استيقاظ، حزن
فجأة، اقترب فارسٌ من البعيد، وتصاعد صوت حوافر حصانه وهي تقرع البلاط الحجري بسرعة.
قطرة… قطرة.
وإلى جانب حسنها، كانت سيليستيا صاحبة أكبر جمعيةٍ إنسانية في المدينة بفضل ذكائها الذي تجاوز سنها بكثير؛ إذ كان أول مشاريعها تأسيس دار أيتامٍ لرعاية الأطفال المتشردين وحديثي الولادة في جنوب المدينة، وهو المشروع الذي أقامته بدعمٍ كامل من والدها رغم اعتراض الكثيرين.
سقطت الدماء من أنف نومريس على التراب في هذا الصمت المطبق.
«إن كنت تعلم، فلا تنطق بهذا الهراء مرةً أخرى؛ ستعرض نفسك للهلاك فقط أيها الفتى. لا تزال صغيراً وأمامك الكثير لتتعلمه.»
كانت تلك ردة الفعل الأولى لبداية استيقاظ جنينه الروحي القابع في أعماقه.
تمسكت بالدب القطني في يدها؛ أحدث هديةٍ ابتاعها لها والدها في عيد ميلادها الشهر الماضي قبل أن يرحل بلا عودة.
لم تكن دماءً حمراء قانية، بل دماءٌ سوداء كأنها حبرٌ خالص.
فجأة، اقترب فارسٌ من البعيد، وتصاعد صوت حوافر حصانه وهي تقرع البلاط الحجري بسرعة.
وفجأة ودون سابق إنذار، انقشع الضباب المتكاثف من حول الجميع، ليعودوا جميعاً إلى القاعة… كل من قضى نحبه هناك عاد جثة هامدة إلى ذات الغرفة، بلا استثناء.
كان العرق يتصبب من وجهه، وعيناه المحمرتان على وشك الانغلاق كأنه لم يذق طعم النوم منذ دهر؛ فقد أثقله إعياءٌ شديد كاد يطيح ببدنه.
نهض ببطء شديد وهو يلهث بصعوبة، متمسكاً بحافة المذبح ليستند عليها، لكن جسده خانه؛ فثارت أحشاؤه ليفرغ فمه عن كمية هائلة من الدماء السوداء التي انسكبت بكثافة فوق سطح المذبح.
أما هو فلم يُقذف في الهواء كنايلي حين هبط سيرويس؛ إذ تعمد المسخ تحييده بلطفٍ خبيث ليجنبه الأذى الفوري، عازلاً إياه ونفسه في تلك البقعة تحديداً ليبقى الصبي وحده تحت رحمته.
هدأ روجان قليلاً وهو يفكر، قبل أن يستطرد الحارس بنبرةٍ حذرة: «سيدي، لدي تحليلٌ شخصي يمكنك أخذه بعين الاعتبار…»
باستثناء تلك البقعة التي يرابض فيها نومريس، كانت الأرض يمزقها زلزالٌ مكتوم من حوله.
لاحظت والدتها هذا الانكسار العميق، فدنت منها واحتضنتها بحنان؛ إذ كانت سيليستيا أصغر أفراد العائلة والأقرب إلى قلب والدها، ولم تكن تفارقه قط.
قطرة… قطرة.
تسمر السيف العريض على مسافة شبر من رقبته، وشعره الثلجي مبعثر يلتصق بجلده المبلل بالدموع والعرق.
تراجع سيرويس بذهول خطوة إلى الخلف، تاركاً مقبض سيفه الذي يتفتت كحبات الرمل الساقطة في الهواء.
نبضة…
وفي غضون ثوانٍ، بدأت شفرة السيف الفولاذية تتآكل ببطء وهدوء.
خوف…
في تلك اللحظة، سقط الجميع بلا استثناء على الأرض؛ فرسان سومر، والبشر من الأعراق الأخرى، وحتى المسوخ… خر الجميع مغشيا عليهم تحت ثقل هذا الضغط المهول.
غير أن جمالها الهادئ كان مثقلًا في تلك اللحظة بالحزن؛ فقد احمرّت وجنتاها وأطراف جفنيها من أثر البكاء، بينما غامت عيناها بالعبارات، وانطفأ ذلك البريق الدافئ الذي يميزهما خلف نظرةٍ شاردةٍ مكسورة.
انطلقت هالة خافتة من جسد نومريس قبل لحظات، وكانت هي ذاتها القوة الروحية التي شلت حركة السيف قرب عنقه.
صوت خربشاتٍ جافة تخرق الأسماع، جمدت كل من وقعت في أذنيه.
تسللت الهالة إلى جوف السيف دون أن يلحظها معظم من في الميدان؛ خيوطٌ حبرية دقيقة جداً ومتشابكة، تندفع بتهور وضراوة في الخفاء.
****
اعتدل روجان في وقفته وقال بصرامة: «أنصحك ألا تفكر بهذه الطريقة مجدداً. هل تدرك من هم الأشخاص الذين تقدموا لخطبة هذه الفتاة؟»
وفي غضون ثوانٍ، بدأت شفرة السيف الفولاذية تتآكل ببطء وهدوء.
«هذا غريب… القاتل لم يأخذ سوى لوحةٍ واحدة من هذا القصر الضخم! ترك الأثاث الفاخر الذي يساوي آلاف القطع الذهبية وأخذ لوحة؟ أين المنطق في هذا؟» تمتم روجان، قائد الفرقة الثامنة لحراس الأمن في المدينة.
«ما هذه الهالة؟!» تمتم سيرويس بنبرة يداخلها شعورٌ مشؤوم وزلزالٌ دافن ينسرب إلى وجدانه.
قطرة… قطرة.
«نية الجنين…» همس أحد فرسان “سومر” المنتشرين في ساحة المعركة ويداه تتوقفان عن القتال.
كانت سيليستيا على خلاف شقيقها “بران”، ذي الشعر الأسود والملامح الحادة الصارمة؛ إذ طالما نضح وجهه بالقسوة، غير أن تلك الحدة كانت تتلاشى كلياً بمجرد أن يرمق أخته الصغيرة، ليحل محلها حزنٌ يعتصر قلبه.
«نية الجنين على وشك الاستيقاظ… يا لها من نية كابوسية مرعبة!»
صوت خربشاتٍ جافة تخرق الأسماع، جمدت كل من وقعت في أذنيه.
«نية الجنين على وشك الاستيقاظ… يا لها من نية كابوسية مرعبة!»
تراجع سيرويس بذهول خطوة إلى الخلف، تاركاً مقبض سيفه الذي يتفتت كحبات الرمل الساقطة في الهواء.
وُصفت بأنها أجمل فتاةٍ في العاصمة، بل إن من جابوا القارة لقبوا جمالها بالأجمل في العالم؛ إذ امتلكت ملامح مثالية للغاية تأسرُ كل من يراها.
سبحت نية الجنين الروحي في الهواء مخترقة الجو والفضاء، مصحوبة بدويّ رعدٍ هز أرجاء السماء.
وفي الليلة التي وقعت فيها الجريمة، لم تكن العائلة في المنزل، بل كانوا جميعاً خارج المدينة في زيارةٍ لبيت عائلة أمها.
ركع سيرويس مجبراً وهو يتصبب عرقاً، وقد استبدل ببطشه ذهولٌ ورعب خيم على وجوهه الثلاثة.
«ما هذه الهالة؟!» تمتم سيرويس بنبرة يداخلها شعورٌ مشؤوم وزلزالٌ دافن ينسرب إلى وجدانه.
في تلك اللحظة، سقط الجميع بلا استثناء على الأرض؛ فرسان سومر، والبشر من الأعراق الأخرى، وحتى المسوخ… خر الجميع مغشيا عليهم تحت ثقل هذا الضغط المهول.
باستثناء تلك البقعة التي يرابض فيها نومريس، كانت الأرض يمزقها زلزالٌ مكتوم من حوله.
وعلى مسافة سحيقة في علياء السماء، كان هناك شخصان يبعدان أمداداً شاسعة، ورغم ذلك بلغتهما تلك النية الكابوسية المنبعثة من صاحب الهالة، فارتجفت أرواحهما.
«هذه الهالة…» تمتم سيرويس وصوته يرتجف، بينما بدأت الذاكرة تستحضر طيفاً قديماً قابعاً في أعماقه.
وتحت كل عينٍ استقرت شامةٌ صغيرة واحدة، كأنها نقطةٌ دقيقة أضافها الرسام عمدًا إلى لوحته ليمنحها تفصيلًا لا يُنسى.
«ما هذه الهالة؟!» تمتم سيرويس بنبرة يداخلها شعورٌ مشؤوم وزلزالٌ دافن ينسرب إلى وجدانه.
تراءت له صورة ظلية لشخصٍ كان يضع قدمه بقسوة بين رأسه وصدره يخنقه بلا رحمة، صورة لا تمحوها الأحقاب.
داخل منزل عائلة نيفيس، كانت سيليستيا نيفيس تجلس في ركن الغرفة الخافت، حسناءً آسرةً بجمالٍ رقيقٍ وفريد، حتى ليخيّل للناظر إليها أنها صورةٌ حيّة رسمتها أنامل فنانٍ بارع.
وعلى مسافة سحيقة في علياء السماء، كان هناك شخصان يبعدان أمداداً شاسعة، ورغم ذلك بلغتهما تلك النية الكابوسية المنبعثة من صاحب الهالة، فارتجفت أرواحهما.
جعد روجان حاجبيه متسائلاً: «أين؟»
تضاءل عقل سيرويس تحت وطأة الخوف، وشحب وجهه، وبدأت سنين عمره تسقط دفعة واحدة؛ تلاشت طاقته واستحال في لحظات وجيزة إلى هيكل عظمي نخر.
نهاية الفصل
وفي البعيد، لم يكن برانس المحتضر بأوفر حظاً؛ كان يغطي عينيه رعباً وهو ملقى على التراب، اخترقت شظية صخرية طائشة جسده، لتمزقه إلى نصفين.
تمسكت بالدب القطني في يدها؛ أحدث هديةٍ ابتاعها لها والدها في عيد ميلادها الشهر الماضي قبل أن يرحل بلا عودة.
على مقربة منها، كانت تقف فتاةٌ تبكي بدورها، لكنها كانت تتصدى لكل من يحاول الاقتراب، مبلّغةً إياهم بأدبٍ جمّ أن سيدتها لا ترغب في مقابلة أحد.
أما الرجل الأربعيني فلم يكن استثناءً من هذا الجحيم، إذ التهمته المنية وطواه الموت بطريقة بشعة.
أما الرجل الأربعيني فلم يكن استثناءً من هذا الجحيم، إذ التهمته المنية وطواه الموت بطريقة بشعة.
وفجأة ودون سابق إنذار، انقشع الضباب المتكاثف من حول الجميع، ليعودوا جميعاً إلى القاعة… كل من قضى نحبه هناك عاد جثة هامدة إلى ذات الغرفة، بلا استثناء.
سقطت الدماء من أنف نومريس على التراب في هذا الصمت المطبق.
وفي غضون ثوانٍ، بدأت شفرة السيف الفولاذية تتآكل ببطء وهدوء.
وسط هذا الصمت الجنائزي، كان نومريس جاثياً على ركبتيه ينظر بذهول مشوش إلى أرجاء القاعة، مجاوراً للمذبح الأثري.
صوت خربشاتٍ جافة تخرق الأسماع، جمدت كل من وقعت في أذنيه.
انسل صوت شقيقها المخنوق بالرد، لكن سيليستيا أغلقت عينيها غاطسةً في صمتها الخاص، متجاهلةً ضجيج المحققين؛ إذ لم يعد لكل تلك التفاصيل قيمةٌ عندها بعد وفاة والدها.
نهض ببطء شديد وهو يلهث بصعوبة، متمسكاً بحافة المذبح ليستند عليها، لكن جسده خانه؛ فثارت أحشاؤه ليفرغ فمه عن كمية هائلة من الدماء السوداء التي انسكبت بكثافة فوق سطح المذبح.
تسللت الهالة إلى جوف السيف دون أن يلحظها معظم من في الميدان؛ خيوطٌ حبرية دقيقة جداً ومتشابكة، تندفع بتهور وضراوة في الخفاء.
حاول الصمود والوقوف مجدداً، إلا أن الرؤية أظلمت في عينيه، ليخر صريع الإغماء، بينما كانت دماؤه الحبرية تلطخ ملابسه وشعره الثلجي ووجهه الشاحب بالكامل.
تسمر السيف العريض على مسافة شبر من رقبته، وشعره الثلجي مبعثر يلتصق بجلده المبلل بالدموع والعرق.
****
اليوم الحادي عشر من تشرين الثاني، مدينة نيڤيريا الضاحية الشرقية شارع رقم 8.
وإلى جانب حسنها، كانت سيليستيا صاحبة أكبر جمعيةٍ إنسانية في المدينة بفضل ذكائها الذي تجاوز سنها بكثير؛ إذ كان أول مشاريعها تأسيس دار أيتامٍ لرعاية الأطفال المتشردين وحديثي الولادة في جنوب المدينة، وهو المشروع الذي أقامته بدعمٍ كامل من والدها رغم اعتراض الكثيرين.
انسل صوت شقيقها المخنوق بالرد، لكن سيليستيا أغلقت عينيها غاطسةً في صمتها الخاص، متجاهلةً ضجيج المحققين؛ إذ لم يعد لكل تلك التفاصيل قيمةٌ عندها بعد وفاة والدها.
داخل منزل عائلة نيفيس، كانت سيليستيا نيفيس تجلس في ركن الغرفة الخافت، حسناءً آسرةً بجمالٍ رقيقٍ وفريد، حتى ليخيّل للناظر إليها أنها صورةٌ حيّة رسمتها أنامل فنانٍ بارع.
كان شعرها الأسود الغزير ينساب حول وجهها وعلى كتفيها في خصلاتٍ ناعمة متموجة، تتدلى بعض منها فوق جبينها وحواف وجهها بانسيابٍ عفوي، مانحةً ملامحها مسحةً من الغموض والرقة. وكانت خصلاته اللامعة تلتقط الضوء الخافت من حولها، فتبدو كأنها خيوطٌ من حريرٍ أسود.
انطلقت هالة خافتة من جسد نومريس قبل لحظات، وكانت هي ذاتها القوة الروحية التي شلت حركة السيف قرب عنقه.
امتلكت وجهًا ناعمًا متناسق الملامح، ببشرةٍ صافيةٍ ناعمة، وأنفٍ صغيرٍ دقيق، وشفتين ورديتين رقيقتين تضفيان على مظهرها رهافةً آسرة.
إلى جانب حزنها، كانت تفضل العزلة ليقينها أن معظم الوافدين لا يحملون أي نوايا حسنة.
أما عيناها فكانتا واسعتين لامعتين بلونٍ عسليّ ذهبي، تتخللهما انعكاساتٌ دافئة تزيدهما بريقًا، وتحيط بهما رموشٌ طويلة وكثيفة.
«هذا غريب… القاتل لم يأخذ سوى لوحةٍ واحدة من هذا القصر الضخم! ترك الأثاث الفاخر الذي يساوي آلاف القطع الذهبية وأخذ لوحة؟ أين المنطق في هذا؟» تمتم روجان، قائد الفرقة الثامنة لحراس الأمن في المدينة.
وتحت كل عينٍ استقرت شامةٌ صغيرة واحدة، كأنها نقطةٌ دقيقة أضافها الرسام عمدًا إلى لوحته ليمنحها تفصيلًا لا يُنسى.
صاح روجان بذهول: «ماذا؟!»
غير أن جمالها الهادئ كان مثقلًا في تلك اللحظة بالحزن؛ فقد احمرّت وجنتاها وأطراف جفنيها من أثر البكاء، بينما غامت عيناها بالعبارات، وانطفأ ذلك البريق الدافئ الذي يميزهما خلف نظرةٍ شاردةٍ مكسورة.
قطرة… قطرة.
كانت الغرفة واسعة، وهي تحدق عبر النافذة بهدوء وتترك خلفها العديد من المعزين المتوافدين لتعزية أخيها وأمها، إلى جانب رجالٍ يرتدون بدلاتٍ رسمية زرقاء داكنة؛ حراس الأمن في المدينة الذين جاءوا لاستجواب العائلة بشأن الحادثة الغامضة التي راح ضحيتها ألفريدو نيفيس، مالك شركة “نيفيس للتعدين”.
لم تكن دماءً حمراء قانية، بل دماءٌ سوداء كأنها حبرٌ خالص.
لم تكن تنتحب بصوتٍ عالٍ، بل كانت القطرات تتساقط بصلابةٍ هادئة لتملأ وجهها الفاتن.
وقف قائد رجال الأمن ذو النظرة الصارمة يقلب دفتر مذكراته، متحدثاً مع شقيقها بنبرة خفيضة بين الطرقات الرخامية: «نعلم تماماً حجم نفوذ شركة نيفيس، لكن ظروف موت السيد ألفريدو تثير ريبة النقابات التجارية الكبرى في العاصمة. هل هناك أي ديونٍ سابقة أو عداوات مع الشركات المنافسة؟»
****
انسل صوت شقيقها المخنوق بالرد، لكن سيليستيا أغلقت عينيها غاطسةً في صمتها الخاص، متجاهلةً ضجيج المحققين؛ إذ لم يعد لكل تلك التفاصيل قيمةٌ عندها بعد وفاة والدها.
وتحت كل عينٍ استقرت شامةٌ صغيرة واحدة، كأنها نقطةٌ دقيقة أضافها الرسام عمدًا إلى لوحته ليمنحها تفصيلًا لا يُنسى.
كانت كزهرةً غضة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها بعد، ورغم صغر سنها، تمت خطبتها من شخصياتٍ كبرى في المدينة، بل وحتى من ابن حاكم البلاد، لكنها كانت ترفض دوماً.
انسل صوت شقيقها المخنوق بالرد، لكن سيليستيا أغلقت عينيها غاطسةً في صمتها الخاص، متجاهلةً ضجيج المحققين؛ إذ لم يعد لكل تلك التفاصيل قيمةٌ عندها بعد وفاة والدها.
خوف…
كان والدها حصنها المنيع الذي لم يشأ إرغامها قط، وها هو ذا الحصن ينكسر ويغادرها دون سابق إنذار.
تمسكت بالدب القطني في يدها؛ أحدث هديةٍ ابتاعها لها والدها في عيد ميلادها الشهر الماضي قبل أن يرحل بلا عودة.
تمسكت بالدب القطني في يدها؛ أحدث هديةٍ ابتاعها لها والدها في عيد ميلادها الشهر الماضي قبل أن يرحل بلا عودة.
لم تكن تنتحب بصوتٍ عالٍ، بل كانت القطرات تتساقط بصلابةٍ هادئة لتملأ وجهها الفاتن.
وُصفت بأنها أجمل فتاةٍ في العاصمة، بل إن من جابوا القارة لقبوا جمالها بالأجمل في العالم؛ إذ امتلكت ملامح مثالية للغاية تأسرُ كل من يراها.
صاح روجان بذهول: «ماذا؟!»
أما عيناها فكانتا واسعتين لامعتين بلونٍ عسليّ ذهبي، تتخللهما انعكاساتٌ دافئة تزيدهما بريقًا، وتحيط بهما رموشٌ طويلة وكثيفة.
وإلى جانب حسنها، كانت سيليستيا صاحبة أكبر جمعيةٍ إنسانية في المدينة بفضل ذكائها الذي تجاوز سنها بكثير؛ إذ كان أول مشاريعها تأسيس دار أيتامٍ لرعاية الأطفال المتشردين وحديثي الولادة في جنوب المدينة، وهو المشروع الذي أقامته بدعمٍ كامل من والدها رغم اعتراض الكثيرين.
«هذا غريب… القاتل لم يأخذ سوى لوحةٍ واحدة من هذا القصر الضخم! ترك الأثاث الفاخر الذي يساوي آلاف القطع الذهبية وأخذ لوحة؟ أين المنطق في هذا؟» تمتم روجان، قائد الفرقة الثامنة لحراس الأمن في المدينة.
«ابنته، السيدة سيليستيا. كم من شخصٍ تقدم لخطبتها؟ أعدادٌ غفيرة، وهي ترفض الجميع مهما بلغت مناصبهم… ومن كان السد المنيع الذي يقف في وجه الجميع؟»
تقدم حارسٌ ونبس بأسى: «سيدي، لقد سألنا كل من يمكن سؤاله ولم نحصل على أي إجابةٍ تقربنا من المجرم.»
«ربما لم تكن للقاتل عداوةٌ مباشرة مع السيد ألفريدو، بل إن هناك دافعاً آخر أدى لهذه الجريمة.»
هدأ روجان قليلاً وهو يفكر، قبل أن يستطرد الحارس بنبرةٍ حذرة: «سيدي، لدي تحليلٌ شخصي يمكنك أخذه بعين الاعتبار…»
«أخبرني،» أومأ روجان ببرود.
«ربما لم تكن للقاتل عداوةٌ مباشرة مع السيد ألفريدو، بل إن هناك دافعاً آخر أدى لهذه الجريمة.»
أما الرجل الأربعيني فلم يكن استثناءً من هذا الجحيم، إذ التهمته المنية وطواه الموت بطريقة بشعة.
«وما هو؟»
صاح روجان بذهول: «ماذا؟!»
«ابنته، السيدة سيليستيا. كم من شخصٍ تقدم لخطبتها؟ أعدادٌ غفيرة، وهي ترفض الجميع مهما بلغت مناصبهم… ومن كان السد المنيع الذي يقف في وجه الجميع؟»
«أنا أحلل فقط يا سيدي، ولست جازماً بشيء.»
تمتم روجان وقد اتسعت حدقتاه: «السيد ألفريدو… لا تخبرني أنك تلمح إلى أن القاتل هو أحد أولئك الخطاب؟»
نبضة…
اعتدل روجان في وقفته وقال بصرامة: «أنصحك ألا تفكر بهذه الطريقة مجدداً. هل تدرك من هم الأشخاص الذين تقدموا لخطبة هذه الفتاة؟»
«أنا أحلل فقط يا سيدي، ولست جازماً بشيء.»
«نية الجنين على وشك الاستيقاظ… يا لها من نية كابوسية مرعبة!»
اعتدل روجان في وقفته وقال بصرامة: «أنصحك ألا تفكر بهذه الطريقة مجدداً. هل تدرك من هم الأشخاص الذين تقدموا لخطبة هذه الفتاة؟»
«أعلم يا سيدي.»
وفي الليلة التي وقعت فيها الجريمة، لم تكن العائلة في المنزل، بل كانوا جميعاً خارج المدينة في زيارةٍ لبيت عائلة أمها.
لاحظت والدتها هذا الانكسار العميق، فدنت منها واحتضنتها بحنان؛ إذ كانت سيليستيا أصغر أفراد العائلة والأقرب إلى قلب والدها، ولم تكن تفارقه قط.
«إن كنت تعلم، فلا تنطق بهذا الهراء مرةً أخرى؛ ستعرض نفسك للهلاك فقط أيها الفتى. لا تزال صغيراً وأمامك الكثير لتتعلمه.»
إلى جانب حزنها، كانت تفضل العزلة ليقينها أن معظم الوافدين لا يحملون أي نوايا حسنة.
وتحت كل عينٍ استقرت شامةٌ صغيرة واحدة، كأنها نقطةٌ دقيقة أضافها الرسام عمدًا إلى لوحته ليمنحها تفصيلًا لا يُنسى.
من بين الحاضرين، كان جميع نبلاء المدينة يتوافدون على العزاء، غير أن سيليستيا لم ترغب في أن يقترب منها أحد.
على مقربة منها، كانت تقف فتاةٌ تبكي بدورها، لكنها كانت تتصدى لكل من يحاول الاقتراب، مبلّغةً إياهم بأدبٍ جمّ أن سيدتها لا ترغب في مقابلة أحد.
تراءت له صورة ظلية لشخصٍ كان يضع قدمه بقسوة بين رأسه وصدره يخنقه بلا رحمة، صورة لا تمحوها الأحقاب.
كانت الفتاة تتميز بشعرٍ أبيض وبشرةٍ داكنة تميل إلى الرمادي، مع عينين حمراوين كالجمر؛ إذ تنتمي إلى عرق “سومر” المنبوذ.
كان هذا بالتحديد السبب الأساسي الذي دفع سيليستيا لتأسيس دار الأيتام؛ فقد كان أغلب الأطفال المقيمين في تلك الجمعية ينتمون إلى هذا العرق المستعبد.
كبح الفارس لجام حصانه ونبس بصوتٍ متقطع: «سيدي، لقد عثرنا على جثةٍ أخرى!»
لم تطق سيليستيا يوماً رؤية التنمر يمارَس ضد هؤلاء البشر، فكان أول مشروعاتها شريان حياةٍ يُنقذ أكبر عددٍ منهم من ذلك المصير المحتوم، وهو ما فسر حجم الاعتراض الضخم الذي واجهه مشروعها الإنساني عند تدشينه.
داخل منزل عائلة نيفيس، كانت سيليستيا نيفيس تجلس في ركن الغرفة الخافت، حسناءً آسرةً بجمالٍ رقيقٍ وفريد، حتى ليخيّل للناظر إليها أنها صورةٌ حيّة رسمتها أنامل فنانٍ بارع.
إلى جانب حزنها، كانت تفضل العزلة ليقينها أن معظم الوافدين لا يحملون أي نوايا حسنة.
كبح الفارس لجام حصانه ونبس بصوتٍ متقطع: «سيدي، لقد عثرنا على جثةٍ أخرى!»
تقدم حارسٌ ونبس بأسى: «سيدي، لقد سألنا كل من يمكن سؤاله ولم نحصل على أي إجابةٍ تقربنا من المجرم.»
كانت سيليستيا على خلاف شقيقها “بران”، ذي الشعر الأسود والملامح الحادة الصارمة؛ إذ طالما نضح وجهه بالقسوة، غير أن تلك الحدة كانت تتلاشى كلياً بمجرد أن يرمق أخته الصغيرة، ليحل محلها حزنٌ يعتصر قلبه.
لم تطق سيليستيا يوماً رؤية التنمر يمارَس ضد هؤلاء البشر، فكان أول مشروعاتها شريان حياةٍ يُنقذ أكبر عددٍ منهم من ذلك المصير المحتوم، وهو ما فسر حجم الاعتراض الضخم الذي واجهه مشروعها الإنساني عند تدشينه.
صوت خربشاتٍ جافة تخرق الأسماع، جمدت كل من وقعت في أذنيه.
لم تكن تعرف حتى تلك اللحظة الدافع الحقيقي وراء مقتل والدها، وكان الحزن ينهك روحها.
تسللت الهالة إلى جوف السيف دون أن يلحظها معظم من في الميدان؛ خيوطٌ حبرية دقيقة جداً ومتشابكة، تندفع بتهور وضراوة في الخفاء.
من بين الحاضرين، كان جميع نبلاء المدينة يتوافدون على العزاء، غير أن سيليستيا لم ترغب في أن يقترب منها أحد.
لاحظت والدتها هذا الانكسار العميق، فدنت منها واحتضنتها بحنان؛ إذ كانت سيليستيا أصغر أفراد العائلة والأقرب إلى قلب والدها، ولم تكن تفارقه قط.
كان والدها حصنها المنيع الذي لم يشأ إرغامها قط، وها هو ذا الحصن ينكسر ويغادرها دون سابق إنذار.
وفي الليلة التي وقعت فيها الجريمة، لم تكن العائلة في المنزل، بل كانوا جميعاً خارج المدينة في زيارةٍ لبيت عائلة أمها.
هدأ روجان قليلاً وهو يفكر، قبل أن يستطرد الحارس بنبرةٍ حذرة: «سيدي، لدي تحليلٌ شخصي يمكنك أخذه بعين الاعتبار…»
في هذه الأثناء، وعلى مقربةٍ من ضفاف نهر “مارسي”، كان قائد الحراس روجان يرافقه أربعةُ محققين يستجوبون قاطني المباني المجاورة للشارع.
«ما هذه الهالة؟!» تمتم سيرويس بنبرة يداخلها شعورٌ مشؤوم وزلزالٌ دافن ينسرب إلى وجدانه.
فجأة، اقترب فارسٌ من البعيد، وتصاعد صوت حوافر حصانه وهي تقرع البلاط الحجري بسرعة.
****
كبح الفارس لجام حصانه ونبس بصوتٍ متقطع: «سيدي، لقد عثرنا على جثةٍ أخرى!»
جعد روجان حاجبيه متسائلاً: «أين؟»
على مقربة منها، كانت تقف فتاةٌ تبكي بدورها، لكنها كانت تتصدى لكل من يحاول الاقتراب، مبلّغةً إياهم بأدبٍ جمّ أن سيدتها لا ترغب في مقابلة أحد.
«في الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5… وجدنا جثة صاحب متجرٍ لبيع اللوحات، وقد قُتل وسُرقت معظم لوحاته!»
صاح روجان بذهول: «ماذا؟!»
وفي البعيد، لم يكن برانس المحتضر بأوفر حظاً؛ كان يغطي عينيه رعباً وهو ملقى على التراب، اخترقت شظية صخرية طائشة جسده، لتمزقه إلى نصفين.
تراءت له صورة ظلية لشخصٍ كان يضع قدمه بقسوة بين رأسه وصدره يخنقه بلا رحمة، صورة لا تمحوها الأحقاب.
نهاية الفصل
في هذه الأثناء، وعلى مقربةٍ من ضفاف نهر “مارسي”، كان قائد الحراس روجان يرافقه أربعةُ محققين يستجوبون قاطني المباني المجاورة للشارع.
«ربما لم تكن للقاتل عداوةٌ مباشرة مع السيد ألفريدو، بل إن هناك دافعاً آخر أدى لهذه الجريمة.»
