Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 13

العودة
PDF

العودة

 

نهاية الفصل

 

كان المكان صاخباً للغاية؛ المتاجر ممتلئةٌ بالمارة، وأصوات صرير العربات المحملة بالبضائع تزيد الأزقة إزعاجاً، بينما يصرخ باعة الفواكه المجففة والتوابل بعرض بضائعهم الزكية التي تفوح أريجاً في الأرجاء.

 

 

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.

 

 

 

كان المكان صاخباً للغاية؛ المتاجر ممتلئةٌ بالمارة، وأصوات صرير العربات المحملة بالبضائع تزيد الأزقة إزعاجاً، بينما يصرخ باعة الفواكه المجففة والتوابل بعرض بضائعهم الزكية التي تفوح أريجاً في الأرجاء.

خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.

 

بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.

وعلى مقربةٍ منهم، يعرض الجزارون قطع اللحم الطازجة المعلقة على الخطاطيف الفولاذية، وينادي باعة الأسماك بصوتٍ جهوري لعرض صيد اليوم الطازج القادم من نهر “مارسي”، إلى جانب باعة الخبز والمخبوزات الساخنة الذين تتزاحم على طاولاتهم الخشبية الأيدي الجائعة.

 

 

 

ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.

 

 

بمجرد أن دفع الرجل الباب الخشبي الثقيل، انقطع صخب الشارع الخارجي فجأة، وكأنه خطى إلى عالمٍ آخر كتم أنفاس الجلَبة.

لم يكن ثمة بأسٌ في تأمل هذا الإبداع بالمجان، غير أن العبور إلى الداخل يقتضي دفع رسمٍ معلوم.

وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»

 

 

خطا رجلٌ يحمل غرضاً مستطيلاً ملفوفاً بقماشٍ أسود داكن، وألقى بخمس قطعٍ نحاسية ونقراتها ترنّ نحو مساعد البائع عند الباب.

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

 

نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»

 

 

 

لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»

قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

 

نبس المساعد بلهفةٍ حذرة وهو يراه يتجاوزه: «سيدي الزبون، لا داعي للدفع إن كنت تقصد بيع لوحتك!»

بمجرد أن دفع الرجل الباب الخشبي الثقيل، انقطع صخب الشارع الخارجي فجأة، وكأنه خطى إلى عالمٍ آخر كتم أنفاس الجلَبة.

 

 

 

استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.

 

 

ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»

خطا بثباتٍ على الرخام الرمادي الملمع الذي ابتلع صوت وقع أقدامه، بينما جالت عيناه عبر الجدران المكسوة بالمخمل الكحلي الداكن؛ حيث تتوهج عشرات اللوحات المؤطرة بالذهب والنحاس المطلي خفيةً تحت الضوء الخافت المنساب من قناديل بلورية.

تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.

 

 

تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.

 

 

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»

 

 

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»

 

 

 

لم يكن هذا الرجل سوى “واتسن”؛ الشخص ذاته الذي زار منزل ألفريدو نيفيس في الليلة الماضية.

 

 

 

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

 

 

انتظر مانيس لبرهة، غير أن حافة السفينة ظلت خاويةً لا يظهر عليها أثرٌ لأي حركة.

ثبت صاحب المتجر نظرته على اللوحة، وأخذ يتفحص تفاصيلها بذهولٍ تتسع له حدقتاه، قبل أن ينبس باستغراب: «هذه اللوحة… لقد بعتها قبل سنةٍ ونصف للسيد ألفريدو نيفيس! ماذا تفعل عندك؟»

 

 

 

رد واتسن بنبرةٍ باردة كادت تجمد الدماء في عروق البائع: «بل أنا من يريد طرح هذا السؤال عليك… ما الذي تفعله لوحةٌ مثل هذه لديك، ومن أين حصلت عليها؟»

 

 

 

استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»

 

 

 

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»

 

 

ضيّق البائع عينيه بحذر: «ولماذا تسأل؟»

 

 

استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.

تراجع صاحب المتجر خطوةً محاولاً الاقتراب بجسده نحو الجدار المحاذي له.

وقع بصره على جثة “برانس” المقطعة إلى جزئين، ثم لمح بالقرب منها كومةً من اللحم المهروس التي تشوهت معالمها فلم يعد يُعرف صاحبها.

 

***

أدرك واتسن من حركة عيني البائع ومسار خطاه الغاية التي يسعى إليها؛ إذ كان يتجه نحو جرس إنذارٍ سري مُثبتٍ خفيةً على الجدار.

 

 

 

لكن في اللحظة التالية، اندمج طيف واتسن بالهواء، ليظهر كالشبح بجانب الجدار وقبل أن تلمس يد البائع ذاك الجرس.

بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.

 

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

قبض واتسن بضراوةٍ على حلقه، ضاغطاً بمخالبه الفولاذية حتى تسمر الرجل في مكانه، ثم همس بنبرةٍ قاطعة: «تكلم بسرعة، ليس لدي وقت… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

 

 

اتسعت عينا البائع وبرزت عروق جبهته، بينما استحال لون وجهه إلى الحمرة الداكنة بفعل الاختناق. تخففت يد واتسن قليلاً ليسمح له بالنطق، متوعداً: «هذه فرصتك الأخيرة.»

 

 

حتى الرجال المتطوعون، لم ينجُ منهم أحد.

تصببت جبهة البائع بالعرق، وقد شلته الخشية من السرعة المرعبة التي باغته بها غريمه، فتمتم بنبرةٍ متقطعة مبللة بالرعب: «سـ… سيدي! لا تقتلني، سأخبرك بكل شيء! هذه اللوحة وعدة لوحاتٍ أخرى… اشتريتها جميعاً من حارس عبيد!»

 

 

استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.

كرر واتسن الكلمة في سريرة نفسه باستهجان: “(حارس عبيد؟ ثمة أمرٌ خاطئ… ما الذي يحدث هنا بالضبط؟)”.

 

 

 

ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»

 

 

 

بلع البائع ريقه بصعوبة وأجاب: «لم تتبقَّ منها سوى لوحتين يا سيدي… لقد تم بيع البقية بالكامل.»

 

 

 

رد واتسن بجمودٍ لا يحتمل النقاش: «لا يهم… أرني هاتين اللوحتين الآن.»

 

 

 

****

 

 

 

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

استنشق الرجل رائحة المكان العتيقة التي امتزج فيها عبير أخشاب الصنوبر المعتّقة بزيوت الكتان وأحبار الرسم المجففة.

 

 

همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.

وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.

 

 

وما إن تفوه مانيس بخاطرته حتى شقت ظلال السفينة التي غادر على متنها الصبية ركام الضباب؛ انقشعت الغلالة الرمادية لتبدو السفينة الشراعية جليةً، غير أنها كانت في حالةٍ يندى لها الجبين ويرثى لها.

نهاية الفصل

 

 

ابتسم مانيس باشمئزاز متخللٍ بالارتياح: «أخيراً… لقد عادوا.»

 

 

واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»

تهادت السفينة رويداً رويداً نحو الضفة، حتى رست عند الجرف الصخري الذي انطلقت منه.

الضاحية الجنوبية، الشارع رقم 5.

 

 

انتظر مانيس لبرهة، غير أن حافة السفينة ظلت خاويةً لا يظهر عليها أثرٌ لأي حركة.

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

 

 

استغرب مانيس قائلاً: “ما بال هؤلاء الفتية؟ أهُم غارقون في النوم؟”.

نزع واتسن القماش الأسود بسلاسة ليُعري شفرة اللوحة، ثم ناولها للبائع وهو يراقب أدق التغيرات الطارئة على حركات وجهه.

 

همهم لنفسه بقلق: “لقد تأخر أولئك الفتية… هل وقع لهم شيء هناك؟”.

زأر بصوتٍ جهوري شق سكون الكهف: «برانس! جان! هل أنتم هناك؟!»

 

 

لم يُعر الرجل كلامه اهتماماً وأكمل طريقه، ليراقبه المساعد بابتسامةٍ جشعة وهو يدس النحاسيات في جيبه: «شكراً على الإكرامية يا سيدي!»

تردد صدى صراخه بين الصخور دون أن يأتيه أي رد.

 

تجاوز لوحاتٍ تُظهر مناظر طبيعية لسهولٍ وضفاف أنهار، وأخرى تُجسد بورتريهاتٍ لنبلاء بنظراتٍ حادة غامضة، قبل أن يمر بين حوامل خشبية ضخمة تتصدر منتصف المتجر وتحمل أعمالاً قيد العرض، وتواجهها أريكاتٌ جلدية داكنة خالية من الجالسين.

ساوره الشك، فتقدم بخطى حذرة وصعد إلى سطح السفينة.

 

 

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

وهناك، واجهه منظرٌ لم يحسب له حساباً، فقفز الرعب فجأة إلى سويداء قلبه؛ الدماء تكسو كل شبر من سطح السفينة، والجثث ملقاة في كل زاوية… الصبية بأكملهم، بمن فيهم العبيد، استحالوا أجساداً هامدة.

ثم قَطَع حبل تفكيره قائلاً بجفاف: «أرني بقية تلك اللوحات.»

 

 

حتى الرجال المتطوعون، لم ينجُ منهم أحد.

 

 

 

تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»

 

 

 

وقع بصره على جثة “برانس” المقطعة إلى جزئين، ثم لمح بالقرب منها كومةً من اللحم المهروس التي تشوهت معالمها فلم يعد يُعرف صاحبها.

واصل الرجل خطاه الرزينة متجاوزاً ذلك الإبداع المعلق، قبل أن ينبعث فجأة صوتٌ ناعم من خلفه: «مرحباً بك يا سيدي… كيف يمكنني مساعدتك؟»

 

تمتم بذهولٍ وصدمة: «ما الذي حدث لهم بحق الجحيم؟!»

وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.

 

 

 

همس في سريرته بمرارة: “من هو سيئ الحظ بين هؤلاء الصبية الذين قادهم إلى هذا الاختبار اللعين؟ سُتصفع القبيلة بضربةٍ موجعة حين يصلها هذا النبأ…”.

 

 

استشعر صاحب المتجر ريبةً قاتلة تتسلل من سؤال واتسن، فرد بتلعثم: «لم أفهم مقصودك يا سيدي…»

جلس متسمرا لوقت طويل يراقب هذه الفاجعة، ثم تنهد بثقل، مردفاً: «الحياة لا تسير دوماً كما نبتغي.»

 

 

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

رفع يده نحو صدره مثبتةً إياها بمهابة، وهو ينظر إلى رفات القتلى، ثم صاح بنبرةٍ صاخبة ممتلئة بالوقار: «المجد للقدماء!»

في عمق الكهف، وتحديداً عند منبع النهر الذي كان يتلألأ بوهجٍ أبيض خافت، جلس “مانيس” بجسده العريض بمحاذاة حصانه، يراقب المدى البعيد بعينين ثاقبتين؛ يرصد ذاك الضباب الكثيف وهو يلتهم التضاريس بلا هوادة.

 

كان “نومريس” ملقىً هناك، مغمض العينين، والدماء تتسرب بغزارة من أنفه وفمه، بل إنه كان يتقيأ بمرارةٍ سائلاً أسود كالحاً، مما أثار موجةً من الاشمئزاز والتقزز في نفوس الحاضرين.

***

 

 

 

بعد مضي برهة من الوقت، بدأ العمال بنقل جثامين الضحايا إلى العربات لقطع رحلة العودة نحو القبيلة؛ إذ كان دخول العربات إلى هذا الموقع اليوم استثناءً فرضته الفاجعة.

همس في سريرته بمرارة: “من هو سيئ الحظ بين هؤلاء الصبية الذين قادهم إلى هذا الاختبار اللعين؟ سُتصفع القبيلة بضربةٍ موجعة حين يصلها هذا النبأ…”.

 

التفت الرجل بخطوةٍ هادئة، وكان وجهه متوارياً تحت ظلال ردائه الأسود. أزاح الغطاء ببطء كاشفاً عن ملامحه، ثم حدق بجمودٍ في صاحب المتجر وهو يرفع الغرض الملتف بالقماش: «أريد بيع هذه اللوحة.»

قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»

 

 

 

رد مانيس متنهداً: «هذا هو العالم الروحي يا بن جامات… لا تنسَ أنه نطاقٌ بالغ الخطورة؛ نسبة خروج المرء حياً من الاختبار لا تتعدى الأربعين بالمئة، تزيد أو تنقص بحسب الاختبار.»

 

 

 

أضاف بن جامات وهو يفرك جبهته: «المصائب تتوالى على قبيلتنا يوماً تلو الآخر؛ ضغط القبائل المجاورة يتزايد، ومخزون الطعام يتضاءل شهراً بعد شهر، ونحن بأمس الحاجة لتوسيع رقعة الصيد… والآن يفقد الصبية أرواحهم هكذا! أي حظٍ لعين هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هذه النقمة؟»

 

 

 

ربت مانيس على كتف الرجل ذي الشعر الرمادي الذي يقف أمامه، محاولاً تهدئته: «كل شيءٍ سيمضي مع الوقت… لنجهز لهم مراسم جنازةٍ تليق بهم أولاً، ثم نفكر في خطواتنا القادمة.»

 

 

بلع البائع ريقه بصعوبة وأجاب: «لم تتبقَّ منها سوى لوحتين يا سيدي… لقد تم بيع البقية بالكامل.»

وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»

 

 

 

«هاه؟!»

 

 

وفجأة، قطع صوتُ أحد العمال حوارهما وهو يصيح بذهول: «أيها الشيخ مانيس! هناك شخصٌ لا يزال ينبض بالحياة!»

استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.

«سؤالي واضحٌ تماماً… من أين حصلت على هذه اللوحة؟»

 

وضع مانيس يده على أنفه وغطى وجهه كاظماً رغبةً عارمة في التقيؤ، وجال بعينيه بين أرجاء المجزرة فلم يجد روحاً واحدة تنبض بالحياة.

غير أنه بمجرد أن أطلا على جسد الناجي، تبدلت ملامح الشيخين واستحالت إلى الذهول والانتكاس.

غير أنه بمجرد أن أطلا على جسد الناجي، تبدلت ملامح الشيخين واستحالت إلى الذهول والانتكاس.

 

 

تمتم الاثنان في نفس اللحظة بنبرةٍ مشدوهة: «عبد…؟»

 

 

رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»

كان “نومريس” ملقىً هناك، مغمض العينين، والدماء تتسرب بغزارة من أنفه وفمه، بل إنه كان يتقيأ بمرارةٍ سائلاً أسود كالحاً، مما أثار موجةً من الاشمئزاز والتقزز في نفوس الحاضرين.

 

 

 

تساءل بن جامات بقرف: «لماذا دمه أسود؟»

 

 

 

رد مانيس بصرامة قاطعة: «لا يهم إن كان دمه أسود أو أصفر! المهم أنه حي… خذوه فوراً إلى القبيلة وداووا جراحه؛ نحتاج لاستجوابه فور استيقاظه لنفهم ما الذي جرى بالضبط لصبية القبيلة داخل العالم الروحي!»

 

 

قال “بن جامات” بصوتٍ ينضح بالمرارة والأسى: «عشرون صبياً من أبناء القبيلة، يرافقهم ستون عبداً وعشرة رجالٍ متطوعين… تسعون روحاً لقيت حتفها في الداخل!»

نهاية الفصل

استدار مانيس وبن جامات بسرعةٍ خاطفة نحو العربة، وهرولا نحوها والانشراح يغمر قلبيهما؛ فنجاة فردٍ واحد -مهما كان- تعد مكسباً وسط هذه الفاجعة.

ومع ذلك، وسط هذا الزحام الشديد، برز متجرٌ محاطٌ بنفرٍ من الفضوليين؛ كان يبيع لوحاتٍ ورسوماتٍ في غاية الجمال، يكتفي العابرون بمطالعتها من الخارج.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط