Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 462

البعث (3)
PDF

البعث (3)

البعث (3)

نظر إلى الندبة في منتصف راحته.

أخذ ضوء الشعلة الوحيدة المتبقية يخبو شيئًا فشيئًا، فيما غرق السجن الجوفي في ظلمة أعمق. ومع ذلك، شعر تاليس أن هذا المكان لم يكن يومًا أكثر سكونًا وإشراقًا مما هو عليه الآن.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وأجبر نفسه على الابتسام.

ورغم أن بارني الابن ظل واقفًا خلفه شارد الذهن، فإن تاليس أدرك أنه لم يعد بحاجة إلى القلق بشأن حال القائد السابق للطليعة.

ارتفعت زاوية فم تاليس.

بقيت مشكلة أخيرة فحسب…

“لقد طلب منا الانتظار.”

هز تاليس رأسه، ثم سار نحو آخر شخص وهو يقاوم الألم الذي ينهش جسده.

وبينما تبادل الآخرون النظرات الحائرة، ابتسم تاليس لفارس الحكم وهز رأسه.

كان الرجل طويل الوجه لا يزال راكعًا على الأرض منذ وقت طويل. جراحه بالغة، واليأس مخيم على ملامحه، حتى بدا كأن روحه قد فارقت جسده.

نظر إلى تاليس، الذي ظل على حاله، ثم ظهرت على وجهه دهشة يصعب وصفها.

ظهر وجه فارس الحكم ببطء داخل مجال رؤية تاليس المعتم. تدلت ذراعه اليسرى، التي أصابها بارني إصابة بالغة، عاجزة إلى جواره، كجلد أفعى انسلت منه لتوها.

“اختار الصمت، وحمل سوء الفهم والكراهية الناجمين عن تلك المأساة، لأنه لم يرد أن يرى إخوته ينقلب بعضهم على بعض ويؤذي بعضهم بعضًا.”

“حسنًا. لم يبقَ سواك.”

فقد تجمد الآخرون أيضًا، بمن فيهم بارني الابن، الذي ظل متحفظًا ومضطربًا؛ وبيلدين القلق؛ وساميل الحذر؛ وتاردين وكانون وبرولي، وقد امتزجت على وجوههم الحيرة والشك.

قال تاليس ذلك بصوت خافت.

ومن الخلف، قال كويك روب بحرج:

لكن فارس الحكم ظل غارقًا في عالمه، حتى بعد أن انتهى تاليس من كلامه. لم يبد أي استجابة وهو يراقب الفتى يقترب منه ببطء.

نظر إلى الندبة في منتصف راحته.

غير أنه ما إن صار تاليس على بعد عشر خطوات منه حتى انتفض زاكريل فجأة كفهد أفاق من غفوته، ومد يده غريزيًا إلى الفأس المتشظية بجانبه.

البعث (3)

“صاحب السمو!”

نظر الجميع إلى الأمير.

صرخ بيلدين مذعورًا، ونهض غريزيًا ليتقدم.

أغلق فارس الحكم عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.

وسرعان ما أدرك الآخرون ما يجري. عبس ساميل ووضع يده على سلاحه، ونهض تاردين وبرولي وكانون بتوتر وأحاطوا بزاكريل. حتى بارني الابن خرج من شروده ورفع شعلته.

“هذا لن يساعدك—”

لكن تاليس رفع يده نحو من خلفه.

اجتاح قلب كويك روب ذعر لم يشعر بمثله من قبل.

“انتظروا.”

’ليس أفعالنا ما يعجزون عن مسامحته أو قبوله…

خرج صوته أجش وواهنًا.

رفع تاليس يده اليمنى وبسطها ببطء.

وتوقّف الجميع دون وعي.

بعد بضع ثوانٍ، هز فارس الحكم، المثخن بالجراح، رأسه.

في السكون الخانق، راقب تاليس الرجل طويل الوجه أمامه بصمت.

“أنت…”

لم يتحرك زاكريل. بقي يتنفس شاردًا، وسلاحه مصوب نحو تاليس من بعيد، كما لو أن ذلك لم يكن أكثر من رد فعل غريزي.

أما تاليس، فظل هادئًا، وكأن الأمر لا يعنيه.

ساد الجمود من جديد.

جال ببصره حوله.

ومن الخلف، قال كويك روب بحرج:

لا تظهر إلا بعد أن يفقد الإنسان أكثر ما كان يعتز به.

“مهلًا، واي… أعني، تاليس؟”

“أنتم محقون، أيها السادة.”

ألقى بيلدين نظرة خاطفة على زاكريل، الذي ظل شاردًا رغم يقظة غرائزه، ثم قال مترددًا:

ثبت تاليس عينيه في عيني زاكريل.

“صاحب السمو، من الأفضل أن—”

ثم قال بصعوبة:

لكن تاردين قاطعه بتوتر:

قال تاليس:

“لا تقترب أكثر!”

“لكن للأسف، جرفك تيار الزمن العنيف، فضعت فيه ولم تعد قادرًا على الاستيقاظ.”

“خ… خطر.”

أعاد صوت بارني القوي المنتظم زاكريل إلى وعيه. استعادت عيناه صفاءهما شيئًا فشيئًا، وتركزتا على تاليس.

قال كانون، وقد عاد شيء من اضطرابه العصبي.

‘إن كان الأمر كذلك، فبعد كل تلك السنوات التي تلت المأساة، لا بد أن المملكة قد…’

اختلفت ردود أفعال الحاضرين، لكنهم جميعًا رمقوا زاكريل بحذر، وقد بدا أنه خرج لتوه من شروده.

البعث (3)

ابتسم تاليس.

“لا يمكنك… هل جننت؟!”

“شكرًا يا بيلدين. وأنتما أيضًا، تاردين وكانون… لكنني أحتاج منكم أن تنتظروا قليلًا.”

“بالطبع.”

قاوم الفتى ما يعتري جسده من ألم، ثم التفت إليهم بابتسامة مرهقة ورفع سبابته.

لم يتحرك زاكريل. بقي يتنفس شاردًا، وسلاحه مصوب نحو تاليس من بعيد، كما لو أن ذلك لم يكن أكثر من رد فعل غريزي.

“…قليلًا فقط.”

فكر زاكريل.

ثم استدار وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يتابع تقدمه نحو زاكريل.

’تاليس، هذا العالم لا يكرهنا… إنه يخافنا…

ومع تقلص المسافة بينهما، تغير وجه بيلدين.

ضغط تاليس قبضته على صدره، فوق الموضع الذي أحرقته قطعة فضية ذات يوم.

“صاحب السمو، من أجل سلامتك—”

لكن تاردين قاطعه بتوتر:

لكن يدًا انطلقت من جانبه وضغطت على كتفه قبل أن يتحرك.

لكن تاليس ابتسم فورًا بعد ذلك.

كان بارني الابن قد نهض دون أن يلحظ أحد.

توقف فأس زاكريل في الهواء.

وقال ببرود لبيلدين وتاردين المندهشين:

‘حقيقتي…’

“لقد طلب منا الانتظار.”

كان الرجل طويل الوجه لا يزال راكعًا على الأرض منذ وقت طويل. جراحه بالغة، واليأس مخيم على ملامحه، حتى بدا كأن روحه قد فارقت جسده.

وبدا كأنه لا يزال يحمل شيئًا من الضيق تجاه تاليس، إذ خفض رأسه عمدًا وهو يتكلم، متجنبًا النظر إلى الأمير.

طبق زاكريل شفتيه، واشتدت قسوة ملامحه.

أعاد صوت بارني القوي المنتظم زاكريل إلى وعيه. استعادت عيناه صفاءهما شيئًا فشيئًا، وتركزتا على تاليس.

عبس زاكريل ولم يجب.

حدق بيلدين في القائد باستغراب، ثم نظر إلى تاليس. فتح فمه أكثر من مرة كأنه يريد الكلام، لكنه تراجع في كل مرة. وفي النهاية، لم يقل شيئًا ولم يتحرك.

دام الصمت بضع ثوانٍ.

اكتفى بالبقاء مكانه، يراقب بقلق تاليس وهو يقترب من زاكريل خطوة بعد خطوة.

“لأنك، سواء قبل ثمانية عشر عامًا أو بعدها، ومن البداية إلى النهاية، ظللت الفارس النبيل نفسه؛ المستعد للتضحية بسمعته، المتجرد من الأنانية والخوف، وقدوة الجميع.

وكان حال الآخرين مماثلًا.

تنهد تاليس.

وحين صار تاليس على بعد ثلاث خطوات من زاكريل، تنفس الأخير باضطراب ونظر إلى رفاقه السابقين المحيطين به. كان واضحًا أنهم يتوقون إلى الاندفاع فورًا، لكنهم كبحوا أنفسهم.

“أنا صوفي.”

‘لقد تغير شيء ما.’

تابع تاليس بنبرة هادئة، كأنه يحكي شيئًا عاديًا من حياته اليومية:

فكر زاكريل.

“كان ذلك قناعًا ارتديته أمام الآخرين.”

جال ببصره حوله.

حدق بيلدين في القائد باستغراب، ثم نظر إلى تاليس. فتح فمه أكثر من مرة كأنه يريد الكلام، لكنه تراجع في كل مرة. وفي النهاية، لم يقل شيئًا ولم يتحرك.

رأى بارني، المعتاد على إصدار الأوامر، واقفًا بوجه متجهم من دون أن ينطق. ورأى بيلدين، الرجل الموثوق الذي كان يميل أحيانًا إلى الجمود، يختار بدوره ألا يفعل شيئًا ويترك الأمور تسير.

أعاد صوت بارني القوي المنتظم زاكريل إلى وعيه. استعادت عيناه صفاءهما شيئًا فشيئًا، وتركزتا على تاليس.

حتى ساميل، الذي لطالما كره تلقي الأوامر، اكتفى بضم شفتيه وصمت.

“لا تقترب أكثر!”

أما بقية رفاقه، من تاردين إلى كانون…

“قبل ثمانية عشر عامًا، بصفتك المراقب المسؤول عن صون إرث الحرس الملكي، لم تستطع أن تحتمل اختيار أحد الطرفين، ولم تملك إلا أن تشاهد رفاقك ينقلب بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضًا، حتى جرت دماؤهم على الأرض.

فكلهم كانوا يومًا من أقرب الناس إليه.

وكان حال الآخرين مماثلًا.

لكنهم الآن وقفوا بصمت خلف تاليس. لم يفعلوا سوى إلقاء نظرات تحذير نحوه، وراقبوا الأمير وهو يتقدم حتى وقف أمام زاكريل مباشرة، بينما ظل جسد الرجل غارقًا في الدم من رأسه إلى أخمص قدميه.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرجه ببطء، كمن اتخذ قرارًا.

‘هؤلاء الناس…’

“بل كان مستعدًا للتضحية بثقتهم به، وصداقتهم، واحترامهم وتقديرهم له، ما دام ذلك سينقذهم ويحميهم… رغم أن هذه كانت الأشياء التي اعتز بها يومًا، ولم يبقَ له الآن سواها.”

استدار زاكريل ببطء.

“زاكريل ليس خائنًا، وليس رجلًا شريرًا. بل إنه تحمل ظلمًا وسمعة سيئة لا يستحقهما من أجل حماية سمعة الحرس الراحلين والعائلة الملكية.

كان ذهنه مشوشًا وأفكاره في فوضى، لكنه شد قبضته على سلاحه دون وعي.

“والأمر في الحقيقة… ليس بالسوء الذي تخيلته.”

“أنت…”

لكنهم الآن وقفوا بصمت خلف تاليس. لم يفعلوا سوى إلقاء نظرات تحذير نحوه، وراقبوا الأمير وهو يتقدم حتى وقف أمام زاكريل مباشرة، بينما ظل جسد الرجل غارقًا في الدم من رأسه إلى أخمص قدميه.

اختفت الكآبة والإرهاق من نظرته، وحل محلهما الارتباك وهو يتطلع إلى تاليس، كأنه يراه للمرة الأولى.

“أنت لا تعرف ما مررت به منذ جئت إلى هذا العالم.”

“ماذا فعلت بهم؟”

“لكن يا زاكريل… متى ارتديت هذا القناع؟ ولماذا؟”

خرج السؤال ببلادة، وكأنه لا يوجهه إلى الفتى وحده، بل إلى نفسه أيضًا.

“أهذا ما تظنه؟”

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وأجبر نفسه على الابتسام.

“أنا كارثة.”

“لا شيء.”

“بل أنا.”

ثم قال ببطء:

“مهلًا، واي… أعني، تاليس؟”

“فعلت فقط ما كنت تريد فعله منذ زمن… ولم تفعله.”

“بل كان مستعدًا للتضحية بثقتهم به، وصداقتهم، واحترامهم وتقديرهم له، ما دام ذلك سينقذهم ويحميهم… رغم أن هذه كانت الأشياء التي اعتز بها يومًا، ولم يبقَ له الآن سواها.”

تجمد زاكريل.

ثم قال:

‘ما كنت أريد فعله… ولم أفعله.’

“فعلت فقط ما كنت تريد فعله منذ زمن… ولم تفعله.”

بعد بضع ثوانٍ، هز فارس الحكم، المثخن بالجراح، رأسه.

‘ماذا؟’

“أهذا ما تظنه؟”

استدار زاكريل ببطء.

سخر بخفوت، ثم خفض نظره الكئيب وكأنه فهم شيئًا.

قاوم الفتى ما يعتري جسده من ألم، ثم التفت إليهم بابتسامة مرهقة ورفع سبابته.

ترك ذراعه اليسرى تهبط عاجزة إلى جانبه، ورفع سلاحه بيده اليمنى وهو يضغط على أسنانه.

نظر إلى تاليس، الذي ظل على حاله، ثم ظهرت على وجهه دهشة يصعب وصفها.

قال تاليس:

“بل أن أترك الماضي خلفي… لكي أولد من جديد.”

“أتعلم؟ قبل أن آتي إلى هنا، كنت رهينة للكوكبة في إكستيدت. وكان يفترض أن أبقى هناك إلى الأبد، لكنني هربت من مدينة سحب التنين.”

عبس زاكريل ولم يجب.

توقف فأس زاكريل في الهواء.

نظر تاليس إليه بابتسامة خافتة.

‘مدينة سحب التنين.’

ازداد ارتجاف زاكريل.

ارتجف الرجل قليلًا، كأن شيئًا قد طعنه.

ثم قال:

وعادت الذكريات القديمة المضببة والمتشابكة تزاحم رأسه، رغم أنه لم يعد يحتمل المزيد منها.

خرج صوته أجش وواهنًا.

‘إذًا… أحد أفراد عائلة جادستار الملكية كان رهينة في مدينة سحب التنين؟’

ازداد ارتجاف زاكريل.

اشتدت قبضته على الفأس.

كان هناك جرح تركه خنجر، ولم يلتئم بعد، تمامًا مثل كثير من الندوب التي حملها قبل وصوله إلى سجن العظام.

‘إن كان الأمر كذلك، فبعد كل تلك السنوات التي تلت المأساة، لا بد أن المملكة قد…’

قال تاليس:

تابع تاليس بنبرة هادئة، كأنه يحكي شيئًا عاديًا من حياته اليومية:

أغلق فارس الحكم عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.

“التقيت أناسًا كثيرين في الطريق. وكان هناك رجل ترك أثرًا عميقًا في نفسي.

وحين صار تاليس على بعد ثلاث خطوات من زاكريل، تنفس الأخير باضطراب ونظر إلى رفاقه السابقين المحيطين به. كان واضحًا أنهم يتوقون إلى الاندفاع فورًا، لكنهم كبحوا أنفسهم.

“قال إنه بعدما أمضى أكثر من عشر سنوات مرتديًا قناعًا، نظر يومًا إلى المرآة فلم يعد يعرف نفسه.”

‘هو… يريد أن…’

ارتجف فأس زاكريل قليلًا.

وقال ببرود لبيلدين وتاردين المندهشين:

أبعد تاليس عينيه عن قوس الزمن في يد كويك روب، ثم تنهد.

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

“نسي لماذا ارتدى ذلك القناع أصلًا. وترك القناع يأسره، ويستولي عليه، ويتحكم فيه.”

ثم نظر بجدية إلى الرجل أمامه.

“قد يزعجني الموت، لكنني لم أعد أخشاه.

“مثل محارب نسي ما كان يحارب لحمايته، فانتهى عبدًا للانتصار.

دام الصمت بضع ثوانٍ.

“ومثل ملك أهمل مسؤوليته تجاه مملكته، واستسلم لمطاردة مجد أجوف تصنعه أعمال يصفق لها الناس.”

لكنه تنبه إلى نظرات الشك المحيطة به، فلم يستطع حتى إكمال اسم تاليس. سحب يده بحرج، وخفت صوته.

بدأ جسد فارس الحكم يرتجف قليلًا.

‘بل وجودنا.’

ثبت تاليس عينيه في عيني زاكريل.

كان الرجل طويل الوجه لا يزال راكعًا على الأرض منذ وقت طويل. جراحه بالغة، واليأس مخيم على ملامحه، حتى بدا كأن روحه قد فارقت جسده.

لقد رأى هذه النظرة من قبل، أكثر من مرة.

أعاد صوت بارني القوي المنتظم زاكريل إلى وعيه. استعادت عيناه صفاءهما شيئًا فشيئًا، وتركزتا على تاليس.

رآها في قصر فاين، حين جرّ متتبع الريح الشبح جسده المشوه إلى الأمام وهو يتلوى من الألم.

لكن تاليس لم يفعل سوى الابتسام، كمن ألقى عن كتفيه حملًا ثقيلًا.

ورآها في قصر النهضة، حين هز فال آروند رأسه بألم وكشف المؤامرة.

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

ورآها في قاعة الأبطال، حين رفع المدير ميرك جثمان ابنته الراحلة بيأس.

حتى ساميل، الذي لطالما كره تلقي الأوامر، اكتفى بضم شفتيه وصمت.

ورآها في أرض الصخور القاحلة، حين اعترف غراب الموت بكل شيء وهو يضحك بجنون في لحظاته الأخيرة.

ارتفعت زاوية فم تاليس.

كانت نظرات مظلمة، يائسة، مخدرة.

وحده كويك روب تغير وجهه بشدة، لأنه أدرك شيئًا.

لا تظهر إلا بعد أن يفقد الإنسان أكثر ما كان يعتز به.

ضحك تاليس بسخرية وهز رأسه.

أما زاكريل…

“حسنًا. لم يبقَ سواك.”

فما الشيء الذي كان يعتز به أكثر من أي شيء آخر؟

ظل تاوروس الغامض.

حين خطر له ذلك، ثقل قلب تاليس وتنهد.

“قد يزعجني الموت، لكنني لم أعد أخشاه.

“لكن يا زاكريل… متى ارتديت هذا القناع؟ ولماذا؟”

“أنا صوفي.”

تجمد زاكريل في مكانه، وعلى وجهه تعبير معقد.

ثم استدار وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يتابع تقدمه نحو زاكريل.

دام الصمت بضع ثوانٍ.

‘هؤلاء الناس…’

ثم قال بصعوبة:

“مثل محارب نسي ما كان يحارب لحمايته، فانتهى عبدًا للانتصار.

“أنا آسف، صاحب السمو، لكن علينا… أن ننهي هذا.”

لم يستطع سوى التحديق في تاليس.

وبعد أن قالها، حرّك سلاحه بخفة، كأنه يجدد عزمه.

“هل تعرفون لماذا يريد زاكريل قتلي؟”

رفع تاليس حاجبه.

“أهذا ما تظنه؟”

“أجل، أعلم. ما زلت تريد قتلي.”

“أم… واي— أعني تالـ…؟”

قالها بخفة، لكن كلماتِه جعلت كل أفراد الحرس الملكي خلفه يتوترون من جديد.

“لذلك، يا لورد زاكريل، سواء ارتديت القناع أم خلعته، لم تنسَ معتقداتك يومًا.”

“ولا نستطيع إيقافك.”

“والأمر في الحقيقة… ليس بالسوء الذي تخيلته.”

عبس زاكريل ولم يجب.

“انتظروا.”

يبدو أن الصمت كان من مواهبه؛ فبمجرد أن يلتزم به، يصبح الجو خانقًا وكئيبًا.

وسرعان ما فتح كويك روب فمه أولًا، والصدمة وعدم التصديق يملآن وجهه. مد ذراعه دون وعي.

لكن تاليس ابتسم فورًا بعد ذلك.

“لا شيء.”

“أعترف أن الأمر كان أسهل عليّ حين كنت مجرد خائن شرير يطاردني ليقتلني. لم أشعر يومها بأي تأنيب ضمير تجاهك. لكن الآن…”

وتردد صوته في السجن الجوفي، مصحوبًا بأنفاس كويك روب التي خرجت عن السيطرة.

تنهد.

لكن تاليس ابتسم فورًا بعد ذلك.

“كل تلك القصص التي رويتها منذ قليل… اكتشافك للحقيقة، وسخطك على الملك الراحل، وتدبيرك للتمرد، وتوريط الجميع، وكونك الخائن والمسؤول عن كل ما حدث قبل ثمانية عشر عامًا.”

فتح زاكريل عينيه فجأة.

ضحك تاليس بسخرية وهز رأسه.

“لكن يا زاكريل… متى ارتديت هذا القناع؟ ولماذا؟”

“نصفها على الأقل مختلق، أليس كذلك؟”

ظل تاوروس الغامض.

ارتجف خد فارس الحكم.

“الشيء الوحيد الذي كان يقلقني ويعذبني ويعاقبني ويرفض أن يطلق سراحي… لم يكن ذلك السر، ولا مصيري المرتقب، ولا المجهول الذي أعجز عن التحكم به، ولا أي شيء آخر.

حدق تاليس مباشرة في عينيه.

لم يفهم ساميل ولا تاردين ولا كثيرون غيرهما ما يعنيه.

“كان ذلك قناعًا ارتديته أمام الآخرين.”

وتردد صوته في السجن الجوفي، مصحوبًا بأنفاس كويك روب التي خرجت عن السيطرة.

طبق زاكريل شفتيه، واشتدت قسوة ملامحه.

“هل تعرفون لماذا يريد زاكريل قتلي؟”

“اختلقته لتخفي الحقيقة وتحمي الأحياء والأموات معًا. فعلت ذلك حتى لا ينقسم الحرس الملكي ويقتتل بعضهم مع بعض. وحتى لا يتعذب الأحياء، ويرقد الموتى بسلام.

وتوقّف الجميع دون وعي.

“ولأجل ذلك، كنت مستعدًا لأن تصبح المذنب والخائن الوحيد في قصة من صنعك، وأن تتحمل كراهية الجميع.

اختلفت ردود أفعال الحاضرين، لكنهم جميعًا رمقوا زاكريل بحذر، وقد بدا أنه خرج لتوه من شروده.

“كنت ترى أن كراهيتهم لك أهون من أن يكره بعضهم بعضًا، أليس كذلك؟”

حدق زاكريل فيه مذهولًا، ولم يعد قادرًا على كبح رد فعله.

أغلق فارس الحكم عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.

ظهر وجه فارس الحكم ببطء داخل مجال رؤية تاليس المعتم. تدلت ذراعه اليسرى، التي أصابها بارني إصابة بالغة، عاجزة إلى جواره، كجلد أفعى انسلت منه لتوها.

حدق بارني الابن في زاكريل بنظرة امتزج فيها النفور والحنق والارتباك والعجز.

قال كانون، وقد عاد شيء من اضطرابه العصبي.

تنهد الآخرون.

رفع تاليس رأسه، واستقرت نظرته شيئًا فشيئًا.

أما ساميل، فهز رأسه وحده تعبيرًا عن عدم رضاه.

لم يُسمع سوى الأنفاس، تسرع تارة وتبطؤ أخرى، لكنها لم تستقر قط.

ارتفعت زاوية فم تاليس.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وأجبر نفسه على الابتسام.

“وحين رأيت ما فعلته قبل قليل، فهمت أخيرًا أن ذلك هو زاكريل الحقيقي.”

“أتعلم؟ قبل أن آتي إلى هنا، كنت رهينة للكوكبة في إكستيدت. وكان يفترض أن أبقى هناك إلى الأبد، لكنني هربت من مدينة سحب التنين.”

ارتعش حاجبا زاكريل.

قال تاليس ذلك بصوت خافت.

لكن تاليس لم ينتهِ بعد.

وبينما كانت أفكاره تضطرب بعنف…

“قبل ثمانية عشر عامًا، بصفتك المراقب المسؤول عن صون إرث الحرس الملكي، لم تستطع أن تحتمل اختيار أحد الطرفين، ولم تملك إلا أن تشاهد رفاقك ينقلب بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضًا، حتى جرت دماؤهم على الأرض.

“كدت أنتهي. لكن قبل ذلك، وقبل أن تهاجمني، أريدك أنت وهم أن تعرفوا شيئًا.”

“وبعد المأساة، لم تستطع كشف الحقيقة حفاظًا على سمعة العائلة الملكية وهيبتها، لكنك أيضًا لم تستطع أن تقف مكتوف اليدين بينما يُلقى الحرس الملكي الأبرياء في السجن بتهم باطلة.

“صاحب السمو، من أجل سلامتك—”

“وحين علمت بما عانوه، وبالمأساة التي حلت بهم، لم تستطع أن تسامح نفسك لأنك لم تفعل شيئًا ولم تقل شيئًا.

“ماذا فعلت بهم؟”

“فاخترت أن تعزل نفسك عن العالم، وأن تدفن نفسك في أعماق الأرض عقابًا لنفسك.”

تنهد تاليس.

نظر تاليس إلى زاكريل بحزن.

“ماذا فعلت بهم؟”

ومع كل جملة، كان الألم والصراع في وجه الفارس يزدادان، وصدره يعلو ويهبط بعنف أكبر.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرجه ببطء، كمن اتخذ قرارًا.

حتى نظرات أفراد الحرس الملكي إلى زاكريل ازدادت تعقيدًا. كانت مشاعرهم في البداية فوضوية متبدلة، ثم شيئًا فشيئًا صارت أكثر غموضًا وترددًا.

البعث (3)

تنهد تاليس.

ساد الجمود من جديد.

“لذلك، يا لورد زاكريل، سواء ارتديت القناع أم خلعته، لم تنسَ معتقداتك يومًا.”

ازداد ارتجاف زاكريل.

فتح زاكريل عينيه فجأة.

أغمض عينيه، محاولًا ألا يرى ردود أفعال من حوله.

“هل انتهيت؟”

“أنا صوفي.”

ارتجف صوته، وكذلك يده اليمنى التي تمسك بالفأس.

‘شكرًا.’

“هذا لن يساعدك—”

ضيّق ساميل عينيه من الجانب.

قاطعه تاليس:

عبس زاكريل ولم يجب.

“كدت أنتهي. لكن قبل ذلك، وقبل أن تهاجمني، أريدك أنت وهم أن تعرفوا شيئًا.”

ثبت زاكريل عينيه على تاليس. وكان الاحمرار في عينيه واضحًا تحت ضوء النار.

تنهد تاليس برفق، ثم التفت إلى الحرس الملكي السابقين المحيطين به، وقد علت وجوههم الحيرة والضيق والقلق والشك.

ارتجف الرجل قليلًا، كأن شيئًا قد طعنه.

“زاكريل ليس خائنًا، وليس رجلًا شريرًا. بل إنه تحمل ظلمًا وسمعة سيئة لا يستحقهما من أجل حماية سمعة الحرس الراحلين والعائلة الملكية.

وتردد صوته في السجن الجوفي، مصحوبًا بأنفاس كويك روب التي خرجت عن السيطرة.

“اختار الصمت، وحمل سوء الفهم والكراهية الناجمين عن تلك المأساة، لأنه لم يرد أن يرى إخوته ينقلب بعضهم على بعض ويؤذي بعضهم بعضًا.”

“…واليوم، وصلت تلك اللحظة.”

نظر تاليس إليه بابتسامة خافتة.

نظر الجميع إلى الأمير.

“بل كان مستعدًا للتضحية بثقتهم به، وصداقتهم، واحترامهم وتقديرهم له، ما دام ذلك سينقذهم ويحميهم… رغم أن هذه كانت الأشياء التي اعتز بها يومًا، ولم يبقَ له الآن سواها.”

شعر الأمير بسكينة غريبة، وكأنه لم يقل سوى جواب عادي عن سؤال عادي.

عاد السجن الجوفي إلى الصمت.

“لن تغير رأيي.”

لم يُسمع سوى الأنفاس، تسرع تارة وتبطؤ أخرى، لكنها لم تستقر قط.

تابع تاليس بنبرة هادئة، كأنه يحكي شيئًا عاديًا من حياته اليومية:

وفي تلك اللحظة، حدق جميع أفراد الحرس الملكي في زاكريل بنظرات معقدة لا يمكن وصفها.

“اختلقته لتخفي الحقيقة وتحمي الأحياء والأموات معًا. فعلت ذلك حتى لا ينقسم الحرس الملكي ويقتتل بعضهم مع بعض. وحتى لا يتعذب الأحياء، ويرقد الموتى بسلام.

ثبت زاكريل عينيه على تاليس. وكان الاحمرار في عينيه واضحًا تحت ضوء النار.

وقال ببرود لبيلدين وتاردين المندهشين:

“لن تغير رأيي.”

“أخشى اللحظة التي يكتشف فيها الآخرون هذا السر. أقلق من مصيري ومن المجهول. أخاف من الطريقة التي سيراني بها العالم، وأعيش في قلق دائم من أن أفقد كل ما اعتدت عليه.”

خرج صوت فارس الحكم عميقًا خافتًا، والألم يثقل كلماته.

وتوقّف الجميع دون وعي.

ضحك تاليس بخفة.

ارتجف فأس زاكريل قليلًا.

“بالطبع.”

ثم قال ببطء:

ثم قال:

‘لقد تغير شيء ما.’

“لأنك، سواء قبل ثمانية عشر عامًا أو بعدها، ومن البداية إلى النهاية، ظللت الفارس النبيل نفسه؛ المستعد للتضحية بسمعته، المتجرد من الأنانية والخوف، وقدوة الجميع.

أدرك فجأة أن تاليس لا يخطط لمكيدة، ولا يناور.

“وكنت دائمًا المراقب الذي يحرس إرث الحرس الملكي.”

ضحك تاليس بسخرية وهز رأسه.

تنهد تاليس.

“أم… واي— أعني تالـ…؟”

“لكن للأسف، جرفك تيار الزمن العنيف، فضعت فيه ولم تعد قادرًا على الاستيقاظ.”

ثم قال:

‘تيار الزمن…’

“أنا صوفي.”

ازداد ارتجاف زاكريل.

غير أنه ما إن صار تاليس على بعد عشر خطوات منه حتى انتفض زاكريل فجأة كفهد أفاق من غفوته، ومد يده غريزيًا إلى الفأس المتشظية بجانبه.

واجتاحته الذكريات المرعبة كالأمواج المتلاطمة.

“ولأجل ذلك، كنت مستعدًا لأن تصبح المذنب والخائن الوحيد في قصة من صنعك، وأن تتحمل كراهية الجميع.

صر على أسنانه وأجبر نفسه على ألا ينظر إلى وجوه الآخرين.

ورآها في قصر النهضة، حين هز فال آروند رأسه بألم وكشف المؤامرة.

لأنه كان خائفًا.

تجمد زاكريل تمامًا.

خائفًا…

ظهر وجه فارس الحكم ببطء داخل مجال رؤية تاليس المعتم. تدلت ذراعه اليسرى، التي أصابها بارني إصابة بالغة، عاجزة إلى جواره، كجلد أفعى انسلت منه لتوها.

وبينما كانت أفكاره تضطرب بعنف…

‘ما كنت أريد فعله… ولم أفعله.’

“أيها السادة…”

“أيها السادة…”

استدار تاليس ونظر إلى من حوله.

“أنتم محقون، أيها السادة.”

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرجه ببطء، كمن اتخذ قرارًا.

“لكن للأسف، جرفك تيار الزمن العنيف، فضعت فيه ولم تعد قادرًا على الاستيقاظ.”

لقد عرف ما ينبغي عليه فعله.

“ما يخيفني حقًا هو…”

نظر الجميع إلى الأمير.

“بل حين واجهت لحظة انكشاف سري، وواجهت ما قد يترتب عليها… فهمت أخيرًا.”

خفض تاليس عينيه وسأل بهدوء:

بدأ تعبير زاكريل يختفي تدريجيًا.

“هل تعرفون لماذا يريد زاكريل قتلي؟”

توقف فأس زاكريل في الهواء.

في تلك اللحظة، انقطعت أفكار زاكريل الشاردة تمامًا.

“وحين علمت بما عانوه، وبالمأساة التي حلت بهم، لم تستطع أن تسامح نفسك لأنك لم تفعل شيئًا ولم تقل شيئًا.

‘ماذا؟’

البعث (3)

حدق في تاليس بذهول.

‘ماذا؟’

ولم يكن وحده.

ثبت زاكريل عينيه على تاليس. وكان الاحمرار في عينيه واضحًا تحت ضوء النار.

فقد تجمد الآخرون أيضًا، بمن فيهم بارني الابن، الذي ظل متحفظًا ومضطربًا؛ وبيلدين القلق؛ وساميل الحذر؛ وتاردين وكانون وبرولي، وقد امتزجت على وجوههم الحيرة والشك.

‘هو… يريد أن…’

وحده كويك روب تغير وجهه بشدة، لأنه أدرك شيئًا.

أبعد تاليس عينيه عن قوس الزمن في يد كويك روب، ثم تنهد.

نظم تاليس أنفاسه بهدوء، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة.

لكنهم الآن وقفوا بصمت خلف تاليس. لم يفعلوا سوى إلقاء نظرات تحذير نحوه، وراقبوا الأمير وهو يتقدم حتى وقف أمام زاكريل مباشرة، بينما ظل جسد الرجل غارقًا في الدم من رأسه إلى أخمص قدميه.

“لأنه يعرف حقيقتي.”

“قال إنه بعدما أمضى أكثر من عشر سنوات مرتديًا قناعًا، نظر يومًا إلى المرآة فلم يعد يعرف نفسه.”

‘حقيقتي…’

“اختار الصمت، وحمل سوء الفهم والكراهية الناجمين عن تلك المأساة، لأنه لم يرد أن يرى إخوته ينقلب بعضهم على بعض ويؤذي بعضهم بعضًا.”

شعر الأمير بسكينة غريبة، وكأنه لم يقل سوى جواب عادي عن سؤال عادي.

‘إذًا… أحد أفراد عائلة جادستار الملكية كان رهينة في مدينة سحب التنين؟’

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

حدق في تاليس بذهول.

‘مهلًا.’

لكنه تنبه إلى نظرات الشك المحيطة به، فلم يستطع حتى إكمال اسم تاليس. سحب يده بحرج، وخفت صوته.

بدأ تعبير زاكريل يختفي تدريجيًا.

حدق زاكريل فيه مذهولًا، ولم يعد قادرًا على كبح رد فعله.

نظر إلى تاليس، الذي ظل على حاله، ثم ظهرت على وجهه دهشة يصعب وصفها.

صرخ بيلدين مذعورًا، ونهض غريزيًا ليتقدم.

‘هو… يريد أن…’

“وأنا من الفئة نفسها التي ينتمي إليها أولئك الذين جلبوا الخراب والفوضى إلى المملكة في الماضي.”

ضيّق ساميل عينيه من الجانب.

بدأ تعبير زاكريل يختفي تدريجيًا.

“لا أفهم. ماذا تقصد بـ”حقيقتي”؟”

‘بل وجودنا.’

وسرعان ما فتح كويك روب فمه أولًا، والصدمة وعدم التصديق يملآن وجهه. مد ذراعه دون وعي.

“زاكريل ليس خائنًا، وليس رجلًا شريرًا. بل إنه تحمل ظلمًا وسمعة سيئة لا يستحقهما من أجل حماية سمعة الحرس الراحلين والعائلة الملكية.

“أم… واي— أعني تالـ…؟”

كان بارني الابن قد نهض دون أن يلحظ أحد.

لكنه تنبه إلى نظرات الشك المحيطة به، فلم يستطع حتى إكمال اسم تاليس. سحب يده بحرج، وخفت صوته.

ارتعش حاجبا زاكريل.

أما تاليس، فظل هادئًا، وكأن الأمر لا يعنيه.

“بل أنا.”

“أنت…”

“أنت…”

حدق زاكريل فيه مذهولًا، ولم يعد قادرًا على كبح رد فعله.

وعادت الذكريات القديمة المضببة والمتشابكة تزاحم رأسه، رغم أنه لم يعد يحتمل المزيد منها.

“لا يمكنك… هل جننت؟!”

وتردد صوته في السجن الجوفي، مصحوبًا بأنفاس كويك روب التي خرجت عن السيطرة.

لم يفهم ساميل ولا تاردين ولا كثيرون غيرهما ما يعنيه.

“قد يزعجني الموت، لكنني لم أعد أخشاه.

وبينما تبادل الآخرون النظرات الحائرة، ابتسم تاليس لفارس الحكم وهز رأسه.

“لا أفهم. ماذا تقصد بـ”حقيقتي”؟”

“أنا أعرفك بما يكفي، أيها المراقب… لكنك لا تعرفني بما يكفي.

ألقى بيلدين نظرة خاطفة على زاكريل، الذي ظل شاردًا رغم يقظة غرائزه، ثم قال مترددًا:

“أنت لا تعرف ما مررت به منذ جئت إلى هذا العالم.”

‘إن كان الأمر كذلك، فبعد كل تلك السنوات التي تلت المأساة، لا بد أن المملكة قد…’

رفع تاليس يده اليمنى وبسطها ببطء.

أخذ ضوء الشعلة الوحيدة المتبقية يخبو شيئًا فشيئًا، فيما غرق السجن الجوفي في ظلمة أعمق. ومع ذلك، شعر تاليس أن هذا المكان لم يكن يومًا أكثر سكونًا وإشراقًا مما هو عليه الآن.

نظر إلى الندبة في منتصف راحته.

استدار لينظر إلى كويك روب، الذي بقي يحدق فيه مذهولًا.

كان هناك جرح تركه خنجر، ولم يلتئم بعد، تمامًا مثل كثير من الندوب التي حملها قبل وصوله إلى سجن العظام.

“لا يمكنك… هل جننت؟!”

كان زاكريل مذهولًا إلى درجة أنه عجز عن الكلام.

قال تاليس ذلك بصوت خافت.

لم يستطع سوى التحديق في تاليس.

في السكون الخانق، راقب تاليس الرجل طويل الوجه أمامه بصمت.

بدا الفتى هادئًا، مسترخيًا… بل وكأن شيئًا من السرور قد تسلل إليه.

“بل أنا.”

راقبه كويك روب وعقد حاجبيه.

خرج صوته أجش وواهنًا.

‘لا.’

“لن تغير رأيي.”

أدرك فجأة أن تاليس لا يخطط لمكيدة، ولا يناور.

“لكن يا زاكريل… متى ارتديت هذا القناع؟ ولماذا؟”

‘لا… إنه يريد فعلها حقًا.’

“بل كان مستعدًا للتضحية بثقتهم به، وصداقتهم، واحترامهم وتقديرهم له، ما دام ذلك سينقذهم ويحميهم… رغم أن هذه كانت الأشياء التي اعتز بها يومًا، ولم يبقَ له الآن سواها.”

اجتاح قلب كويك روب ذعر لم يشعر بمثله من قبل.

‘ماذا؟’

أما تاليس، فتسلل إلى صوته شعور نادر بالتحرر.

“والأمر في الحقيقة… ليس بالسوء الذي تخيلته.”

“قد يزعجني الموت، لكنني لم أعد أخشاه.

كان الرجل طويل الوجه لا يزال راكعًا على الأرض منذ وقت طويل. جراحه بالغة، واليأس مخيم على ملامحه، حتى بدا كأن روحه قد فارقت جسده.

“ما يخيفني حقًا هو…”

رفع تاليس حاجبه.

شردت عيناه.

“نسي لماذا ارتدى ذلك القناع أصلًا. وترك القناع يأسره، ويستولي عليه، ويتحكم فيه.”

وظهر أمامه وجه آسدا المتعالي، وتعبير جيزا المجنون.

كان زاكريل مذهولًا إلى درجة أنه عجز عن الكلام.

’تاليس، هذا العالم لا يكرهنا… إنه يخافنا…

وعادت الذكريات القديمة المضببة والمتشابكة تزاحم رأسه، رغم أنه لم يعد يحتمل المزيد منها.

’ليس أفعالنا ما يعجزون عن مسامحته أو قبوله…

“أنت لا تعرف ما مررت به منذ جئت إلى هذا العالم.”

‘بل وجودنا.’

لم يفهم ساميل ولا تاردين ولا كثيرون غيرهما ما يعنيه.

ثم…

فقد تجمد الآخرون أيضًا، بمن فيهم بارني الابن، الذي ظل متحفظًا ومضطربًا؛ وبيلدين القلق؛ وساميل الحذر؛ وتاردين وكانون وبرولي، وقد امتزجت على وجوههم الحيرة والشك.

ظل تاوروس الغامض.

تنهد تاليس.

تنهد تاليس.

كان ذهنه مشوشًا وأفكاره في فوضى، لكنه شد قبضته على سلاحه دون وعي.

“ما أخشاه هو أن أظل أسير الرعب والقلق والتوجس وأنا أحمل هذا السر. حتى أحلامي ستطاردها ظلاله، ولن أستطيع الهرب منه.

“أنا أعرفك بما يكفي، أيها المراقب… لكنك لا تعرفني بما يكفي.

“أخشى اللحظة التي يكتشف فيها الآخرون هذا السر. أقلق من مصيري ومن المجهول. أخاف من الطريقة التي سيراني بها العالم، وأعيش في قلق دائم من أن أفقد كل ما اعتدت عليه.”

“أم… واي— أعني تالـ…؟”

رفع تاليس رأسه، واستقرت نظرته شيئًا فشيئًا.

ورآها في أرض الصخور القاحلة، حين اعترف غراب الموت بكل شيء وهو يضحك بجنون في لحظاته الأخيرة.

“…واليوم، وصلت تلك اللحظة.”

لم يفهم ساميل ولا تاردين ولا كثيرون غيرهما ما يعنيه.

استدار لينظر إلى كويك روب، الذي بقي يحدق فيه مذهولًا.

اكتفى بالبقاء مكانه، يراقب بقلق تاليس وهو يقترب من زاكريل خطوة بعد خطوة.

ابتسم له تاليس، ثم أخرج نفسًا عميقًا.

شعر الأمير بسكينة غريبة، وكأنه لم يقل سوى جواب عادي عن سؤال عادي.

‘شكرًا.’

“كنت ترى أن كراهيتهم لك أهون من أن يكره بعضهم بعضًا، أليس كذلك؟”

“والأمر في الحقيقة… ليس بالسوء الذي تخيلته.”

ارتفعت زاوية فم تاليس.

راقب تعبير كويك روب الجامد، ثم قبض تاليس يده بقوة حتى شعر بألم الجرح في راحته.

رفع تاليس حاجبه.

“بل حين واجهت لحظة انكشاف سري، وواجهت ما قد يترتب عليها… فهمت أخيرًا.”

“لا تقترب أكثر!”

استدار تاليس ورفع رأسه بهدوء.

لم يُسمع سوى الأنفاس، تسرع تارة وتبطؤ أخرى، لكنها لم تستقر قط.

“الشيء الوحيد الذي كان يقلقني ويعذبني ويعاقبني ويرفض أن يطلق سراحي… لم يكن ذلك السر، ولا مصيري المرتقب، ولا المجهول الذي أعجز عن التحكم به، ولا أي شيء آخر.

كان الرجل طويل الوجه لا يزال راكعًا على الأرض منذ وقت طويل. جراحه بالغة، واليأس مخيم على ملامحه، حتى بدا كأن روحه قد فارقت جسده.

“بل أنا.”

ضغط تاليس قبضته على صدره، فوق الموضع الذي أحرقته قطعة فضية ذات يوم.

ضغط تاليس قبضته على صدره، فوق الموضع الذي أحرقته قطعة فضية ذات يوم.

“أنت لا تعرف ما مررت به منذ جئت إلى هذا العالم.”

“ما أحتاج إليه ليس قيودًا أضعها بيدي على نفسي.

“لا يمكنك… هل جننت؟!”

“بل أن أترك الماضي خلفي… لكي أولد من جديد.”

ورآها في قاعة الأبطال، حين رفع المدير ميرك جثمان ابنته الراحلة بيأس.

تجمد زاكريل تمامًا.

“فعلت فقط ما كنت تريد فعله منذ زمن… ولم تفعله.”

“ص… صاحب السمو؟”

قال تاليس ذلك بصوت خافت.

بدأ بيلدين يدرك أن شيئًا غير طبيعي يحدث. تحدث بوجه قلق وحائر، وكأنه يحذر تاليس ويذكره في آن واحد.

“ولا نستطيع إيقافك.”

لكن تاليس لم يفعل سوى الابتسام، كمن ألقى عن كتفيه حملًا ثقيلًا.

ازداد ارتجاف زاكريل.

“أنتم محقون، أيها السادة.”

استدار زاكريل ببطء.

أغمض عينيه، محاولًا ألا يرى ردود أفعال من حوله.

وعادت الذكريات القديمة المضببة والمتشابكة تزاحم رأسه، رغم أنه لم يعد يحتمل المزيد منها.

وتردد صوته في السجن الجوفي، مصحوبًا بأنفاس كويك روب التي خرجت عن السيطرة.

“هل انتهيت؟”

أما تعبير زاكريل، فكاد يتجمد على وجهه.

نظر إلى تاليس، الذي ظل على حاله، ثم ظهرت على وجهه دهشة يصعب وصفها.

“أنا، تاليس جادستار، أنتمي إلى أحد أعظم المحرمات التي توارث الناس الحديث عنها جيلًا بعد جيل.

“الشيء الوحيد الذي كان يقلقني ويعذبني ويعاقبني ويرفض أن يطلق سراحي… لم يكن ذلك السر، ولا مصيري المرتقب، ولا المجهول الذي أعجز عن التحكم به، ولا أي شيء آخر.

“وأنا من الفئة نفسها التي ينتمي إليها أولئك الذين جلبوا الخراب والفوضى إلى المملكة في الماضي.”

“شكرًا يا بيلدين. وأنتما أيضًا، تاردين وكانون… لكنني أحتاج منكم أن تنتظروا قليلًا.”

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وسط ذلك الصمت المميت، ثم فتح عينيه.

“أنا كارثة.”

“أنا صوفي.”

“لقد طلب منا الانتظار.”

قال الفتى الكلمات بأهدأ نبرة امتلكها، بلا اضطراب ولا تردد، فشهق زاكريل وكويك روب وبارني والآخرون صدمة.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وسط ذلك الصمت المميت، ثم فتح عينيه.

“أنا كارثة.”

“وحين علمت بما عانوه، وبالمأساة التي حلت بهم، لم تستطع أن تسامح نفسك لأنك لم تفعل شيئًا ولم تقل شيئًا.

نظر إلى تاليس، الذي ظل على حاله، ثم ظهرت على وجهه دهشة يصعب وصفها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط