Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 14

ممسوس
PDF

ممسوس

 

 

 

كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.

 

 

كانت أمه تقف أمامه مباشرة، فابتسم نومريس وهو يقترب منها؛ إذ مضت سنتان كاملتان منذ آخر مرة رآها فيها.

 

 

 

كان بساط العشب الأخضر هو كل ما يفصل بينهما، تحت شمسٍ سوداء تطلق وهجها الخافت في كبد السماء، بينما تتكفل الرياح القوية بتحريك ثوبها الأحمر الأنيق.

فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.

 

لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.

تمتم بلهفة: «أمي… وجدتكِ أخيراً.»

 

 

 

رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»

 

 

 

غير أنه كلما تسارعت خطاه نحوها، ابتعدت هي أكثر فأكثر وكأن المسافة بينهما سرابٌ لا ينتهي.

ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»

 

 

لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.

«أمي!»

 

كان بساط العشب الأخضر هو كل ما يفصل بينهما، تحت شمسٍ سوداء تطلق وهجها الخافت في كبد السماء، بينما تتكفل الرياح القوية بتحريك ثوبها الأحمر الأنيق.

لكن دون جدوى… وفجأة، شق سكون المكان صراخٌ ملتاعٌ من أمامه!

 

 

 

«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»

أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.

 

«أين أنا…؟»

نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.

 

 

ساد الصمت أرجاء المكان، بينما أخذ نومريس يسترجع شريط الذكريات المروع؛ بدايةً من العبيد واقتيادهم كالقرابين نحو الكهف، مروراً بتلك الغرفة الغامضة، وانتهاءً بالحرب المأساوية التي التهمت الجميع.

كانت أمه تنظر نحو ابنها ودموع الأسى تملأ وجهها الجميل، بينما اتسخت ملابسها بالتراب وتدفقت الدماء من جراحها النازفة.

رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»

 

 

«أمي!»

ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.

 

 

صرخ نومريس مدوياً في اللحظة ذاتها التي ضربت فيها صاعقةٌ رعدية مرعبة كبد السماء.

 

 

أحدث الصوت دَوِيّاً هائلاً جَعَل نومريس يَنْتَفِضُ صَاعِداً مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَلْهَثُ بِشِدَّةٍ وَيَكْبُسُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ المَثْقُولِ بِالأَلَمِ.

أحدث الصوت دَوِيّاً هائلاً جَعَل نومريس يَنْتَفِضُ صَاعِداً مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَلْهَثُ بِشِدَّةٍ وَيَكْبُسُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ المَثْقُولِ بِالأَلَمِ.

 

 

 

همس بنبرةٍ متقطعة: «أمي…»

 

 

ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.

سكت لبرهة، وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة، ثم أردف في سريرته: “حلم إذاً…”.

تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”

 

 

جال بنظراته في المحيط من حوله ليستكشف المكان؛ كان يرقد على سريرٍ خشبي بدائي داخل غرفةٍ عتيقة يلفها الغموض.

 

 

غير أنه كلما تسارعت خطاه نحوها، ابتعدت هي أكثر فأكثر وكأن المسافة بينهما سرابٌ لا ينتهي.

على الطاولة المحاذية لسريره، كانت بضع شموعٍ تطلق ألسنة لهبٍ خافتة تتراقص ببطء، بجانب قنديلٍ زيتي معلقٍ على الجدار الحجري المتهالك، يلقي بظلاله الذهبية الباهتة على رأس غزالٍ ضخم محنطٍ مثبتٍ على الجدار بجانب رأس نومريس مباشرة، متطلعاً إلى الفراغ بعينين زجاجيتين جامدتين.

رد العجوز بهدوء: «أين أنت؟ بطبيعة الحال… أنت في القبيلة.»

 

في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.

رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.

 

 

 

السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.

 

 

فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.

«أين أنا…؟»

«نمتُ ليومين؟»

 

 

همس نومريس بتوجس وهو ينتفض حذراً من مكانه، متلمساً أطراف السرير بينما انقبض صدره من جهل موقعه الحالي.

 

 

 

في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.

 

 

 

وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.

 

 

 

دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.

 

 

«ماذا يجري لك؟!»

تحامل على جسده المنهك وخطا بثباتٍ حذر نحو مدخل الغرفة، ثم أزاح الستار المتراب الذي يحجب الرؤية؛ ليُطل على عجوز يجلس أمام طاولةٍ عتيقة، يدق بحركاتٍ منتظمة بعض النباتات المجففة داخل وعاءٍ خشبي مجوف.

 

 

وفي الحقيقة… ينتابني فضولٌ شديد لمعرفة ما جرى لكم داخل ذاك العالم الروحي.»

ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.

 

 

نهاية الفصل

«استفقتَ إذاً…»

 

 

كانت أمه تقف أمامه مباشرة، فابتسم نومريس وهو يقترب منها؛ إذ مضت سنتان كاملتان منذ آخر مرة رآها فيها.

تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.

نطق تلك الكلمات رجلٌ مجهول وهو يمسك بشعر أمه بضراوة ويجرها خلفه بخطى غير مبالية.

 

كانت أمه تنظر نحو ابنها ودموع الأسى تملأ وجهها الجميل، بينما اتسخت ملابسها بالتراب وتدفقت الدماء من جراحها النازفة.

ثبّت نومريس نظراته على العجوز للحظات، ثم تساءل بنبرةٍ جافة: «أين أنا؟»

«المحطة التالية… مدينة نيفيريا!»

 

 

رد العجوز بهدوء: «أين أنت؟ بطبيعة الحال… أنت في القبيلة.»

غير أنه كلما تسارعت خطاه نحوها، ابتعدت هي أكثر فأكثر وكأن المسافة بينهما سرابٌ لا ينتهي.

 

 

«القبيلة…؟»

رائحة الكهوف الرطبة الممزوجة بعبير الأعشاب المغلية المجففة كانت تملأ الأجواء، بينما كانت حزم النباتات وجلود الحيوانات المجهزة تُدلى من الأسقف الخشبية الداكنة.

 

 

كرر نومريس الكلمة باستهجانٍ مكتوم، ثم تحرك بخطى هادئة نحو النافذة المستقرة عن يساره. أزاح ضلفتيها إلى الجانبين، ليتدفق هواؤها المحمل برائحة المطر الغزير الذي يضرب الساحة الخارجية.

 

 

 

كان الناس يركضون بلهفةٍ صوب كوخهم للاحتماء، بينما يُساق ما تبقى من الماشية والدواب نحو الحظائر؛ لم يكن المساء قد حل بعد، غير أن ظلمة الغيوم الداكنة وهطول المطر المنهار فرضا على المكان عتمةً أشبه بالغسق.

 

 

 

أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»

 

 

رفع يديه مستقبلاً الهواء، طمعاً في عناقٍ طالما افتقده واشتاق إليه، وواصل الركض ونظراته معلقة بوجهها المبتسم: «لقد اشتقتُ لكِ جداً!»

«نمتُ ليومين؟»

في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.

 

 

أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.

في تلك اللحظة، اختَرق مسامعه صوت قرع قطرات المطر المنهارة بضراوة على السقف الخشبي والنافذة المغلقة، ليندمج صوت الهطول الخارجي مع أنفاسه المتلاحقة ورنين الصمت المريب داخل الغرفة.

 

 

وفي الحقيقة… ينتابني فضولٌ شديد لمعرفة ما جرى لكم داخل ذاك العالم الروحي.»

في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.

 

نهاية الفصل

ساد الصمت أرجاء المكان، بينما أخذ نومريس يسترجع شريط الذكريات المروع؛ بدايةً من العبيد واقتيادهم كالقرابين نحو الكهف، مروراً بتلك الغرفة الغامضة، وانتهاءً بالحرب المأساوية التي التهمت الجميع.

 

 

كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.

أمام هذا الصمت المطبق، حذره العجوز قائلاً: «ستقع في مأزقٍ لا تُحمد عقباه إن واجهك شيوخ القبيلة بأسئلتهم ولاذت شفتاك بالصمت.»

 

 

تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.

ورغم تحذير العجوز وعواقب العودة إلى قبضة الشيوخ، بقي نومريس ثابتاً، محتفظاً بسكونٍ مريب يتناقض تماماً مع ذعره وخوفه القديم.

أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»

 

 

لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.

نهاية الفصل

 

أحدث الصوت دَوِيّاً هائلاً جَعَل نومريس يَنْتَفِضُ صَاعِداً مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَلْهَثُ بِشِدَّةٍ وَيَكْبُسُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ المَثْقُولِ بِالأَلَمِ.

“جنين الخوف… هل هذه هي قدرتي الروحية؟ لكن إن كانت قدرة جنيني تتشكل حول الخوف، فما المفترض بي فعله؟”

أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»

 

لكن دون جدوى… وفجأة، شق سكون المكان صراخٌ ملتاعٌ من أمامه!

تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”

على الطاولة المحاذية لسريره، كانت بضع شموعٍ تطلق ألسنة لهبٍ خافتة تتراقص ببطء، بجانب قنديلٍ زيتي معلقٍ على الجدار الحجري المتهالك، يلقي بظلاله الذهبية الباهتة على رأس غزالٍ ضخم محنطٍ مثبتٍ على الجدار بجانب رأس نومريس مباشرة، متطلعاً إلى الفراغ بعينين زجاجيتين جامدتين.

 

 

وفجأة، انقبض رأس نومريس بضراوة، واعترته نوبة ألمٍ حادة جعلته يكبس على رأسه بجميع أصابعه وكأن ثمة يداً خفية تعبث بتلافيف دماغه.

ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.

 

لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.

«ماذا يجري لك؟!»

اشتد الألم لدرجةٍ تكاد لا تُطاق، غير أنه لم يدم سوى لحظاتٍ معدودة قبل أن يزول فجأة كما بدأ، مخلفاً وراءه صفاءً عارماً.

 

السرير نفسه كان محشواً بالقش الخشن ومغطى بفراءٍ ثقيل، وزوايا الغرفة تعج بأوانٍ فخارية وهاونٍ حجري يُستخدم لسحق العقاقير الطبية البدائية.

فَزِع العجوز واندفع مسرعاً نَحوه؛ إذ كان مكلفاً بمهمةٍ قاطعة تُحتم عليه إبقاء هذا الصبي حياً لأهمية استجوابه لدى شيوخ القبيلة.

 

 

 

اشتد الألم لدرجةٍ تكاد لا تُطاق، غير أنه لم يدم سوى لحظاتٍ معدودة قبل أن يزول فجأة كما بدأ، مخلفاً وراءه صفاءً عارماً.

أجاب العجوز بنبرةٍ تحمل خبراً ثقيلاً: «طبعاً… لقد بذلتُ قصارى جهدي لترميم جروحك الداخلية. لقد تعرضتَ لصدمةٍ روحية قوية، ولو بقيتَ على تلك الحال لعدة ساعاتٍ أخرى لصرتَ في عداد الموتى يا فتى.

 

 

أبعد نومريس يد العجوز ببرود قائلاً: «أنا بخير… لا داعي للقلق.»

لاحظ نومريس ذلك فتبددت ابتسامته وتغيرت ملامحه للحيرة، ليضاعف سرعته ويركض بأقصى ما لديه من قوة.

 

 

انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.

 

 

دارت التساؤلات في ذهنه متلاطمة: “ما الذي يجري هنا؟ آخر ما أتذكره هو أنني كنتُ داخل العالم الروحي… لكن أين أنا بالضبط؟”.

في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.

تمتم العجوز دون أن يرفع عينيه عن وعائه، قبل أن يستدير بجسده نحو نومريس.

 

 

أمال نومريس رأسه نحو جانبه، لتستقر حدقتاه على سيفٍ غريب الأطوار يحيطه غموضٌ كالح؛ كان المقبض يرتشح بسوادٍ قاتم تتخلله نقوشٌ حمراء دموية دقيقة تنبض بالحياة، يتماثل معها الغمد المثبت على خصره بطريقةٍ سحرية.

 

 

ألقى نومريس نظرةً خاطفة عليه، قبل أن يجول بحدقتيه في أرجاء الكوخ المتسع؛ استوقفته الهياكل العظمية المصنوعة من عظام مخلوقاتٍ وكائناتٍ لم تقع عليها عيناه قط، إلى جانب جلود حيواناتٍ مفترسة معلقة على الجدران، وباقاتٍ نباتية جافة تتوسط أوانٍ زجاجية وخشبية مبهمة الأغراض.

تراجع العجوز خطوةً إلى الخلف بحذر، متسائلاً بنبرةٍ تشوبها الريبة: «من أين حصلتَ على هذا السيف…؟»

لم يدرِ في تلك اللحظة سر هذا التحول العميق، غير أنه أدرك يقيناً أنه لم يعد ذاك العبد ذاته؛ لقد استيقظ الجنين الصامت في أعماق روحه، أو بالأحرى… انجلت قدرته الخفية.

 

في هذه اللحظة، اشرأبت أعين العجوز بدهشةٍ مباغتة وهو يلمح غرضاً غريباً يتدلى بجانب نومريس، غرضاً لم يكن موجوداً قبل لحظات؛ بل حتى نومريس نفسه لم يفطن لوجوده إلا بعدما تبع مسار نظرات العجوز المشدوهة.

وقف نومريس متفاجئاً لبرهة، يتأمل السيف بجسدٍ متيبس؛ إذ لم يدرِ قط كيف ولا متى حط هذا السيف على خصره، غير أن تلك الحيرة لم تدم طويلاً أمام فيض الشفرات المعرفية التي انهمرت في عقله؛ لقد أدرك بالكامل كيفية تفعيل قدرته المرتبطة بالخوف وتوجيهها.

 

 

انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.

مع استيقاظ جنينه الروحي، لم تعد البنية الجسدية لنومريس كما كانت في السابق؛ بل طرأت عليها طفرةٌ مرعبة رفعت قدراته البدنية وحواسه إلى مستوياتٍ تتجاوز الحدود البشرية.

 

 

كان الناس يركضون بلهفةٍ صوب كوخهم للاحتماء، بينما يُساق ما تبقى من الماشية والدواب نحو الحظائر؛ لم يكن المساء قد حل بعد، غير أن ظلمة الغيوم الداكنة وهطول المطر المنهار فرضا على المكان عتمةً أشبه بالغسق.

كانت هذه الخفقة هي الحد الفاصل الذي يفصل بين الأشخاص العاديين وأولئك الممسوسين الذين وطأت أقدامهم خبايا هذا العالم.

وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.

 

انتابت نومريس اندهاشة صامتة مما أدركه في تلك اللحظات الخاطفة؛ إذ لم تكن تلك النوبة سوى عملية استبصارٍ خاطفة كشفت له ماهية قدرته، ومنحته الإدراك الكامل لكيفية التعامل مع قوة جنينه الجديد.

لقد بات نومريس الآن… ممسوساً.

 

 

تداعى إلى ذهنه صوتٌ قديم، فتمتم في سريرته: “نيبون… لقد فهمتُ الآن المغزى من كلماتك السابقة.”

نهاية الفصل

وفجأة، دَوّى رعدٌ آخر بعنفٍ يُصِمُّ الآذان، متزامناً مع انكماش أشرعة الصمت حين فُتح الباب الأمامي للكوخ.

أردف العجوز متابعاً: «لقد غبتَ عن الوعي ليومين كاملين… وجدك شيخ القبيلة قبالة ضفة النهر.»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط