ممسوس
«أين أنا…؟»
كانت أمه تقف أمامه مباشرة، فابتسم نومريس وهو يقترب منها؛ إذ مضت سنتان كاملتان منذ آخر مرة رآها فيها.
كان بساط العشب الأخضر هو كل ما يفصل بينهما، تحت شمسٍ سوداء تطلق وهجها الخافت في كبد السماء، بينما تتكفل الرياح القوية بتحريك ثوبها الأحمر الأنيق.
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
تمتم بلهفة: «أمي… وجدتكِ أخيراً.»
رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»
«ماذا يجري لك؟!»
غير أنه كلما تسارعت خطاه نحوها، ابتعدت هي أكثر فأكثر وكأن المسافة بينهما سرابٌ لا ينتهي.
لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.
«نمتُ ليومين؟»
لكن دون جدوى… وفجأة، شق سكون المكان صراخٌ ملتاعٌ من أمامه!
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
«نمتُ ليومين؟»
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
كانت أمه تنظر نحو ابنها ودموع الأسى تملأ وجهها الجميل، بينما اتسخت ملابسها بالتراب وتدفقت الدماء من جراحها النازفة.
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
«أمي!»
«نمتُ ليومين؟»
صرخ نومريس مدوياً في اللحظة ذاتها التي ضربت فيها صاعقةٌ رعدية مرعبة كبد السماء.
«ماذا يجري لك؟!»
أحدث الصوت دَوِيّاً هائلاً جَعَل نومريس يَنْتَفِضُ صَاعِداً مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَلْهَثُ بِشِدَّةٍ وَيَكْبُسُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ المَثْقُولِ بِالأَلَمِ.
همس بنبرةٍ متقطعة: «أمي…»
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
سكت لبرهة، وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة، ثم أردف في سريرته: “حلم إذاً…”.
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
على الطاولة المحاذية لسريره، كانت بضع شموعٍ تطلق ألسنة لهبٍ خافتة تتراقص ببطء، بجانب قنديلٍ زيتي معلقٍ على الجدار الحجري المتهالك، يلقي بظلاله الذهبية الباهتة على رأس غزالٍ ضخم محنطٍ مثبتٍ على الجدار بجانب رأس نومريس مباشرة، متطلعاً إلى الفراغ بعينين زجاجيتين جامدتين.
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»
رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.
السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.
«أين أنا…؟»
وقف نومريس متفاجئاً لبرهة، يتأمل السيف بجسدٍ متيبس؛ إذ لم يدرِ قط كيف ولا متى حط هذا السيف على خصره، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً أمام فيض الشفرات المعرفية التي انهمرت في عقله؛ لقد أدرك بالكامل كيفية تفعيل قدرته المرتبطة بالخوف وتوجيهها.
في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.
همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.
دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.
في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.
ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.
تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.
ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.
أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
«استفقتَ إذاً…»
في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.
جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.
تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.
سكت لبرهة، وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة، ثم أردف في سريرته: “حلم إذاً…”.
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»
دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.
رد العجوز بهدوء: «أين أنت؟ بطبيعة الحال… أنت في القبيلة.»
«القبيلة…؟»
انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.
كان الناس يركضون بلهفةٍ صوب كوخهم للاحتماء، بينما يُساق ما تبقى من الماشية والدواب نحو الحظائر؛ لم يكن المساء قد حل بعد، غير أن ظلمة الغيوم الداكنة وهطول المطر المنهار فرضا على المكان عتمةً أشبه بالغسق.
«ماذا يجري لك؟!»
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
كانت أمه تقف أمامه مباشرة، فابتسم نومريس وهو يقترب منها؛ إذ مضت سنتان كاملتان منذ آخر مرة رآها فيها.
«نمتُ ليومين؟»
تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
وفي الحقيقة… ينتابني فضولٌ شديد لمعرفة ما جرى لكم داخل ذاك العالم الروحي.»
لقد بات نومريس الآن… ممسوساً.
كانت أمه تنظر نحو ابنها ودموع الأسى تملأ وجهها الجميل، بينما اتسخت ملابسها بالتراب وتدفقت الدماء من جراحها النازفة.
ساد الصمت أرجاء المكان، بينما أخذ نومريس يسترجع شريط الذكريات المروع؛ بدايةً من العبيد واقتيادهم كالقرابين نحو الكهف، مروراً بتلك الغرفة الغامضة، وانتهاءً بالحرب المأساوية التي التهمت الجميع.
«استفقتَ إذاً…»
أمام هذا الصمت المطبق، حذره العجوز قائلاً: «ستقع في مأزقٍ لا تُحمد عقباه إن واجهك شيوخ القبيلة بأسئلتهم ولاذت شفتاك بالصمت.»
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
ورغم تحذير العجوز وعواقب العودة إلى قبضة الشيوخ، بقي نومريس ثابتاً، محتفظاً بسكونٍ مريب يتناقض تماماً مع ذعره وخوفه القديم.
تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.
لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
كان الناس يركضون بلهفةٍ صوب كوخهم للاحتماء، بينما يُساق ما تبقى من الماشية والدواب نحو الحظائر؛ لم يكن المساء قد حل بعد، غير أن ظلمة الغيوم الداكنة وهطول المطر المنهار فرضا على المكان عتمةً أشبه بالغسق.
تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”
دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.
وفجأة، انقبض رأس نومريس بضراوة، واعترته نوبة ألمٍ حادة جعلته يكبس على رأسه بجميع أصابعه وكأن ثمة يداً خفية تعبث بتلافيف دماغه.
«ماذا يجري لك؟!»
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.
نهاية الفصل
اشتد الألم لدرجةٍ تكاد لا تُطاق، غير أنه لم يدم سوى لحظاتٍ معدودة قبل أن يزول فجأة كما بدأ، مخلفاً وراءه صفاءً عارماً.
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»
أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»
انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.
في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.
ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»
أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.
تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»
«نمتُ ليومين؟»
«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»
وقف نومريس متفاجئاً لبرهة، يتأمل السيف بجسدٍ متيبس؛ إذ لم يدرِ قط كيف ولا متى حط هذا السيف على خصره، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً أمام فيض الشفرات المعرفية التي انهمرت في عقله؛ لقد أدرك بالكامل كيفية تفعيل قدرته المرتبطة بالخوف وتوجيهها.
“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”
مع استيقاظ جنينه الروحي، لم تعد البنية الجسدية لنومريس كما كانت في السابق؛ بل طرأت عليها طفرةٌ مرعبة رفعت قدراته البدنية وحواسه إلى مستوياتٍ تتجاوز الحدود البشرية.
صرخ نومريس مدوياً في اللحظة ذاتها التي ضربت فيها صاعقةٌ رعدية مرعبة كبد السماء.
كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.
اشتد الألم لدرجةٍ تكاد لا تُطاق، غير أنه لم يدم سوى لحظاتٍ معدودة قبل أن يزول فجأة كما بدأ، مخلفاً وراءه صفاءً عارماً.
لقد بات نومريس الآن… ممسوساً.
تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»
نهاية الفصل
أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.
نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.
