سيرويس
الفصل التاسع: سيرويس
وفي السقف المرتفع الذي يتوارى في الظلمة، كانت هناك فتحة دائرية تسقط منها ندُف ثلجية خفيفة، تتسامى فور ملامستها للدخان البنفسجي المتصاعد من المذبح.
جال ببصره سريعاً في الأرجاء؛ طاف بالتماثيل المنحوتة على الجدران، ثم بوهج المذبح، وشخص بعينيه نحو الفجوة المفتوحة في السقف الثلجي، قبل أن يستقر ثقله البصري في النهاية على ذلك الهيكل العظمي الذي يقبض على التاج فوق العرش.
أراد نايلي أن ينطق، أن يتساءل، أن يصرخ… لكن الموقف المظلم والسلاسل الممدودة لم تمنحه مساحة لحديث.
همس بأسى: «أرجو فقط ألا نموت هنا… هؤلاء الصبية فقدوا كل أمل قبل أن يبدأوا حتى.»
«لقد جئنا بما وعدناك به.»
أما نومريس، فكان يقف مشدوهاً أمام البوابة ذاتها التي حفر معالمها داخل أحلامه وخطّها بيده فوق اللوحة.
كان وجهه مغطى بقناع عظمي، نُحتت عليه ثلاثة أنياب طويلة، بينما أمسك بيده عصا سوداء تعلوها ثلاثة جماجم لذئب.
ومن بين الأعمدة الحجرية، ظهر رجل يرتدي رداءً أسود طويلًا، تتدلى من أطرافه سلاسل صغيرة تصدر رنينًا خافتًا مع كل خطوة.
«اللعنة… كيف حدث هذا؟»
وفجأة…
دَوِيّ!
لطالما كان نومريس فتى غريباً؛ طالما أحاطت به هالة غموض، وخصوصاً أحلامه التي لم تكن تشبه أحلام أي شخص آخر.
«اللعنة… كيف حدث هذا؟»
حتى هو نفسه كان يدرك في قرارة نفسه أنه ليس طبيعياً. لم يمر عليه أحدٌ إلا وسأله عن سر تلك الأحلام والتخيلات، لكن لا أحد وصل إلى إجابة تروي الفضول.
«يا سيد الرؤوس الثلاثة…»
صوت يشبه زفير وحش ضخم.
لكن الآن، وبعد أن تجسد الحلم واقعاً صلبًا أمام عينيه، ترك عقله في حالة من التشوش والتخبط الكامل.
صمت نومريس وغابت أنفاسه مع انسحاب الكاهن إلى الخلف برفقة الفرسان.
«كيف الخروج من هذا الكابوس…؟»
هل كانت تلك رؤية؟ أم نبوءة مسبقة؟ سأل نفسه بجفاف وهو يبلع ريقه بصعوبة.
ثم ضربها للمرة الثالثة.
هل يوجد من يخاف من نفسه؟ منطقياً، لا أحد يخشى ذاته.
أجابه رجلٌ آخر يقف خلفه وسلاسل يديه تقرع بحدة من فرط الارتجاف: «لقد سقطنا في عرين الأسد مباشرة… لا يوجد خط للعودة، وطالما أن هذا الاختبار قد فتح أبوابه، فليس أمامنا سوى المضي قدماً. أتضرع فقط أن نخرج منه أحياء.»
لكن في هذه اللحظة بالذات، فاضت جنباته بشعور ثقيل وكثيف من الذعر… لم يكن خائفاً من الظلمة، ولا من المعبد، ولا حتى من الفرسان المحيطين به، بل كان يسري في عروقه خوفٌ شديد من نفسه هو.
رفع نومريس يده المرتجفة بعنف، لترتطم الحلقات بعضها ببعض، محدثةً صليلاً حاداً اخترق سكون الدهليز.
دَوِيّ!
وفجأة…
انطلقت من أعماق الظلام صرخة مدوية:
«أيها السيد العظيم سيرويس!»
زم شفتيه المرتجفتين بذهول: «ما هذا الاختبار اللعين الذي قُدنا إليه؟ أليست اختبارات إيقاظ الجنين الروحي أبسط من هذا الجحيم؟»
تجمّد الجميع.
انسلبت الرؤية من عينيه لتتحول إلى غشاوة بيضاء، وسرى في جسده انخفاض حاد في الحرارة جعله يتوقف عن الارتجاف كلياً.
ومن بين الأعمدة الحجرية، ظهر رجل يرتدي رداءً أسود طويلًا، تتدلى من أطرافه سلاسل صغيرة تصدر رنينًا خافتًا مع كل خطوة.
دَوِيّ!
كان وجهه مغطى بقناع عظمي، نُحتت عليه ثلاثة أنياب طويلة، بينما أمسك بيده عصا سوداء تعلوها ثلاثة جماجم لذئب.
لم يكن الصوت قادماً من خارج المعبد.
رفع نومريس يده المرتجفة بعنف، لترتطم الحلقات بعضها ببعض، محدثةً صليلاً حاداً اخترق سكون الدهليز.
تقدم الكاهن ببطء.
«أيها السيد العظيم سيرويس… تقبّل قرابينك.»
لكن الآن، وبعد أن تجسد الحلم واقعاً صلبًا أمام عينيه، ترك عقله في حالة من التشوش والتخبط الكامل.
ثم رفع عصاه نحو البوابة.
«هل أنا في أحلامي الآن… أم سقطت داخل لوحتي؟»
«يا سيد الرؤوس الثلاثة…»
انحنى الجميع في اللحظة ذاتها.
حتى الفرسان فوق أحصنتهم خفضوا رؤوسهم.
لم يكن الصوت قادماً من خارج المعبد.
أما نومريس، فلم يستطع الحركة.
ومع تباطؤ خطواتهم المذعورة، أقبلت دفعات الفرسان قاسية من الخلف؛ لترتطم أجساد الصبية المقيدين ببعضها البعض، ويتداخل صليل السلاسل الشديد مع صدمة خطى الرجال المشدودة.
انسلبت الرؤية من عينيه لتتحول إلى غشاوة بيضاء، وسرى في جسده انخفاض حاد في الحرارة جعله يتوقف عن الارتجاف كلياً.
كانت عيناه مثبتتين على البوابة.
وفي أقصى نقطة من القاعة، فوق منصة حجرية مدرجة، يربض عرشٌ ضخم متآكل صُنع من عظامٍ نخرة، يجلس عليه هيكلٌ عظمي جليدي بثلاثة رؤوس ذئب، وفي يده تاج يتدلى منه طوقٌ معدني مماثل للذي يطوق أعناقهم.
«تقدموا إلى الداخل!»
«يا حارس الظلام… يا صاحب الأنياب التي تمزق أرواح الخائنين…»
دَوِيّ!
ضرب الكاهن بعصاه الأرض.
وفي السقف المرتفع الذي يتوارى في الظلمة، كانت هناك فتحة دائرية تسقط منها ندُف ثلجية خفيفة، تتسامى فور ملامستها للدخان البنفسجي المتصاعد من المذبح.
دَوِيّ!
ارتج الدهليز.
«لقد أتى عبادك.»
تجمّد الجميع.
ضرب العصا مرة ثانية.
ما وقع عليه بصر نومريس فوراً كان المذبح القابع في منتصف القاعة؛ مذبحٌ مستطيل صُنع من حجرٍ أخضر داكن ينبض بوهجٍ مريب، تلتف حوله حلقة كثيفة من الشموع السوداء التي تنبعث منها ألسنة لهب بنفسجية، تطلق دخاناً معطراً برائحة المسك والدم الجاف.
دَوِيّ!
«لقد جئنا بما وعدناك به.»
«أيها السيد العظيم سيرويس!»
ثم ضربها للمرة الثالثة.
«لقد جئنا بما وعدناك به.»
رفع نومريس يده المرتجفة بعنف، لترتطم الحلقات بعضها ببعض، محدثةً صليلاً حاداً اخترق سكون الدهليز.
ساد صمت مطبق.
أراد نايلي أن ينطق، أن يتساءل، أن يصرخ… لكن الموقف المظلم والسلاسل الممدودة لم تمنحه مساحة لحديث.
رفع الكاهن ذراعيه نحو البوابة، وصاح بصوت ارتجت له الجدران:
«ثلاثة رؤوس…»
زم شفتيه المرتجفتين بذهول: «ما هذا الاختبار اللعين الذي قُدنا إليه؟ أليست اختبارات إيقاظ الجنين الروحي أبسط من هذا الجحيم؟»
وردد الجمع:
وقف الكاهن عند الفجوة المنكمشة قبل الإغلاق التام، يرمقهم بنظرة باردة من خلف قناعه العظمي، ثم أطلق كلماته الأخيرة بصوت أجشّ خرق الشق الضيق:
«ثلاثة رؤوس…»
لم يكن يرى الشموع البنفسجية ولا الهيكل الجليدي كشيء غريب… بل كان يراها كأشياء آلمته يداه وهو يرسمها ذات يوم.
«ثلاثة أرواح…»
«ثلاثة رؤوس…»
«ثلاثة أرواح…»
في تلك اللحظة، صدر من البوابة صوت احتكاك حاد.
ارتج الدهليز.
«وسيد واحد!»
«وسيد واحد!»
وفي السقف المرتفع الذي يتوارى في الظلمة، كانت هناك فتحة دائرية تسقط منها ندُف ثلجية خفيفة، تتسامى فور ملامستها للدخان البنفسجي المتصاعد من المذبح.
انحنى الكاهن حتى لامس جبينه الأرض.
ثم سقط الجميع على ركبهم دفعة واحدة.
ما وقع عليه بصر نومريس فوراً كان المذبح القابع في منتصف القاعة؛ مذبحٌ مستطيل صُنع من حجرٍ أخضر داكن ينبض بوهجٍ مريب، تلتف حوله حلقة كثيفة من الشموع السوداء التي تنبعث منها ألسنة لهب بنفسجية، تطلق دخاناً معطراً برائحة المسك والدم الجاف.
انحنى الكاهن حتى لامس جبينه الأرض.
«أيها السيد العظيم سيرويس… تقبّل قرابينك.»
ضرب العصا مرة ثانية.
في تلك اللحظة، صدر من البوابة صوت احتكاك حاد.
لكن الآن، وبعد أن تجسد الحلم واقعاً صلبًا أمام عينيه، ترك عقله في حالة من التشوش والتخبط الكامل.
رفع الكاهن ذراعيه نحو البوابة، وصاح بصوت ارتجت له الجدران:
صوت يشبه زفير وحش ضخم.
«لقد أتى عبادك.»
حتى هو نفسه كان يدرك في قرارة نفسه أنه ليس طبيعياً. لم يمر عليه أحدٌ إلا وسأله عن سر تلك الأحلام والتخيلات، لكن لا أحد وصل إلى إجابة تروي الفضول.
توقفت أنفاس نومريس.
ضرب العصا مرة ثانية.
لم يكن الصوت قادماً من خارج المعبد.
امتدت جدران القاعة على شكل نصف دائري، يُنصفها اثنا عشر عموداً حجرياً عملاقاً، نُحتت عليها مشاهد لحيوانات وضوارٍ تخضع لهيكلٍ عظمي بثلاثة رؤوس.
بدأ الغبار يرتفع ببطء، وتصاعد من جوف الفراغ صوت احتكاك معدني حاد… كانت البوابة الضخمة تنفرج عما خلفها كفَكّ وحشٍ هائل.
أجابه رجلٌ آخر يقف خلفه وسلاسل يديه تقرع بحدة من فرط الارتجاف: «لقد سقطنا في عرين الأسد مباشرة… لا يوجد خط للعودة، وطالما أن هذا الاختبار قد فتح أبوابه، فليس أمامنا سوى المضي قدماً. أتضرع فقط أن نخرج منه أحياء.»
ضرب العصا مرة ثانية.
توقفت أنفاس نومريس تماماً.
وفجأة، تحركت الأحجار العظيمة للبوابة السوداء مجدداً؛ ارتفع صرير معدني ثقيل يمزق الفضاء، وبدأت الأبواب الهائلة تنغلق ببطء، تحجب ألسنة النور الخارجي والثلج المتساقط شيئاً فشيئاً.
في مقدمة الطابور، كان هناك رجلٌ من رجال القبيلة، تطوع للقدوم إلى هذا العالم لحماية الصبية، لكن منذ أن وطأت قدمه هذا العالم المظلم، انحسرت الدماء من وجهه ليغدو شاحباً كالجثة.
أراد نايلي أن ينطق، أن يتساءل، أن يصرخ… لكن الموقف المظلم والسلاسل الممدودة لم تمنحه مساحة لحديث.
زم شفتيه المرتجفتين بذهول: «ما هذا الاختبار اللعين الذي قُدنا إليه؟ أليست اختبارات إيقاظ الجنين الروحي أبسط من هذا الجحيم؟»
أجابه رجلٌ آخر يقف خلفه وسلاسل يديه تقرع بحدة من فرط الارتجاف: «لقد سقطنا في عرين الأسد مباشرة… لا يوجد خط للعودة، وطالما أن هذا الاختبار قد فتح أبوابه، فليس أمامنا سوى المضي قدماً. أتضرع فقط أن نخرج منه أحياء.»
امتدت جدران القاعة على شكل نصف دائري، يُنصفها اثنا عشر عموداً حجرياً عملاقاً، نُحتت عليها مشاهد لحيوانات وضوارٍ تخضع لهيكلٍ عظمي بثلاثة رؤوس.
ومن بين الأعمدة الحجرية، ظهر رجل يرتدي رداءً أسود طويلًا، تتدلى من أطرافه سلاسل صغيرة تصدر رنينًا خافتًا مع كل خطوة.
«قول ذلك أسهل بكثير من فعله… كيف لصبية لم يخوضوا معركة قط أن يتجاوزوا هذا؟»
أما نومريس، فلم يستطع الحركة.
تجمّد الجميع.
انحرف أحد الرجال ببصره نحو الصبايا والفتية خلفه، ليجد الوجوه قد خلت من الحياة والحدقات زاغ فيها الرعب.
«كيف الخروج من هذا الكابوس…؟»
«قول ذلك أسهل بكثير من فعله… كيف لصبية لم يخوضوا معركة قط أن يتجاوزوا هذا؟»
همس بأسى: «أرجو فقط ألا نموت هنا… هؤلاء الصبية فقدوا كل أمل قبل أن يبدأوا حتى.»
الفصل التاسع: سيرويس
«ولن ألومهم حقاً…» رد الآخر بصوت مخنوق: «لقد دخلتُ إلى العالم الروحي مرتين من قبل، لكن وقوعنا في أسر هؤلاء القوم منذ اللحظة الأولى ينبئ بأمر واحد: هذا الاختبار ليس بسيطا أبداً.»
«لقد دخلتم جحيم سيرويس…»
«تقدموا إلى الداخل!»
جاء زئير قائد الفرسان كرباجاً شق السكون.
ومع تباطؤ خطواتهم المذعورة، أقبلت دفعات الفرسان قاسية من الخلف؛ لترتطم أجساد الصبية المقيدين ببعضها البعض، ويتداخل صليل السلاسل الشديد مع صدمة خطى الرجال المشدودة.
كان وجهه مغطى بقناع عظمي، نُحتت عليه ثلاثة أنياب طويلة، بينما أمسك بيده عصا سوداء تعلوها ثلاثة جماجم لذئب.
وانفتحت البوابة السوداء بالكامل… لتتكشف أمام أعينهم قاعة أسطورية شاسعة تمتص الألباب.
ثم رفع عصاه نحو البوابة.
ما وقع عليه بصر نومريس فوراً كان المذبح القابع في منتصف القاعة؛ مذبحٌ مستطيل صُنع من حجرٍ أخضر داكن ينبض بوهجٍ مريب، تلتف حوله حلقة كثيفة من الشموع السوداء التي تنبعث منها ألسنة لهب بنفسجية، تطلق دخاناً معطراً برائحة المسك والدم الجاف.
«لقد دخلتم جحيم سيرويس…»
نهاية الفصل
امتدت جدران القاعة على شكل نصف دائري، يُنصفها اثنا عشر عموداً حجرياً عملاقاً، نُحتت عليها مشاهد لحيوانات وضوارٍ تخضع لهيكلٍ عظمي بثلاثة رؤوس.
«كيف الخروج من هذا الكابوس…؟»
وفي السقف المرتفع الذي يتوارى في الظلمة، كانت هناك فتحة دائرية تسقط منها ندُف ثلجية خفيفة، تتسامى فور ملامستها للدخان البنفسجي المتصاعد من المذبح.
جاء زئير قائد الفرسان كرباجاً شق السكون.
«وسيد واحد!»
وفي أقصى نقطة من القاعة، فوق منصة حجرية مدرجة، يربض عرشٌ ضخم متآكل صُنع من عظامٍ نخرة، يجلس عليه هيكلٌ عظمي جليدي بثلاثة رؤوس ذئب، وفي يده تاج يتدلى منه طوقٌ معدني مماثل للذي يطوق أعناقهم.
وقف الكاهن عند الفجوة المنكمشة قبل الإغلاق التام، يرمقهم بنظرة باردة من خلف قناعه العظمي، ثم أطلق كلماته الأخيرة بصوت أجشّ خرق الشق الضيق:
«وسيد واحد!»
بعد دخولهم القاعة، تسمرت قدما نومريس فوق الحجر الأسود، وانفصل وعيه كلياً عن أسراب الصبية المذعورين من حوله.
انحرف أحد الرجال ببصره نحو الصبايا والفتية خلفه، ليجد الوجوه قد خلت من الحياة والحدقات زاغ فيها الرعب.
لم يكن يرى الشموع البنفسجية ولا الهيكل الجليدي كشيء غريب… بل كان يراها كأشياء آلمته يداه وهو يرسمها ذات يوم.
انسلبت الرؤية من عينيه لتتحول إلى غشاوة بيضاء، وسرى في جسده انخفاض حاد في الحرارة جعله يتوقف عن الارتجاف كلياً.
ومن بين الأعمدة الحجرية، ظهر رجل يرتدي رداءً أسود طويلًا، تتدلى من أطرافه سلاسل صغيرة تصدر رنينًا خافتًا مع كل خطوة.
«هل أنا في أحلامي الآن… أم سقطت داخل لوحتي؟»
وفجأة…
خرجت منه ضحكة خافتة ومكتومة؛ ضحكة جافة تتآكل بالذهول، لا تخرج من فرحٍ ولا من حزن، بل من صدمة الوعي الذي يتفتت أمام الواقع.
انحنى الجميع في اللحظة ذاتها.
جال ببصره سريعاً في الأرجاء؛ طاف بالتماثيل المنحوتة على الجدران، ثم بوهج المذبح، وشخص بعينيه نحو الفجوة المفتوحة في السقف الثلجي، قبل أن يستقر ثقله البصري في النهاية على ذلك الهيكل العظمي الذي يقبض على التاج فوق العرش.
ساد صمت مطبق.
«كيف الخروج من هذا الكابوس…؟»
صمت نومريس وغابت أنفاسه مع انسحاب الكاهن إلى الخلف برفقة الفرسان.
أما نومريس، فلم يستطع الحركة.
دَوِيّ!
وفجأة، تحركت الأحجار العظيمة للبوابة السوداء مجدداً؛ ارتفع صرير معدني ثقيل يمزق الفضاء، وبدأت الأبواب الهائلة تنغلق ببطء، تحجب ألسنة النور الخارجي والثلج المتساقط شيئاً فشيئاً.
دَوِيّ!
وقف الكاهن عند الفجوة المنكمشة قبل الإغلاق التام، يرمقهم بنظرة باردة من خلف قناعه العظمي، ثم أطلق كلماته الأخيرة بصوت أجشّ خرق الشق الضيق:
«ثلاثة أرواح…»
«لقد دخلتم جحيم سيرويس…»
دَوِيّ!
ساد صمت مطبق.
وفي أقصى نقطة من القاعة، فوق منصة حجرية مدرجة، يربض عرشٌ ضخم متآكل صُنع من عظامٍ نخرة، يجلس عليه هيكلٌ عظمي جليدي بثلاثة رؤوس ذئب، وفي يده تاج يتدلى منه طوقٌ معدني مماثل للذي يطوق أعناقهم.
انطبقت البوابة السوداء بالكامل، ليُنقطع معها كل أثر للنور، وتتهاوى الأغلال والسلاسل عن أعناقهم وأيديهم فجأة، متساقطة على الحجر الأسود بصليل متناثر، تاركة الجميع أحرار الأجساد… ومحتجزين داخل الظلمة البنفسجية المريبة.
لكن الآن، وبعد أن تجسد الحلم واقعاً صلبًا أمام عينيه، ترك عقله في حالة من التشوش والتخبط الكامل.
لكن في هذه اللحظة بالذات، فاضت جنباته بشعور ثقيل وكثيف من الذعر… لم يكن خائفاً من الظلمة، ولا من المعبد، ولا حتى من الفرسان المحيطين به، بل كان يسري في عروقه خوفٌ شديد من نفسه هو.
نهاية الفصل
الفصل التاسع: سيرويس
في تلك اللحظة، صدر من البوابة صوت احتكاك حاد.
