ممسوس
«أمي!»
كانت أمه تقف أمامه مباشرة، فابتسم نومريس وهو يقترب منها؛ إذ مضت سنتان كاملتان منذ آخر مرة رآها فيها.
أمام هذا الصمت المطبق، حذره العجوز قائلاً: «ستقع في مأزقٍ لا تُحمد عقباه إن واجهك شيوخ القبيلة بأسئلتهم ولاذت شفتاك بالصمت.»
كان بساط العشب الأخضر هو كل ما يفصل بينهما، تحت شمسٍ سوداء تطلق وهجها الخافت في كبد السماء، بينما تتكفل الرياح القوية بتحريك ثوبها الأحمر الأنيق.
«استفقتَ إذاً…»
تمتم بلهفة: «أمي… وجدتكِ أخيراً.»
رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»
مع استيقاظ جنينه الروحي، لم تعد البنية الجسدية لنومريس كما كانت في السابق؛ بل طرأت عليها طفرةٌ مرعبة رفعت قدراته البدنية وحواسه إلى مستوياتٍ تتجاوز الحدود البشرية.
غير أنه كلما تسارعت خطاه نحوها، ابتعدت هي أكثر فأكثر وكأن المسافة بينهما سرابٌ لا ينتهي.
رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.
لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
لكن دون جدوى… وفجأة، شق سكون المكان صراخٌ ملتاعٌ من أمامه!
تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.
ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
رد العجوز بهدوء: «أين أنت؟ بطبيعة الحال… أنت في القبيلة.»
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.
كانت أمه تنظر نحو ابنها ودموع الأسى تملأ وجهها الجميل، بينما اتسخت ملابسها بالتراب وتدفقت الدماء من جراحها النازفة.
ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.
«أمي!»
انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.
صرخ نومريس مدوياً في اللحظة ذاتها التي ضربت فيها صاعقةٌ رعدية مرعبة كبد السماء.
صرخ نومريس مدوياً في اللحظة ذاتها التي ضربت فيها صاعقةٌ رعدية مرعبة كبد السماء.
أحدث الصوت دَوِيّاً هائلاً جَعَل نومريس يَنْتَفِضُ صَاعِداً مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَلْهَثُ بِشِدَّةٍ وَيَكْبُسُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ المَثْقُولِ بِالأَلَمِ.
تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.
«القبيلة…؟»
همس بنبرةٍ متقطعة: «أمي…»
تمتم بلهفة: «أمي… وجدتكِ أخيراً.»
سكت لبرهة، وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة، ثم أردف في سريرته: “حلم إذاً…”.
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
على الطاولة المحاذية لسريره، كانت بضع شموعٍ تطلق ألسنة لهبٍ خافتة تتراقص ببطء، بجانب قنديلٍ زيتي معلقٍ على الجدار الحجري المتهالك، يلقي بظلاله الذهبية الباهتة على رأس غزالٍ ضخم محنطٍ مثبتٍ على الجدار بجانب رأس نومريس مباشرة، متطلعاً إلى الفراغ بعينين زجاجيتين جامدتين.
كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.
رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.
السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
«أين أنا…؟»
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
«أمي!»
في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.
«نمتُ ليومين؟»
تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.
«ماذا يجري لك؟!»
ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
«استفقتَ إذاً…»
تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»
لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.
رد العجوز بهدوء: «أين أنت؟ بطبيعة الحال… أنت في القبيلة.»
نهاية الفصل
أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.
«القبيلة…؟»
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.
كان الناس يركضون بلهفةٍ صوب كوخهم للاحتماء، بينما يُساق ما تبقى من الماشية والدواب نحو الحظائر؛ لم يكن المساء قد حل بعد، غير أن ظلمة الغيوم الداكنة وهطول المطر المنهار فرضا على المكان عتمةً أشبه بالغسق.
«أمي!»
لكن دون جدوى… وفجأة، شق سكون المكان صراخٌ ملتاعٌ من أمامه!
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
وقف نومريس متفاجئاً لبرهة، يتأمل السيف بجسدٍ متيبس؛ إذ لم يدرِ قط كيف ولا متى حط هذا السيف على خصره، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً أمام فيض الشفرات المعرفية التي انهمرت في عقله؛ لقد أدرك بالكامل كيفية تفعيل قدرته المرتبطة بالخوف وتوجيهها.
«نمتُ ليومين؟»
فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
وفي الحقيقة… ينتابني فضولٌ شديد لمعرفة ما جرى لكم داخل ذاك العالم الروحي.»
في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.
ساد الصمت أرجاء المكان، بينما أخذ نومريس يسترجع شريط الذكريات المروع؛ بدايةً من العبيد واقتيادهم كالقرابين نحو الكهف، مروراً بتلك الغرفة الغامضة، وانتهاءً بالحرب المأساوية التي التهمت الجميع.
«أمي!»
تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.
أمام هذا الصمت المطبق، حذره العجوز قائلاً: «ستقع في مأزقٍ لا تُحمد عقباه إن واجهك شيوخ القبيلة بأسئلتهم ولاذت شفتاك بالصمت.»
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
ورغم تحذير العجوز وعواقب العودة إلى قبضة الشيوخ، بقي نومريس ثابتاً، محتفظاً بسكونٍ مريب يتناقض تماماً مع ذعره وخوفه القديم.
نهاية الفصل
لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»
تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
وفجأة، انقبض رأس نومريس بضراوة، واعترته نوبة ألمٍ حادة جعلته يكبس على رأسه بجميع أصابعه وكأن ثمة يداً خفية تعبث بتلافيف دماغه.
لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.
«ماذا يجري لك؟!»
فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.
وفجأة، انقبض رأس نومريس بضراوة، واعترته نوبة ألمٍ حادة جعلته يكبس على رأسه بجميع أصابعه وكأن ثمة يداً خفية تعبث بتلافيف دماغه.
انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.
اشتد الألم لدرجةٍ تكاد لا تُطاق، غير أنه لم يدم سوى لحظاتٍ معدودة قبل أن يزول فجأة كما بدأ، مخلفاً وراءه صفاءً عارماً.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»
لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.
انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.
فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.
في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
أمام هذا الصمت المطبق، حذره العجوز قائلاً: «ستقع في مأزقٍ لا تُحمد عقباه إن واجهك شيوخ القبيلة بأسئلتهم ولاذت شفتاك بالصمت.»
أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.
تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
وقف نومريس متفاجئاً لبرهة، يتأمل السيف بجسدٍ متيبس؛ إذ لم يدرِ قط كيف ولا متى حط هذا السيف على خصره، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً أمام فيض الشفرات المعرفية التي انهمرت في عقله؛ لقد أدرك بالكامل كيفية تفعيل قدرته المرتبطة بالخوف وتوجيهها.
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
مع استيقاظ جنينه الروحي، لم تعد البنية الجسدية لنومريس كما كانت في السابق؛ بل طرأت عليها طفرةٌ مرعبة رفعت قدراته البدنية وحواسه إلى مستوياتٍ تتجاوز الحدود البشرية.
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.
كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.
لقد بات نومريس الآن… ممسوساً.
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
نهاية الفصل
