بداية الاختبار
وفي الأعلى، كان الرعد يشق أحشاء السماء، بينما ترتعد الأرض تحت سياط ومضات البرق التي تزلزل السهل الكبير.
«الطريق إلى العالم الروحي ملكٌ لنا، ولا يحق لنا مشاركته معهم بأي حال! لقد ظل طوال سنوات طويلة تحت سيادتنا، فكيف نمنحه لأولئك الأوباش بتلك البساطة؟ طالما أنهم يدفعون الثمن، فبإمكانهم استئجاره لأبنائهم لا أكثر!»
كان المتحدث رجلاً ضخم البنية، يلتف بأقمشة داكنة بلون كبد الثور، وتستقر فوق رأسه جمجمة ثور كاملة تُظلل عينيه.
ولم يتبقَّ سوى نومريس واثنين آخرين من قومه، لم يعد لديهم من يدافعون عنه بعد وفاة الصبي «دولي».
سارع لوهان إلى تأييده قائلاً: «معك كل الحق. الجبل والطريق الذي ينبض في أحشائه يقعان ضمن حدودنا، وما تفعله القبائل الثلاث الأخرى ليس إلا استفزازاً صريحاً لنا.»
تحدث صبي من القبيلة موجهاً سؤاله بثقل: «سيد برانس… ما الذي علينا فعله الآن؟»
كان «سكوادر»، زعيم القبيلة، يراقب حلقة الشيوخ بنظرات هادئة وهو يعبث بالرسالة الجلدية بين يديه، قبل أن يتحدث بابتسامة غامضة: «وما الذي ترون أن نفعله الآن؟ هل لدى أحدكم مقترح؟»
في هذه الأثناء، تقدم رجل في الخمسينيات من عمره، بدأ الشيب يكسو شعره.
«أنت! ألا تسمعني؟»
كان سكوادر في أربعينيات عمره، بعين يسرى بيضاء تماثلت للعمى إثر أثر حرق قديم يمتد على وجهه، ولحية بنية كثيفة تتصل بصدره العاري إلا من رقاع جلدية تُغطي بعض مواضع جسمه.
كانت المعركة تشتعل عند ذروتها؛ صليل السيوف يثقب الآذان، والنيران تلتهم الأفق الممتد، بينما تصاعد الدخان الكثيف ليخنق الأنفاس.
يرتدي حذاءً فرائياً طويلاً يصل إلى ركبتيه وتلتف حوله الحبال بإحكام.
أما نومريس، فقد بقي بمفرده تائهاً، ويداه ترتجفان بخفة بينما استمر عقله يصارع الربط بين مشاهد حلمه وبين هذا المكان المتجسد.
وعندما ابتسم، ظهرت أسنانه المتآكلة وغير المنتظمة. ورغم أنه حسم أمره بالفعل، فإنه آثر استنطاق شيوخ قبيلته أولاً.
تكلم «بن جامات» بنبرة قاطعة: «إن ارتضوا التمسك بالاتفاق القديم الذي أبرمناه منذ سنوات، فلن يضرنا شيء.
وضع نومريس يديه فوق رأسه بعنف، يضغط على صدغيه كمن يحاول دحر صداع مزمن؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليه.. إنه الصرير ذاته الذي يرافق أصابعه كل ليلة حين يخط بريشته، مفرغاً كوابيسه على الألواح وجلود الحيوانات الجافة.
تسمر باقي الصبية في أماكنهم، يلتفتون بتوجس بحثاً عن مصدر هذا الاحتكاك الغريب الذي ينبعث من كل الاتجاهات.
أما إن اختاروا الحرب، فنحن أطفالها الذين وُلدوا في قلبها؛ تدرّعنا بها قبل أن تُقطع حبال سرتنا، وكانت السيوف والرماح ألعاب طفولتنا.
«الطريق إلى العالم الروحي ملكٌ لنا، ولا يحق لنا مشاركته معهم بأي حال! لقد ظل طوال سنوات طويلة تحت سيادتنا، فكيف نمنحه لأولئك الأوباش بتلك البساطة؟ طالما أنهم يدفعون الثمن، فبإمكانهم استئجاره لأبنائهم لا أكثر!»
نتمنى الحياة الرغيدة نعم، لكن الموت لا يرهبنا إن طرق بابنا… قبيلة ماكنزي لم ولن تخضع لأحد.»
عقّب «جوي» بنبرة رزينة: «أنتم مدركون تماماً لأهمية الطريق المؤدي إلى العالم الروحي؛ إنه ليس مسلكاً يُعثر عليه كل يوم، ورغم أخطاره العظيمة، إلا أنه يظل أثراً لا يُقدَّر بثمن.»
ساد المكان حذر ثقيل، وتبادل الشيوخ نظرات قلقة؛ فكرة أن تسحب روحٌ واحدة مصير البقية إلى الهاوية لم تكن خاطرة مريحة لأي منهم.
أومأ سكوادر برأسه موافقًا، وجال ببصره في أرجاء الخيمة التي تضم اجتماعهم: «العالم الروحي… كيف يمضي الوقت بهذه السرعة؟ استيقاظ الجنين واختباره، الجنيات وإغوائهن. أولئك الحسناوات مع ألحانهن الساحرة… حين وطئت أقدامي ذلك العالم لأول مرة، تملكني الخوف بضراوة لأنني كنت غضاً صغيراً.»
خيّم الصمت فوراً على الخيمة.
ثلاثة عشر شيخاً التزموا السكون التام، يتأملون وجه زعيمهم ويصغون بكامل تركيزهم لما يدليه سكوادر، وكأن ذكرياته نكأت في قلوبهم مهابة ذلك المكان القديم.
«ما هذا الصوت؟» تمتم برانس بنبرة حذرة وهو يحدق حوله وتجول عيناه بين الظلال الممتدة على الحوائط.
تابع سكوادر بصوت خفيض يحمل صدى الأيام الغابرة: «لم أكن أعلم ما يتوجب عليّ فعله حينها؛ عالم جديد بأسره، وأجواء لم يعتدها عقلي.
لكن الباب الحجري كان موصوداً بإحكام، واندفع بعض الصبية يضربون بأيديهم النحيلة على الصخر الصامد صرخاتٍ متوسلة دون جدوى.
حتى الصبية الذين دخلوا معي كانوا من أبناء قبائل غريبة.
يقال إن دخول المجموعة في وقت واحد ينطوي على نفع كبير وشؤم جارف في آن واحد؛ فالروح هي التي تختبر نفسها هناك.
كانوا يندفعون كوحوشٍ هائجة، أو كنارٍ ملتهبة التهمت حشائش يابسة؛ أينما حلوا، طحنوا مسوخ الميدان بلا رحمة. ولم يكونوا بمفردهم، بل تلاحمت معهم صفوفٌ من البشر الثائرين.
أردف نايلي وهو يحدق في عينيه: «قلت لك… ماذا سنفعل الآن؟»
النفع يكمن في أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، حظي الجميع بقدرات أعظم، إذ إن صاحب الروح الأقوى يجذب بقية الأرواح معه… أما الشؤم، فهو أنه إذا كان الاختبار مهلكة، فإنه يهلك الجميع دون استثناء.»
ساد المكان حذر ثقيل، وتبادل الشيوخ نظرات قلقة؛ فكرة أن تسحب روحٌ واحدة مصير البقية إلى الهاوية لم تكن خاطرة مريحة لأي منهم.
في هذه الأثناء، تقدم رجل في الخمسينيات من عمره، بدأ الشيب يكسو شعره.
هنا، تقدم لوهان خطوات قليلة، وتذبذب شاربه الأشقر الطويل وهو يحاول تبديد ذلك الثقل: «إن العبيد معهم، كما تطوع بعض رجالنا الأشداء لمرافقتهم في هذه الرحلة… مع وجود ذوي الخبرة بجانبهم، سيكون الصبية بخير ولن يبتلعهم ذلك العالم بسهولة.»
أومأ سكوادر برأسه موافقًا، وجال ببصره في أرجاء الخيمة التي تضم اجتماعهم: «العالم الروحي… كيف يمضي الوقت بهذه السرعة؟ استيقاظ الجنين واختباره، الجنيات وإغوائهن. أولئك الحسناوات مع ألحانهن الساحرة… حين وطئت أقدامي ذلك العالم لأول مرة، تملكني الخوف بضراوة لأنني كنت غضاً صغيراً.»
****
يرتدي حذاءً فرائياً طويلاً يصل إلى ركبتيه وتلتف حوله الحبال بإحكام.
اتجه نحو أحد الصبية ليقطعه، لكن سهماً مباغتاً غُرس في صدغه من بعيد، فخرّ صريعاً قبل أن يصرخ فارسٌ فوق حصانه: «ما الذي تفعلونه؟! أتريدون الموت هنا؟!»
انغلق الباب الحجري الضخم بصوت مدوٍّ اهتزت له أرضية القاعة، ليتلاشى آخر خيط ضوء قادم من الخارج ويحل محله صمت رهيب.
بدأ الجميع يتحسسون ما حولهم بأعينهم بعناية، خاصة بعدما سقطت السلاسل التي تطوقهم فجأة على الأرض الحجرية.
تردد الهمس للمرة الأخيرة في وجدانهم، ليوقظ فيهم نداء المقاومة: لا بديل عن القتال إن أرادوا الخروج من هذه التهلكة أحياء.
ارتخت ملامح الصبية والرجال وامتزجت بذهول مكشوف.
تسمر باقي الصبية في أماكنهم، يلتفتون بتوجس بحثاً عن مصدر هذا الاحتكاك الغريب الذي ينبعث من كل الاتجاهات.
«ما الذي علينا فعله الآن؟»
تراجع الجميع بحركة غريزية، دفعهم شعور قاتل بالخطر المفاجئ إلى التراجع.
تحدث «فالكو»، وهو صبي صغير من القبيلة بشعر أسود حالك، ثم بدأ يتمشى بخطوات حذرة داخل الغرفة؛ كان أول من تحرك فور أن اهتزت التميمة المدلاة حول عنقه، والتي تشكلت من أسنان ضارية لعدة حيوانات مفترسة.
كان «سكوادر»، زعيم القبيلة، يراقب حلقة الشيوخ بنظرات هادئة وهو يعبث بالرسالة الجلدية بين يديه، قبل أن يتحدث بابتسامة غامضة: «وما الذي ترون أن نفعله الآن؟ هل لدى أحدكم مقترح؟»
كان نومريس يراقب كل شيء بحذر مضطرب، حين اقترب منه «نايلي» وهمس في أذنه بتوتر: «نومريس… ما هذا المكان؟»
طالع نومريس صديقه بذهول ونبرة خفيضة مشدوهة: «كيف لي أن أعرف؟»
عقّب نايلي بضغط متزايد: «ماذا سنفعل الآن؟ علينا الخروج من هذا العالم أحياء… فهناك عائلات تنتظر عودتنا!»
اتجه نحو أحد الصبية ليقطعه، لكن سهماً مباغتاً غُرس في صدغه من بعيد، فخرّ صريعاً قبل أن يصرخ فارسٌ فوق حصانه: «ما الذي تفعلونه؟! أتريدون الموت هنا؟!»
استفاق نومريس فجأة كمن أُوقِظ من كابوس، وتحرك بلا وعي نحو نايلي ليقف بجانبه.
كان عقل نومريس يغلي في الفوضى، ضائعاً ومشتتاً وهو يعيد تركيب ذكرياته المتناثرة حول ذلك الحلم، لكن كل ما كان يملكه في تلك اللحظة هو شعور جارف بالعجز.
هز نايلي كتف نومريس بقوة ليوقظه من شروده: «نومريس!»
لم تكد النبرة القاسية في صوت برانس تتلاشى في فضاء القاعة حتى انطفأت الشموع السوداء دفعة واحدة، يتبعها احتكاكٌ دقيق يعلو في أرجاء المكان.
التفت نحوه مجدداً بنبرة مضطربة: «ماذا؟»
وضع نومريس يديه فوق رأسه بعنف، يضغط على صدغيه كمن يحاول دحر صداع مزمن؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليه.. إنه الصرير ذاته الذي يرافق أصابعه كل ليلة حين يخط بريشته، مفرغاً كوابيسه على الألواح وجلود الحيوانات الجافة.
تابع سكوادر بصوت خفيض يحمل صدى الأيام الغابرة: «لم أكن أعلم ما يتوجب عليّ فعله حينها؛ عالم جديد بأسره، وأجواء لم يعتدها عقلي.
أردف نايلي وهو يحدق في عينيه: «قلت لك… ماذا سنفعل الآن؟»
خوف…
«ماذا سنفعل؟ لا أعرف… كيف لي أن أعرف؟»
أما إن اختاروا الحرب، فنحن أطفالها الذين وُلدوا في قلبها؛ تدرّعنا بها قبل أن تُقطع حبال سرتنا، وكانت السيوف والرماح ألعاب طفولتنا.
بدأت لمحات الشك والتخبط تساور نومريس، واختلط خذلانه بنفسه مع اهتزاز عقله أمام واقع متجسد يسبق إدراكه.
عقّب نايلي بضغط متزايد: «ماذا سنفعل الآن؟ علينا الخروج من هذا العالم أحياء… فهناك عائلات تنتظر عودتنا!»
في هذه الأثناء، تقدم رجل في الخمسينيات من عمره، بدأ الشيب يكسو شعره.
استجاب الصبيان الآخران بمنتهى السرعة، واقترب كل منهما من أحد أبناء القبيلة.
ألقى نظرة صارمة نحو الجميع ثم قال بصوت حاد: «العبيد إلى أماكنهم! كل شخص يتولى المهمة الموكلة إليه. إن تقاعس أحدكم، فأنا لست بحاجة لتذكيركم بما ينتظركم في الخارج.»
لم يكن صخباً زلزالياً، بل صوت خربشات.
تحرك العبيد الذين ينتمي نومريس إلى عرقهم فوراً وبسرعة خاطفة، بل إن نايلي نفسه ابتعد عن نومريس في تلك اللحظة؛ فلم يكن هناك داعٍ للتصرف بشكل غريب في هذه اللحظة.
كان عقل نومريس يغلي في الفوضى، ضائعاً ومشتتاً وهو يعيد تركيب ذكرياته المتناثرة حول ذلك الحلم، لكن كل ما كان يملكه في تلك اللحظة هو شعور جارف بالعجز.
ولم يتبقَّ سوى نومريس واثنين آخرين من قومه، لم يعد لديهم من يدافعون عنه بعد وفاة الصبي «دولي».
يرتدي حذاءً فرائياً طويلاً يصل إلى ركبتيه وتلتف حوله الحبال بإحكام.
رمقهم الرجل بنظرة جافة، وأشار إليهم بسبابته: «أنتم الثلاثة… ليختر كل واحد منكم صبياً من القبيلة ويتولى حمايته.
لقد ارتكبتم خطأً جسيماً يستوجب الموت، لكن انضباطكم الآن قد يخفف عنكم العقوبة.»
استجاب الصبيان الآخران بمنتهى السرعة، واقترب كل منهما من أحد أبناء القبيلة.
نبه نايلي صديقه بحدة وهو يشد على يده: «أيها الغبي، كفاك جبناً! انظر هناك!»
وفي الأعلى، كان الرعد يشق أحشاء السماء، بينما ترتعد الأرض تحت سياط ومضات البرق التي تزلزل السهل الكبير.
أما نومريس، فقد بقي بمفرده تائهاً، ويداه ترتجفان بخفة بينما استمر عقله يصارع الربط بين مشاهد حلمه وبين هذا المكان المتجسد.
«أنت! ألا تسمعني؟»
اتجهت أنظار الجميع نحو نومريس عقب نداء الرجل الحاد.
تابع سكوادر بصوت خفيض يحمل صدى الأيام الغابرة: «لم أكن أعلم ما يتوجب عليّ فعله حينها؛ عالم جديد بأسره، وأجواء لم يعتدها عقلي.
«ما هذا الجحيم؟!» استل برانس سيفه بتوتر وصوت يتهدج، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يوزع نظراته المشتتة بين الصبية، متسائلاً بنبرةٍ غاضبة: «أيُّ صبيٍّ من هؤلاء الصغار جرّنا إلى هذا الكابوس؟!»
استفاق نومريس فجأة كمن أُوقِظ من كابوس، وتحرك بلا وعي نحو نايلي ليقف بجانبه.
تحدث صبي من القبيلة موجهاً سؤاله بثقل: «سيد برانس… ما الذي علينا فعله الآن؟»
طالع نومريس صديقه بذهول ونبرة خفيضة مشدوهة: «كيف لي أن أعرف؟»
النفع يكمن في أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، حظي الجميع بقدرات أعظم، إذ إن صاحب الروح الأقوى يجذب بقية الأرواح معه… أما الشؤم، فهو أنه إذا كان الاختبار مهلكة، فإنه يهلك الجميع دون استثناء.»
استدار «برانس»، الرجل الخمسيني، وبدأ يجول ببصره في أرجاء القاعة؛ متأملاً الشموع السوداء، والتماثيل ذات الهيئات الغريبة، ثم محدقاً في العرش والهيكل العظمي الجالس عليه. فوق رأس الهيكل، امتدت كتابة غامضة.
تقدم برانس ببطء وحذر شديد نحو العرش، وعيناه ترصدان الأرضية والجدران خوفاً من أي فخ مباغت.
عادت الكلمة لترتطم بأعماق أرواحهم مجدداً.
وما إن صار على مسافة قريبة، حتى بدأ يقرأ الكلمات المنقوشة بصوت مرتفع تردد صداه في أنحاء القاعة:
الدماء تغمر المدى، والجثث الممزقة تغطي الأرض بالكامل… لم تكن ثمة موطئ قدم، وللمواصلة، سيلزمهم الدوس على ركام الموتى.
«الجنين ظهر من أجل شيء محدد، والجنينُ لا يُولد إلا لغايةٍ كُتبت له.»
كان عقل نومريس يغلي في الفوضى، ضائعاً ومشتتاً وهو يعيد تركيب ذكرياته المتناثرة حول ذلك الحلم، لكن كل ما كان يملكه في تلك اللحظة هو شعور جارف بالعجز.
لم تكد النبرة القاسية في صوت برانس تتلاشى في فضاء القاعة حتى انطفأت الشموع السوداء دفعة واحدة، يتبعها احتكاكٌ دقيق يعلو في أرجاء المكان.
كان سكوادر في أربعينيات عمره، بعين يسرى بيضاء تماثلت للعمى إثر أثر حرق قديم يمتد على وجهه، ولحية بنية كثيفة تتصل بصدره العاري إلا من رقاع جلدية تُغطي بعض مواضع جسمه.
«ما هذا الجحيم؟!» استل برانس سيفه بتوتر وصوت يتهدج، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يوزع نظراته المشتتة بين الصبية، متسائلاً بنبرةٍ غاضبة: «أيُّ صبيٍّ من هؤلاء الصغار جرّنا إلى هذا الكابوس؟!»
لم يكن صخباً زلزالياً، بل صوت خربشات.
تتبع نومريس مسار نظرات نايلي شاخصاً ببصره نحو الأفق البعيد، حيث انقبضت قلوب الجميع، صبية ورجالاً، أمام ذلك المشهد.
خربشات غير عادية؛ صرير ريشةٍ يابسة تُجرّ فوق لوحة خشبية، واحتكاكٌ حاد كأنما تنقش فوق صحيفة ورقية قديمة.
«ما هذا الصوت؟» تمتم برانس بنبرة حذرة وهو يحدق حوله وتجول عيناه بين الظلال الممتدة على الحوائط.
خوف…
يقال إن دخول المجموعة في وقت واحد ينطوي على نفع كبير وشؤم جارف في آن واحد؛ فالروح هي التي تختبر نفسها هناك.
تسمر باقي الصبية في أماكنهم، يلتفتون بتوجس بحثاً عن مصدر هذا الاحتكاك الغريب الذي ينبعث من كل الاتجاهات.
وفي اللحظة التي تضخمت فيها الحركة بين أروقة القاعة، انقطع الصوت فجأة.
حل صمتٌ جنائزي أشد هولاً، ثم انغرس همسٌ جاف في أعماق عقولهم:
خوف…
ارتعد نومريس ويده تفقد قبضتها على السيف ليسقط منه رغماً عنه؛ كان الدم يكسو قدميه ووجهه، بل إن خصلات شعره تقاطرت منها قطرات حارقة. ولم يكن حال البقية بأفضل منه، إذ غشيهم الذعر ذاته.
ترددت الكلمة كصدى مكتوم في دهاليز المكان، لتستقر في أذهان الجميع ببرودة القبور.
وضع نومريس يديه فوق رأسه بعنف، يضغط على صدغيه كمن يحاول دحر صداع مزمن؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليه.. إنه الصرير ذاته الذي يرافق أصابعه كل ليلة حين يخط بريشته، مفرغاً كوابيسه على الألواح وجلود الحيوانات الجافة.
كان عقل نومريس يغلي في الفوضى، ضائعاً ومشتتاً وهو يعيد تركيب ذكرياته المتناثرة حول ذلك الحلم، لكن كل ما كان يملكه في تلك اللحظة هو شعور جارف بالعجز.
«اللعنة… ما هذا الهراء؟» صرخ أحد صبية القبيلة بانتفاضة ذعر، محاولاً تبديد الثقل الذي يطبق على صدره.
استفاق نومريس فجأة كمن أُوقِظ من كابوس، وتحرك بلا وعي نحو نايلي ليقف بجانبه.
بدأت حرارة الخوف تتصاعد في قلوب الجميع؛ لم يكن خوفاً من مواجهة عدو متجسد، بل رعباً خالصاً نابعاً من المجهول… وما من شيء أشد رعباً للروح البشرية من الوقوف أمام غيبٍ لا يرحم.
«ما هذا الصوت؟» تمتم برانس بنبرة حذرة وهو يحدق حوله وتجول عيناه بين الظلال الممتدة على الحوائط.
ثلاثة عشر شيخاً التزموا السكون التام، يتأملون وجه زعيمهم ويصغون بكامل تركيزهم لما يدليه سكوادر، وكأن ذكرياته نكأت في قلوبهم مهابة ذلك المكان القديم.
وضع نومريس يديه فوق رأسه بعنف، يضغط على صدغيه كمن يحاول دحر صداع مزمن؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليه.. إنه الصرير ذاته الذي يرافق أصابعه كل ليلة حين يخط بريشته، مفرغاً كوابيسه على الألواح وجلود الحيوانات الجافة.
وضع نومريس يديه فوق رأسه بعنف، يضغط على صدغيه كمن يحاول دحر صداع مزمن؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليه.. إنه الصرير ذاته الذي يرافق أصابعه كل ليلة حين يخط بريشته، مفرغاً كوابيسه على الألواح وجلود الحيوانات الجافة.
لقد ارتكبتم خطأً جسيماً يستوجب الموت، لكن انضباطكم الآن قد يخفف عنكم العقوبة.»
وفي تلك اللحظة بالذات، انبعث ضبابٌ أبيض باهت من ناحية العرش في أعلى القاعة، وتمدد بخفوت لولبي، ينسكب نحو الأسفل.
في هذه الأثناء، تقدم رجل في الخمسينيات من عمره، بدأ الشيب يكسو شعره.
تراجع الجميع بحركة غريزية، دفعهم شعور قاتل بالخطر المفاجئ إلى التراجع.
اتجه نحو أحد الصبية ليقطعه، لكن سهماً مباغتاً غُرس في صدغه من بعيد، فخرّ صريعاً قبل أن يصرخ فارسٌ فوق حصانه: «ما الذي تفعلونه؟! أتريدون الموت هنا؟!»
لكن الباب الحجري كان موصوداً بإحكام، واندفع بعض الصبية يضربون بأيديهم النحيلة على الصخر الصامد صرخاتٍ متوسلة دون جدوى.
خوف…
كان نومريس أول من ابتلعه الضباب. ظل مسمّراً في مكانه، يغطّي عينيه بيديه المرتجفتين، وتمتم بصوت خفيض ينضح بالانكسار: «لقد انتهينا…»
هز نايلي كتف نومريس بقوة ليوقظه من شروده: «نومريس!»
ولم تكن تمتمته مجرد استسلام مجرد، بل كان إدراكاً يائساً؛ إذ إن ما بدأ يتجسد أمام أعماق روحه كان يفوق اتساع العقل الإنساني.
خربشات غير عادية؛ صرير ريشةٍ يابسة تُجرّ فوق لوحة خشبية، واحتكاكٌ حاد كأنما تنقش فوق صحيفة ورقية قديمة.
في غضون ثوانٍ، لُفّ الجميع برداءٍ كثيف من هذا الضباب الأبيض، حتى حُجبت الرؤية تماماً ولم يعد بإمكان أحدهم إبصار أنامله.
تابع سكوادر بصوت خفيض يحمل صدى الأيام الغابرة: «لم أكن أعلم ما يتوجب عليّ فعله حينها؛ عالم جديد بأسره، وأجواء لم يعتدها عقلي.
وفجأة، كما ظهر، انقشع الضباب بدفعة واحدة، ليحل محله قرعٌ مدوٍّ لطبول الحرب.
أومأ سكوادر برأسه موافقًا، وجال ببصره في أرجاء الخيمة التي تضم اجتماعهم: «العالم الروحي… كيف يمضي الوقت بهذه السرعة؟ استيقاظ الجنين واختباره، الجنيات وإغوائهن. أولئك الحسناوات مع ألحانهن الساحرة… حين وطئت أقدامي ذلك العالم لأول مرة، تملكني الخوف بضراوة لأنني كنت غضاً صغيراً.»
فتح الجميع أعينهم بذهول؛ لم تكن هناك قاعة ولا تماثيل. كانت السماء ملبدة بالغيوم تُظلل قرص شمسٍ سوداء، بينما تحلّق أسراب الغربان في الأعالي ملقية بنعيقها الحاد.
وفي الأعلى، كان الرعد يشق أحشاء السماء، بينما ترتعد الأرض تحت سياط ومضات البرق التي تزلزل السهل الكبير.
الدماء تغمر المدى، والجثث الممزقة تغطي الأرض بالكامل… لم تكن ثمة موطئ قدم، وللمواصلة، سيلزمهم الدوس على ركام الموتى.
في غضون ثوانٍ، لُفّ الجميع برداءٍ كثيف من هذا الضباب الأبيض، حتى حُجبت الرؤية تماماً ولم يعد بإمكان أحدهم إبصار أنامله.
تردد الهمس للمرة الأخيرة في وجدانهم، ليوقظ فيهم نداء المقاومة: لا بديل عن القتال إن أرادوا الخروج من هذه التهلكة أحياء.
ارتعد نومريس ويده تفقد قبضتها على السيف ليسقط منه رغماً عنه؛ كان الدم يكسو قدميه ووجهه، بل إن خصلات شعره تقاطرت منها قطرات حارقة. ولم يكن حال البقية بأفضل منه، إذ غشيهم الذعر ذاته.
«قاتلوا!» صرخ رجلٌ من البشر ينتمي للمقدمة، يتصدى بضراوة لقطعان من المسوخ الغريبة ذات الأشكال الكابوسية.
انغلق الباب الحجري الضخم بصوت مدوٍّ اهتزت له أرضية القاعة، ليتلاشى آخر خيط ضوء قادم من الخارج ويحل محله صمت رهيب.
«ما هذا الجحيم؟!» استل برانس سيفه بتوتر وصوت يتهدج، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يوزع نظراته المشتتة بين الصبية، متسائلاً بنبرةٍ غاضبة: «أيُّ صبيٍّ من هؤلاء الصغار جرّنا إلى هذا الكابوس؟!»
أومأ سكوادر برأسه موافقًا، وجال ببصره في أرجاء الخيمة التي تضم اجتماعهم: «العالم الروحي… كيف يمضي الوقت بهذه السرعة؟ استيقاظ الجنين واختباره، الجنيات وإغوائهن. أولئك الحسناوات مع ألحانهن الساحرة… حين وطئت أقدامي ذلك العالم لأول مرة، تملكني الخوف بضراوة لأنني كنت غضاً صغيراً.»
خوف…
عادت الكلمة لترتطم بأعماق أرواحهم مجدداً.
بدأت حرارة الخوف تتصاعد في قلوب الجميع؛ لم يكن خوفاً من مواجهة عدو متجسد، بل رعباً خالصاً نابعاً من المجهول… وما من شيء أشد رعباً للروح البشرية من الوقوف أمام غيبٍ لا يرحم.
لقد ارتكبتم خطأً جسيماً يستوجب الموت، لكن انضباطكم الآن قد يخفف عنكم العقوبة.»
وفي تلك اللحظة، انزلق مسخٌ مشوّه ذو وجهٍ تتكدس فيه الأسنان الحادة نحوهم، يلوّح بسيفٍ عريض لا يقل بشاعة عن صاحبه.
ولم يتبقَّ سوى نومريس واثنين آخرين من قومه، لم يعد لديهم من يدافعون عنه بعد وفاة الصبي «دولي».
اتجه نحو أحد الصبية ليقطعه، لكن سهماً مباغتاً غُرس في صدغه من بعيد، فخرّ صريعاً قبل أن يصرخ فارسٌ فوق حصانه: «ما الذي تفعلونه؟! أتريدون الموت هنا؟!»
كان سكوادر في أربعينيات عمره، بعين يسرى بيضاء تماثلت للعمى إثر أثر حرق قديم يمتد على وجهه، ولحية بنية كثيفة تتصل بصدره العاري إلا من رقاع جلدية تُغطي بعض مواضع جسمه.
كانت المعركة تشتعل عند ذروتها؛ صليل السيوف يثقب الآذان، والنيران تلتهم الأفق الممتد، بينما تصاعد الدخان الكثيف ليخنق الأنفاس.
وفي الأعلى، كان الرعد يشق أحشاء السماء، بينما ترتعد الأرض تحت سياط ومضات البرق التي تزلزل السهل الكبير.
لكن الباب الحجري كان موصوداً بإحكام، واندفع بعض الصبية يضربون بأيديهم النحيلة على الصخر الصامد صرخاتٍ متوسلة دون جدوى.
سارع لوهان إلى تأييده قائلاً: «معك كل الحق. الجبل والطريق الذي ينبض في أحشائه يقعان ضمن حدودنا، وما تفعله القبائل الثلاث الأخرى ليس إلا استفزازاً صريحاً لنا.»
وخلفهم تماماً، انتصبت مدينةٌ عظيمة ذات أسوار بيضاء شاهقة، يتوسطها قصرٌ أحمر دموي يلوح كقلبٍ ينبض وسط الدمار.
تتبع نومريس مسار نظرات نايلي شاخصاً ببصره نحو الأفق البعيد، حيث انقبضت قلوب الجميع، صبية ورجالاً، أمام ذلك المشهد.
اقترب نايلي بخطوات متخبطة من نومريس، وهز كتفه بقوة ثم دحر سيفاً ونغزه في صدره ليحفظ تركيزه: «استفق! احمل سيفك وانظر!»
استفاق نومريس فجأة كمن أُوقِظ من كابوس، وتحرك بلا وعي نحو نايلي ليقف بجانبه.
طالعه نومريس بعيونٍ مغرورقة بالدموع، ونبرة متهالكة: «سنموت…»
تردد الهمس للمرة الأخيرة في وجدانهم، ليوقظ فيهم نداء المقاومة: لا بديل عن القتال إن أرادوا الخروج من هذه التهلكة أحياء.
لم يكن صخباً زلزالياً، بل صوت خربشات.
نبه نايلي صديقه بحدة وهو يشد على يده: «أيها الغبي، كفاك جبناً! انظر هناك!»
لكن الباب الحجري كان موصوداً بإحكام، واندفع بعض الصبية يضربون بأيديهم النحيلة على الصخر الصامد صرخاتٍ متوسلة دون جدوى.
تتبع نومريس مسار نظرات نايلي شاخصاً ببصره نحو الأفق البعيد، حيث انقبضت قلوب الجميع، صبية ورجالاً، أمام ذلك المشهد.
خوف…
في المدى، كان هناك جيشٌ عظيم يتدافع كالطوفان؛ لم يكونوا مسوخاً ولا بشراً عاديين، بل كانوا ينتمون لعرق «سومر» الغامض… شعرٌ أبيض ناصع يتطاير مع عواصف الميدان، وبشرةٌ رمادية داكنة، وأعينٌ تتقد كالجمر الأحمر.
استجاب الصبيان الآخران بمنتهى السرعة، واقترب كل منهما من أحد أبناء القبيلة.
كانوا يندفعون كوحوشٍ هائجة، أو كنارٍ ملتهبة التهمت حشائش يابسة؛ أينما حلوا، طحنوا مسوخ الميدان بلا رحمة. ولم يكونوا بمفردهم، بل تلاحمت معهم صفوفٌ من البشر الثائرين.
وحتى أعالي السماء لم تسلم من هذا الصراع؛ إذ كان ثمة كيانٌ يقاتل اثنين من أعتى المسوخ الهوائية ذات الهيئات المهيبة.
استدار «برانس»، الرجل الخمسيني، وبدأ يجول ببصره في أرجاء القاعة؛ متأملاً الشموع السوداء، والتماثيل ذات الهيئات الغريبة، ثم محدقاً في العرش والهيكل العظمي الجالس عليه. فوق رأس الهيكل، امتدت كتابة غامضة.
خوف…
الدماء تغمر المدى، والجثث الممزقة تغطي الأرض بالكامل… لم تكن ثمة موطئ قدم، وللمواصلة، سيلزمهم الدوس على ركام الموتى.
تردد الهمس للمرة الأخيرة في وجدانهم، ليوقظ فيهم نداء المقاومة: لا بديل عن القتال إن أرادوا الخروج من هذه التهلكة أحياء.
نهاية الفصل
كان نومريس أول من ابتلعه الضباب. ظل مسمّراً في مكانه، يغطّي عينيه بيديه المرتجفتين، وتمتم بصوت خفيض ينضح بالانكسار: «لقد انتهينا…»
