Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 1

جبان
PDF

جبان

 

 

 

ثم جاء صوت آخر:

مدينة نيڤيريا؛ الحقبة السابعة.

 

 

ثم ابتعدت الأصوات.

 

 

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

 

 

 

حين كان النهار يحل، كان ضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة مرتفعة في الجدار، فيسقط على الأرض الحجرية كخط باهت لا يصل إلى منتصف الزنزانة.

 

وحين يحل الليل، يختفي الضوء.

ثم سحب يده.

 

«لا أستطيع تذكره…»

لكن السجن لم يكن يصمت.

 

 

«مقزز…»

خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.

كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.

 

الخوف كان منطقيًا.

كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.

«والأطفال؟»

ضحكات.

جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.

 

أصوات أقدام تمر فوق الحجارة.

لم يكن يعرف من يكونون.

 

 

صوت عربات تجرها الخيول.

 

 

 

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

ثم تابع سيره.

 

 

كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.

حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.

 

خفض نظره ببطء.

في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.

ارتجفت يد نومريس قليلًا.

أما الآن، فلم يعد يهتم.

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

 

 

كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.

 

 

 

كان يعرف أصحابها.

 

التجار.

 

 

 

الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.

 

 

 

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

 

 

 

«كم عددهم؟»

صوت مطرقة تضرب الحديد.

 

 

«مئتان تقريبًا.»

 

 

 

«مئتان؟»

لكن السجن لم يكن يصمت.

 

 

«من القبيلة نفسها.»

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

أعاد نظره إلى لوحه.

تبع السؤال ضحكة قصيرة.

 

 

رسم خطًا للعين.

«وهل كلهم صالحون للبيع؟»

ثم همسًا.

 

 

«معظمهم.»

 

 

 

«والأطفال؟»

 

 

«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.

ساد صمت قصير.

 

 

قال أحدهما:

ثم جاء صوت رجل آخر:

 

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

ظل ينظر إليها لحظة.

 

 

ضحك أحدهم:

التفت بسرعة.

«سأشتري أحد عشر، لكن عليك أن تضع سعرًا مناسبًا.»

 

 

كان يحب البحر.

«لا تقلق، لا تقلق.»

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

 

 

ثم ابتعدت الأصوات.

لم يرَ أيًا منهم من قبل.

 

جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.

لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.

 

 

حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.

في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.

ظل ينظر إليها.

 

ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.

وفي أحيان أخرى يسمع طرقًا على الحديد، يتبعه صراخ حارس يأمر أحد الأسرى بالصمت.

 

 

قالها بصوت منخفض.

وفي الليالي التي يزداد فيها ازدحام السجن، كانت أصوات السلاسل تمتد في الممرات طوال الليل.

 

جرّ…

 

جرّ…

 

جرّ…

 

 

خط.

حتى أصبح نومريس قادرًا على تمييز السجين من صوت خطواته.

 

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.

 

 

صوت المفاتيح.

«معظمهم.»

 

 

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

 

 

لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.

كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.

 

 

أحيانًا يدخل الحارس.

حاول أن يرسمه من جديد.

 

 

أحيانًا يدخل رجل غريب.

وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.

 

ثم وضع اللوحة بجانبه.

وأحيانًا يأخذون أحدهم ولا يعود.

 

 

 

في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.

التفت بسرعة.

 

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

لم يكن هدوءًا مريحًا.

لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.

 

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

أحيانًا يدخل رجل غريب.

 

في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.

جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

 

 

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

 

 

«نعم.»

ضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل في ذلك الوضع وقتًا طويلًا دون أن يتحرك.

امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.

 

 

كان القمر ظاهرًا من خلال الفتحة الضيقة.

 

قرمزيًا.

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

 

لم يكن القمر خلف القضبان.

لم يكن أحمر كالغروب.

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

 

لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.

ولا برتقاليًا كالنار.

«عرفنا.»

 

 

كان أحمر داكنًا، عميقًا، يشبه لون الدم حين يجف فوق قطعة قماش فضية.

 

حدق نومريس فيه بصمت.

انتفض نومريس.

 

أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.

كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.

رسم خطًا للعين.

 

في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.

ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.

ظل قلبه ينبض بعنف.

على يمينه، سمع ضحكة مكتومة.

العشب.

 

«نعم.»

ثم همسًا.

ثم في الأشجار.

 

«وهل كلهم صالحون للبيع؟»

ثم بكاء طفل.

ضحكات.

 

ضحكت المرأة.

لكنه لم يلتفت.

 

 

 

ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.

 

 

لم يرَ أيًا منهم من قبل.

لم يكن القمر خلف القضبان.

صياح الدجاج.

 

كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.

لم يكن مقيدًا بالسلاسل.

 

 

ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.

لم يكن ينتظر أحدًا ليقرر سعره.

 

 

 

رفع نومريس يده ببطء، ووضع أطراف أصابعه على الحجر بجانبه، كأنه يستطيع من خلاله الوصول إلى السماء.

كان يكره عندما يفعلون ذلك.

 

«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»

ثم سحب يده.

 

 

 

كان الحجر باردًا.

أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.

 

جلس صبي في الزاوية الأبعد من الزنزانة، وأسند ظهره إلى الجدار البارد، ثم رفع رأسه نحو النافذة.

باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.

ومع ذلك ظل يراقبه كما لو أن بقية العالم لم يعد موجودًا.

العشب.

 

 

ثم تابع سيره.

أغمض عينيه.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

 

 

ولم يعد السجن موجودًا.

 

 

 

كان العشب يصل إلى ركبتيه في بعض أجزاء التل.

 

كان نومريس يكره ذلك.

ثم خط آخر.

 

 

لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.

ثم خط آخر.

 

وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.

لكنه كان يحب الجلوس هناك.

الرجال الذين يأتون إلى هذا المكان ويتحدثون عن البشر كما لو كانوا يتحدثون عن الأغنام.

 

بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.

كان التل يطل على القرية كاملة.

كان يستطيع رؤية جزء صغير فقط من السماء؛ شريطًا ضيقًا محصورًا بين حجارة النافذة وقضبانها الحديدية.

 

 

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.

 

 

وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.

وجه رجل لم يلتقِ به قط.

 

 

وفي الأيام الصافية، كان البحر يظهر خلفها كشريط أزرق رفيع.

 

 

لأنه لم يكن يعرف أبدًا ما الذي سيحدث بعد أن يتوقف ذلك الرنين أمام زنزانته.

جلس نومريس فوق صخرة كبيرة، ووضع لوحًا خشبيًا على فخذيه.

 

كان في يده ريشة مغموسة بالحبر.

 

 

 

حركها فوق الخشب ببطء.

ثم ابتسم.

خط.

منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.

ثم خط آخر.

 

 

 

توقف.

وفي أحيان أخرى يسمع طرقًا على الحديد، يتبعه صراخ حارس يأمر أحد الأسرى بالصمت.

نظر إلى الرسم.

لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.

عبس.

 

ثم حكه بإبهامه.

روث الحيوانات.

تلطخت أصابعه بالسواد.

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

 

فجأة شعر بشيء.

أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.

 

كان يحب البحر.

انتفض نومريس.

كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.

 

ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.

استدار بسرعة.

ضحك أحدهم:

 

 

لم يكن هناك أحد.

 

 

 

حدق في العشب.

بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.

 

وضع الريشة جانبًا.

ثم في الأشجار.

 

 

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

ثم خلفه.

 

لا شيء.

 

 

 

ظل قلبه ينبض بعنف.

فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.

خفض نظره ببطء.

 

 

 

كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.

توقف لحظة.

ظل ينظر إليها.

«يمكن أن تضيع.»

 

 

ثم تنفس الصعداء.

ضحك أحدهم:

«أيتها الغبية…»

 

 

 

مد يده وضربها بخفة على رأسها.

 

ابتعدت خطوتين.

 

 

هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.

ابتسم نومريس.

 

«أفزعتني.»

 

 

 

ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.

«كم عددهم؟»

كان يخجل من خوفه كثيرًا.

هناك شيء آخر خلف الأفق.

 

 

كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.

 

 

استدار بسرعة.

لكن نومريس لم يفهم لماذا كانوا يظنون أن الخوف عيب.

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

الخوف كان منطقيًا.

 

 

 

الغابة مظلمة.

لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.

والوحوش موجودة.

 

 

 

والظلام يخفي أشياء لا تستطيع العين رؤيتها.

روث الحيوانات.

بالنسبة إليه، كان الشخص الغبي هو الذي لا يخاف.

نهاية الفصل

 

ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.

أعاد نظره إلى لوحه.

مدينة نيڤيريا؛ الحقبة السابعة.

 

باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.

كان يرسم أشخاصًا يقفون متقاربين، بعضهم أطول من الآخر، وبعضهم أقصر، لكن ملامحهم لم تكن واضحة تمامًا.

كان يخشى أن ينساها.

 

«أيتها الغبية…»

لم يكن يعرف من يكونون.

 

 

 

لم يرَ أيًا منهم من قبل.

 

 

مدينة لا يعرف أين تقع.

ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.

 

 

 

فقد رآهم في حلمه الليلة الماضية.

كان يخجل من خوفه كثيرًا.

 

من مكانه كان يستطيع رؤية البيوت الحجرية الصغيرة، والأسوار الخشبية، وأعمدة الدخان المتصاعدة من المواقد.

لم يكن ذلك أول حلم من هذا النوع.

 

 

ثم بكاء طفل.

منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.

ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.

 

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

في البداية كان يخبر أمه عنها، فتقول له إن الأحلام ليست سوى أحلام، وإن عقل الإنسان يستطيع أن يصنع أشياء لا وجود لها أثناء النوم.

 

 

أحدهم كان يقف في المقدمة.

ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.

 

 

في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.

ليس لأنه صدق أنها حقيقية، بل لأنه اعتاد عليها.

 

 

ثم تمتم:

كان يستيقظ في الصباح، يتذكر ما رآه، ثم يبحث عن قطعة خشب أو ورقة قديمة، ويمسك ريشته ويبدأ بالرسم قبل أن تتلاشى التفاصيل من ذاكرته.

باردًا إلى درجة جعلته يتذكر شيئًا.

 

«الأطفال يذهبون بسعر مختلف.»

كان يخشى أن ينساها.

 

 

في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

لذلك أصبح يرسم كل شيء، حتى امتلأت غرفته بلوحاته.

 

 

 

وجه رجل لم يلتقِ به قط.

صياح الدجاج.

 

 

امرأة تقف أمام بوابة حجرية ضخمة.

في تلك الليلة، كان السجن أكثر هدوءًا من المعتاد.

 

 

مدينة لا يعرف أين تقع.

 

 

ابتسم نومريس دون أن يشعر.

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

تابع سيره.

 

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

 

 

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

 

تابع سيره.

بالنسبة إليه، كانت مجرد أحلام.

ثم جاء صوت آخر:

 

 

لكنه كان يحب رسمها.

 

 

لكنه كان يحب الجلوس هناك.

ربما لأن العالم الذي يراه فيها كان أكبر بكثير من قريته الصغيرة.

وفي بعض الليالي، كان يستطيع سماعهم بوضوح من خلف الجدار.

 

ثم ابتسم.

وضع نومريس آخر لمسة على الرسم، ثم أبعد اللوح قليلًا ونظر إليه.

 

لم تعجبه الأجساد.

 

 

 

كانت مشوهة بعض الشيء، والوجوه مجرد خطوط غير مكتملة.

 

لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.

أعاد نظره إلى لوحه.

 

لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.

أحدهم كان يقف في المقدمة.

قالها بصوت منخفض.

لم يستطع رؤية وجهه.

ثم خلفه.

 

 

فقط عينان حمراوان تحدقان فيه.

 

توقف نومريس عن الرسم.

 

 

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

 

 

خفض نظره ببطء.

حدق في الشخص الموجود وسط الرسم، ثم مد يده ببطء ومسح وجهه.

 

«لا أستطيع تذكره…»

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

 

أعاد نظره إلى لوحه.

حاول أن يرسمه من جديد.

قطب نومريس أنفه.

رسم خطًا للعين.

في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.

 

 

توقف.

كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.

 

 

ارتجفت يد نومريس قليلًا.

وأحيانًا صوت أجراس معدنية تتدلى من أعناق الدواب.

وضع الريشة جانبًا.

«مئتان؟»

 

لم يكن أحمر كالغروب.

«مجرد حلم»، قالها بصوت منخفض، وكأنه يحاول إقناع نفسه.

امتدت أشعتها على التلال والبيوت، فبدت الأشياء مضاءة دون أن تكون مشرقة.

 

 

ثم وضع اللوحة بجانبه.

«مساء الخير.»

 

 

نظر نومريس إلى الرسم مرة أخيرة.

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

 

لم يكن راضيًا عنه تمامًا، لكنه لم يجد في نفسه رغبة في تعديله أكثر.

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.

 

 

كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.

«هيا، علينا العودة.»

كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.

 

 

في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

والوحوش موجودة.

 

كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

 

 

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

وضع نومريس اللوح تحت ذراعه، ثم لحق بالقطيع.

 

 

ثم بكاء طفل.

كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.

 

 

شيء لم يرسمه بعد.

حين نهض نومريس من مكانه، كانت الشمس السوداء قد مالت نحو الأفق، ولم يبقَ على غروبها سوى وقت قصير.

كان الحجر باردًا.

 

 

لم تكن تبعث ذلك الضوء الذهبي الذي تتحدث عنه الحكايات القديمة؛ كان نورها شاحبًا، باهتًا، كأن العالم كله قد غُسل من ألوانه قبل أن تُعلَّق الشمس فوقه.

 

 

بدأ يعدها في رأسه.

امتدت أشعتها على التلال والبيوت، فبدت الأشياء مضاءة دون أن تكون مشرقة.

وحين يحل الليل، يختفي الضوء.

كانت بشرة نومريس الرمادية تميل إلى الشحوب تحت ذلك الضوء، وشعره الأبيض يعكس خيوطًا فضية خافتة كلما تحرك رأسه.

 

 

 

أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.

 

 

غابة بأشجار ملتوية لم يرَ مثلها في حياته.

توقف لحظة.

عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.

 

كان الحجر باردًا.

رفع عينيه نحو الأفق.

«مساء الخير.»

 

«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»

ظل يحدق في الشمس السوداء لثوانٍ وهي تنزل ببطء، ثم أسرع خلف القطيع.

لم يكن هناك أحد.

لم يكن يحب النظر إليها طويلًا.

كان التل يطل على القرية كاملة.

 

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

لم تعجبه الأجساد.

 

 

وكأنها تنظر إليه.

منذ أن كان صغيرًا، كانت تراوده أحلام غريبة؛ أماكن لم يزرها، أشخاص لا يعرفهم، وأحيانًا أشياء لم يكن يستطيع حتى وصفها بالكلمات.

 

 

كلما اقترب من القرية، بدأ يسمع الأصوات.

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

 

 

في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.

 

 

«أفزعتني.»

صوت مطرقة تضرب الحديد.

أول ما شعر به كان رائحة البحر.

 

 

صوت امرأة تنادي طفلًا.

 

 

 

ثغاء الأغنام.

 

 

والوحوش موجودة.

صياح الدجاج.

خفض نظره ببطء.

 

لم تعجبه الأجساد.

ضحكات متفرقة.

 

 

 

ورجل يصرخ من مكان ما: «أبعد تلك العربة عن الطريق!»

 

 

أمسك اللوح من طرفه، ونهض عن الصخرة.

ثم جاء صوت آخر:

لم يكن نومريس يفهم كل ما يقولونه.

«قلت لك إنني سأفعلها! لا تصرخ في وجهي!»

«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»

 

 

ابتسم نومريس دون أن يشعر.

كانت إحدى الأغنام تقف بجواره، تحدق فيه بعينين واسعتين.

 

كان نومريس قد اعتاد تلك الأصوات.

هذه الأصوات كانت مألوفة إلى درجة أنه لم يعد ينتبه إليها.

ضحكات متفرقة.

كانت القرية تنهي يومها بالطريقة نفسها تقريبًا.

كان الطريق ينحدر تدريجيًا من التل، يمر بين الأعشاب الطويلة قبل أن يتحول إلى ممر ترابي عريض اعتادت أقدام أهل القرية وحوافر الحيوانات أن تسلكه كل يوم.

 

ثم في الأشجار.

لكن الروائح كانت تصل قبل البيوت.

لم يستطع رؤية وجهه.

 

ضحك أحدهم:

أول ما شعر به كان رائحة البحر.

 

 

 

نسمة مالحة باردة مرت فوق وجهه، تحمل معها رائحة الطحالب والرطوبة، ثم اختلطت برائحة التراب الذي جف تحت الشمس.

كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.

 

 

وبعد خطوات قليلة، وصلت إليه رائحة أخرى أكثر نفاذًا.

 

روث الحيوانات.

لم يكن يريد أن يكون جبانًا.

 

ثم تابع سيره.

قطب نومريس أنفه.

في الأسفل، كانت الأغنام قد بدأت تتحرك ببطء نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

«مقزز…»

وكان هناك صوت آخر يكرهه أكثر من الجميع.

 

 

كانت الأغنام تسير أمامه وكأن الرائحة لا تعني لها شيئًا.

«أفزعتني.»

وعلى جانبي الطريق، كانت آثار حياة القرية واضحة في كل مكان.

لكنه كان يحب رسمها.

كومة من القش قرب أحد البيوت.

 

 

لم يكن في السجن ما يدل على مرور الوقت سوى الضوء.

برميل خشبي مملوء بالماء.

ضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل في ذلك الوضع وقتًا طويلًا دون أن يتحرك.

 

لم يكن القمر خلف القضبان.

روث متراكم بجانب حظيرة.

«مساء الخير.»

 

وأحيانًا… أشياء لا يفهم حتى كيف يمكن أن تكون موجودة.

دجاجات تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب.

 

 

 

كلب نحيل مستلقٍ تحت عربة، يفتح عينًا واحدة كلما مر شخص بجانبه ثم يعيد إغلاقها.

 

 

 

وكان هناك دخان يتصاعد من بعض المداخن.

ثم ابتسم.

امتزجت رائحة الحطب المحترق برائحة الخبز الطازج، فبدا لنومريس أن معدته تذكرت فجأة أنه لم يأكل منذ الصباح.

 

 

ومع مرور الوقت، توقف عن إخبارها.

مر بجانب امرأة تحمل سلة على رأسها.

 

«مساء الخير يا نومريس.»

 

 

كلما سمع رنينها يقترب، كان قلبه يضرب صدره بعنف.

التفت إليها.

لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.

«مساء الخير.»

ولا برتقاليًا كالنار.

 

لكنه تذكر شيئًا من حلم الليلة الماضية.

«هل عادت كل الأغنام؟»

لكنه كان يحب رسمها.

 

 

نظر نومريس إلى القطيع بسرعة.

ثم جاء صوت آخر:

بدأ يعدها في رأسه.

 

«نعم.»

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

 

 

ضحكت المرأة.

 

«تعدها كل يوم وكأنك تتوقع أن تختفي واحدة منها.»

وكأنها تنظر إليه.

 

لم تعجبه الأجساد.

لم يضحك.

«من القبيلة نفسها.»

«يمكن أن تضيع.»

 

 

 

«إنها أغنام يا نومريس، وليست أشباحًا.»

 

 

ثم نظر حوله ليتأكد أن أحدًا لم يره.

تابعت طريقها.

«مئتان؟»

 

 

ظل ينظر إليها لحظة.

في البداية كان يحاول معرفة مصدر كل صوت.

ثم تمتم:

بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.

«الأشباح أيضًا يمكنها أن تضيع.»

 

 

 

سمع ضحكة من الجانب.

 

التفت بسرعة.

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

 

مد يده وضربها بخفة على رأسها.

كان صبيان في مثل عمره تقريبًا يقفان قرب سور خشبي.

لم يكن يعتقد أن لهذه الأحلام معنى.

 

أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.

قال أحدهما:

صوت عربات تجرها الخيول.

«نومريس الجبان، هل عدت؟»

 

 

 

تجمد نومريس، لكنه ابتسم.

ومع ذلك، كان قد حفظ هيئاتهم جيدًا.

«جبان؟ لماذا.»

ابتسم نومريس.

 

 

قال الآخر:

كان أطفال القرية يسخرون منه عندما يفزع من أصوات الغابة، أو عندما يرفض دخول الكهف الصغير القريب من القرية، أو عندما يطلب من أمه أن ترافقه إذا اضطر إلى العودة بالقطيع بعد غروب الشمس.

«أنت تخاف من كل شيء.»

 

 

ثم سحب يده.

«هذا ليس صحيحًا.»

في بعض الأحيان كان يسمع صوت امرأة تبكي خلف أحد الأبواب.

 

هناك شيء آخر خلف الأفق.

أشار صبي بيده:

التفت بسرعة.

«إذن ادخل الكهف هناك وحدك.»

ثم ابتسم.

 

خلف الجدران السميكة، كانت الحياة تستمر كما لو أن هذا المكان لا علاقة له بالبؤس المحبوس داخله.

سكت نومريس ولم يُلقِ نظرة واحدة نحو الكهف.

 

 

أغمض عينيه.

ابتسم الصبيان.

كان يعرف أن الضحكات التي يسمعها لا تأتي من الأسرى.

«عرفنا.»

أول ما شعر به كان رائحة البحر.

 

حركها فوق الخشب ببطء.

عبس، ثم أسرع خلف أغنامه.

 

 

كان يشبه اللحظة التي تسبق شيئًا سيئًا.

كان يكره عندما يفعلون ذلك.

 

لم يكن يريد أن يكون جبانًا.

 

 

وكان يستطيع رؤية الجبال البعيدة.

لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.

 

تابع سيره.

توقف نومريس عن الرسم.

 

كانت تجعله يشعر بشيء غريب.

بدأت البيوت تظهر أمامه بوضوح أكبر.

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

بيوت صغيرة مبنية من الحجر والخشب، بعضها متهالك وقد غُطي جزء من جدرانه بالطين، وبعضها أكبر وأكثر ترتيبًا.

لم يكن يعرف من يكونون.

 

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

كانت الأزقة ضيقة ومتعرجة، تفصل بينها ساحات صغيرة تنتشر فيها الحيوانات وأدوات العمل.

كان يخجل من خوفه كثيرًا.

 

كانت تصل من الخارج أصوات متقطعة.

وفي نهاية القرية، كان البحر يظهر بين البيوت.

 

أزرق داكنًا مائلًا إلى السواد تحت ضوء الشمس السوداء، يمتد حتى الأفق بلا نهاية.

ربما لأن القمر كان الشيء الوحيد في ذلك المكان الذي لم يستطيعوا حبسه.

 

 

كانت رائحة الملح أقوى هنا.

 

 

لم يكن هدوءًا مريحًا.

توقف نومريس للحظة.

كان صغير السن إلى درجة أن قدميه لم تلامسا الأرض تمامًا.

 

 

كان يحب البحر.

 

 

كان يكره عندما يفعلون ذلك.

لم يكن يعرف لماذا.

ثم خلفه.

 

 

ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع النظر إليه دون أن يرى نهايته.

 

أما هو، فقد كان يشعر دائمًا أن عالمه ينتهي عند الجبال.

«والأطفال؟»

 

لم يكن يحب أن يضطر إلى شق طريقه بين الأعشاب كلما أراد اللحاق بإحدى الأغنام، خصوصًا عندما تبتعد عن القطيع.

لكن البحر كان يقول له شيئًا آخر.

«حسنًا، حسنًا… لا تسبقنني.»

 

 

هناك شيء آخر خلف الأفق.

 

 

 

شيء لم يره.

قال الآخر:

 

 

شيء لم يرسمه بعد.

 

 

في البداية كانت مجرد ضوضاء بعيدة، ثم أخذت تتضح شيئًا فشيئًا.

نظر إلى اللوح الخشبي تحت ذراعه.

لكنه لم يعرف كيف يتوقف عن الخوف.

ثم ابتسم.

توقف.

«سأرسمه يومًا ما.»

التجار.

 

 

قالها بصوت منخفض.

كان يعرف أصحابها.

ثم تابع سيره.

انتفض نومريس.

 

 

نهاية الفصل

أما الظلال، فبدت أطول مما ينبغي.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط