Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 18

تجسيد الخوف
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

تجسيد الخوف

 

 

 

لم يكن تجسداً كلياً لكيانٍ كامل، بل كان “الخوف” في صورته الأولى والبدائية: برودةٌ تمزق العظام، ضغطٌ روحاني يشل الإرادة، وظلالٌ مشوهة تحس بها الأرواح قبل أن تراها الأبصار.

سقط سوني أرضاً بجوار يده المقطوعة، والدماء تتدفق منه بغزارةٍ منذ مدة؛ لقد أنهكه النزيف المتواصل بسرعةٍ قاتلة، واختلت موازينه تحت وطأة ضربات بن جامات المتلاحقة.

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

 

 

كان شيوخ قبيلة “ماكنزي” يمتلكون قوةً بطشية هائلة، وهي الجدار الصلب الذي مكّن هذه القبيلة من الصمود لسنواتٍ طويلة دون أن تنهار أو تمس أسوارها.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

وعلى الجانب الآخر، وقف الشيخ سلافمور المنسحب نحو خطوط الدفاع؛ كان سيفه الحديدي الثقيل يرتعد في قبضته باهتزازاتٍ مسموعة، يصدر رنيناً خفيفاً مع صدمات درعه.

ففي الجنوب النائي من الإقليم الجنوبي التابع لمملكة “نيفيريا”، كانت تسود أربع قبائل رئيسية: قبيلة صوفي، قبيلة سربيل، قبيلة كبيمار، وقبيلة ماكنزي. أربع قوى تشتعل بينها نيران الصراع المستمر على الأرض والنفوذ والسيطرة.

ففي الجنوب النائي من الإقليم الجنوبي التابع لمملكة “نيفيريا”، كانت تسود أربع قبائل رئيسية: قبيلة صوفي، قبيلة سربيل، قبيلة كبيمار، وقبيلة ماكنزي. أربع قوى تشتعل بينها نيران الصراع المستمر على الأرض والنفوذ والسيطرة.

 

 

ورغم أن الإقليم كان يضم قبائل أخرى متفرقة، إلا أنها كانت تفصل بينها مسافاتٌ شاسعة تمتد لعدة كيلومترات، ولم يكن هناك ما يربط هذه القبائل ببعضها سوى لغة الحروب والنزاعات؛ سواء أكانت حروباً طاحنة فيما بينها، أو عند تجنيدهم تحت راية المملكة.

 

 

كان الهجوم مباغتاً لحد أن نومريس تصمر في مكانه بذهول، لكنه نزع غبار هذا الذهول بسرعة؛ كان عليه النجاة، ولم يكن في متناوله سوى شيءٍ وحيد.

ولم يكد سوني يهوي صريعاً على الوحل، حتى أدرك قائد جيش القبائل الثلاث أن القتال الفردي قد انتهى.

 

 

بدأ نومريس بالتحرك بمهارة وسط فوضى الحرب المشتعلة؛ كانت الأزقة بين الأكواخ تشهد حركةً مريبة لحراسٍ يجوبون الطرقات فوق أحصنتهم، وهم الذين أُبقوا في الخلف خشية تسلل الأعداء إلى عمق القبيلة.

لم ينتظر لثانيةٍ واحدة؛ بل استل سيفه العريض واستدار نحو الحشود وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء الميدان، ليحث حصانه ويندفع كالشهاب نحو الخطوط الأمامية لـ”ماكنزي”.

ومع وصول تلك الهالة الباردة إلى كل بقعة، وبينما كان البشر في أرجاء المعمورة غافلين كلياً، انبثقت منهم أشرطةٌ حبرية خفية؛ خيوطٌ سوداء صعدت في صمتٍ سحيق دون أن يشعر بها أحد، وتجمعت عبر الأثير لتعود متدفقةً نحو المصدر.

 

 

وفي تلك اللحظة، تدفقت المئات من خلفه كالسيوف المشرعة، يصرخون بأعلى أصواتهم وتدك أقدامهم الأرض الموحلة، معلنين بداية الصدام الدموي الشامل.

 

 

 

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

 

 

 

“ليس هناك وقتٌ أفضل من هذا للفرار…” تمتم في سريرته، ثم استدرك بحزم: “ولكن أولاً، عليّ إيجاد خريطةٍ تقودني طوال الطريق، وإلا سأكون كالأعمى في صحراء شاسعة.”

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

وفوق الأرض الموحلة في قبيلة ماكنزي، وأمام عيني نومريس المذهولتين، تكثفت تلك الظلال الحبرية الصاعدة وتجمعت في نقطةٍ واحدة معلقة في الهواء… ثم سقط كيانٌ حبري مبهم أمامه مباشرة.

بدأ نومريس بالتحرك بمهارة وسط فوضى الحرب المشتعلة؛ كانت الأزقة بين الأكواخ تشهد حركةً مريبة لحراسٍ يجوبون الطرقات فوق أحصنتهم، وهم الذين أُبقوا في الخلف خشية تسلل الأعداء إلى عمق القبيلة.

 

 

في هذه الأثناء، كان نومريس يركض بكل ما أوتي من قوة نحو الضاحية الشمالية، منفذه الأخير والوحيد للرحيل، لكنه قفز إلى الخلف بحركةٍ غريزية خاطفة عندما انغرس سهمٌ حاد في الأرض الموحلة أمامه مباشرةً؛ لولا ذاك التراجع السريع لقُتل الفتى التو.

اقتحم نومريس عدة منازل متوارية، وراح يفتش في زواياها بلهفة. كان يجد الأهالي القابعين في ذعرٍ داخل أكواخهم، فلا يفعل شيئاً سوى إلقاء سؤالٍ خاطف عن وجود خريطة، وما إن يتلقى نظرات الذهول أو النفي حتى يغادر فوراً. وطوال الوقت، لم يعثر على شيءٍ يهديه سبيله.

 

 

 

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

 

 

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

رأى نومريس ظلالاً كثيرة تقترب من بعيد؛ تماماً كما حدث في الضاحية الغربية، كان هناك جيشٌ آخر يزحف كالعاصفة لغزو قبيلة ماكنزي من هذا الاتجاه أيضاً!

ما إن نطق بتلك الكلمة، حتى تردد صدى تمتمته الخاطفة في أرجاء المكان بشكلٍ غير طبيعي، متجاوزاً ضجيج الحرب وطبولها، حتى كأن كل شخصٍ يقع ضمن مسافة كيلومترٍ كامل قد سمعها تهمس في أذنيه مباشرةً؛ وفي اللحظة التالية تماماً، انطلقت من العدم أصوات خربشاتٍ حادة وسريعة، كأن ريشةً حجرية تحفر بسرعة فوق أوراق كتابٍ قديم وجاف.

 

 

«اللعنة على هذا الحظ اللعين!» شتم نومريس بحنق وتراجع بسرعة مستتراً بين الظلال.

 

 

 

وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق رنين جرس الطوارئ ليدوي مجدداً في أرجاء القبيلة بنبرةٍ أكثر رعباً.

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

 

اندفع الشيخ مانيس برفقته عشرات المقاتلين الأشدّاء للدفاع عن الخطوط الشرقية، وصراخه يخرق صفير الريح وهو يحث حصانه: «تباً لكم أيها الأوغاد! أتريدون الموت؟! تعالوا إذاً!»

اتسعت عيناه بذهولٍ سحيق، وبدأ بالتراجع إلى الخلف، وفي الثانية نفسها، دوى رنينُ جرسٍ ثالث يمزق أحشاء الليل داخل القبيلة.

 

 

صنع نومريس اندفاعةً سريعة نحو الجبهة الجنوبية، آملاً في مغادرة القبيلة بعد أن أخفق في العثور على الخريطة، لكن قدميه تجمدتا مرةً أخرى؛ إذ ظهرت في المدى المفتوح ظلالُ فرسانٍ ومحاربين تقترب بسرعةٍ فائقة.

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

 

سكوادر، الفارس الذي لم تُكسر حدقتاه يوماً في ميدان قتال، شعر بلسانه يجف حتى استحال كقطعة خشبة يابسة.

اتسعت عيناه بذهولٍ سحيق، وبدأ بالتراجع إلى الخلف، وفي الثانية نفسها، دوى رنينُ جرسٍ ثالث يمزق أحشاء الليل داخل القبيلة.

 

 

سقط سوني أرضاً بجوار يده المقطوعة، والدماء تتدفق منه بغزارةٍ منذ مدة؛ لقد أنهكه النزيف المتواصل بسرعةٍ قاتلة، واختلت موازينه تحت وطأة ضربات بن جامات المتلاحقة.

انطلق الشيخ لوهان برفقة الشيخ فيوندار —الشيخ الرابع للقبيلة، ذاك الرجل صاحب الشعر المجعد الكثيف الذي لو أن طائراً وضع فيه بيضه لن يسقط أبداً لشدة تماسك خصلاته السوداء، حتى لحيته التي بدأ الشيب يغزو أطرافها لم تكن تختلف عن كثافة شعره— ومعهما طوفانٌ من الرجال يصرخون بضراوة لصد هذا الهجوم الثالث.

 

 

 

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

 

 

في هذه الأثناء، كان نومريس يركض بكل ما أوتي من قوة نحو الضاحية الشمالية، منفذه الأخير والوحيد للرحيل، لكنه قفز إلى الخلف بحركةٍ غريزية خاطفة عندما انغرس سهمٌ حاد في الأرض الموحلة أمامه مباشرةً؛ لولا ذاك التراجع السريع لقُتل الفتى التو.

 

 

غرس أطراف أصابعه في الطين وهو يشهق بجنون، يمرق ناظره بين الظلال المتراقصة ويصرخ بصوتٍ خنقته العبرة والرعب: «بحق الجحيم… ما هذا؟!»

رفع نومريس رأسه ببطء نحو السماء المظلمة، ليرى عبر قطرات المطر المتساقطة شلالاً هائلاً من السهام السوداء ينهمر نحوه ونحو القبيلة كالمطر المسموم… شلالٌ ينضح بخطرٍ مميت واقترابٍ محتوم للموت.

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

 

 

كان الهجوم مباغتاً لحد أن نومريس تصمر في مكانه بذهول، لكنه نزع غبار هذا الذهول بسرعة؛ كان عليه النجاة، ولم يكن في متناوله سوى شيءٍ وحيد.

 

 

اتسعت عيناه بذهولٍ سحيق، وبدأ بالتراجع إلى الخلف، وفي الثانية نفسها، دوى رنينُ جرسٍ ثالث يمزق أحشاء الليل داخل القبيلة.

لم يرغب من قبل في فعله أو في جذب الأنظار نحوه، أما الآن فكان الأمر يتعلق بحياته، هذا، وتمتم ببطء: “خوف…”

 

 

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

ما إن نطق بتلك الكلمة، حتى تردد صدى تمتمته الخاطفة في أرجاء المكان بشكلٍ غير طبيعي، متجاوزاً ضجيج الحرب وطبولها، حتى كأن كل شخصٍ يقع ضمن مسافة كيلومترٍ كامل قد سمعها تهمس في أذنيه مباشرةً؛ وفي اللحظة التالية تماماً، انطلقت من العدم أصوات خربشاتٍ حادة وسريعة، كأن ريشةً حجرية تحفر بسرعة فوق أوراق كتابٍ قديم وجاف.

 

 

 

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

امتدت الظلال الملتصقة من الأشخاص في الأرض الموحلة وتلصصت صاعدةً نحو الأعلى بخطوطٍ سوداء حبرية مشوهة، تشكلت في الهواء على هيئة دروعٍ هشة من العتمة المحض، تتخللها ملامح مبهمة لأعينٍ محدقة وأفواهٍ مفتوحة على وسعها بصرخاتٍ صامتة.

 

 

لم تكن برودة طقسٍ أو هبة رياحٍ شتوية، بل انخفاضاً حاداً ومرعباً في حرارة الهواء المحيط، جعل قطرات المطر المتساقطة تتجمد في الهواء قبل أن تلمس وجوه المحاربين.

«اللعنة على هذا الحظ اللعين!» شتم نومريس بحنق وتراجع بسرعة مستتراً بين الظلال.

 

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

 

لم يعد الأسد الذي يقود طوفاناً، بل استحال طريدةً مذعورة تتشبث بعرف حصانه كي لا تهوي أرضاً.

ارتجفت حدقتاه وهو يشعر بتلك القشعريرة القاتلة تسري في نخاعه الشوكي، شعورٌ غريزي حاد وثقيل بأن ثمة كياناً لا يُرى قد استيقظ للتوّ في العتمة، ينظر إليه وإلى كل حركةٍ حوله بنهمٍ صامت.

 

 

 

وفجأة، توقفت حركة السهام المنهمرة من السماء في أعين نومريس والمقاتلين من حوله…

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

 

 

ليس لأنها سقطت، بل لأن الظلال المترامية في الأرجاء بدأت تنحرف عن مسارها الطبيعي.

 

 

ففي الجنوب النائي من الإقليم الجنوبي التابع لمملكة “نيفيريا”، كانت تسود أربع قبائل رئيسية: قبيلة صوفي، قبيلة سربيل، قبيلة كبيمار، وقبيلة ماكنزي. أربع قوى تشتعل بينها نيران الصراع المستمر على الأرض والنفوذ والسيطرة.

امتدت الظلال الملتصقة من الأشخاص في الأرض الموحلة وتلصصت صاعدةً نحو الأعلى بخطوطٍ سوداء حبرية مشوهة، تشكلت في الهواء على هيئة دروعٍ هشة من العتمة المحض، تتخللها ملامح مبهمة لأعينٍ محدقة وأفواهٍ مفتوحة على وسعها بصرخاتٍ صامتة.

 

 

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

صدمت السهام تلك الظلال المتجسدة، لتتكسر في الهواء وتتساقط خشبياً متفحماً على الأرض.

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

 

سقط كبرياؤه في لحظة؛ انهارت هيبته الشرسة وتراجعت بؤبؤتا عينيه إلى الخلف وهو يتنفس برعبٍ متقطع، أمعاؤه تتعدل وتنقبض بحدة وكأن أحشاءه تتجمّد.

على مسافة كيلومتر كامل، تجمّدت أقدام الفرسان؛ تسارعت ضربات قلوبهم بشكلٍ لا إرادي حتى كادت أضلعهم تتكسر، وساد شللٌ لحظي مباغت جعل الأحصنة تتوقف صاهلةً برعب، وجعل المقاتلين يمسكون بأعناقهم بحثاً عن هواءٍ ثقيل يرفض الدخول إلى رئاتهم.

 

 

 

لم يكن تجسداً كلياً لكيانٍ كامل، بل كان “الخوف” في صورته الأولى والبدائية: برودةٌ تمزق العظام، ضغطٌ روحاني يشل الإرادة، وظلالٌ مشوهة تحس بها الأرواح قبل أن تراها الأبصار.

 

 

 

توقف كل شيء.

 

 

 

السهام المتكسرة، صهيل الأحصنة المتجمدة، وحتى صدمة الفرسان… كل ذلك كان مجرد قشرةٍ سطحية انفلقت ليتفشى تحتها رعبٌ أكثر ظلاماً وعمقاً.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

 

لم يكن مجرد ضغطٍ روحي؛ بل كان شعوراً حاداً ومسموماً بأن ثمة شيئاً أسطورياً ومتحشداً ينبثق من العدم، يلتف حول أعناقهم جميعاً بيدين من جليد.

 

 

 

سكوادر، الفارس الذي لم تُكسر حدقتاه يوماً في ميدان قتال، شعر بلسانه يجف حتى استحال كقطعة خشبة يابسة.

 

 

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

سقط كبرياؤه في لحظة؛ انهارت هيبته الشرسة وتراجعت بؤبؤتا عينيه إلى الخلف وهو يتنفس برعبٍ متقطع، أمعاؤه تتعدل وتنقبض بحدة وكأن أحشاءه تتجمّد.

 

 

 

لم يعد الأسد الذي يقود طوفاناً، بل استحال طريدةً مذعورة تتشبث بعرف حصانه كي لا تهوي أرضاً.

 

 

رأى نومريس ظلالاً كثيرة تقترب من بعيد؛ تماماً كما حدث في الضاحية الغربية، كان هناك جيشٌ آخر يزحف كالعاصفة لغزو قبيلة ماكنزي من هذا الاتجاه أيضاً!

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

 

 

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

غرس أطراف أصابعه في الطين وهو يشهق بجنون، يمرق ناظره بين الظلال المتراقصة ويصرخ بصوتٍ خنقته العبرة والرعب: «بحق الجحيم… ما هذا؟!»

صدمت السهام تلك الظلال المتجسدة، لتتكسر في الهواء وتتساقط خشبياً متفحماً على الأرض.

 

رفع نومريس رأسه ببطء نحو السماء المظلمة، ليرى عبر قطرات المطر المتساقطة شلالاً هائلاً من السهام السوداء ينهمر نحوه ونحو القبيلة كالمطر المسموم… شلالٌ ينضح بخطرٍ مميت واقترابٍ محتوم للموت.

بن جامات، بسيفه الملطخ بدم سوني، تراجع خطوتين إلى الخلف، ركبتاه تصطدمان ببعضهما في ارتعاشٍ فاضح.

 

 

وفوق الأرض الموحلة في قبيلة ماكنزي، وأمام عيني نومريس المذهولتين، تكثفت تلك الظلال الحبرية الصاعدة وتجمعت في نقطةٍ واحدة معلقة في الهواء… ثم سقط كيانٌ حبري مبهم أمامه مباشرة.

التفت نحو سكوادر بعينين محقونتين بالدم والذعر، وتمتم بفكين يرتجفان: «هل… هل هذا عدو؟ أم أن شيطاناً قد نزل؟!»

 

 

 

وعلى الجانب الآخر، وقف الشيخ سلافمور المنسحب نحو خطوط الدفاع؛ كان سيفه الحديدي الثقيل يرتعد في قبضته باهتزازاتٍ مسموعة، يصدر رنيناً خفيفاً مع صدمات درعه.

لم ينتظر لثانيةٍ واحدة؛ بل استل سيفه العريض واستدار نحو الحشود وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء الميدان، ليحث حصانه ويندفع كالشهاب نحو الخطوط الأمامية لـ”ماكنزي”.

 

 

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

 

 

لكن الرعب الحقيقي لم يكن في كلام الشيوخ أو ذعر القادة… بل في تلك الهالة القاتلة التي رفضت أن تتوقف عند حدود الكيلومتر الواحد!

 

 

 

كالمد الهائج، وكزيتٍ يتفشى في النار، امتدت طاقة الخوف وتوسعت في مجالاتٍ سحيقة متجاوزة الضواحي والحدود.

 

 

 

كانت تسري في الهواء كسرطانٍ مرئي، ترافقها تلك الخربشات الغامضة التي لم تعد تصدر من الهواء… بل باتت تصدر من داخل جماجمهم جميعاً!

وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق رنين جرس الطوارئ ليدوي مجدداً في أرجاء القبيلة بنبرةٍ أكثر رعباً.

 

 

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

 

 

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

بن جامات، بسيفه الملطخ بدم سوني، تراجع خطوتين إلى الخلف، ركبتاه تصطدمان ببعضهما في ارتعاشٍ فاضح.

 

 

خيم صمتٌ موتُور ومطبق على الميدان بأكمله؛ صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاسٌ متلاحقة لذئابٍ وقبائل كانت قبل لحظات تطلب الدم، فصارت الآن تجثو في الطين تتوسل النجاة من شيءٍ لا تراه ولكنها تستشعر موته المتربص.

وفوق الأرض الموحلة في قبيلة ماكنزي، وأمام عيني نومريس المذهولتين، تكثفت تلك الظلال الحبرية الصاعدة وتجمعت في نقطةٍ واحدة معلقة في الهواء… ثم سقط كيانٌ حبري مبهم أمامه مباشرة.

 

 

داخل المملكة بأكملها، مرت هالة الخوف كأنها نصلٌ ثلجي يمرق عبر الصدور؛ انقبضت قلوب الآلاف في لفتةٍ خاطفة، وتسارعت نبضاتهم برعبٍ مفاجئ وشديد لدقائق ثقال، قبل أن تهدأ تلك الوطأة بالتدريج.

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

 

اتسعت عيناه بذهولٍ سحيق، وبدأ بالتراجع إلى الخلف، وفي الثانية نفسها، دوى رنينُ جرسٍ ثالث يمزق أحشاء الليل داخل القبيلة.

أحدث الأمر ضجةً عارمة داخل العاصمة “نيفيريا”، وخرج السكان إلى الشوارع في حيرةٍ وذعر، يتساءلون بذعرٍ وغفلة عما جرى توّاً في أرجاء أرضهم.

لم يرغب من قبل في فعله أو في جذب الأنظار نحوه، أما الآن فكان الأمر يتعلق بحياته، هذا، وتمتم ببطء: “خوف…”

 

 

وفي القصر الملكي بالمدينة، داخل غرفةٍ غارقة في عتمةٍ سكونية، كان هناك شخصٌ يجلس بوقارٍ وهدوء تام.

 

 

وعلى الجانب الآخر، وقف الشيخ سلافمور المنسحب نحو خطوط الدفاع؛ كان سيفه الحديدي الثقيل يرتعد في قبضته باهتزازاتٍ مسموعة، يصدر رنيناً خفيفاً مع صدمات درعه.

ما إن خالجت روحه تلك الهالة الفريدة، حتى لم ينطق ببنت شفة ولم تتحرك منه سكنة؛ اكتفى بإغلاق عينيه ببطء، مراقباً أعماق روحه وهو يستشعر ذاك الصدى البارد الأصيل.

 

 

ما إن نطق بتلك الكلمة، حتى تردد صدى تمتمته الخاطفة في أرجاء المكان بشكلٍ غير طبيعي، متجاوزاً ضجيج الحرب وطبولها، حتى كأن كل شخصٍ يقع ضمن مسافة كيلومترٍ كامل قد سمعها تهمس في أذنيه مباشرةً؛ وفي اللحظة التالية تماماً، انطلقت من العدم أصوات خربشاتٍ حادة وسريعة، كأن ريشةً حجرية تحفر بسرعة فوق أوراق كتابٍ قديم وجاف.

لكن تلك الطاقة القاتلة لم تقف عند حدود المملكة؛ بل امتدت كالمحيط الهائج عبر القارة بأكملها، ثم عبرت البحار الشاسعة بسرعةٍ مرعبة، لتصل أطرافها إلى القارات الأخرى.

كان الهجوم مباغتاً لحد أن نومريس تصمر في مكانه بذهول، لكنه نزع غبار هذا الذهول بسرعة؛ كان عليه النجاة، ولم يكن في متناوله سوى شيءٍ وحيد.

 

لم يعد الأسد الذي يقود طوفاناً، بل استحال طريدةً مذعورة تتشبث بعرف حصانه كي لا تهوي أرضاً.

هناك، في أصقاعٍ نائية وممالك غابرة، فتح قادةٌ وكياناتٌ عظام عيونهم في ذهولٍ سحيق ورعبٍ خالص.

 

 

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

حتى إن أحدهم، وهو يراقب اضطراب الهواء وانخفاض حرارة العالم من حوله، تمتم بنبرةٍ خافتة يملؤها الذهول لمخلوقٍ يقف في ظلاله: «إينم…»

 

 

اقتحم نومريس عدة منازل متوارية، وراح يفتش في زواياها بلهفة. كان يجد الأهالي القابعين في ذعرٍ داخل أكواخهم، فلا يفعل شيئاً سوى إلقاء سؤالٍ خاطف عن وجود خريطة، وما إن يتلقى نظرات الذهول أو النفي حتى يغادر فوراً. وطوال الوقت، لم يعثر على شيءٍ يهديه سبيله.

ومع وصول تلك الهالة الباردة إلى كل بقعة، وبينما كان البشر في أرجاء المعمورة غافلين كلياً، انبثقت منهم أشرطةٌ حبرية خفية؛ خيوطٌ سوداء صعدت في صمتٍ سحيق دون أن يشعر بها أحد، وتجمعت عبر الأثير لتعود متدفقةً نحو المصدر.

انطلق الشيخ لوهان برفقة الشيخ فيوندار —الشيخ الرابع للقبيلة، ذاك الرجل صاحب الشعر المجعد الكثيف الذي لو أن طائراً وضع فيه بيضه لن يسقط أبداً لشدة تماسك خصلاته السوداء، حتى لحيته التي بدأ الشيب يغزو أطرافها لم تكن تختلف عن كثافة شعره— ومعهما طوفانٌ من الرجال يصرخون بضراوة لصد هذا الهجوم الثالث.

 

رأى نومريس ظلالاً كثيرة تقترب من بعيد؛ تماماً كما حدث في الضاحية الغربية، كان هناك جيشٌ آخر يزحف كالعاصفة لغزو قبيلة ماكنزي من هذا الاتجاه أيضاً!

وفوق الأرض الموحلة في قبيلة ماكنزي، وأمام عيني نومريس المذهولتين، تكثفت تلك الظلال الحبرية الصاعدة وتجمعت في نقطةٍ واحدة معلقة في الهواء… ثم سقط كيانٌ حبري مبهم أمامه مباشرة.

 

 

 

لم يمتلك ذلك الكيان ملامح بشرية، ولا تفاصيل وجه، ولا زينة؛ كان مجرد جسدٍ من العتمة المحض والظلال المتداخلة… رأسٌ صامت، جذعٌ مبهم، ويدان وقدمان من حبرٍ متحرك يطفو على سطحه سوادٌ لا قاع له.

بدأ نومريس بالتحرك بمهارة وسط فوضى الحرب المشتعلة؛ كانت الأزقة بين الأكواخ تشهد حركةً مريبة لحراسٍ يجوبون الطرقات فوق أحصنتهم، وهم الذين أُبقوا في الخلف خشية تسلل الأعداء إلى عمق القبيلة.

 

 

نهاية الفصل

 

لم يكن مجرد ضغطٍ روحي؛ بل كان شعوراً حاداً ومسموماً بأن ثمة شيئاً أسطورياً ومتحشداً ينبثق من العدم، يلتف حول أعناقهم جميعاً بيدين من جليد.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط