Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 1

جبان
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

جبان

 

أحيانًا يدخل الحارس.

 

 

مدينة نيڤيريا؛ الحقبة السابعة.

جرّ…

 

أشار صبي بيده:

 

 

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

 

 

خط.

حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.

 

وحين يحل الليل، يختفي الضوء.

لم يكن يعرف لماذا.

 

«مساء الخير يا نومريس.»

لكن السجن لم يكن يصمت.

 

 

 

خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.

عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.

 

 

كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.

 

ضحكات.

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

 

أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.

 

 

 

صوت عربات تجرها الخيول.

«مساء الخير يا نومريس.»

 

استدار بسرعة.

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

 

 

بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.

كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.

 

 

 

في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.

 

أما الآن، فلم يعد يهتم.

 

 

أحدهم كان يقف في المقدمة.

كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.

 

 

 

كان يعرف أصحابها.

 

التجار.

«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»

 

«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»

الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

 

لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.

 

كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.

«كم عددهم؟»

في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.

 

حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.

«مئتان تقريبًا.»

في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.

 

 

«مئتان؟»

«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»

 

 

«من القبيلة نفسها.»

كومة من القش قرب أحد البيوت.

 

ثغاء الأغنام.

تبع السؤال ضحكة قصيرة.

شيء لم يرسمه بعد.

 

ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.

«وهل كلهم صالحون للبيع؟»

 

 

«والأطفال؟»

«معظمهم.»

جرّ…

 

لم يكن القمر خلف القضبان.

«والأطفال؟»

صياح الدجاج.

 

«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»

ساد صمت قصير.

 

 

ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.

ثم جاء صوت رجل آخر:

أحيانًا يدخل الحارس.

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

ارتجفت يد نومريس قليلًا.

 

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

ضحك أحدهم:

لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.

«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»

لم يكن أحمر كالغروب.

 

 

«لا تقلق، لا تقلق.»

وجه رجل لم يلتقِ به قط.

 

كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.

ثم ابتعدت الأصوات.

ولا برتقاليًا كالنار.

 

ظل ينظر إليها.

لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.

فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.

 

والوحوش موجودة.

في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

 

وفي أحيان أخرى يسمع طرقًا على الحديد، يتبعه صراخ حارس يأمر أحد الأسرى بالصمت.

لم يكن القمر خلف القضبان.

 

 

وفي الليالي التي يزداد فيها ازدحام السجن، كانت أصوات السلاسل تمتد في الممرات طوال الليل.

ساد صمت قصير.

جرّ…

وضع الريشة جانبًا.

جرّ…

لم يكن ذلك أول حلم من هذا النوع.

جرّ…

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

بدأ يعدها في رأسه.

حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.

«مئتان؟»

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

مدينة لا يعرف أين تقع.

 

عبس.

صوت المفاتيح.

على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.

 

ثم جاء صوت آخر:

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

 

 

لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.

برميل خشبي مملوء بالماء.

 

أحدهم كان يقف في المقدمة.

أحيانًا يدخل الحارس.

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

 

جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.

أحيانًا يدخل رجل غريب.

كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.

 

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.

 

 

 

في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.

 

 

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

لم يكن هدوءًا مريحًا.

كان يعرف أصحابها.

 

 

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

 

 

كان نومريس يكره ذلك.

جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.

 

 

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

لم يستطع رؤية وجهه.

 

ثم خلفه.

ضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل في ذلك الوضع وقتًا طويلًا دون أن يتحرك.

 

 

 

كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.

 

قرمزيًا.

كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.

 

رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.

لم يكن أحمر كالغروب.

عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.

 

 

ولا برتقاليًا كالنار.

«من القبيلة نفسها.»

 

لكنه كان يحب الجلوس هناك.

كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.

ثم تمتم:

حدق نومريس فيه بصمت.

لم يكن يحب النظر إليها طويلًا.

 

 

كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.

 

 

 

ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.

والوحوش موجودة.

على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.

 

 

 

ثم همسًا.

«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.

 

لم يكن أحمر كالغروب.

ثم بكاء طفل.

 

 

لم يكن هدوءًا مريحًا.

لكنه لم يلتفت.

 

 

 

ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.

بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.

 

أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.

لم يكن القمر خلف القضبان.

لم يكن يعرف لماذا.

 

لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.

لم يكن مقيدًا بالسلاسل.

 

 

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.

 

 

ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.

رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.

ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.

 

 

ثم سحب يده.

وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.

 

كان الحجر باردًا.

كان الحجر باردًا.

 

 

لكنه كان يحب رسمها.

باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.

كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.

العشب.

«لا تقلق، لا تقلق.»

 

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

أغمض عينيه.

خط.

 

«كم عددهم؟»

ولم يعد السجن موجودًا.

 

 

 

كان العشب يصل إلى ركبتيه في بعض أجزاء التل.

قطب نومريس أنفه.

كان نومريس يكره ذلك.

لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.

 

وكأنها تنظر إليه.

لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.

لم يكن أحمر كالغروب.

 

 

لكنه كان يحب الجلوس هناك.

 

 

«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»

كان التل يطل على القرية كاملة.

ساد صمت قصير.

 

كان العشب يصل إلى ركبتيه في بعض أجزاء التل.

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

جرّ…

 

 

وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.

«مساء الخير يا نومريس.»

 

توقف.

وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.

 

 

توقف نومريس للحظة.

جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.

ضحكات متفرقة.

كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.

شيء لم يرسمه بعد.

 

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

حركها فوق الخشب ببطء.

 

خط.

امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.

ثم خط آخر.

 

 

ثم همسًا.

توقف.

 

نظر إلى الرسم.

 

عبس.

«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.

ثم حكه بإبهامه.

مدينة لا يعرف أين تقع.

تلطخت أصابعه بالسواد.

سمع ضحكة من الجانب.

 

جرّ…

فجأة شعر بشيء.

كان يرسم أشخاصًا يقفون متقاربين، بعضهم أطول من الآخر، وبعضهم أقصر، لكن ملامحهم لم تكن واضحة تمامًا.

 

ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.

انتفض نومريس.

«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»

 

ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.

استدار بسرعة.

 

 

لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.

لم يكن هناك أحد.

 

 

 

حدق في العشب.

قطب نومريس أنفه.

 

«هيا، علينا العودة.»

ثم في الأشجار.

لم يكن القمر خلف القضبان.

 

 

ثم خلفه.

كان يخجل من خوفه كثيرًا.

لا شيء.

ضحكات.

 

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

ظل قلبه ينبض بعنف.

 

خفض نظره ببطء.

قال الآخر:

 

 

كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.

ثم سحب يده.

ظل ينظر إليها.

 

 

 

ثم تنفس الصعداء.

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

«أيتها الغبية…»

 

 

حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.

مد يده وضربها بخفة على رأسها.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

ابتعدت خطوتين.

 

 

كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.

ابتسم نومريس.

 

«أفزعتني.»

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

 

ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.

 

كان يخجل من خوفه كثيرًا.

في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.

 

 

كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.

خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.

 

 

لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.

كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.

الخوف كان منطقيًا.

امرأة تقف أمام بوابة حجرية ضخمة.

 

 

الغابة مظلمة.

 

والوحوش موجودة.

نظر إلى الرسم.

 

 

والظلام يخفي أشياء لا تستطيع العين رؤيتها.

 

بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.

لم يضحك.

 

ظل ينظر إليها.

أعاد نظره إلى لوحه.

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

 

لم يرَ أيًا منهم من قبل.

كان يرسم أشخاصًا يقفون متقاربين، بعضهم أطول من الآخر، وبعضهم أقصر، لكن ملامحهم لم تكن واضحة تمامًا.

ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.

 

 

لم يكن يعرف من يكونون.

 

 

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

لم يرَ أيًا منهم من قبل.

أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.

 

 

ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.

 

 

كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.

فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

 

كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.

لم يكن ذلك أول حلم من هذا النوع.

 

 

كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.

منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.

 

 

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.

 

 

لكن السجن لم يكن يصمت.

ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

 

ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.

كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.

 

 

 

كان يخشى أن ينساها.

 

 

كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.

لذلك أصبح يرسم كل شيء، حتى امتلأت غرفته بلوحاته.

 

 

وجه رجل لم يلتقِ به قط.

 

 

 

امرأة تقف أمام بوابة حجرية ضخمة.

 

 

 

مدينة لا يعرف أين تقع.

كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.

 

 

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

 

 

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.

 

أحيانًا يدخل رجل غريب.

لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.

«وهل كلهم صالحون للبيع؟»

 

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.

 

 

لكن السجن لم يكن يصمت.

لكنه كان يحب رسمها.

 

 

 

ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

وضع الريشة جانبًا.

وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.

أحيانًا يدخل الحارس.

لم تعجبه الأجساد.

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.

نظر نومريس إلى الرسم مرة أخيرة.

لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.

 

 

 

أحدهم كان يقف في المقدمة.

ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.

لم يستطع رؤية وجهه.

 

 

كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.

فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.

 

توقف نومريس عن الرسم.

 

 

 

لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.

 

نسمة مالحة باردة مرت فوق وجهه، تحمل معها رائحة الطحالب والرطوبة، ثم اختلطت برائحة التراب الذي جف تحت الشمس.

حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.

 

«لا أستطيع تذكره…»

كان نومريس يكره ذلك.

 

 

حاول أن يرسمه من جديد.

«مساء الخير.»

رسم خطًا للعين.

 

 

«لا تقلق، لا تقلق.»

توقف.

نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.

 

لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.

ارتجفت يد نومريس قليلًا.

العشب.

وضع الريشة جانبًا.

 

 

 

«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.

ولم يعد السجن موجودًا.

 

 

ثم وضع اللوحة بجانبه.

 

 

 

نظر نومريس إلى الرسم مرة أخيرة.

 

 

«مقزز…»

لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.

 

أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.

 

 

كان الحجر باردًا.

«هيا، علينا العودة.»

 

 

 

في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.

 

 

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

 

 

 

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

 

هناك شيء آخر خلف الأفق.

كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.

«من القبيلة نفسها.»

 

 

حين نهض نومريس من مكانه، كانت الشمس السوداء قد مالت نحو الأفق، ولم يبقَ على غروبها سوى وقت قصير.

لم يكن هدوءًا مريحًا.

 

 

لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

 

لم يكن يعرف لماذا.

امتدت أشعتها على التلال والبيوت، فبدت الأشياء مضاءة دون أن تكون مشرقة.

فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.

كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.

 

 

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.

 

 

وفي الليالي التي يزداد فيها ازدحام السجن، كانت أصوات السلاسل تمتد في الممرات طوال الليل.

توقف لحظة.

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

 

عبس.

رفع عينيه نحو الأفق.

 

 

 

ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.

صوت المفاتيح.

لم يكن يحب النظر إليها طويلًا.

رسم خطًا للعين.

 

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

 

 

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

وكأنها تنظر إليه.

لا شيء.

 

 

كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.

 

 

التفت إليها.

في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.

 

 

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

صوت مطرقة تضرب الحديد.

 

 

 

صوت امرأة تنادي طفلًا.

 

 

ثم جاء صوت رجل آخر:

ثغاء الأغنام.

لم تعجبه الأجساد.

 

«والأطفال؟»

صياح الدجاج.

 

 

خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.

ضحكات متفرقة.

رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.

 

 

ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»

 

 

 

ثم جاء صوت آخر:

«نعم.»

«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»

صياح الدجاج.

 

أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.

ابتسم نومريس دون أن يشعر.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

 

لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.

هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.

في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.

منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.

 

جرّ…

لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.

استدار بسرعة.

 

 

أول ما شعر به كان رائحة البحر.

 

 

 

نسمة مالحة باردة مرت فوق وجهه، تحمل معها رائحة الطحالب والرطوبة، ثم اختلطت برائحة التراب الذي جف تحت الشمس.

 

 

كان التل يطل على القرية كاملة.

وبعد خطوات قليلة، وصلت إليه رائحة أخرى أكثر نفاذًا.

 

روث الحيوانات.

 

 

 

قطب نومريس أنفه.

 

«مقزز…»

 

 

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

 

وعلى جانبي الطريق، كانت آثار حياة القرية واضحة في كل مكان.

 

كومة من القش قرب أحد البيوت.

 

 

قطب نومريس أنفه.

برميل خشبي مملوء بالماء.

 

 

 

روث متراكم بجانب حظيرة.

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

 

لم يكن هدوءًا مريحًا.

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

 

ثم في الأشجار.

كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.

كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.

 

 

وكان هناك دخان يتصاعد من بعض المداخن.

توقف نومريس للحظة.

امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.

وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.

 

ثم تابع سيره.

مر بجانب امرأة تحمل سلة على رأسها.

لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.

«مساء الخير يا نومريس.»

حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.

 

«من القبيلة نفسها.»

التفت إليها.

صياح الدجاج.

«مساء الخير.»

«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»

 

 

«هل عادت كل الأغنام؟»

لم يكن يريد أن يكون جبانًا.

 

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.

 

بدأ يعدها في رأسه.

 

«نعم.»

«والأطفال؟»

 

 

ضحكت المرأة.

 

«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»

ولم يعد السجن موجودًا.

 

 

لم يضحك.

 

«يمكن أن تضيع.»

 

 

كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.

«إنها أغنام يا نومريس، وليست أشباحًا.»

كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.

 

 

تابعت طريقها.

 

 

ثم ابتعدت الأصوات.

ظل ينظر إليها لحظة.

التفت إليها.

ثم تمتم:

كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.

«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»

 

 

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

سمع ضحكة من الجانب.

 

التفت بسرعة.

بدأ يعدها في رأسه.

 

كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.

كان صبيان في مثل عمره تقريبًا يقفان قرب سور خشبي.

 

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

قال أحدهما:

«سأرسمه يومًا ما.»

«نومريس الجبان، هل عدت؟»

 

 

ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

 

«جبان؟ لماذا.»

ضحكت المرأة.

 

 

قال الآخر:

 

«أنت تخاف من كل شيء.»

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

 

 

«هذا ليس صحيحًا.»

لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.

 

وكأنها تنظر إليه.

أشار صبي بيده:

 

«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»

 

 

نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.

سكت نومريس ولم يُلقِ نظرة واحدة نحو الكهف.

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

 

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

ابتسم الصبيان.

لا شيء.

«عرفنا.»

ساد صمت قصير.

 

ابتسم نومريس دون أن يشعر.

عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.

مدينة لا يعرف أين تقع.

 

 

كان يكره عندما يفعلون ذلك.

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

لم يكن يريد أن يكون جبانًا.

 

 

 

لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.

جرّ…

تابع سيره.

لم يضحك.

 

التجار.

بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.

 

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

 

 

 

كانت الأزقة ضيقة ومتعرجة، تفصل بينها ساحات صغيرة تنتشر فيها الحيوانات وأدوات العمل.

التفت إليها.

 

صوت عربات تجرها الخيول.

وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.

على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.

أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.

 

 

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

 

 

توقف نومريس للحظة.

 

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

كان يحب البحر.

 

 

ثم خلفه.

لم يكن يعرف لماذا.

تلطخت أصابعه بالسواد.

 

 

ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.

أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.

أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.

 

 

كان التل يطل على القرية كاملة.

لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.

روث الحيوانات.

 

لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

أحيانًا يدخل رجل غريب.

 

«نعم.»

شيء لم يره.

 

 

 

شيء لم يرسمه بعد.

«أفزعتني.»

 

كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.

نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.

 

ثم ابتسم.

 

«سأرسمه يومًا ما.»

روث متراكم بجانب حظيرة.

 

وضع الريشة جانبًا.

قالها بصوت منخفض.

ثم بكاء طفل.

ثم تابع سيره.

حين نهض نومريس من مكانه، كانت الشمس السوداء قد مالت نحو الأفق، ولم يبقَ على غروبها سوى وقت قصير.

 

رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.

نهاية الفصل

قرمزيًا.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط