Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 18

تجسيد الخوف
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

تجسيد الخوف

 

 

 

هناك، في أصقاعٍ نائية وممالك غابرة، فتح قادةٌ وكياناتٌ عظام عيونهم في ذهولٍ سحيق ورعبٍ خالص.

سقط سوني أرضاً بجوار يده المقطوعة، والدماء تتدفق منه بغزارةٍ منذ مدة؛ لقد أنهكه النزيف المتواصل بسرعةٍ قاتلة، واختلت موازينه تحت وطأة ضربات بن جامات المتلاحقة.

اقتحم نومريس عدة منازل متوارية، وراح يفتش في زواياها بلهفة. كان يجد الأهالي القابعين في ذعرٍ داخل أكواخهم، فلا يفعل شيئاً سوى إلقاء سؤالٍ خاطف عن وجود خريطة، وما إن يتلقى نظرات الذهول أو النفي حتى يغادر فوراً. وطوال الوقت، لم يعثر على شيءٍ يهديه سبيله.

 

 

كان شيوخ قبيلة “ماكنزي” يمتلكون قوةً بطشية هائلة، وهي الجدار الصلب الذي مكّن هذه القبيلة من الصمود لسنواتٍ طويلة دون أن تنهار أو تمس أسوارها.

لم يكن مجرد ضغطٍ روحي؛ بل كان شعوراً حاداً ومسموماً بأن ثمة شيئاً أسطورياً ومتحشداً ينبثق من العدم، يلتف حول أعناقهم جميعاً بيدين من جليد.

 

 

ففي الجنوب النائي من الإقليم الجنوبي التابع لمملكة “نيفيريا”، كانت تسود أربع قبائل رئيسية: قبيلة صوفي، قبيلة سربيل، قبيلة كبيمار، وقبيلة ماكنزي. أربع قوى تشتعل بينها نيران الصراع المستمر على الأرض والنفوذ والسيطرة.

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

 

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

ورغم أن الإقليم كان يضم قبائل أخرى متفرقة، إلا أنها كانت تفصل بينها مسافاتٌ شاسعة تمتد لعدة كيلومترات، ولم يكن هناك ما يربط هذه القبائل ببعضها سوى لغة الحروب والنزاعات؛ سواء أكانت حروباً طاحنة فيما بينها، أو عند تجنيدهم تحت راية المملكة.

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

 

ولم يكد سوني يهوي صريعاً على الوحل، حتى أدرك قائد جيش القبائل الثلاث أن القتال الفردي قد انتهى.

 

 

لم يعد الأسد الذي يقود طوفاناً، بل استحال طريدةً مذعورة تتشبث بعرف حصانه كي لا تهوي أرضاً.

لم ينتظر لثانيةٍ واحدة؛ بل استل سيفه العريض واستدار نحو الحشود وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء الميدان، ليحث حصانه ويندفع كالشهاب نحو الخطوط الأمامية لـ”ماكنزي”.

 

 

 

وفي تلك اللحظة، تدفقت المئات من خلفه كالسيوف المشرعة، يصرخون بأعلى أصواتهم وتدك أقدامهم الأرض الموحلة، معلنين بداية الصدام الدموي الشامل.

 

 

وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق رنين جرس الطوارئ ليدوي مجدداً في أرجاء القبيلة بنبرةٍ أكثر رعباً.

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

 

 

لم يكن تجسداً كلياً لكيانٍ كامل، بل كان “الخوف” في صورته الأولى والبدائية: برودةٌ تمزق العظام، ضغطٌ روحاني يشل الإرادة، وظلالٌ مشوهة تحس بها الأرواح قبل أن تراها الأبصار.

“ليس هناك وقتٌ أفضل من هذا للفرار…” تمتم في سريرته، ثم استدرك بحزم: “ولكن أولاً، عليّ إيجاد خريطةٍ تقودني طوال الطريق، وإلا سأكون كالأعمى في صحراء شاسعة.”

 

 

ورغم أن الإقليم كان يضم قبائل أخرى متفرقة، إلا أنها كانت تفصل بينها مسافاتٌ شاسعة تمتد لعدة كيلومترات، ولم يكن هناك ما يربط هذه القبائل ببعضها سوى لغة الحروب والنزاعات؛ سواء أكانت حروباً طاحنة فيما بينها، أو عند تجنيدهم تحت راية المملكة.

بدأ نومريس بالتحرك بمهارة وسط فوضى الحرب المشتعلة؛ كانت الأزقة بين الأكواخ تشهد حركةً مريبة لحراسٍ يجوبون الطرقات فوق أحصنتهم، وهم الذين أُبقوا في الخلف خشية تسلل الأعداء إلى عمق القبيلة.

في هذه الأثناء، كان نومريس يركض بكل ما أوتي من قوة نحو الضاحية الشمالية، منفذه الأخير والوحيد للرحيل، لكنه قفز إلى الخلف بحركةٍ غريزية خاطفة عندما انغرس سهمٌ حاد في الأرض الموحلة أمامه مباشرةً؛ لولا ذاك التراجع السريع لقُتل الفتى التو.

 

داخل المملكة بأكملها، مرت هالة الخوف كأنها نصلٌ ثلجي يمرق عبر الصدور؛ انقبضت قلوب الآلاف في لفتةٍ خاطفة، وتسارعت نبضاتهم برعبٍ مفاجئ وشديد لدقائق ثقال، قبل أن تهدأ تلك الوطأة بالتدريج.

اقتحم نومريس عدة منازل متوارية، وراح يفتش في زواياها بلهفة. كان يجد الأهالي القابعين في ذعرٍ داخل أكواخهم، فلا يفعل شيئاً سوى إلقاء سؤالٍ خاطف عن وجود خريطة، وما إن يتلقى نظرات الذهول أو النفي حتى يغادر فوراً. وطوال الوقت، لم يعثر على شيءٍ يهديه سبيله.

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

 

 

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

بدأ نومريس بالتحرك بمهارة وسط فوضى الحرب المشتعلة؛ كانت الأزقة بين الأكواخ تشهد حركةً مريبة لحراسٍ يجوبون الطرقات فوق أحصنتهم، وهم الذين أُبقوا في الخلف خشية تسلل الأعداء إلى عمق القبيلة.

 

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

رأى نومريس ظلالاً كثيرة تقترب من بعيد؛ تماماً كما حدث في الضاحية الغربية، كان هناك جيشٌ آخر يزحف كالعاصفة لغزو قبيلة ماكنزي من هذا الاتجاه أيضاً!

لم ينتظر لثانيةٍ واحدة؛ بل استل سيفه العريض واستدار نحو الحشود وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء الميدان، ليحث حصانه ويندفع كالشهاب نحو الخطوط الأمامية لـ”ماكنزي”.

 

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

«اللعنة على هذا الحظ اللعين!» شتم نومريس بحنق وتراجع بسرعة مستتراً بين الظلال.

 

 

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق رنين جرس الطوارئ ليدوي مجدداً في أرجاء القبيلة بنبرةٍ أكثر رعباً.

 

 

“ليس هناك وقتٌ أفضل من هذا للفرار…” تمتم في سريرته، ثم استدرك بحزم: “ولكن أولاً، عليّ إيجاد خريطةٍ تقودني طوال الطريق، وإلا سأكون كالأعمى في صحراء شاسعة.”

اندفع الشيخ مانيس برفقته عشرات المقاتلين الأشدّاء للدفاع عن الخطوط الشرقية، وصراخه يخرق صفير الريح وهو يحث حصانه: «تباً لكم أيها الأوغاد! أتريدون الموت؟! تعالوا إذاً!»

داخل المملكة بأكملها، مرت هالة الخوف كأنها نصلٌ ثلجي يمرق عبر الصدور؛ انقبضت قلوب الآلاف في لفتةٍ خاطفة، وتسارعت نبضاتهم برعبٍ مفاجئ وشديد لدقائق ثقال، قبل أن تهدأ تلك الوطأة بالتدريج.

 

 

صنع نومريس اندفاعةً سريعة نحو الجبهة الجنوبية، آملاً في مغادرة القبيلة بعد أن أخفق في العثور على الخريطة، لكن قدميه تجمدتا مرةً أخرى؛ إذ ظهرت في المدى المفتوح ظلالُ فرسانٍ ومحاربين تقترب بسرعةٍ فائقة.

انطلق الشيخ لوهان برفقة الشيخ فيوندار —الشيخ الرابع للقبيلة، ذاك الرجل صاحب الشعر المجعد الكثيف الذي لو أن طائراً وضع فيه بيضه لن يسقط أبداً لشدة تماسك خصلاته السوداء، حتى لحيته التي بدأ الشيب يغزو أطرافها لم تكن تختلف عن كثافة شعره— ومعهما طوفانٌ من الرجال يصرخون بضراوة لصد هذا الهجوم الثالث.

 

 

اتسعت عيناه بذهولٍ سحيق، وبدأ بالتراجع إلى الخلف، وفي الثانية نفسها، دوى رنينُ جرسٍ ثالث يمزق أحشاء الليل داخل القبيلة.

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

 

اندفع الشيخ مانيس برفقته عشرات المقاتلين الأشدّاء للدفاع عن الخطوط الشرقية، وصراخه يخرق صفير الريح وهو يحث حصانه: «تباً لكم أيها الأوغاد! أتريدون الموت؟! تعالوا إذاً!»

انطلق الشيخ لوهان برفقة الشيخ فيوندار —الشيخ الرابع للقبيلة، ذاك الرجل صاحب الشعر المجعد الكثيف الذي لو أن طائراً وضع فيه بيضه لن يسقط أبداً لشدة تماسك خصلاته السوداء، حتى لحيته التي بدأ الشيب يغزو أطرافها لم تكن تختلف عن كثافة شعره— ومعهما طوفانٌ من الرجال يصرخون بضراوة لصد هذا الهجوم الثالث.

وعلى الجانب الآخر، وقف الشيخ سلافمور المنسحب نحو خطوط الدفاع؛ كان سيفه الحديدي الثقيل يرتعد في قبضته باهتزازاتٍ مسموعة، يصدر رنيناً خفيفاً مع صدمات درعه.

 

لم يمتلك ذلك الكيان ملامح بشرية، ولا تفاصيل وجه، ولا زينة؛ كان مجرد جسدٍ من العتمة المحض والظلال المتداخلة… رأسٌ صامت، جذعٌ مبهم، ويدان وقدمان من حبرٍ متحرك يطفو على سطحه سوادٌ لا قاع له.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

 

في هذه الأثناء، كان نومريس يركض بكل ما أوتي من قوة نحو الضاحية الشمالية، منفذه الأخير والوحيد للرحيل، لكنه قفز إلى الخلف بحركةٍ غريزية خاطفة عندما انغرس سهمٌ حاد في الأرض الموحلة أمامه مباشرةً؛ لولا ذاك التراجع السريع لقُتل الفتى التو.

كان الهجوم مباغتاً لحد أن نومريس تصمر في مكانه بذهول، لكنه نزع غبار هذا الذهول بسرعة؛ كان عليه النجاة، ولم يكن في متناوله سوى شيءٍ وحيد.

 

 

رفع نومريس رأسه ببطء نحو السماء المظلمة، ليرى عبر قطرات المطر المتساقطة شلالاً هائلاً من السهام السوداء ينهمر نحوه ونحو القبيلة كالمطر المسموم… شلالٌ ينضح بخطرٍ مميت واقترابٍ محتوم للموت.

التفت نحو سكوادر بعينين محقونتين بالدم والذعر، وتمتم بفكين يرتجفان: «هل… هل هذا عدو؟ أم أن شيطاناً قد نزل؟!»

 

 

كان الهجوم مباغتاً لحد أن نومريس تصمر في مكانه بذهول، لكنه نزع غبار هذا الذهول بسرعة؛ كان عليه النجاة، ولم يكن في متناوله سوى شيءٍ وحيد.

 

 

خيم صمتٌ موتُور ومطبق على الميدان بأكمله؛ صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاسٌ متلاحقة لذئابٍ وقبائل كانت قبل لحظات تطلب الدم، فصارت الآن تجثو في الطين تتوسل النجاة من شيءٍ لا تراه ولكنها تستشعر موته المتربص.

لم يرغب من قبل في فعله أو في جذب الأنظار نحوه، أما الآن فكان الأمر يتعلق بحياته، هذا، وتمتم ببطء: “خوف…”

 

 

صدمت السهام تلك الظلال المتجسدة، لتتكسر في الهواء وتتساقط خشبياً متفحماً على الأرض.

ما إن نطق بتلك الكلمة، حتى تردد صدى تمتمته الخاطفة في أرجاء المكان بشكلٍ غير طبيعي، متجاوزاً ضجيج الحرب وطبولها، حتى كأن كل شخصٍ يقع ضمن مسافة كيلومترٍ كامل قد سمعها تهمس في أذنيه مباشرةً؛ وفي اللحظة التالية تماماً، انطلقت من العدم أصوات خربشاتٍ حادة وسريعة، كأن ريشةً حجرية تحفر بسرعة فوق أوراق كتابٍ قديم وجاف.

 

 

 

…تلك الصوتيات الهادئة الصادرة من العدم، لم تكن سوى الشرارة الأولى التي تلتها برودةٌ قارسة اجتاحت أرجاء المكان في أجزاء من الثانية.

حتى إن أحدهم، وهو يراقب اضطراب الهواء وانخفاض حرارة العالم من حوله، تمتم بنبرةٍ خافتة يملؤها الذهول لمخلوقٍ يقف في ظلاله: «إينم…»

 

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

لم تكن برودة طقسٍ أو هبة رياحٍ شتوية، بل انخفاضاً حاداً ومرعباً في حرارة الهواء المحيط، جعل قطرات المطر المتساقطة تتجمد في الهواء قبل أن تلمس وجوه المحاربين.

 

 

لكن الرعب الحقيقي لم يكن في كلام الشيوخ أو ذعر القادة… بل في تلك الهالة القاتلة التي رفضت أن تتوقف عند حدود الكيلومتر الواحد!

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

 

 

ارتجفت حدقتاه وهو يشعر بتلك القشعريرة القاتلة تسري في نخاعه الشوكي، شعورٌ غريزي حاد وثقيل بأن ثمة كياناً لا يُرى قد استيقظ للتوّ في العتمة، ينظر إليه وإلى كل حركةٍ حوله بنهمٍ صامت.

اندفع الشيخ مانيس برفقته عشرات المقاتلين الأشدّاء للدفاع عن الخطوط الشرقية، وصراخه يخرق صفير الريح وهو يحث حصانه: «تباً لكم أيها الأوغاد! أتريدون الموت؟! تعالوا إذاً!»

 

لم يكن تجسداً كلياً لكيانٍ كامل، بل كان “الخوف” في صورته الأولى والبدائية: برودةٌ تمزق العظام، ضغطٌ روحاني يشل الإرادة، وظلالٌ مشوهة تحس بها الأرواح قبل أن تراها الأبصار.

وفجأة، توقفت حركة السهام المنهمرة من السماء في أعين نومريس والمقاتلين من حوله…

انطلق الشيخ لوهان برفقة الشيخ فيوندار —الشيخ الرابع للقبيلة، ذاك الرجل صاحب الشعر المجعد الكثيف الذي لو أن طائراً وضع فيه بيضه لن يسقط أبداً لشدة تماسك خصلاته السوداء، حتى لحيته التي بدأ الشيب يغزو أطرافها لم تكن تختلف عن كثافة شعره— ومعهما طوفانٌ من الرجال يصرخون بضراوة لصد هذا الهجوم الثالث.

 

 

ليس لأنها سقطت، بل لأن الظلال المترامية في الأرجاء بدأت تنحرف عن مسارها الطبيعي.

 

 

امتدت الظلال الملتصقة من الأشخاص في الأرض الموحلة وتلصصت صاعدةً نحو الأعلى بخطوطٍ سوداء حبرية مشوهة، تشكلت في الهواء على هيئة دروعٍ هشة من العتمة المحض، تتخللها ملامح مبهمة لأعينٍ محدقة وأفواهٍ مفتوحة على وسعها بصرخاتٍ صامتة.

امتدت الظلال الملتصقة من الأشخاص في الأرض الموحلة وتلصصت صاعدةً نحو الأعلى بخطوطٍ سوداء حبرية مشوهة، تشكلت في الهواء على هيئة دروعٍ هشة من العتمة المحض، تتخللها ملامح مبهمة لأعينٍ محدقة وأفواهٍ مفتوحة على وسعها بصرخاتٍ صامتة.

 

 

رأى نومريس ظلالاً كثيرة تقترب من بعيد؛ تماماً كما حدث في الضاحية الغربية، كان هناك جيشٌ آخر يزحف كالعاصفة لغزو قبيلة ماكنزي من هذا الاتجاه أيضاً!

صدمت السهام تلك الظلال المتجسدة، لتتكسر في الهواء وتتساقط خشبياً متفحماً على الأرض.

لم يرغب من قبل في فعله أو في جذب الأنظار نحوه، أما الآن فكان الأمر يتعلق بحياته، هذا، وتمتم ببطء: “خوف…”

 

 

على مسافة كيلومتر كامل، تجمّدت أقدام الفرسان؛ تسارعت ضربات قلوبهم بشكلٍ لا إرادي حتى كادت أضلعهم تتكسر، وساد شللٌ لحظي مباغت جعل الأحصنة تتوقف صاهلةً برعب، وجعل المقاتلين يمسكون بأعناقهم بحثاً عن هواءٍ ثقيل يرفض الدخول إلى رئاتهم.

 

 

 

لم يكن تجسداً كلياً لكيانٍ كامل، بل كان “الخوف” في صورته الأولى والبدائية: برودةٌ تمزق العظام، ضغطٌ روحاني يشل الإرادة، وظلالٌ مشوهة تحس بها الأرواح قبل أن تراها الأبصار.

 

 

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

توقف كل شيء.

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

 

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

السهام المتكسرة، صهيل الأحصنة المتجمدة، وحتى صدمة الفرسان… كل ذلك كان مجرد قشرةٍ سطحية انفلقت ليتفشى تحتها رعبٌ أكثر ظلاماً وعمقاً.

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

 

 

لم يكن مجرد ضغطٍ روحي؛ بل كان شعوراً حاداً ومسموماً بأن ثمة شيئاً أسطورياً ومتحشداً ينبثق من العدم، يلتف حول أعناقهم جميعاً بيدين من جليد.

 

 

ثقلٌ جبار هبط على أطراف نومريس، وكأن الهواء نفسه استحال زئبقاً مصبوباً.

سكوادر، الفارس الذي لم تُكسر حدقتاه يوماً في ميدان قتال، شعر بلسانه يجف حتى استحال كقطعة خشبة يابسة.

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

 

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

سقط كبرياؤه في لحظة؛ انهارت هيبته الشرسة وتراجعت بؤبؤتا عينيه إلى الخلف وهو يتنفس برعبٍ متقطع، أمعاؤه تتعدل وتنقبض بحدة وكأن أحشاءه تتجمّد.

توقف كل شيء.

 

 

لم يعد الأسد الذي يقود طوفاناً، بل استحال طريدةً مذعورة تتشبث بعرف حصانه كي لا تهوي أرضاً.

السهام المتكسرة، صهيل الأحصنة المتجمدة، وحتى صدمة الفرسان… كل ذلك كان مجرد قشرةٍ سطحية انفلقت ليتفشى تحتها رعبٌ أكثر ظلاماً وعمقاً.

 

 

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

 

 

 

غرس أطراف أصابعه في الطين وهو يشهق بجنون، يمرق ناظره بين الظلال المتراقصة ويصرخ بصوتٍ خنقته العبرة والرعب: «بحق الجحيم… ما هذا؟!»

على بُعد مسافة كبيرة، انهار الشيخ مانيس على ركبتيه فوق الوحل المظلم، لا ليحمي نفسه، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

 

وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق رنين جرس الطوارئ ليدوي مجدداً في أرجاء القبيلة بنبرةٍ أكثر رعباً.

بن جامات، بسيفه الملطخ بدم سوني، تراجع خطوتين إلى الخلف، ركبتاه تصطدمان ببعضهما في ارتعاشٍ فاضح.

 

 

 

التفت نحو سكوادر بعينين محقونتين بالدم والذعر، وتمتم بفكين يرتجفان: «هل… هل هذا عدو؟ أم أن شيطاناً قد نزل؟!»

السهام المتكسرة، صهيل الأحصنة المتجمدة، وحتى صدمة الفرسان… كل ذلك كان مجرد قشرةٍ سطحية انفلقت ليتفشى تحتها رعبٌ أكثر ظلاماً وعمقاً.

 

 

وعلى الجانب الآخر، وقف الشيخ سلافمور المنسحب نحو خطوط الدفاع؛ كان سيفه الحديدي الثقيل يرتعد في قبضته باهتزازاتٍ مسموعة، يصدر رنيناً خفيفاً مع صدمات درعه.

ففي الجنوب النائي من الإقليم الجنوبي التابع لمملكة “نيفيريا”، كانت تسود أربع قبائل رئيسية: قبيلة صوفي، قبيلة سربيل، قبيلة كبيمار، وقبيلة ماكنزي. أربع قوى تشتعل بينها نيران الصراع المستمر على الأرض والنفوذ والسيطرة.

 

وفجأة، توقفت حركة السهام المنهمرة من السماء في أعين نومريس والمقاتلين من حوله…

قطرات العرق الباردة امتزجت بمياه المطر على جبهته وهو يحدق في السماء المظلمة، يتأتأ بذهولٍ سحيق: «هذا… هذا ليس مجرد ضغط عادي… هل بعثوا لنا بأحد القادة العظام من العاصمة؟!»

 

 

 

لكن الرعب الحقيقي لم يكن في كلام الشيوخ أو ذعر القادة… بل في تلك الهالة القاتلة التي رفضت أن تتوقف عند حدود الكيلومتر الواحد!

 

 

هناك، في أصقاعٍ نائية وممالك غابرة، فتح قادةٌ وكياناتٌ عظام عيونهم في ذهولٍ سحيق ورعبٍ خالص.

كالمد الهائج، وكزيتٍ يتفشى في النار، امتدت طاقة الخوف وتوسعت في مجالاتٍ سحيقة متجاوزة الضواحي والحدود.

 

 

 

كانت تسري في الهواء كسرطانٍ مرئي، ترافقها تلك الخربشات الغامضة التي لم تعد تصدر من الهواء… بل باتت تصدر من داخل جماجمهم جميعاً!

 

 

 

كأن ريشةً غير مرئية تحفر أسماءهم ونهاياتهم الشنيعة فوق الأغشية الداخلية لأدمغتهم.

لم ينتظر لثانيةٍ واحدة؛ بل استل سيفه العريض واستدار نحو الحشود وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء الميدان، ليحث حصانه ويندفع كالشهاب نحو الخطوط الأمامية لـ”ماكنزي”.

 

ومع وصول تلك الهالة الباردة إلى كل بقعة، وبينما كان البشر في أرجاء المعمورة غافلين كلياً، انبثقت منهم أشرطةٌ حبرية خفية؛ خيوطٌ سوداء صعدت في صمتٍ سحيق دون أن يشعر بها أحد، وتجمعت عبر الأثير لتعود متدفقةً نحو المصدر.

المئات من المحاربين والفرسان سقطوا عن أحصنتهم في وقتٍ واحد، يعتصرون رؤوسهم بصرخاتٍ مكتومة، والبعض منهم راح يتقيأ رعباً فوق الوحل.

السهام المتكسرة، صهيل الأحصنة المتجمدة، وحتى صدمة الفرسان… كل ذلك كان مجرد قشرةٍ سطحية انفلقت ليتفشى تحتها رعبٌ أكثر ظلاماً وعمقاً.

 

نهاية الفصل

خيم صمتٌ موتُور ومطبق على الميدان بأكمله؛ صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاسٌ متلاحقة لذئابٍ وقبائل كانت قبل لحظات تطلب الدم، فصارت الآن تجثو في الطين تتوسل النجاة من شيءٍ لا تراه ولكنها تستشعر موته المتربص.

سكوادر، الفارس الذي لم تُكسر حدقتاه يوماً في ميدان قتال، شعر بلسانه يجف حتى استحال كقطعة خشبة يابسة.

 

وفجأة، توقفت حركة السهام المنهمرة من السماء في أعين نومريس والمقاتلين من حوله…

داخل المملكة بأكملها، مرت هالة الخوف كأنها نصلٌ ثلجي يمرق عبر الصدور؛ انقبضت قلوب الآلاف في لفتةٍ خاطفة، وتسارعت نبضاتهم برعبٍ مفاجئ وشديد لدقائق ثقال، قبل أن تهدأ تلك الوطأة بالتدريج.

 

 

ولم يكد سوني يهوي صريعاً على الوحل، حتى أدرك قائد جيش القبائل الثلاث أن القتال الفردي قد انتهى.

أحدث الأمر ضجةً عارمة داخل العاصمة “نيفيريا”، وخرج السكان إلى الشوارع في حيرةٍ وذعر، يتساءلون بذعرٍ وغفلة عما جرى توّاً في أرجاء أرضهم.

 

 

 

وفي القصر الملكي بالمدينة، داخل غرفةٍ غارقة في عتمةٍ سكونية، كان هناك شخصٌ يجلس بوقارٍ وهدوء تام.

اقترب من الضاحية الشرقية للقبيلة ينوي الهرب عبر منفذها، لكنه توقف فجأة في مكانه، متسائلاً بذهول: “ما الذي يحدث هنا…؟”

 

وفي تلك اللحظة، تدفقت المئات من خلفه كالسيوف المشرعة، يصرخون بأعلى أصواتهم وتدك أقدامهم الأرض الموحلة، معلنين بداية الصدام الدموي الشامل.

ما إن خالجت روحه تلك الهالة الفريدة، حتى لم ينطق ببنت شفة ولم تتحرك منه سكنة؛ اكتفى بإغلاق عينيه ببطء، مراقباً أعماق روحه وهو يستشعر ذاك الصدى البارد الأصيل.

 

 

امتدت الظلال الملتصقة من الأشخاص في الأرض الموحلة وتلصصت صاعدةً نحو الأعلى بخطوطٍ سوداء حبرية مشوهة، تشكلت في الهواء على هيئة دروعٍ هشة من العتمة المحض، تتخللها ملامح مبهمة لأعينٍ محدقة وأفواهٍ مفتوحة على وسعها بصرخاتٍ صامتة.

لكن تلك الطاقة القاتلة لم تقف عند حدود المملكة؛ بل امتدت كالمحيط الهائج عبر القارة بأكملها، ثم عبرت البحار الشاسعة بسرعةٍ مرعبة، لتصل أطرافها إلى القارات الأخرى.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

 

هناك، في أصقاعٍ نائية وممالك غابرة، فتح قادةٌ وكياناتٌ عظام عيونهم في ذهولٍ سحيق ورعبٍ خالص.

 

 

 

حتى إن أحدهم، وهو يراقب اضطراب الهواء وانخفاض حرارة العالم من حوله، تمتم بنبرةٍ خافتة يملؤها الذهول لمخلوقٍ يقف في ظلاله: «إينم…»

كانت تسري في الهواء كسرطانٍ مرئي، ترافقها تلك الخربشات الغامضة التي لم تعد تصدر من الهواء… بل باتت تصدر من داخل جماجمهم جميعاً!

 

 

ومع وصول تلك الهالة الباردة إلى كل بقعة، وبينما كان البشر في أرجاء المعمورة غافلين كلياً، انبثقت منهم أشرطةٌ حبرية خفية؛ خيوطٌ سوداء صعدت في صمتٍ سحيق دون أن يشعر بها أحد، وتجمعت عبر الأثير لتعود متدفقةً نحو المصدر.

 

 

اقتحم نومريس عدة منازل متوارية، وراح يفتش في زواياها بلهفة. كان يجد الأهالي القابعين في ذعرٍ داخل أكواخهم، فلا يفعل شيئاً سوى إلقاء سؤالٍ خاطف عن وجود خريطة، وما إن يتلقى نظرات الذهول أو النفي حتى يغادر فوراً. وطوال الوقت، لم يعثر على شيءٍ يهديه سبيله.

وفوق الأرض الموحلة في قبيلة ماكنزي، وأمام عيني نومريس المذهولتين، تكثفت تلك الظلال الحبرية الصاعدة وتجمعت في نقطةٍ واحدة معلقة في الهواء… ثم سقط كيانٌ حبري مبهم أمامه مباشرة.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

سقط سوني أرضاً بجوار يده المقطوعة، والدماء تتدفق منه بغزارةٍ منذ مدة؛ لقد أنهكه النزيف المتواصل بسرعةٍ قاتلة، واختلت موازينه تحت وطأة ضربات بن جامات المتلاحقة.

لم يمتلك ذلك الكيان ملامح بشرية، ولا تفاصيل وجه، ولا زينة؛ كان مجرد جسدٍ من العتمة المحض والظلال المتداخلة… رأسٌ صامت، جذعٌ مبهم، ويدان وقدمان من حبرٍ متحرك يطفو على سطحه سوادٌ لا قاع له.

لقد أحكمت القبائل الثلاث طوقها بالكامل، وجعلت من قبيلة ماكنزي ساحةً لمطحنةٍ دموية لا تُبقي ولا تذر.

 

 

نهاية الفصل

 

مع اندلاع شعلة الحرب العارمة، انسل نومريس إلى الخلف بخفة، يتراجع خطوةً تلو الأخرى بعيداً عن مركز الاصطدام.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط