جبان
«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»
مدينة نيڤيريا؛ الحقبة السابعة.
ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.
لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.
حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.
فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.
وحين يحل الليل، يختفي الضوء.
لكن السجن لم يكن يصمت.
جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.
خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.
كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.
ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»
ضحكات.
كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.
أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.
كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.
صوت عربات تجرها الخيول.
لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.
لم يرَ أيًا منهم من قبل.
وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.
ساد صمت قصير.
صياح الدجاج.
كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.
لا شيء.
في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.
مر بجانب امرأة تحمل سلة على رأسها.
أما الآن، فلم يعد يهتم.
لم يستطع رؤية وجهه.
«هذا ليس صحيحًا.»
كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.
«هذا ليس صحيحًا.»
كان يعرف أصحابها.
التجار.
والوحوش موجودة.
الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.
عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.
حركها فوق الخشب ببطء.
وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.
جرّ…
«كم عددهم؟»
التجار.
«مئتان تقريبًا.»
في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.
«مئتان؟»
والظلام يخفي أشياء لا تستطيع العين رؤيتها.
«من القبيلة نفسها.»
كانت رائحة الملح أقوى هنا.
تبع السؤال ضحكة قصيرة.
كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.
«وهل كلهم صالحون للبيع؟»
الخوف كان منطقيًا.
«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»
«معظمهم.»
لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
قالها بصوت منخفض.
«والأطفال؟»
ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.
ساد صمت قصير.
امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.
ثم جاء صوت رجل آخر:
«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»
رفع عينيه نحو الأفق.
كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.
ضحك أحدهم:
استدار بسرعة.
«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»
لم يرَ أيًا منهم من قبل.
«لا تقلق، لا تقلق.»
هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.
لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
ثم ابتعدت الأصوات.
أحيانًا يدخل رجل غريب.
كان نومريس يكره ذلك.
لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.
ثم خط آخر.
في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.
كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.
وفي أحيان أخرى يسمع طرقًا على الحديد، يتبعه صراخ حارس يأمر أحد الأسرى بالصمت.
لكنه كان يحب رسمها.
وفي الليالي التي يزداد فيها ازدحام السجن، كانت أصوات السلاسل تمتد في الممرات طوال الليل.
جرّ…
لم تعجبه الأجساد.
جرّ…
«هل عادت كل الأغنام؟»
جرّ…
حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.
وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.
وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.
وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.
دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.
صوت المفاتيح.
كان الحجر باردًا.
كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.
«أفزعتني.»
لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.
أشار صبي بيده:
في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
أحيانًا يدخل الحارس.
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
أحيانًا يدخل رجل غريب.
ابتسم نومريس.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.
في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.
في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.
مدينة لا يعرف أين تقع.
لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.
لم يكن هدوءًا مريحًا.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.
لم يكن يعرف لماذا.
جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.
حركها فوق الخشب ببطء.
كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.
«هل عادت كل الأغنام؟»
ضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل في ذلك الوضع وقتًا طويلًا دون أن يتحرك.
تلطخت أصابعه بالسواد.
كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.
قرمزيًا.
صوت عربات تجرها الخيول.
لم يكن أحمر كالغروب.
ولا برتقاليًا كالنار.
خط.
ثم سحب يده.
كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.
حدق نومريس فيه بصمت.
«سأرسمه يومًا ما.»
كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.
ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.
حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.
ثم همسًا.
أحيانًا يدخل الحارس.
ثم بكاء طفل.
جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.
لكنه لم يلتفت.
بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.
ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.
لم يكن القمر خلف القضبان.
لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.
كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.
لم يكن مقيدًا بالسلاسل.
«هل عادت كل الأغنام؟»
لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.
«مساء الخير يا نومريس.»
رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.
ثم سحب يده.
أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.
تجمد نومريس، لكنه ابتسم.
كان الحجر باردًا.
باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.
نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.
العشب.
توقف نومريس عن الرسم.
أغمض عينيه.
لم يكن القمر خلف القضبان.
توقف لحظة.
ولم يعد السجن موجودًا.
ساد صمت قصير.
كان العشب يصل إلى ركبتيه في بعض أجزاء التل.
كان نومريس يكره ذلك.
حاول أن يرسمه من جديد.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.
لكنه كان يحب الجلوس هناك.
ولا برتقاليًا كالنار.
كان التل يطل على القرية كاملة.
«هذا ليس صحيحًا.»
من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.
لم يكن يريد أن يكون جبانًا.
ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.
وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.
لم يكن يعرف من يكونون.
كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.
وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.
كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.
«كم عددهم؟»
حركها فوق الخشب ببطء.
جرّ…
خط.
باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.
ثم خط آخر.
قرمزيًا.
كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.
توقف.
وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.
نظر إلى الرسم.
في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.
عبس.
ثم حكه بإبهامه.
تلطخت أصابعه بالسواد.
في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
فجأة شعر بشيء.
الخوف كان منطقيًا.
انتفض نومريس.
أغمض عينيه.
جرّ…
استدار بسرعة.
في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.
ضحكات.
لم يكن هناك أحد.
كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.
روث الحيوانات.
حدق في العشب.
لكنه كان يحب الجلوس هناك.
ثم في الأشجار.
ثم خلفه.
لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.
لا شيء.
فجأة شعر بشيء.
ظل قلبه ينبض بعنف.
«مقزز…»
خفض نظره ببطء.
كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.
ظل ينظر إليها.
ثم جاء صوت رجل آخر:
ثم تنفس الصعداء.
صوت امرأة تنادي طفلًا.
«أيتها الغبية…»
مد يده وضربها بخفة على رأسها.
ابتعدت خطوتين.
لم يكن يعرف لماذا.
في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
ابتسم نومريس.
تلطخت أصابعه بالسواد.
«أفزعتني.»
ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.
لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.
كان يخجل من خوفه كثيرًا.
أعاد نظره إلى لوحه.
جرّ…
كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.
«مئتان تقريبًا.»
لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.
قطب نومريس أنفه.
الخوف كان منطقيًا.
«والأطفال؟»
الغابة مظلمة.
نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.
والوحوش موجودة.
والظلام يخفي أشياء لا تستطيع العين رؤيتها.
بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.
كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.
وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.
أعاد نظره إلى لوحه.
فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.
فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.
كان يرسم أشخاصًا يقفون متقاربين، بعضهم أطول من الآخر، وبعضهم أقصر، لكن ملامحهم لم تكن واضحة تمامًا.
«لا تقلق، لا تقلق.»
لم يكن يعرف من يكونون.
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
لم يرَ أيًا منهم من قبل.
أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.
فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.
ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.
أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.
فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.
حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.
«هذا ليس صحيحًا.»
لم يكن ذلك أول حلم من هذا النوع.
ضحكات.
منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.
لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.
في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.
ظل قلبه ينبض بعنف.
ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.
«نومريس الجبان، هل عدت؟»
ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.
لم يرَ أيًا منهم من قبل.
لكن السجن لم يكن يصمت.
كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
كان يخشى أن ينساها.
«نومريس الجبان، هل عدت؟»
تلطخت أصابعه بالسواد.
لذلك أصبح يرسم كل شيء، حتى امتلأت غرفته بلوحاته.
لم يكن هدوءًا مريحًا.
وجه رجل لم يلتقِ به قط.
خط.
امرأة تقف أمام بوابة حجرية ضخمة.
أعاد نظره إلى لوحه.
مدينة لا يعرف أين تقع.
ثم وضع اللوحة بجانبه.
غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.
وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.
وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.
لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.
«أنت تخاف من كل شيء.»
بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.
لكنه كان يحب رسمها.
ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.
وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.
لم تعجبه الأجساد.
وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.
بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.
كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.
لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.
ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»
بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.
أحدهم كان يقف في المقدمة.
لم يكن مقيدًا بالسلاسل.
لم يستطع رؤية وجهه.
وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.
فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.
توقف نومريس عن الرسم.
«من القبيلة نفسها.»
لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
حدق في العشب.
جرّ…
حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.
«لا أستطيع تذكره…»
حاول أن يرسمه من جديد.
كان التل يطل على القرية كاملة.
رسم خطًا للعين.
وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.
توقف.
لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.
بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.
ارتجفت يد نومريس قليلًا.
وضع الريشة جانبًا.
وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.
«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.
«نعم.»
ثم وضع اللوحة بجانبه.
ثم خط آخر.
نظر نومريس إلى الرسم مرة أخيرة.
لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.
أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.
أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.
برميل خشبي مملوء بالماء.
حدق في العشب.
«هيا، علينا العودة.»
أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.
روث الحيوانات.
في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
لم يكن مقيدًا بالسلاسل.
ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.
وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.
كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.
لكنه لم يلتفت.
كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.
ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.
سمع ضحكة من الجانب.
حين نهض نومريس من مكانه، كانت الشمس السوداء قد مالت نحو الأفق، ولم يبقَ على غروبها سوى وقت قصير.
حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.
الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.
لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.
امتدت أشعتها على التلال والبيوت، فبدت الأشياء مضاءة دون أن تكون مشرقة.
حاول أن يرسمه من جديد.
كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.
كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.
أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.
كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.
توقف لحظة.
باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.
رفع عينيه نحو الأفق.
ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.
كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.
لم يكن يحب النظر إليها طويلًا.
وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.
ارتجفت يد نومريس قليلًا.
كانت تجعله يشعر بشيء غريب.
روث متراكم بجانب حظيرة.
لكنه كان يحب رسمها.
وكأنها تنظر إليه.
ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.
أما الآن، فلم يعد يهتم.
كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.
في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.
«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»
صوت مطرقة تضرب الحديد.
كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.
صوت امرأة تنادي طفلًا.
«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»
ثغاء الأغنام.
ظل قلبه ينبض بعنف.
كان يحب البحر.
صياح الدجاج.
سمع ضحكة من الجانب.
ضحكات متفرقة.
حدق نومريس فيه بصمت.
ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»
«هذا ليس صحيحًا.»
«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»
ثم جاء صوت آخر:
«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»
ضحكات متفرقة.
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.
هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.
لا شيء.
كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.
صياح الدجاج.
لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.
«من القبيلة نفسها.»
أول ما شعر به كان رائحة البحر.
نسمة مالحة باردة مرت فوق وجهه، تحمل معها رائحة الطحالب والرطوبة، ثم اختلطت برائحة التراب الذي جف تحت الشمس.
سكت نومريس ولم يُلقِ نظرة واحدة نحو الكهف.
لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
وبعد خطوات قليلة، وصلت إليه رائحة أخرى أكثر نفاذًا.
ثم تابع سيره.
روث الحيوانات.
ثغاء الأغنام.
لذلك أصبح يرسم كل شيء، حتى امتلأت غرفته بلوحاته.
قطب نومريس أنفه.
ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.
«مقزز…»
برميل خشبي مملوء بالماء.
كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.
كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.
باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.
وعلى جانبي الطريق، كانت آثار حياة القرية واضحة في كل مكان.
«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.
كومة من القش قرب أحد البيوت.
برميل خشبي مملوء بالماء.
كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.
ثم خط آخر.
روث متراكم بجانب حظيرة.
ضحكت المرأة.
دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.
مدينة لا يعرف أين تقع.
كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.
تابع سيره.
وكان هناك دخان يتصاعد من بعض المداخن.
وجه رجل لم يلتقِ به قط.
امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.
وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.
كان يخشى أن ينساها.
مر بجانب امرأة تحمل سلة على رأسها.
«مساء الخير يا نومريس.»
توقف.
لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.
التفت إليها.
«مساء الخير.»
في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.
توقف نومريس عن الرسم.
«هل عادت كل الأغنام؟»
وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.
نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.
بدأ يعدها في رأسه.
«نعم.»
ضحكت المرأة.
ضحكت المرأة.
بدأ يعدها في رأسه.
«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»
لم يضحك.
«يمكن أن تضيع.»
لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.
«إنها أغنام يا نومريس، وليست أشباحًا.»
كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
تابعت طريقها.
كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.
ضحكات.
ظل ينظر إليها لحظة.
كان يخشى أن ينساها.
ثم تمتم:
التجار.
«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»
«لا أستطيع تذكره…»
سمع ضحكة من الجانب.
كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.
التفت بسرعة.
كان صبيان في مثل عمره تقريبًا يقفان قرب سور خشبي.
لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.
قال أحدهما:
روث الحيوانات.
«نومريس الجبان، هل عدت؟»
لكنه لم يلتفت.
تجمد نومريس، لكنه ابتسم.
«جبان؟ لماذا.»
«هل عادت كل الأغنام؟»
حدق في العشب.
قال الآخر:
«أنت تخاف من كل شيء.»
«هذا ليس صحيحًا.»
أعاد نظره إلى لوحه.
التفت إليها.
أشار صبي بيده:
«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»
سكت نومريس ولم يُلقِ نظرة واحدة نحو الكهف.
لم يضحك.
ابتسم الصبيان.
أحيانًا يدخل رجل غريب.
«عرفنا.»
وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.
عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.
«كم عددهم؟»
كان يكره عندما يفعلون ذلك.
لم يكن يريد أن يكون جبانًا.
ساد صمت قصير.
لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.
تابع سيره.
لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.
بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.
بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.
كان يخجل من خوفه كثيرًا.
لم يكن أحمر كالغروب.
كانت الأزقة ضيقة ومتعرجة، تفصل بينها ساحات صغيرة تنتشر فيها الحيوانات وأدوات العمل.
ساد صمت قصير.
وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.
أحدهم كان يقف في المقدمة.
أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.
«مئتان تقريبًا.»
كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.
كانت رائحة الملح أقوى هنا.
لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.
بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.
توقف نومريس للحظة.
كان يحب البحر.
ضحكت المرأة.
«مساء الخير يا نومريس.»
لم يكن يعرف لماذا.
«هيا، علينا العودة.»
وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.
ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.
أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.
لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.
وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.
غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.
هناك شيء آخر خلف الأفق.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
شيء لم يره.
«مقزز…»
على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.
شيء لم يرسمه بعد.
برميل خشبي مملوء بالماء.
نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.
ثم ابتسم.
ابتسم نومريس دون أن يشعر.
«سأرسمه يومًا ما.»
قالها بصوت منخفض.
ثم تابع سيره.
كان صبيان في مثل عمره تقريبًا يقفان قرب سور خشبي.
نهاية الفصل
هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.
وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.
