Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 13

العودة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

العودة

 

رد مانيس متنهداً: «هذا هو العالم الروحي يا بن جامات… لا تنسَ أنه نطاقٌ بالغ الخطورة؛ نسبة خروج المرء حياً من الاختبار لا تتعدى الأربعين بالمئة، تزيد أو تنقص بحسب الاختبار.»

 

واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»

 

 

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.

 

 

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

كان المكان صاخباً للغاية؛ المتاجر ممتلئةٌ بالمارة، وأصوات صرير العربات المحملة بالبضائع تزيد الأزقة إزعاجاً، بينما يصرخ باعة الفواكه المجففة والتوابل بعرض بضائعهم الزكية التي تفوح أريجاً في الأرجاء.

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

 

وعلى مقربةٍ منهم، يعرض الجزارون قطع اللحم الطازجة المعلقة على الخطاطيف الفولاذية، وينادي باعة الأسماك بصوتٍ جهوري لعرض صيد اليوم الطازج القادم من نهر “مارسي”، إلى جانب باعة الخبز والمخبوزات الساخنة الذين تتزاحم على طاولاتهم الخشبية الأيدي الجائعة.

رد واتسن بجمودٍ لا يحتمل النقاش: «لا يهم… أرني هاتين اللوحتين الآن.»

 

 

ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

لم يكن ثمة بأسٌ في تأمل هذا الإبداع بالمجان، غير أن العبور إلى الداخل يقتضي دفع رسمٍ معلوم.

لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»

 

 

خطا رجلٌ يحمل غرضاً مستطيلاً ملفوفاً بقماشٍ أسود داكن، وألقى بخمس قطعٍ نحاسية ونقراتها ترنّ نحو مساعد البائع عند الباب.

 

 

أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.

نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»

 

 

 

لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»

انتظر مانيس لبرهة، غير أن حافة السفينة ظلت خاويةً لا يظهر عليها أثرٌ لأي حركة.

 

 

بمجرد أن دفع الرجل الباب الخشبي الثقيل، انقطع صخب الشارع الخارجي فجأة، وكأنه خطى إلى عالمٍ آخر كتم أنفاس الجلَبة.

 

 

 

استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.

ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»

 

 

خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.

 

 

 

تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.

التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»

 

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

 

تساءل بن جامات بقرف: «لماذا دمه أسود؟»

التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»

زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»

 

أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»

لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.

 

 

 

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

 

 

 

ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»

ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»

 

 

رد واتسن بنبرةٍ باردة كادت تجمد الدماء في عروق البائع: «بل أنا من يريد طرح هذا السؤال عليك… ما الذي تفعله لوحةٌ مثل هذه لديك، ومن أين حصلت عليها؟»

 

 

 

استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»

 

 

 

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

 

 

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.

ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»

همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.

 

نهاية الفصل

تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.

نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»

 

ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»

أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.

 

 

 

لكن في اللحظة التالية، اندمج طيف واتسن بالهواء، ليظهر كالشبح بجانب الجدار وقبل أن تلمس يد البائع ذاك الجرس.

 

 

****

قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

 

 

 

اتسعت عينا البائع وبرزت عروق جبهته، بينما استحال لون وجهه إلى الحمرة الداكنة بفعل الاختناق. تخففت يد واتسن قليلاً ليسمح له بالنطق، متوعداً: «هذه فرصتك الأخيرة.»

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

 

تصببت جبهة البائع بالعرق، وقد شلته الخشية من السرعة المرعبة التي باغته بها غريمه، فتمتم بنبرةٍ متقطعة مبللة بالرعب: «سـ… سيدي! لا تقتلني، سأخبرك بكل شيء! هذه اللوحة وعدة لوحاتٍ أخرى… اشتريتها جميعاً من حارس عبيد!»

 

 

وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.

كرر واتسن الكلمة في سريرة نفسه باستهجان: “(حارس عبيد؟ ثمة أمرٌ خاطئ… ما الذي يحدث هنا بالضبط؟)”.

 

 

تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.

ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»

 

 

 

بلع البائع ريقه بصعوبة وأجاب: «لم تتبقَّ منها سوى لوحتين يا سيدي… لقد تم بيع البقية بالكامل.»

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

 

ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»

رد واتسن بجمودٍ لا يحتمل النقاش: «لا يهم… أرني هاتين اللوحتين الآن.»

 

 

 

****

خطا رجلٌ يحمل غرضاً مستطيلاً ملفوفاً بقماشٍ أسود داكن، وألقى بخمس قطعٍ نحاسية ونقراتها ترنّ نحو مساعد البائع عند الباب.

 

خطا رجلٌ يحمل غرضاً مستطيلاً ملفوفاً بقماشٍ أسود داكن، وألقى بخمس قطعٍ نحاسية ونقراتها ترنّ نحو مساعد البائع عند الباب.

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

 

 

همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.

أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»

 

 

وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.

 

 

 

ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»

 

 

رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»

تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.

 

 

جلس متسمرا لوقت طويل يراقب هذه الفاجعة، ثم تنهد بثقل، مردفاً: «الحياة لا تسير دوماً كما نبتغي.»

انتظر مانيس لبرهة، غير أن حافة السفينة ظلت خاويةً لا يظهر عليها أثرٌ لأي حركة.

ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.

 

استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»

استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.

 

 

 

زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»

 

 

 

تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.

تصببت جبهة البائع بالعرق، وقد شلته الخشية من السرعة المرعبة التي باغته بها غريمه، فتمتم بنبرةٍ متقطعة مبللة بالرعب: «سـ… سيدي! لا تقتلني، سأخبرك بكل شيء! هذه اللوحة وعدة لوحاتٍ أخرى… اشتريتها جميعاً من حارس عبيد!»

 

 

ساوره الشك، فتقدم بخطى حذرة وصعد إلى سطح السفينة.

 

 

أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.

وهناك، واجهه منظرٌ لم يحسب له حساباً، فقفز الرعب فجأة إلى سويداء قلبه؛ الدماء تكسو كل شبر من سطح السفينة، والجثث ملقاة في كل زاوية… الصبية بأكملهم، بمن فيهم العبيد، استحالوا أجساداً هامدة.

وعلى مقربةٍ منهم، يعرض الجزارون قطع اللحم الطازجة المعلقة على الخطاطيف الفولاذية، وينادي باعة الأسماك بصوتٍ جهوري لعرض صيد اليوم الطازج القادم من نهر “مارسي”، إلى جانب باعة الخبز والمخبوزات الساخنة الذين تتزاحم على طاولاتهم الخشبية الأيدي الجائعة.

 

 

حتى الرجال المتطوعون، لم ينجُ منهم أحد.

 

 

بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.

تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»

تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.

 

 

وقع بصره على جثة “برانس” المقطعة إلى جزئين، ثم لمح بالقرب منها كومةً من اللحم المهروس التي تشوهت معالمها فلم يعد يُعرف صاحبها.

 

 

 

وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.

 

 

 

همس في سريرته بمرارة: “من هو سيئ الحظ بين هؤلاء الصبية الذين قادهم إلى هذا الاختبار اللعين؟ سُتصفع القبيلة بضربةٍ موجعة حين يصلها هذا النبأ…”.

 

 

قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»

جلس متسمرا لوقت طويل يراقب هذه الفاجعة، ثم تنهد بثقل، مردفاً: «الحياة لا تسير دوماً كما نبتغي.»

استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.

 

 

رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»

بمجرد أن دفع الرجل الباب الخشبي الثقيل، انقطع صخب الشارع الخارجي فجأة، وكأنه خطى إلى عالمٍ آخر كتم أنفاس الجلَبة.

 

لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.

***

 

 

لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»

بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.

 

 

قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»

قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»

وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.

 

 

رد مانيس متنهداً: «هذا هو العالم الروحي يا بن جامات… لا تنسَ أنه نطاقٌ بالغ الخطورة؛ نسبة خروج المرء حياً من الاختبار لا تتعدى الأربعين بالمئة، تزيد أو تنقص بحسب الاختبار.»

 

 

 

أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»

 

 

أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

رد مانيس متنهداً: «هذا هو العالم الروحي يا بن جامات… لا تنسَ أنه نطاقٌ بالغ الخطورة؛ نسبة خروج المرء حياً من الاختبار لا تتعدى الأربعين بالمئة، تزيد أو تنقص بحسب الاختبار.»

 

****

وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»

تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.

 

 

«هاه؟!»

 

 

 

استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.

خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.

 

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

غير أنه بمجرد أن أطلا على جسد الناجي، تبدلت ملامح الشيخين واستحالت إلى الذهول والانتكاس.

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.

 

ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.

تمتم الاثنان في نفس اللحظة بنبرةٍ مشدوهة: «عبد…؟»

 

 

تساءل بن جامات بقرف: «لماذا دمه أسود؟»

كان “نومريس” ملقىً هناك، مغمض العينين، والدماء تتسرب بغزارة من أنفه وفمه، بل إنه كان يتقيأ بمرارةٍ سائلاً أسود كالحاً، مما أثار موجةً من الاشمئزاز والتقزز في نفوس الحاضرين.

 

 

 

تساءل بن جامات بقرف: «لماذا دمه أسود؟»

 

 

 

رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»

 

 

 

نهاية الفصل

تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط