ملمس بارد
استدارت مارغريت متجهة نحو الباب الخلفي للنزل، فنفض نومريس عن جسده آثار الإعياء ونهض يتبعها بخطى مستقيمة.
رفعه بساعدين متصلبين؛ كان الفأس ثقيلًا بشكلٍ ملحوظ، وحدُّه الكليل يخبره بلا أوهام أن شق هذه الجذوع لن يعتمد على القوة الغشيمة بقدر ما يتطلب دقةً وزاوية متزنة.
قالت بصرامة عملية: «هذه هي مهمتك… شق تلك الجذوع ورصّ حطب التدفئة حتى يغص هذا المخزن بالكامل قبل أن تغيب الشمس. إن أنجزت العمل، إضافةً إلى دفع ثمنه طعامًا، سأعطيك زاويةً جافة لتنام فيها الليل، وإن تقاعست… فالخارج يناديك.»
في هذه الأثناء، كان نومريس في القاعة الرئيسية مستغرقًا في طعامه دون أدنى اكتراث بما يدور حوله؛ إذ لم يكن يعنيه سوى ملء بطنه الخاوية واستعادة رمق حياته.
لم تطل غيبة مارغريت كثيرًا؛ إذ عادت وهي تحمل بين يديها طبقًا فخاريًا كبيرًا ينثاب منه البخار الحار، ووضعته بثقلٍ على الطاولة أمام نومريس.
كان الطعام عبارة عن شريحةٍ ضخمة من لحم الشواء المحمر على الحطب، يحيط بها حساءٌ ثخين من الخضار البرية والبطاطس المقليّة، وإلى جوار الطبق رغيف خبزٍ أسمر سميك يفوح برائحة القمح الطازج.
رد بصرامة هادئة: «لقد أخبرتكِ… انتهيت بالفعل.»
كان المكان عبارة عن ساحةٍ شاسعة يلفها سكونٌ مريب تباين بحدة مع صخب القاعة الداخلية.
كان الطعام عبارة عن شريحةٍ ضخمة من لحم الشواء المحمر على الحطب، يحيط بها حساءٌ ثخين من الخضار البرية والبطاطس المقليّة، وإلى جوار الطبق رغيف خبزٍ أسمر سميك يفوح برائحة القمح الطازج.
انتبهت المرأة لعودته، فضيقت عينيها وتساءلت بصرامة: «ما الذي تفعله هنا؟ لقد أخبرتك أن تنجز عملك… هل تعبت بهذه السرعة؟»
تأمل نومريس طبقه لثانيةٍ واحدة، وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، اندفع يأكل بلهفةٍ عارمة؛ يقطع الخبز وينغمسه في الحساء الدافئ، مبتلعًا اللحم بشراهةِ من لم يذق طعمًا منذ أيام.
غادرت مارغريت المائدة بسرعة متجهةً نحو جوف المطبخ، حيث يربض السيف الأسود.
غادرت مارغريت المائدة بسرعة متجهةً نحو جوف المطبخ، حيث يربض السيف الأسود.
رفعت السلاح مجددًا تتفقد معالمه باهتمام؛ سرت في كفيها برودة قارسة جعلت أطرافها تبدو وكأنها تتجمد فور ملامسته.
قبض على مقبضه الخشبي براحة يده المجهدة وسحبه ببطء، محدقًا في حده الثلم قبل أن يهمس في سره ببرود: «أولًا… لننهِ هذا العمل لكي أسترد السيف.»
أمعنت النظر في مقبضه، فتأملت تلك الخطوط الحمراء الدقيقة المتشابكة على سطحه كأنها عروق حية، وشعرت بثقله الهائل يتحدى بنيتها.
تجهم وجه الرجل بحدة، وسحب كيس نقوده عن الطاولة، ثم استدار مغادرًا بخطى ثقيلة دون أن ينبس ببنت شفة.
هوى الفأس بقوة خاسفة منتجًا صوتًا مكتومًا هز الفناء، ليشق الخشب من الضربة الأولى.
تساءلت في سرها بحيرةٍ وشكٍّ: «من أين حصل ذلك الفتى على سيفٍ كهذا؟ ملمسه يوشك أن يجمد يدي… إنه ينتمي لذلك العرق المنبوذ، فهل يعقل أنه سرقه من مكان ما؟ أم أنه ملكه حقًا؟»
وضعت يدها على جبهتها وقالت بدهشة مكتومة: «لا شيء… حقًا لقد تجاوزت توقعاتي. هل أنت ممسوس أم ماذا؟»
حاولت التلويح بالسيف لتختبر توازنه، لكن وزنه طاغي وخمود برودته المنبعثة منعاه من الاستجابة لها.
زفرت بأنفاس متقطعة، والعرَق يتصبب على جبينها من فرط المجهود والرهبة، قبل أن تعيده بتهيب إلى غمده وتسنده إلى الجدار، متمتمة بذهول: «ما هذا السيف بحق السماء؟!»
كما أن قدرته التي استيقظت لتوّها جعلته يدرك بحدسه البارد أن السيف قد يكون جزءًا أصيلًا من هذه القدرة وركيزةً أساسيةً مستقبلًا، والتفريط فيه لقاء قبضة من المال ليس إلا ضربًا من الغباء.
لم ينتظر نومريس كلمتها الأخيرة؛ بل أومأ برأسه بجمود مستغرقًا في تأمل الساحة.
في هذه الأثناء، كان نومريس في القاعة الرئيسية مستغرقًا في طعامه دون أدنى اكتراث بما يدور حوله؛ إذ لم يكن يعنيه سوى ملء بطنه الخاوية واستعادة رمق حياته.
اندفع ينهمك في الأكل بشراهة حتى أفرغ الطبق وسد جوعه بالكامل.
لم ينتظر نومريس كلمتها الأخيرة؛ بل أومأ برأسه بجمود مستغرقًا في تأمل الساحة.
وفي تلك اللحظة بالضبط، ظلّل الطاولةَ ظلٌّ كئيب؛ إذ تقدم رجل عريض الكتفين، تعلو صدره ندبة حرق جائرة، ويمتلك شعرًا أشقر محلوقًا بطريقة مريبة، ثم وقف شاخصًا أمام نومريس وسأله بنبرة جافة: «هل تبيع ذلك السيف الأسود لي؟»
توقفت مارغريت عند عتبة الساحة، وأشارت بسبابتها نحو مخزنٍ خشبي متداعي يقع في أقصى الزاوية، كان بابه يئن مع كل هبة ولا تزال أرففه شبه فارغة.
كانت أبصار المحاربين ورجال القبيلة المنتشرين في النزل تتجه نحو الطاولة المنزوية، يترقبون الإجابة بشغف، وداخل كل منهم أمل خفي بأن يرفض الصبي، كي لا يظفر ذلك الرجل بالسلاح قبيل أن تنال منه أيديهم.
رفع نومريس رأسه بتمهل، ومضغ اللقمة الأخيرة في فمه ثم قال بتأنٍ وبحزم هادئ: «سيفي ليس للبيع.»
رمقته مارغريت وقالت بنبرة تحمل مغزى خاصًا: «عليك أن تطلق اسمًا على هذا السيف… فمن السيئ أن يظل سلاحٌ كهذا بلا اسم.»
أخرج الرجل كيسًا ثقيلًا يمتلئ بالجنيهات النحاسية والفضية، وصقعه على سطح الطاولة الخشبية قائلًا بصرامة: «كم تطلب ثمنه؟ فقط حدد ثمنه… كل شيء في هذا العالم له ثمن، أيها الفتى.»
تقدمت مارغريت نحو طاولة نومريس، وعندما رأت الأطباق فارغة، قالت بنبرة عملية: «انتهيت من طعامك، أليس كذلك؟»
كانت أبصار المحاربين ورجال القبيلة المنتشرين في النزل تتجه نحو الطاولة المنزوية، يترقبون الإجابة بشغف، وداخل كل منهم أمل خفي بأن يرفض الصبي، كي لا يظفر ذلك الرجل بالسلاح قبيل أن تنال منه أيديهم.
«حسنًا… إن فعلت ذلك، أخبرني باسمه.»
كرر نومريس إجابته دون أن تتغير نبرته الباردة: «آسف، السيف ليس للبيع.»
كان نومريس حديث عهد بالخروج إلى هذا العالم الجاهل بتفاصيله، ولم يكد يخطو فيه إلا بفضل حظه الذي ساق قدميه إلى تلك القبيلة.
كان نومريس حديث عهد بالخروج إلى هذا العالم الجاهل بتفاصيله، ولم يكد يخطو فيه إلا بفضل حظه الذي ساق قدميه إلى تلك القبيلة.
تناول نومريس السيف وأمعن النظر فيه، فسرعان ما سرت برودته المألوفة في كفه، متأكدًا من أنه نصله الأصلي دون غيره؛ فقد خالجه شك سابق باحتمالية استبداله بنسخة زائفة، وهي فكرة استقرت في ذهنه لحذره الفطري بعد خروجه من العالم الروحي وجهله بخبايا هذا العالم الجديد.
كما أن قدرته التي استيقظت لتوّها جعلته يدرك بحدسه البارد أن السيف قد يكون جزءًا أصيلًا من هذه القدرة وركيزةً أساسيةً مستقبلًا، والتفريط فيه لقاء قبضة من المال ليس إلا ضربًا من الغباء.
استدارت مارغريت متجهة نحو الباب الخلفي للنزل، فنفض نومريس عن جسده آثار الإعياء ونهض يتبعها بخطى مستقيمة.
انفلق الجذع إلى نصفين متساويين متناثرًا على الجانبين، واندفعت منه رائحة الرطوبة والصمغ البري.
تنهد الحاضرون بارتياح مكتوم فور سماع رفضه.
ورغم أن السيوف تباع في كل سوق، إلا أن معاناة مارغريت الواضحة أثناء حمل ذلك السلاح، إلى جانب مظهر نصله الداكن والأنيق، جعلت الجميع يدركون قيمته الاستثنائية.
انقبضت ملامح الرجل الأشقر واستشاط غضبًا، ثم قال بنبرة محتقنة: «أيها الفتى… أنت لا تقيم لي وزنًا، وزد على ذلك أنك أحرجتني أمام الحاضرين!»
كان المكان عبارة عن ساحةٍ شاسعة يلفها سكونٌ مريب تباين بحدة مع صخب القاعة الداخلية.
رد عليه نومريس بهدوء وثبات، دون أن يرمش له جفن: «من الأساس، سيفي لم يكن معروضًا للبيع… أنت من أحرجت نفسك بنفسك.»
اندفع ينهمك في الأكل بشراهة حتى أفرغ الطبق وسد جوعه بالكامل.
تجهم وجه الرجل بحدة، وسحب كيس نقوده عن الطاولة، ثم استدار مغادرًا بخطى ثقيلة دون أن ينبس ببنت شفة.
كان الطعام عبارة عن شريحةٍ ضخمة من لحم الشواء المحمر على الحطب، يحيط بها حساءٌ ثخين من الخضار البرية والبطاطس المقليّة، وإلى جوار الطبق رغيف خبزٍ أسمر سميك يفوح برائحة القمح الطازج.
ومع استدارته، كانت مارغريت قد خرجت للتو من باب المطبخ، ولمحت ملامحه المحتقنة ثم التفتت إلى نومريس لتفهم تفاصيل المشهد. صاحت بنبرة حازمة تجعد لها جبين القاعة: «سيد سمايل… هل تزعج زبوني أم ماذا؟»
تغيرت تعابير الرجل الملقب بـ«سمايل» بسرعة فائقة، ورسم على شفتيه ابتسامة متصنعة وهو يجيب باعتذار مجامل: «لا لا يا سيدة مارغريت! لقد أسأتِ الفهم… أردتُ فقط أن أعرف ما إذا كان الصديق الصغير ينوي بيع سيفه. يمكنكِ سؤاله بنفسكِ، هل مارستُ عليه أي ضغط؟»
حك نومريس مؤخرة رأسه وأشار بيده نحو الباب الخلفي قائلًا بجمود: «أريد سيفي… أظن أن العمل الذي كلّفتني به قد انتهى.»
تغيرت تعابير الرجل الملقب بـ«سمايل» بسرعة فائقة، ورسم على شفتيه ابتسامة متصنعة وهو يجيب باعتذار مجامل: «لا لا يا سيدة مارغريت! لقد أسأتِ الفهم… أردتُ فقط أن أعرف ما إذا كان الصديق الصغير ينوي بيع سيفه. يمكنكِ سؤاله بنفسكِ، هل مارستُ عليه أي ضغط؟»
هوى الفأس بقوة خاسفة منتجًا صوتًا مكتومًا هز الفناء، ليشق الخشب من الضربة الأولى.
رمقت مارغريت نومريس بنظرة تفحص، فلم تجد على وجه الصبي أي أثر للانزعاج أو الاضطراب. أعادت بصرها نحو سمايل وحذرته بصرامة قاطعة: «لا تزعج زبائني يا سمايل… لقد حذرتك مرارًا من قبل، وإن كررتها فلن تلومنّ إلا نفسك.»
حاولت التلويح بالسيف لتختبر توازنه، لكن وزنه طاغي وخمود برودته المنبعثة منعاه من الاستجابة لها.
قال سمايل وهو يتراجع للخلف بحذر متصنع: «لا تقلقي يا سيدتي… كوني مرتاحة البال تمامًا.»
دفع الباب الخشبي وعاد إلى القاعة الداخلية، لتقع عيناه على مارغريت وهي تنقل كؤوس النبيذ بين الموائد.
ارتفعت قهقهات ساخرة من بعض المحاربين الجالسين على الموائد القريبة، مما أورث سمايل حرجًا شديدًا.
بلع ريقه بصعوبة وسرى الغل في أحشائه وهو يشخص بنظرة حاقدة نحو نومريس، متمتمًا في سره: «اللعنة عليك… سأريك أيها الشقي.»
أخرج الرجل كيسًا ثقيلًا يمتلئ بالجنيهات النحاسية والفضية، وصقعه على سطح الطاولة الخشبية قائلًا بصرامة: «كم تطلب ثمنه؟ فقط حدد ثمنه… كل شيء في هذا العالم له ثمن، أيها الفتى.»
تقدمت مارغريت نحو طاولة نومريس، وعندما رأت الأطباق فارغة، قالت بنبرة عملية: «انتهيت من طعامك، أليس كذلك؟»
لم ينتظر نومريس كلمتها الأخيرة؛ بل أومأ برأسه بجمود مستغرقًا في تأمل الساحة.
أومأ نومريس برأسه دون إطالة: «نعم.»
أمعنت النظر في مقبضه، فتأملت تلك الخطوط الحمراء الدقيقة المتشابكة على سطحه كأنها عروق حية، وشعرت بثقله الهائل يتحدى بنيتها.
«إذن تعال معي… هناك أعمال شاقة تنتظرك في الخلف.»
استدارت مارغريت متجهة نحو الباب الخلفي للنزل، فنفض نومريس عن جسده آثار الإعياء ونهض يتبعها بخطى مستقيمة.
وإلى جوارها تربض جذوع عريضة غُرس في وسطه فأسٌ حديدي ثقيل، يكسو حدَّه الثلم أثرُ صدأٍ قديم.
دفع نومريس الباب الخشبي الثقيل يتبع مارغريت إلى الفناء الخلفي، فاستقبلته نفحة هواءٍ باردة حمّلتها الرياح برائحة القطران ونشارة الخشب الرطبة.
كان المكان عبارة عن ساحةٍ شاسعة يلفها سكونٌ مريب تباين بحدة مع صخب القاعة الداخلية.
وما إن فتحت الباب حتى وقفت مذهولة؛ كان الفناء خاليًا تمامًا من الجذوع المتراكمة، بينما اكتظ المخزن الخشبي بأكوام الحطب المقطوع والمرصوص بعناية.
أحاطت بالساحة أسوارٌ خشبية مرتفعة تفصل النزل عن أحشاء القبيلة، وفي الزاوية القريبة تتراكم جذوع أشجارٍ عتيقة صلبة، تعلوها آثار الصقيع وشقوق الجفاف.
انحنى نومريس ببرود، التقط النصفين ووضعهما جانبًا، ثم جذب جذعًا ثانيًا وبدأ يقطع بانتظام صارم؛ ضربة تتلوها ضربة، وإيقاع هادئ يملأ الساحة، متجاهلًا ألم عضديه وإجهاد ظهره، مكرسًا تركيزه لإكمال المهمة في أقصر وقت.
وفي تلك اللحظة بالضبط، ظلّل الطاولةَ ظلٌّ كئيب؛ إذ تقدم رجل عريض الكتفين، تعلو صدره ندبة حرق جائرة، ويمتلك شعرًا أشقر محلوقًا بطريقة مريبة، ثم وقف شاخصًا أمام نومريس وسأله بنبرة جافة: «هل تبيع ذلك السيف الأسود لي؟»
وإلى جوارها تربض جذوع عريضة غُرس في وسطه فأسٌ حديدي ثقيل، يكسو حدَّه الثلم أثرُ صدأٍ قديم.
دفع الباب الخشبي وعاد إلى القاعة الداخلية، لتقع عيناه على مارغريت وهي تنقل كؤوس النبيذ بين الموائد.
كان نومريس حديث عهد بالخروج إلى هذا العالم الجاهل بتفاصيله، ولم يكد يخطو فيه إلا بفضل حظه الذي ساق قدميه إلى تلك القبيلة.
في هذه الأثناء، كان نومريس في القاعة الرئيسية مستغرقًا في طعامه دون أدنى اكتراث بما يدور حوله؛ إذ لم يكن يعنيه سوى ملء بطنه الخاوية واستعادة رمق حياته.
توقفت مارغريت عند عتبة الساحة، وأشارت بسبابتها نحو مخزنٍ خشبي متداعي يقع في أقصى الزاوية، كان بابه يئن مع كل هبة ولا تزال أرففه شبه فارغة.
قالت بصرامة عملية: «هذه هي مهمتك… شق تلك الجذوع ورصّ حطب التدفئة حتى يغص هذا المخزن بالكامل قبل أن تغيب الشمس. إن أنجزت العمل، إضافةً إلى دفع ثمنه طعامًا، سأعطيك زاويةً جافة لتنام فيها الليل، وإن تقاعست… فالخارج يناديك.»
رفعت السلاح مجددًا تتفقد معالمه باهتمام؛ سرت في كفيها برودة قارسة جعلت أطرافها تبدو وكأنها تتجمد فور ملامسته.
دفع الباب الخشبي وعاد إلى القاعة الداخلية، لتقع عيناه على مارغريت وهي تنقل كؤوس النبيذ بين الموائد.
لم ينتظر نومريس كلمتها الأخيرة؛ بل أومأ برأسه بجمود مستغرقًا في تأمل الساحة.
استدارت المرأة وعادت إلى جوف النزل، ليتكفل الباب الخشبي بإغلاق صخب القاعة خلفها، فارضًا على الفناء صمتًا أطبقت فيه سطوة الرياح.
تراااك!
وقف نومريس وحده في منتصف الفناء، يراقب كل شيء بحذر؛ لم تكن الجذوع العتيقة ولا الفأس الثقيل هما ما يشغل باله في هذه اللحظة، بل السيف الأسود الذي تركه عند مارغريت؛ إذ كان قلبه يضغط عليه بضرورة استرداده سريعًا، فلا مجال للثقة بأناسٍ يجهل طينتهم.
استدارت المرأة وعادت إلى جوف النزل، ليتكفل الباب الخشبي بإغلاق صخب القاعة خلفها، فارضًا على الفناء صمتًا أطبقت فيه سطوة الرياح.
تنفس بعمق، ومسح بالماء البارد المتبقي على وجهه آثار الإعياء، ثم تقدم بخطى متزنة نحو الفأس المغروس.
قبض على مقبضه الخشبي براحة يده المجهدة وسحبه ببطء، محدقًا في حده الثلم قبل أن يهمس في سره ببرود: «أولًا… لننهِ هذا العمل لكي أسترد السيف.»
نهاية الفصل
فتحت مارغريت فمها بتذكر، ثم دخلت المطبخ وأخرجت السلاح الأسود وسلمته له.
رفعه بساعدين متصلبين؛ كان الفأس ثقيلًا بشكلٍ ملحوظ، وحدُّه الكليل يخبره بلا أوهام أن شق هذه الجذوع لن يعتمد على القوة الغشيمة بقدر ما يتطلب دقةً وزاوية متزنة.
ومع استدارته، كانت مارغريت قد خرجت للتو من باب المطبخ، ولمحت ملامحه المحتقنة ثم التفتت إلى نومريس لتفهم تفاصيل المشهد. صاحت بنبرة حازمة تجعد لها جبين القاعة: «سيد سمايل… هل تزعج زبوني أم ماذا؟»
طخ!
هوى الفأس بقوة خاسفة منتجًا صوتًا مكتومًا هز الفناء، ليشق الخشب من الضربة الأولى.
كانت أبصار المحاربين ورجال القبيلة المنتشرين في النزل تتجه نحو الطاولة المنزوية، يترقبون الإجابة بشغف، وداخل كل منهم أمل خفي بأن يرفض الصبي، كي لا يظفر ذلك الرجل بالسلاح قبيل أن تنال منه أيديهم.
تراااك!
انفلق الجذع إلى نصفين متساويين متناثرًا على الجانبين، واندفعت منه رائحة الرطوبة والصمغ البري.
توقفت مارغريت عند عتبة الساحة، وأشارت بسبابتها نحو مخزنٍ خشبي متداعي يقع في أقصى الزاوية، كان بابه يئن مع كل هبة ولا تزال أرففه شبه فارغة.
انحنى نومريس ببرود، التقط النصفين ووضعهما جانبًا، ثم جذب جذعًا ثانيًا وبدأ يقطع بانتظام صارم؛ ضربة تتلوها ضربة، وإيقاع هادئ يملأ الساحة، متجاهلًا ألم عضديه وإجهاد ظهره، مكرسًا تركيزه لإكمال المهمة في أقصر وقت.
بعد ساعتين من العمل المتواصل، أتم نومريس شق الخشب بالكامل وملأ المخزن.
كان نومريس حديث عهد بالخروج إلى هذا العالم الجاهل بتفاصيله، ولم يكد يخطو فيه إلا بفضل حظه الذي ساق قدميه إلى تلك القبيلة.
كان شحوب الإجهاد جليًا على وجهه؛ إذ إن جسده لم يسترد عافيته بعد رغم وجبة الطعام، لكن لحسن حظه أنجز المهمة بنجاح.
ارتفعت قهقهات ساخرة من بعض المحاربين الجالسين على الموائد القريبة، مما أورث سمايل حرجًا شديدًا.
دفع الباب الخشبي وعاد إلى القاعة الداخلية، لتقع عيناه على مارغريت وهي تنقل كؤوس النبيذ بين الموائد.
طخ!
قال سمايل وهو يتراجع للخلف بحذر متصنع: «لا تقلقي يا سيدتي… كوني مرتاحة البال تمامًا.»
انتبهت المرأة لعودته، فضيقت عينيها وتساءلت بصرامة: «ما الذي تفعله هنا؟ لقد أخبرتك أن تنجز عملك… هل تعبت بهذه السرعة؟»
غادرت مارغريت المائدة بسرعة متجهةً نحو جوف المطبخ، حيث يربض السيف الأسود.
«حسنًا… إن فعلت ذلك، أخبرني باسمه.»
حك نومريس مؤخرة رأسه وأشار بيده نحو الباب الخلفي قائلًا بجمود: «أريد سيفي… أظن أن العمل الذي كلّفتني به قد انتهى.»
بلع ريقه بصعوبة وسرى الغل في أحشائه وهو يشخص بنظرة حاقدة نحو نومريس، متمتمًا في سره: «اللعنة عليك… سأريك أيها الشقي.»
في هذه الأثناء، كان نومريس في القاعة الرئيسية مستغرقًا في طعامه دون أدنى اكتراث بما يدور حوله؛ إذ لم يكن يعنيه سوى ملء بطنه الخاوية واستعادة رمق حياته.
حدقت فيه مارغريت للحظة، وساورها الشك في أنه يمزح معها، ثم همست بصوت مسموع: «سيفك سيبقى عندي ولن تأخذه ما لم تنهِ عملك بالكامل.»
رد بتعجب هادئ: «ممسوس؟ ما هذا؟»
أحاطت بالساحة أسوارٌ خشبية مرتفعة تفصل النزل عن أحشاء القبيلة، وفي الزاوية القريبة تتراكم جذوع أشجارٍ عتيقة صلبة، تعلوها آثار الصقيع وشقوق الجفاف.
رد بصرامة هادئة: «لقد أخبرتكِ… انتهيت بالفعل.»
رد عليه نومريس بهدوء وثبات، دون أن يرمش له جفن: «من الأساس، سيفي لم يكن معروضًا للبيع… أنت من أحرجت نفسك بنفسك.»
رفعت السلاح مجددًا تتفقد معالمه باهتمام؛ سرت في كفيها برودة قارسة جعلت أطرافها تبدو وكأنها تتجمد فور ملامسته.
ازداد الشك في عينيها، فحطّت الكأس الخشبي الأخير على طاولة أحد الزبائن، وتجاوزت نومريس بخطى سريعة متجهةً نحو الفناء الخلفي.
وما إن فتحت الباب حتى وقفت مذهولة؛ كان الفناء خاليًا تمامًا من الجذوع المتراكمة، بينما اكتظ المخزن الخشبي بأكوام الحطب المقطوع والمرصوص بعناية.
نهاية الفصل
«حسنًا… إن فعلت ذلك، أخبرني باسمه.»
أعادت بصرها نحو الفتى الواقف خلفها، وظلت ترصده بنظرة متفحصة.
تأمل نومريس طبقه لثانيةٍ واحدة، وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، اندفع يأكل بلهفةٍ عارمة؛ يقطع الخبز وينغمسه في الحساء الدافئ، مبتلعًا اللحم بشراهةِ من لم يذق طعمًا منذ أيام.
رد نومريس بجفاف وهو يحكم قبضته عليه: «عندما أفكر في اسمٍ يناسبه، سأطلقه عليه.»
ارتفعت قهقهات ساخرة من بعض المحاربين الجالسين على الموائد القريبة، مما أورث سمايل حرجًا شديدًا.
سألها نومريس بنبرة خالية من الانفعال: «ماذا؟»
تجاهلت سؤاله وسألته باهتمام: «أخبرني أولًا… ما اسمك؟»
وضعت يدها على جبهتها وقالت بدهشة مكتومة: «لا شيء… حقًا لقد تجاوزت توقعاتي. هل أنت ممسوس أم ماذا؟»
كان الطعام عبارة عن شريحةٍ ضخمة من لحم الشواء المحمر على الحطب، يحيط بها حساءٌ ثخين من الخضار البرية والبطاطس المقليّة، وإلى جوار الطبق رغيف خبزٍ أسمر سميك يفوح برائحة القمح الطازج.
تراااك!
رد بتعجب هادئ: «ممسوس؟ ما هذا؟»
رد بصرامة هادئة: «لقد أخبرتكِ… انتهيت بالفعل.»
تجاهلت سؤاله وسألته باهتمام: «أخبرني أولًا… ما اسمك؟»
وإلى جوارها تربض جذوع عريضة غُرس في وسطه فأسٌ حديدي ثقيل، يكسو حدَّه الثلم أثرُ صدأٍ قديم.
في هذه الأثناء، كان نومريس في القاعة الرئيسية مستغرقًا في طعامه دون أدنى اكتراث بما يدور حوله؛ إذ لم يكن يعنيه سوى ملء بطنه الخاوية واستعادة رمق حياته.
أجاب بثبات: «نومريس.»
ومع استدارته، كانت مارغريت قد خرجت للتو من باب المطبخ، ولمحت ملامحه المحتقنة ثم التفتت إلى نومريس لتفهم تفاصيل المشهد. صاحت بنبرة حازمة تجعد لها جبين القاعة: «سيد سمايل… هل تزعج زبوني أم ماذا؟»
لم تطل غيبة مارغريت كثيرًا؛ إذ عادت وهي تحمل بين يديها طبقًا فخاريًا كبيرًا ينثاب منه البخار الحار، ووضعته بثقلٍ على الطاولة أمام نومريس.
علقت وهي تهز رأسها: «نومريس… اسم غريب. حسناً، بما أنك أتممت العمل، اذهب لترتاح قليلًا.»
عادت إلى القاعة ونومريس يتبعها، ثم نادت على إحدى النادلات المارات بأطباق الطعام: «روري… خذي الفتى إلى بيت الضيافة ليرتاح.»
تغيرت تعابير الرجل الملقب بـ«سمايل» بسرعة فائقة، ورسم على شفتيه ابتسامة متصنعة وهو يجيب باعتذار مجامل: «لا لا يا سيدة مارغريت! لقد أسأتِ الفهم… أردتُ فقط أن أعرف ما إذا كان الصديق الصغير ينوي بيع سيفه. يمكنكِ سؤاله بنفسكِ، هل مارستُ عليه أي ضغط؟»
كرر نومريس إجابته دون أن تتغير نبرته الباردة: «آسف، السيف ليس للبيع.»
بعد ساعتين من العمل المتواصل، أتم نومريس شق الخشب بالكامل وملأ المخزن.
انحنت الفتاة باحترام: «أمركِ يا سيدتي.»
تغيرت تعابير الرجل الملقب بـ«سمايل» بسرعة فائقة، ورسم على شفتيه ابتسامة متصنعة وهو يجيب باعتذار مجامل: «لا لا يا سيدة مارغريت! لقد أسأتِ الفهم… أردتُ فقط أن أعرف ما إذا كان الصديق الصغير ينوي بيع سيفه. يمكنكِ سؤاله بنفسكِ، هل مارستُ عليه أي ضغط؟»
وقف نومريس وحده في منتصف الفناء، يراقب كل شيء بحذر؛ لم تكن الجذوع العتيقة ولا الفأس الثقيل هما ما يشغل باله في هذه اللحظة، بل السيف الأسود الذي تركه عند مارغريت؛ إذ كان قلبه يضغط عليه بضرورة استرداده سريعًا، فلا مجال للثقة بأناسٍ يجهل طينتهم.
وقبل أن يخطو نومريس معها، ثبت عينيه على مارغريت وأردف بقاطع نبرته: «السيف.»
انحنى نومريس ببرود، التقط النصفين ووضعهما جانبًا، ثم جذب جذعًا ثانيًا وبدأ يقطع بانتظام صارم؛ ضربة تتلوها ضربة، وإيقاع هادئ يملأ الساحة، متجاهلًا ألم عضديه وإجهاد ظهره، مكرسًا تركيزه لإكمال المهمة في أقصر وقت.
كانت أبصار المحاربين ورجال القبيلة المنتشرين في النزل تتجه نحو الطاولة المنزوية، يترقبون الإجابة بشغف، وداخل كل منهم أمل خفي بأن يرفض الصبي، كي لا يظفر ذلك الرجل بالسلاح قبيل أن تنال منه أيديهم.
فتحت مارغريت فمها بتذكر، ثم دخلت المطبخ وأخرجت السلاح الأسود وسلمته له.
تأمل نومريس طبقه لثانيةٍ واحدة، وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، اندفع يأكل بلهفةٍ عارمة؛ يقطع الخبز وينغمسه في الحساء الدافئ، مبتلعًا اللحم بشراهةِ من لم يذق طعمًا منذ أيام.
تناول نومريس السيف وأمعن النظر فيه، فسرعان ما سرت برودته المألوفة في كفه، متأكدًا من أنه نصله الأصلي دون غيره؛ فقد خالجه شك سابق باحتمالية استبداله بنسخة زائفة، وهي فكرة استقرت في ذهنه لحذره الفطري بعد خروجه من العالم الروحي وجهله بخبايا هذا العالم الجديد.
حاولت التلويح بالسيف لتختبر توازنه، لكن وزنه طاغي وخمود برودته المنبعثة منعاه من الاستجابة لها.
رمقته مارغريت وقالت بنبرة تحمل مغزى خاصًا: «عليك أن تطلق اسمًا على هذا السيف… فمن السيئ أن يظل سلاحٌ كهذا بلا اسم.»
رد نومريس بجفاف وهو يحكم قبضته عليه: «عندما أفكر في اسمٍ يناسبه، سأطلقه عليه.»
«إذن تعال معي… هناك أعمال شاقة تنتظرك في الخلف.»
«حسنًا… إن فعلت ذلك، أخبرني باسمه.»
انفلق الجذع إلى نصفين متساويين متناثرًا على الجانبين، واندفعت منه رائحة الرطوبة والصمغ البري.
لم يفهم نومريس سبب اهتمامها الشديد باسم سلاحه، لكنه اكتفى بإيماءة رأس خفيفة، وتبع النادلة صاعدًا الدرجات الخشبية.
رفعت السلاح مجددًا تتفقد معالمه باهتمام؛ سرت في كفيها برودة قارسة جعلت أطرافها تبدو وكأنها تتجمد فور ملامسته.
أما مارغريت، فظلت تشخص ببصرها نحو ظهره المبتعد؛ إذ كان حدسها الخبير أن هذا السلاح وصاحبه سيصنعان صدى واسعًا في القادم من الأيام، وأرادت أن تكون أول من يعرف بالاسم لربما أشتهر مستقبلًا.
رد بصرامة هادئة: «لقد أخبرتكِ… انتهيت بالفعل.»
قالت قبل أن تستدير: «لأيام تتغير حقًا».
نهاية الفصل
تأمل نومريس طبقه لثانيةٍ واحدة، وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، اندفع يأكل بلهفةٍ عارمة؛ يقطع الخبز وينغمسه في الحساء الدافئ، مبتلعًا اللحم بشراهةِ من لم يذق طعمًا منذ أيام.
