العودة
تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.
تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.
الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.
كرر واتسن الكلمة في سريرة نفسه باستهجان: “(حارس عبيد؟ ثمة أمرٌ خاطئ… ما الذي يحدث هنا بالضبط؟)”.
تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.
كان المكان صاخباً للغاية؛ المتاجر ممتلئةٌ بالمارة، وأصوات صرير العربات المحملة بالبضائع تزيد الأزقة إزعاجاً، بينما يصرخ باعة الفواكه المجففة والتوابل بعرض بضائعهم الزكية التي تفوح أريجاً في الأرجاء.
وعلى مقربةٍ منهم، يعرض الجزارون قطع اللحم الطازجة المعلقة على الخطاطيف الفولاذية، وينادي باعة الأسماك بصوتٍ جهوري لعرض صيد اليوم الطازج القادم من نهر “مارسي”، إلى جانب باعة الخبز والمخبوزات الساخنة الذين تتزاحم على طاولاتهم الخشبية الأيدي الجائعة.
زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»
ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.
التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»
لم يكن ثمة بأسٌ في تأمل هذا الإبداع بالمجان، غير أن العبور إلى الداخل يقتضي دفع رسمٍ معلوم.
خطا رجلٌ يحمل غرضاً مستطيلاً ملفوفاً بقماشٍ أسود داكن، وألقى بخمس قطعٍ نحاسية ونقراتها ترنّ نحو مساعد البائع عند الباب.
خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.
نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»
في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.
لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»
رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»
بمجرد أن دفع الرجل الباب الخشبي الثقيل، انقطع صخب الشارع الخارجي فجأة، وكأنه خطى إلى عالمٍ آخر كتم أنفاس الجلَبة.
استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.
خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.
استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.
تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.
غير أنه بمجرد أن أطلا على جسد الناجي، تبدلت ملامح الشيخين واستحالت إلى الذهول والانتكاس.
واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»
ساوره الشك، فتقدم بخطى حذرة وصعد إلى سطح السفينة.
الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.
التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»
ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»
تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.
لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.
نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.
ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»
استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.
رد واتسن بنبرةٍ باردة كادت تجمد الدماء في عروق البائع: «بل أنا من يريد طرح هذا السؤال عليك… ما الذي تفعله لوحةٌ مثل هذه لديك، ومن أين حصلت عليها؟»
نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.
تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.
استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»
«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»
ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»
تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.
وهناك، واجهه منظرٌ لم يحسب له حساباً، فقفز الرعب فجأة إلى سويداء قلبه؛ الدماء تكسو كل شبر من سطح السفينة، والجثث ملقاة في كل زاوية… الصبية بأكملهم، بمن فيهم العبيد، استحالوا أجساداً هامدة.
قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»
أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.
وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»
لكن في اللحظة التالية، اندمج طيف واتسن بالهواء، ليظهر كالشبح بجانب الجدار وقبل أن تلمس يد البائع ذاك الجرس.
نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.
استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.
قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»
اتسعت عينا البائع وبرزت عروق جبهته، بينما استحال لون وجهه إلى الحمرة الداكنة بفعل الاختناق. تخففت يد واتسن قليلاً ليسمح له بالنطق، متوعداً: «هذه فرصتك الأخيرة.»
التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»
تصببت جبهة البائع بالعرق، وقد شلته الخشية من السرعة المرعبة التي باغته بها غريمه، فتمتم بنبرةٍ متقطعة مبللة بالرعب: «سـ… سيدي! لا تقتلني، سأخبرك بكل شيء! هذه اللوحة وعدة لوحاتٍ أخرى… اشتريتها جميعاً من حارس عبيد!»
كرر واتسن الكلمة في سريرة نفسه باستهجان: “(حارس عبيد؟ ثمة أمرٌ خاطئ… ما الذي يحدث هنا بالضبط؟)”.
في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.
اتسعت عينا البائع وبرزت عروق جبهته، بينما استحال لون وجهه إلى الحمرة الداكنة بفعل الاختناق. تخففت يد واتسن قليلاً ليسمح له بالنطق، متوعداً: «هذه فرصتك الأخيرة.»
ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»
تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.
بلع البائع ريقه بصعوبة وأجاب: «لم تتبقَّ منها سوى لوحتين يا سيدي… لقد تم بيع البقية بالكامل.»
«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»
لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.
رد واتسن بجمودٍ لا يحتمل النقاش: «لا يهم… أرني هاتين اللوحتين الآن.»
استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.
****
ساوره الشك، فتقدم بخطى حذرة وصعد إلى سطح السفينة.
في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.
تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.
همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.
رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»
وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»
وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.
****
ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»
رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»
ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»
تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.
لكن في اللحظة التالية، اندمج طيف واتسن بالهواء، ليظهر كالشبح بجانب الجدار وقبل أن تلمس يد البائع ذاك الجرس.
انتظر مانيس لبرهة، غير أن حافة السفينة ظلت خاويةً لا يظهر عليها أثرٌ لأي حركة.
رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»
زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»
استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.
زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»
استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.
تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.
ساوره الشك، فتقدم بخطى حذرة وصعد إلى سطح السفينة.
ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»
تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»
وهناك، واجهه منظرٌ لم يحسب له حساباً، فقفز الرعب فجأة إلى سويداء قلبه؛ الدماء تكسو كل شبر من سطح السفينة، والجثث ملقاة في كل زاوية… الصبية بأكملهم، بمن فيهم العبيد، استحالوا أجساداً هامدة.
حتى الرجال المتطوعون، لم ينجُ منهم أحد.
تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»
تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.
وقع بصره على جثة “برانس” المقطعة إلى جزئين، ثم لمح بالقرب منها كومةً من اللحم المهروس التي تشوهت معالمها فلم يعد يُعرف صاحبها.
وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.
همس في سريرته بمرارة: “من هو سيئ الحظ بين هؤلاء الصبية الذين قادهم إلى هذا الاختبار اللعين؟ سُتصفع القبيلة بضربةٍ موجعة حين يصلها هذا النبأ…”.
وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.
جلس متسمرا لوقت طويل يراقب هذه الفاجعة، ثم تنهد بثقل، مردفاً: «الحياة لا تسير دوماً كما نبتغي.»
لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.
رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»
ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»
رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»
***
بلع البائع ريقه بصعوبة وأجاب: «لم تتبقَّ منها سوى لوحتين يا سيدي… لقد تم بيع البقية بالكامل.»
بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.
استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»
قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»
همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.
رد مانيس متنهداً: «هذا هو العالم الروحي يا بن جامات… لا تنسَ أنه نطاقٌ بالغ الخطورة؛ نسبة خروج المرء حياً من الاختبار لا تتعدى الأربعين بالمئة، تزيد أو تنقص بحسب الاختبار.»
قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»
أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»
أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»
ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»
ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»
استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.
وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»
أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.
حتى الرجال المتطوعون، لم ينجُ منهم أحد.
«هاه؟!»
ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»
استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.
وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.
غير أنه بمجرد أن أطلا على جسد الناجي، تبدلت ملامح الشيخين واستحالت إلى الذهول والانتكاس.
تمتم الاثنان في نفس اللحظة بنبرةٍ مشدوهة: «عبد…؟»
نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»
تمتم الاثنان في نفس اللحظة بنبرةٍ مشدوهة: «عبد…؟»
ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»
واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»
كان “نومريس” ملقىً هناك، مغمض العينين، والدماء تتسرب بغزارة من أنفه وفمه، بل إنه كان يتقيأ بمرارةٍ سائلاً أسود كالحاً، مما أثار موجةً من الاشمئزاز والتقزز في نفوس الحاضرين.
تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»
ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»
تساءل بن جامات بقرف: «لماذا دمه أسود؟»
خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.
في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.
رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»
نهاية الفصل
كان “نومريس” ملقىً هناك، مغمض العينين، والدماء تتسرب بغزارة من أنفه وفمه، بل إنه كان يتقيأ بمرارةٍ سائلاً أسود كالحاً، مما أثار موجةً من الاشمئزاز والتقزز في نفوس الحاضرين.
