إدارة الاستخبارات السرية، أصدقاؤك السجناء، وذلك الرجل الملعون المقنّع… لا بد أنهم تكبدوا خسائر كبيرة وهم يقاتلون بعضهم، صحيح؟»

تنهد الشاب.

«ارحل قبل أن أفقد السيطرة… أرجوك، يا جادستار.»

وبتحمل ألم خصره، انحنى والتقط المفتاح الأخضر من الأرض، مفتاح سجن العظام.

«لحظة… من أين حصلت على هذا المفتاح الذي يفترض أنه يفتح كل أبواب سجن العظام؟

كشر من الألم، ودلك خصره الذي ربما أصيب بشد عضلي.

«لا يهم. لم يعد يهم…»

ثم نظر إلى الرجال أمامه.

«لم تعد بالنسبة إليهم الأمير الذي التقوه لتوهم… أنت من ودّع نالغي ونائر، وغافر المذنبين، ومواسي السجناء. أنت أمير جادستار الذي قبلوه، والقديس الذي خاطر بحياته ليمحو سوء الفهم الذي أحاط بي.

«إذن… هل نحن جميعًا مستعدون للخروج من السجن؟»

وواجها ساميل، الذي صار تعبيره غريبًا.

نظر الجميع إلى بارني جونيور.

ارتجف صوته.

صمت بارني قليلًا، ثم أبعد بصره عن الجثتين.

وتغير وجه بارني.

التقط سيفه الطويل بصمت، واقترب من بيلدين ليستند إليه.

أراد تاليس التقدم، إلا أن بيلدين أمسكه من الخلف.

رتب كانون جثتي نالغي ونائر للمرة الأخيرة، وأومأ وهو يكتم بكاءه بين أسنانه.

وصل صاحب الحذاءين أخيرًا إلى أسفل الدرج، وظهر كامل جسده تحت ضوء النار.

قبّل برولي جبينَي الراحلين، وعدل درعه ثم نهض.

ثم بدأ وجهه المبلل بالدموع يتلوى.

ترك تاردين كويك روب، وعدل موضع سيفه.

شعر تاليس بضغط هائل غير مسبوق في صدره. لو لم يتكلم الآن، خُيل إليه أنه سينفجر.

أما كويك روب فكشف عن أسنانه البيضاء وهو يمسك قوس الزمن، ورفع إبهامه لتاليس بحركة مضحكة.

سقط فأس زاكريل على الأرض.

انتشل ساميل السيف الطويل الفضي الذي تركه تاليس على الأرض، وانضم إلى البقية.

توتر الجميع.

وبصمت، تجمع المحاربون الجرحى والمنهكون.

حدق تاليس في السلم الحجري الذي بدا وكأنه تحرك إلى الخلف من تلقاء نفسه.

نظر بارني جونيور حوله، ثم زفر بخفة وأومأ إلى تاليس.

«لم يعد يهم من فعلها… فالنتيجة لن تتغير.»

«في أي وقت.»

«ساميل، ماذا فعلت؟»

ارتفعت زاوية فم تاليس قليلًا.

ومن دون تأخير، سار تاليس مباشرة إلى ساميل ورفع المفتاح في يده.

لكن فجأة، تجمدت نظرته.

حدق فارس الحكم في الفراغ، ثم رفع إصبعه ببطء.

«آه، أمر أخير. بما أنكم جميعًا هنا…»

كان ساميل ينظر إلى زاكريل حين قال بصوت مرتفع:

استدار الأمير.

مشى تاليس وهو يعرج بين الصف الذي فتحه له الحرس احترامًا.

وبينما كان يعبث بالمفتاح في يده، نظر إلى كل فرد من الحرس الملكي، المتسخين والجرحى، وقال مفكرًا:

شعر تاليس بضغط هائل غير مسبوق في صدره. لو لم يتكلم الآن، خُيل إليه أنه سينفجر.

«ثيرينجيرانا. هل سمعتم بهذا الاسم؟»

«نناضل بلا نهاية.

بدت الحيرة على الرجال.

أخذ زاكريل نفسًا عميقًا، وحدق في تاليس بألم، فيما ارتسمت على وجه الأمير مشاعر معقدة.

راقب تاليس تعابيرهم واحدًا واحدًا، لكنه لم ير أي تغير غير طبيعي.

«لحظة.»

قطب حاجبيه وسأل من جديد:

«ما الأمر؟»

«أعني… هل سمعتم بهذا الاسم قبل ثمانية عشر عامًا، وخصوصًا قبل السنة الدموية؟»

«أنا آسف بشأن نالغي ونائر، أنا—»

تبادل الآخرون النظرات في حيرة.

«انظر. إنه جالس هناك. يبتسم لي تلك الابتسامة البريئة الصادقة، ويحاول إقناعي بأن أختار… كما تفعل أنت الآن.»

وفي النهاية، سأل بيلدين مرتبكًا:

أجبر الكلمات على الخروج من فمه.

«ثيرين… نا؟ من هذه؟»

«فهمت.»

حدق تاليس في وجوههم.

تنهد بارني جونيور.

ثم أطلق تنهيدة خيبة أمل.

فتح فمه، لكنه لم يستطع إكمال الجملة.

«أمي.»

«لأن هذا المخرج فُتح قبل ساعة، قبل أن يقع المفتاح في يدك أصلًا.»

هز رأسه، وتخلى أخيرًا عن أمله في العثور على شاهد رئيسي من ذلك الزمن.

«اذهب.»

«…أو هكذا يقولون.»

إلا أنهم لاحظوا أن وجه الأمير تاليس أصبح فجأة شاحبًا ومصدومًا.

تبادل الآخرون نظرات مصدومة.

«إنه محق، ساميل.»

«لا بأس. كنت أسأل فقط. بما أن أحدًا منكم لا يعرف…»

«يا سماوات… إلهة القمر الساطع، سيدة الحصاد، عذراء حارسة المحيط، إله الصحراء…

ومن دون تأخير، سار تاليس مباشرة إلى ساميل ورفع المفتاح في يده.

«ثم ظهرت أمامهم كمنقذ. منحتهم الغفران، وحررتهم من أعبائهم باسم جادستار.

وبمشاعر هي الأشد غرابة وتعقيدًا في قلبه، نظر إلى السجن القديم، الوحيد، المظلم.

«أنا آسف.»

«هيا. لنبحث عن مخرجك السري. لقد مكثنا في هذا السجن اللعين… أكثر مما ينبغي.»

راقب تاليس تعابيرهم واحدًا واحدًا، لكنه لم ير أي تغير غير طبيعي.

مد ساميل يده.

«لا أعرف. حقًا لا أعرف. الكلمات التي قلتها لهم، المواساة التي منحتهم إياها، كلامك معي حين كشفت هويتك، وحتى تضحية كشفك لهويتك نفسها…»

لكنه لم يأخذ المفتاح.

«أثرت ساميل وبارني ونالغي بكلماتك كي تستخرج المعلومات التي تريدها، لكنك لم تسألهم عنها مباشرة قط. وبهذا، دفعوك بأنفسهم أقرب فأقرب إلى حقيقة السنة الدموية. ثم وجدت نقطة ضعفي… والأشياء التي أهتم بها.»

«هل أنت متأكد أنك تريد الخروج؟»

بالطبع، باستثناء شخص واحد لا يحمل همًا في الدنيا.

تفاجأ تاليس قليلًا.

«بالطبع. الجميع هنا مصابون. لم يعودوا يشكلون تهديدًا.»

«ماذا تقصد؟»

نظر الجميع إلى بارني جونيور.

هز ساميل رأسه.

شعر تاليس بوخزة ألم في صدره، وقاوم رغبته في النظر إلى وجوه من حوله.

«لا أعرف مدى قدرتك، لكن إن كشف أحدنا هويتك ككارثة…»

«يا صاحب الجلالة! يا صاحب السمو! لماذا؟!»

بردت ملامحه.

حدق تاليس في زاكريل بمشاعر متضاربة.

«فلن يهم كونك أميرًا. كثيرون سيريدون قتلك.»

فقد ظهرت فجأة فتحة مظلمة عند موضع التقاء السقف بالجدار أمامهم، بينما ظل الغبار يهطل من الأعلى.

«ساميل!»

وأقل قربًا مما كانوا عليه قبل أن يغفر لهم ويواسيهم.

ألقى بيلدين نظرة إلى زاكريل الجالس في زاوية مظلمة، ثم قال بصرامة:

وتغيرت وجوه السجناء.

«لا تنس أن صاحب السمو أنقذ حياتك… وحياتنا.»

«لا شيء يا صاحب السمو. إنه متحمس قليلًا فحسب.»

نخر ساميل بخفة.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

نظر تاليس إليه، ثم إلى البقية حوله.

وتغير وجه بارني.

وفي أعينهم، لم ير فقط الاحترام الذي كسبه بصعوبة.

تنهد بارني جونيور.

بل رأى أيضًا الخوف والرهبة من مستقبل غامض.

«لا بأس. كنت أسأل فقط. بما أن أحدًا منكم لا يعرف…»

بالطبع، باستثناء شخص واحد لا يحمل همًا في الدنيا.

صر على أسنانه.

ابتسم تاليس.

طن… طن… طن…

«هذا صحيح. إذا انكشفت هويتي، سيأتي كثيرون خلفي…»

«لا، لا.»

ثم قال بلا مبالاة:

«في الحقيقة، لم أفكر بكل هذا العمق. أنا فقط شعرت أن… أن…»

«لكنكم لن تفعلوا ذلك. وهذا يكفيني.»

كان زاكريل، المراقب السابق للحرس الملكي وفارس الحكم المرعب، يعرج نحوهم وهو يضحك بصوت خافت.

تجمد ساميل.

«لقد برأتني أمامهم. جعلتهم يحترمونني من جديد. والأهم… أنك حولت مشاعرهم نحوي إلى سلاح ضدي.»

وظلت عيناه معلقتين بتاليس طويلًا.

«جادستار… أنتم قساة. كلكم سواء.»

وتحركت بعض النظرات في الغرفة.

وفي اللحظة التالية، فعل تاليس شيئًا أذهل الجميع.

حرك تاليس المفتاح في يده بخفة.

فكر تاليس.

«ويجب أن نذهب حقًا.»

لكن زاكريل الغائب عن الواقع لم يفعل سوى أن ضحك وهز رأسه بجنون.

ظل ساميل يحدق في المفتاح، ثم رفع بصره إلى تاليس نفسه.

«ارحل قبل أن أفقد السيطرة… أرجوك، يا جادستار.»

بدا شاردًا قليلًا.

«فهمت.»

«نعم. يجب أن نذهب.»

رفع الرجل الذي بدا كمن عاد من الموت السيف الطويل، وأظهر السطرين المنقوشين على نصله الانسيابي.

أومأ ببرود.

تنهد في أعماقه، ثم أبعد نظره عن رفاقه السابقين.

لكنه سحب يده ولم يهتم بالمفتاح.

ارتجف زاكريل وتجمد لثوانٍ.

وتحت نظرة تاليس الحائرة، تقدم ساميل عشر خطوات نحو زاوية غير لافتة في الغرفة.

«والآن، باسم تاليس جادستار…»

استخدم سيفه أولًا لاقتلاع بلاطة من الأرض.

أراد تاليس التقدم، إلا أن بيلدين أمسكه من الخلف.

ثم انحنى ومد يده وسحب شيئًا من تحتها.

تفاجأ تاليس قليلًا.

«ساميل؟ والمفتاح؟»

وأفسح له ساميل وتاردين وكانون وبرولي الطريق أيضًا.

وقبل أن يفهم الآخرون ما يفعله، وقع التغيير.

استخدم سيفه أولًا لاقتلاع بلاطة من الأرض.

قرقعة…

أما كويك روب فظل واقفًا في مكانه مذهولًا، حتى جذبه تاردين إلى الجانب.

انطلقت اهتزازات خافتة من الأرض.

وفي اللحظة التالية، ذُهل الجميع.

وتساقط الغبار من فوقهم، فتغيرت وجوه تاليس والآخرين.

وهز بارني جونيور رأسه نحوه.

«ما—»

ثم بدأ وجهه المبلل بالدموع يتلوى.

وقبل أن يكمل بارني كلامه، اكتشف تاليس، وهو يغطي فمه وأنفه، مفتاح اللغز.

تجاهلها تاليس.

فقد ظهرت فجأة فتحة مظلمة عند موضع التقاء السقف بالجدار أمامهم، بينما ظل الغبار يهطل من الأعلى.

كانوا بكامل عتادهم، يراقبون المحاربين المصابين إصابات بالغة بعد سلسلة من المعارك الطاحنة.

قرقعة…

فتح تاليس فمه.

استمرت الاهتزازات.

أخرج الشاب نفسًا طويلًا، وتقدم نحو زاكريل المرتجف، الذي كان قد لف ذراعيه حول رأسه وأخذ يتمتم لنفسه.

وأخذت مساحة الفتحة تتسع.

«ويجب أن نذهب حقًا.»

وبدا كأن الطوب الذي يصل السقف بالجدار يتراجع قطعة بعد قطعة، كاشفًا ببطء عن فتحة مربعة واسعة.

«أمي.»

والأغرب أن الطوب تحرك بانسجام تام، وكأنه اتفق مسبقًا على ما سيفعله.

«ربما… ربما كان نالغي ونائر سيظلان حيين، يتنفسان. وكان بارني سيظل يكرهني أنا، لا والده، ولا الملك الراحل.»

تراجع من الأعلى إلى الأسفل، وكل لبنة إلى مسافة مختلفة عن الأخرى.

نخر ساميل بخفة.

وحين توقف، تحول إلى درجات حجرية تقود إلى الأعلى.

قالها لنفسه.

امتد السلم من الأرض حتى السقف، وكان عرضه يتسع لثمانية أو تسعة أشخاص جنبًا إلى جنب، ويقود إلى الفتحة المظلمة المؤدية إلى المجهول.

وتحت نظرة تاليس الحائرة، تقدم ساميل عشر خطوات نحو زاوية غير لافتة في الغرفة.

اندفع هواء بارد باستمرار من الفتحة الآخذة في الاتساع، فارتجف تاليس.

لم يبق في قلبه سوى حزن خافت.

مرت نحو عشر ثوانٍ.

«انتهى الأمر.»

وحين اختفت الاهتزازات تمامًا، ظهرت الفتحة في شكلها النهائي.

كان الجميع مذهولين.

كان الجميع مذهولين.

«انتهى الأمر.»

«هذا…»

هوى زاكريل على الأرض من جديد، مكتئبًا.

حدق تاليس في السلم الحجري الذي بدا وكأنه تحرك إلى الخلف من تلقاء نفسه.

وبينما كان يعبث بالمفتاح في يده، نظر إلى كل فرد من الحرس الملكي، المتسخين والجرحى، وقال مفكرًا:

قال ساميل وهو يقف إلى جوار الدرج الجديد:

«ساميل، ماذا فعلت؟»

«أعرف. مذهل، أليس كذلك؟ هذه من عجائب السحرة. كانت ردة فعلي مثل ردتكم تمامًا حين رأيتها لأول مرة.»

وحين اختفت الاهتزازات تمامًا، ظهرت الفتحة في شكلها النهائي.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

كان صوته يحمل احتقارًا للماضي ولأكاذيبه.

أفاق من صدمته، وحاول إقناع نفسه بألا يبدي كل هذا الذهول.

كان ساميل ينظر إلى زاكريل حين قال بصوت مرتفع:

ثم تقدم.

حدق تاليس في وجوههم.

«حسنًا، إذن لنـ…»

«لو لم يكن وجودًا محرّمًا… لكان هذا رائعًا.»

شدد قبضته على المفتاح.

«نعم، نعم، أعرف.»

«لحظة.»

حل صمت خانق في السجن.

وفجأة، فهم ما الخلل.

كان صوت زاكريل خشنًا، مثقلًا باليأس والحزن، كصوت رجل جريح فقد كل أمل.

«ساميل.»

«ليست لدي موهبة اللورد هانسن. لم أستطع حتى أن أعرف إن كان ما قلته اعترافًا صادقًا أم مجرد تمثيل.»

حدق تاليس فيه بذهول وهو يقف قرب الدرج الحجري.

وصار صوته خافتًا، متوسلًا.

«فعّلت المخرج من دون حتى أن تبحث عنه؟ كنت تعرف مكانه منذ البداية؟»

توقف لحظة، وكأنه يستمتع بتعبير تاليس.

جذب سؤاله انتباه الجميع تقريبًا.

تقدم خطوة.

نخر ساميل بخفة.

أما بيلدين فالتصق بجانب تاليس يحرسه، بينما دخل الآخرون تشكيلًا قتاليًا ووجوههم متجهمة.

«نعم. كنت أعرف منذ البداية.»

استغرب تاليس، وألقى عليهم نظرة حائرة.

تجمد تاليس.

استدار الأمير.

وبذل جهدًا للسيطرة على أنفاسه، ثم رفع المفتاح الأخضر بيد مرتجفة.

«قبل قليل، حين كنت ما أزال الشرير، كنت أستطيع أن أضربهم حتى يعجزوا عن الحركة بلا تردد، ثم أقتلك.»

«إذن لماذا… لم تحتج إلى المفتاح؟»

«كنت تعرف أنني حين أراهم هكذا… لن أستطيع فعل أي شيء.»

أدرك الآخرون أيضًا غرابة الموقف.

بعد عدة ثوانٍ، فتح تاليس عينيه ونهض في شرود.

وتغير وجه بارني.

إلا أنهم لاحظوا أن وجه الأمير تاليس أصبح فجأة شاحبًا ومصدومًا.

نخر ساميل مرة أخرى، ثم استدار وجعل ظهره للمخرج والدرج الحجري.

اندفع هواء بارد باستمرار من الفتحة الآخذة في الاتساع، فارتجف تاليس.

«لأن هذا المخرج فُتح قبل ساعة، قبل أن يقع المفتاح في يدك أصلًا.»

حاول بيلدين منعه غريزيًا.

قالها بلا تعبير.

ثم نظر إلى الرجال أمامه.

شعر تاليس بدوار.

نخر ساميل ولم يجب.

وحاول فهم هذا المنطق الغريب.

«لكن الآن…»

«المخرج كان مفتوحًا منذ زمن… قبل أن يقع المفتاح في يدي؟

حدق بارني جونيور في ذلك الضوء الاستثنائي.

«لحظة… من أين حصلت على هذا المفتاح الذي يفترض أنه يفتح كل أبواب سجن العظام؟

استدار ساميل ونخر.

«ذلك كان…»

«لكنني أذكر أنك لم تستطع فهم الكلمات المنقوشة على السيف.»

وما إن وصل إلى الفكرة حتى شحب وجهه.

أطلق زاكريل ضحكة غريبة أخرى.

حدق ساميل في ظلام المخرج، وقطب حاجبيه قليلًا.

«هذا ليس ما أريده.»

«ربما تأخروا قليلًا… ويحتاجون إلى تذكير.»

«يمكنك… يمكنك أن تأتي معنا. غادر سجن العظام. ربما لن تستطيع العودة إلى العاصمة، لكن على الأقل—»

شد قبضته على السيف الفضي، وضرب به البلاط الحجري.

لكن ساميل لم يبادله إلا نظرة باردة.

فصدر من النصل رنين واضح امتد في الفراغ المظلم وراء المخرج.

اتسعت عينا تاليس قليلًا.

طن… طن… طن…

وفيما كان الحرس ينظرون إليه بذهول وحيرة، حدق تاليس في الشخص الذي لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا هنا.

وفي اللحظة التالية، تغير وجه بارني جونيور وبيلدين.

اندفع هواء بارد باستمرار من الفتحة الآخذة في الاتساع، فارتجف تاليس.

«ساميل؟»

ثم نخر بضيق ونفض ذراع بارني عنه.

استدار ساميل ونخر.

«في هذا العالم… ذلك يعني… يعني…»

ولم يقل شيئًا.

قرقعة…

وسرعان ما ظهر تغير جديد في الغرفة.

وقبل أن يفهم الآخرون ما يفعله، وقع التغيير.

دب.

«حسنًا. والآن ماذا؟»

خطوات.

«نعم. يجب أن نذهب.»

انطلقت أصوات خطوات غامضة من الظلام خلف المخرج.

فقد ظهرت فجأة فتحة مظلمة عند موضع التقاء السقف بالجدار أمامهم، بينما ظل الغبار يهطل من الأعلى.

وصلت إلى أذني تاليس.

ابتسم تاليس ابتسامة لطيفة حزينة.

وكانت تأتي من خلف ساميل مباشرة.

«نحن؟»

تقدم بارني جونيور خطوة غريزيًا، وشكل مع بيلدين صفًا من رجلين.

دب، دب، دب…

حميا تاليس خلفهما، بينما ظل الأمير غارقًا في صدمته وحيرته.

«حسنًا، إذن لنـ…»

وواجها ساميل، الذي صار تعبيره غريبًا.

أخذ فارس الحكم الذي بدا على شفا الموت نفسًا حادًا، وكأنه استعاد بعض قوته.

دب، دب، دب…

«آه!»

تعددت الخطوات.

رتب كانون جثتي نالغي ونائر للمرة الأخيرة، وأومأ وهو يكتم بكاءه بين أسنانه.

ازدادت من خافتة إلى عالية، ومن بعيدة إلى قريبة.

«ساميل!»

كانت في البداية بالكاد تُسمع، ثم صارت واضحة.

انتشل ساميل السيف الطويل الفضي الذي تركه تاليس على الأرض، وانضم إلى البقية.

توتر الجميع.

نظر إلى جثتي نالغي ونائر، ثم إلى بارني جونيور، وامتلأ وجهه بأسى عميق.

«ساميل، ماذا فعلت؟»

نخر ساميل مرة أخرى، ثم استدار وجعل ظهره للمخرج والدرج الحجري.

حدق بارني جونيور في رفيقه السابق بصدمة لا تصدق.

ومشى نحو زاكريل مجددًا بلا تردد.

لكن ساميل لم يبادله إلا نظرة باردة.

لقد عادوا مرة أخرى إلى ما كانوا عليه.

دب، دب، دب…

ذلك الرجل الذي كان ينبغي أن يكون قد مات منذ زمن تحت سيف يودل، قائد صافرة الدم، كراسوس سيوف الكارثة، ريكي الذي لم يفقد هدوءه قط…

وأخيرًا، ظهر زوج من الأحذية الصحراوية أعلى الدرج الحجري.

ترنح زاكريل، ثم استعاد توازنه بصعوبة.

خرج صاحبهما من الظلام، وبدأ يهبط الدرج على مهل.

لكن فارس الحكم لم يمنحه فرصة الكلام.

«أحسنت، ساميل.»

تنهد الرجل، وكأنه ضاق ذرعًا قليلًا.

ارتفع صوت كان تاليس قد كاد ينساه لغرابته، لكنه تعرف إليه فور سماعه.

هوى زاكريل على الأرض من جديد، مكتئبًا.

«انتظرنا طويلًا حتى ظننت أنك مت.»

كان يقف الآن على الدرج الحجري.

كان الصوت هادئًا، لكنه بارد وغير مبالٍ.

لم يفكر تاليس كثيرًا في الأمر.

نخر ساميل ولم يجب.

امتد السلم من الأرض حتى السقف، وكان عرضه يتسع لثمانية أو تسعة أشخاص جنبًا إلى جنب، ويقود إلى الفتحة المظلمة المؤدية إلى المجهول.

تبادل بارني والحرس نظرات حائرة، لكنهم لم يحصلوا على جواب.

توقف زاكريل عن الارتجاف.

إلا أنهم لاحظوا أن وجه الأمير تاليس أصبح فجأة شاحبًا ومصدومًا.

وبمشاعر هي الأشد غرابة وتعقيدًا في قلبه، نظر إلى السجن القديم، الوحيد، المظلم.

«مستحيل.»

صار الهواء أثقل من أن يُحتمل.

«إذن، كل مشاكلنا…»

آلم المنظر صدر تاليس.

واصل صاحبا الحذاءين الهبوط ببطء، وبدأ جسده يظهر شيئًا فشيئًا.

قرقعة…

وتابع صاحب الصوت الهادئ:

«أنا آسف بشأن نالغي ونائر، أنا—»

«درع الظل، الشماليون، إدارة الاستخبارات السرية، أصدقاؤك السجناء، وذلك الرجل الملعون المقنّع… لا بد أنهم تكبدوا خسائر كبيرة وهم يقاتلون بعضهم، صحيح؟»

حدق بارني جونيور في رفيقه السابق بصدمة لا تصدق.

أومأ ساميل.

«ولا تعد إلى هنا أبدًا… تظاهر أنك لم… تقابلني قط.»

وتجاهل نظرات الشك والخذلان التي ألقاها عليه رفاقه السابقون.

آلم المنظر صدر تاليس.

«بالطبع. الجميع هنا مصابون. لم يعودوا يشكلون تهديدًا.»

«أعرف ما أفعله.»

مرر ساميل نظره على زملائه السابقين وقال ببرود:

بدت الحيرة على الرجال.

«لكن شون لم ينجُ.»

«ثيرينجيرانا. هل سمعتم بهذا الاسم؟»

توقف صاحب الحذاءين لحظة.

في اللحظة التي تلامسا فيها، ارتجف زاكريل بخفة.

«آه، مؤسف. لكننا سنتذكره.»

«بل كانت موجهة إليهم.»

شد بارني قبضته على سيفه بيد واحدة، في أعلى درجات التأهب.

دب.

أما بيلدين فالتصق بجانب تاليس يحرسه، بينما دخل الآخرون تشكيلًا قتاليًا ووجوههم متجهمة.

كان صوت زاكريل خشنًا، مثقلًا باليأس والحزن، كصوت رجل جريح فقد كل أمل.

لكن تاليس ظل متجذرًا في مكانه.

وحاول فهم هذا المنطق الغريب.

«…مستحيل.»

«مستحيل.»

وصل صاحب الحذاءين أخيرًا إلى أسفل الدرج، وظهر كامل جسده تحت ضوء النار.

ارتفع صوت كان تاليس قد كاد ينساه لغرابته، لكنه تعرف إليه فور سماعه.

«لا، لا.»

«أنا بأمان.»

حدق تاليس فيه بغباء.

ضغط بكفه على جبهته، وقد التوى وجهه من الألم.

«رأيتك بعيني… وقد اختُرقت—»

«مستحيل.»

تنهد الرجل، وكأنه ضاق ذرعًا قليلًا.

تبادل الآخرون نظرات مصدومة.

«نعم، نعم، أعرف.»

«صادق أم تمثيل؟»

كان صوته كصوت أمين مكتبة شرح القواعد للناس مئات المرات، ثم ظل يراهم يخالفونها كل يوم.

«…لا يموت بعد أن يُقتل… بل يولد من جديد؟»

«رأيت ذلك بعينيك. لقد مت.»

نظر تاليس إليه، ثم إلى البقية حوله.

وفيما كان الحرس ينظرون إليه بذهول وحيرة، حدق تاليس في الشخص الذي لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا هنا.

امتلأ صوته باليأس.

«مستحيل.»

دب، دب، دب…

«إذن، لم لا تخمن، يا أمير تاليس؟»

استخدم سيفه أولًا لاقتلاع بلاطة من الأرض.

فتح القادم ذراعيه باسترخاء.

«هذا…»

وبالابتسامة المهذبة الباردة نفسها، أظهر لتاليس عنقه وذقنه السليمين تمامًا.

أما كويك روب فكشف عن أسنانه البيضاء وهو يمسك قوس الزمن، ورفع إبهامه لتاليس بحركة مضحكة.

«أي نوع من الكائنات في هذا العالم…»

استدار ساميل ونخر.

توقف لحظة، وكأنه يستمتع بتعبير تاليس.

وصل صاحب الحذاءين أخيرًا إلى أسفل الدرج، وظهر كامل جسده تحت ضوء النار.

ثم أكمل بضحكة خفيفة:

«وفي تلك الفترة، منحني بطل وحيد، نكران ذاته ولم يعرفه أحد، أصدق وأكرم بركة تلقيتها.»

«…لا يموت بعد أن يُقتل… بل يولد من جديد؟»

«لا بأس. كنت أسأل فقط. بما أن أحدًا منكم لا يعرف…»

كان في ضحكته شيء يستخرج أعمق مخاوف تاليس من أعماق قلبه.

واصل صاحبا الحذاءين الهبوط ببطء، وبدأ جسده يظهر شيئًا فشيئًا.

«لا يموت بعد قتله… ويولد من جديد…»

«ويجب أن نذهب حقًا.»

أدار تاليس رأسه ببطء وصلابة نحو الرجل على الدرج.

«اذهب، يا صاحب السمو. ارحل.»

شعر أن أفكاره توقفت.

«درع الظل، الشماليون، إدارة الاستخبارات السرية، أصدقاؤك السجناء، وذلك الرجل الملعون المقنّع… لا بد أنهم تكبدوا خسائر كبيرة وهم يقاتلون بعضهم، صحيح؟»

«كائن لا يموت حتى بعد أن يُقتل؟

أغلق زاكريل عينيه.

«في هذا العالم… ذلك يعني… يعني…»

ثم أطلق تنهيدة خيبة أمل.

«بالمناسبة، شكرًا لأنك اعتنيت بالحقيقة الخالدة من أجلي.»

تفاجأ تاليس قليلًا.

وتحت نظرة تاليس المذهولة، الذي كاد يثبت عينيه على الرجل بلا رمشة، أخذ القادم السيف الفضي الطويل من يد ساميل بأدب وهدوء.

ترنح زاكريل، ثم استعاد توازنه بصعوبة.

«إنه ريكي.»

اشتد عبوس ساميل، ولم يرضه الجواب.

فكر تاليس، والحيرة والذعر يضربان عقله.

«إذا قتلتك، فسأدمر كل ما بقي لهم… أجسادهم وعقولهم.»

«إنه هو.»

تكور بمحاذاة الجدار وهو يمسك رأسه، وبدا كأنه يتوسل.

ذلك الرجل الذي كان ينبغي أن يكون قد مات منذ زمن تحت سيف يودل، قائد صافرة الدم، كراسوس سيوف الكارثة، ريكي الذي لم يفقد هدوءه قط…

«لكن كلماتك التي قلتها دفاعًا عني لم تكن موجهة إليّ…»

كان يقف الآن على الدرج الحجري.

قالها بلا تعبير.

دب، دب، دب…

رفع رأسه ونظر إلى كل واحد من رفاقه.

ظهرت خطوات أخرى من الأعلى.

فقد رأى ضوءًا فضيًا خافتًا ينتشر من جسد تاليس.

وتغيرت وجوه السجناء.

وفي اللحظة التالية، فعل تاليس شيئًا أذهل الجميع.

وخلف ريكي، بدأ كلاين ويوزف وعدد من سيوف الكارثة الذين اختفوا عن أنظارهم سابقًا يهبطون الدرج الحجري الواسع واحدًا بعد الآخر.

«مستحيل.»

كانوا بكامل عتادهم، يراقبون المحاربين المصابين إصابات بالغة بعد سلسلة من المعارك الطاحنة.

بدت الحيرة على الرجال.

«لكنني أذكر أنك لم تستطع فهم الكلمات المنقوشة على السيف.»

تبادل الآخرون نظرات مصدومة.

نقر ريكي بلسانه وهز رأسه ببطء.

«أثرت ساميل وبارني ونالغي بكلماتك كي تستخرج المعلومات التي تريدها، لكنك لم تسألهم عنها مباشرة قط. وبهذا، دفعوك بأنفسهم أقرب فأقرب إلى حقيقة السنة الدموية. ثم وجدت نقطة ضعفي… والأشياء التي أهتم بها.»

وبينما كان ينظر إلى تاليس الغارق في الحيرة، لمع في عينيه بريق بارد.

كان ساميل ينظر إلى زاكريل حين قال بصوت مرتفع:

رفع الرجل الذي بدا كمن عاد من الموت السيف الطويل، وأظهر السطرين المنقوشين على نصله الانسيابي.

صمت بارني قليلًا، ثم أبعد بصره عن الجثتين.

ثم قرأهما بنبرة مسترخية تمامًا:

وفي تلك اللحظة، وتحت أنظار الجميع المذهولة، بدا على زاكريل لأول مرة إرهاق العمر وثقله.

«نناضل بلا نهاية.

أومأ ببرود.

«والحقيقة لا تموت.»

«أمنحك بركته.»

«ما—»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط