تدريب
ضاقت عيناه.
جلس نومريس وحيدًا، وقد كان السيف أمام صدره، معلقًا في الهواء. كان متكئًا إلى الخلف، مغمض العينين، غارقًا في أفكاره، حين انفتح الباب ودخلت مارغريت.
ثم أضاف وهو يشير إلى وقفته:
كانت تضم يديها أمام صدرها، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة.
ثم أضاف:
“هل تأخرت؟”
يراقب.
فتح نومريس عينيه، ثم اعتدل في جلسته.
ظل واقفًا للحظات، يصغي إلى الصوت، ثم أعاد نظره إلى نومريس.
قال فورتكس:
“قليلًا.”
أجابته مارغريت وهي تتقدم إلى الداخل:
أم بسبب شيء آخر لم يفهمه.
شيء لم يفهمه.
“كانت هناك بعض الأمور الصغيرة التي كان عليّ حلها.”
ارتجت القناديل المعلقة على الجدران، وتراقصت ألسنة النار داخلها.
“إذًا… هل حُلّت؟”
رفع سيفه مجددًا.
“لا.”
“لقد أخبرتها… قبل خمس أيام على ما أظن.”
حدق فورتكس فيه للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب:
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
“لدي بعض الأمور التي يتوجب عليّ تنفيذها بسرعة، لذلك سأحتاج إلى بعض الوقت. عندما أعود، سنتحدث، أو سأترك فورتكس يخبرك ببعض الأشياء.”
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
“سأبقى قليلًا.”
أومأ نومريس برأسه دون أن يعلّق.
وفي كل مرة، كان نومريس يلاحظ شيئًا جديدًا.
نظرت إليه مارغريت للحظات، ثم قالت:
“أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟”
“حسنًا، يمكنك الانصراف. لا بد أنك جائع…”
ضربة.
نهض نومريس من مقعده، وأومأ لها برأسه، ثم غادر الغرفة الواسعة.
توقف الأخير.
بقيت مارغريت تحدق في ظهره لبعض الوقت، حتى اختفى خلف الباب.
فقد بقي بعض رواد النزل واقفين أمام الجدار، يتفحصون المطلوبين الجدد بفضول، ويتبادلون التعليقات فيما بينهم.
عندها عادت إلى مكتبها وجلست خلفه، ثم أخرجت ملصق نومريس من بين أغراضها.
ثم ابتسم.
ثبتت عينيها على صورته للحظات، وكأنها تحاول قراءة شيء مخفي خلف تلك الملامح الهادئة.
ثم وقفت من جديد.
“ماذا؟”
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
أمسك فورتكس معصمه.
حرّك فورتكس سيفه ببطء أمامه.
كانت الملصقات الجديدة قد ظهرت بين تلك القديمة، تحمل صور أشخاص مطلوبين وأسماءهم ومكافآت القبض عليهم.
ولم يكن هو الوحيد الذي لاحظها.
وفي تلك الأثناء، كانت مارغريت تقف مع فورتكس وتتحدث إليه، بينما ظل فورتكس بين الحين والآخر يلقي نظرات نحو نومريس.
“ماذا؟”
فقد بقي بعض رواد النزل واقفين أمام الجدار، يتفحصون المطلوبين الجدد بفضول، ويتبادلون التعليقات فيما بينهم.
“سيئ.”
وفي تلك الأثناء، كانت مارغريت تقف مع فورتكس وتتحدث إليه، بينما ظل فورتكس بين الحين والآخر يلقي نظرات نحو نومريس.
كان أفرادها قد بدأوا يتفرقون بسرعة؛ بعضهم يركض نحو منزله، وآخرون يسارعون إلى جمع ما تركوه في الخارج، خوفًا من اشتداد العاصفة.
كان يبدو عليه شيء من الدهشة، وكأن أمرًا ما لم يستطع فهمه بعد.
لم يجب نومريس.
ـــ
غادرت مارغريت النزل.
هز الآخر رأسه.
“لأن خصمك لن يقف أمامك وينتظر أن تتعلم.”
كانت الشمس السوداء تختفي ببطء خلف الأفق، ولم يبقَ منها سوى آخر أشعتها الباهتة التي تلقي ضوءًا شاحبًا فوق أراضي القبيلة.
“حسنًا، لا يهم الآن.”
تلبدت السماء بالغيوم الداكنة، وفي البعيد كان البرق يتراقص بين السحب، يضيء السماء للحظات قبل أن يبتلعه الظلام من جديد.
هبت رياح قوية، فحرّكت خصلات شعر مارغريت بعنف.
المسافة.
دوى الرعد فوقهما.
رفعت بصرها نحو أرجاء القبيلة.
رفع نومريس عينيه إليه: “ماذا؟”
شعر فورتكس ببرودة مفاجئة تزحف عبر المكان، وكأن درجة الحرارة انخفضت في لحظة واحدة.
كان أفرادها قد بدأوا يتفرقون بسرعة؛ بعضهم يركض نحو منزله، وآخرون يسارعون إلى جمع ما تركوه في الخارج، خوفًا من اشتداد العاصفة.
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
وسط تلك الفوضى، شعرت مارغريت بنظرات تراقبها.
“هذه أول مرة تفعل فيها شيئًا صحيحًا.”
“من أين يأتي؟”
التفتت قليلًا.
لم تهتم.
ثبت توازنه.
اكتفت بتجاهل الأمر، ثم وجهت نظرها نحو الجنوب.
وبعد لحظات، توقفت عربة أمامها مباشرة.
لم تتردد.
نظر حوله بعبوس.
فتحت بابها، وصعدت إلى داخلها، ثم أغلقت الباب خلفها.
رفع نومريس سيفه.
“الملاحظة؟”
تحركت العربة مبتعدة عن المكان.
في مكان غير بعيد، كان الجنديان التابعان لكنيسة اتحاد الأمم يراقبان المشهد من مسافة.
تابعا العربة بأعينهما حتى بدأت تبتعد، ثم التفت أحدهما إلى الآخر.
ساد الصمت.
تردد نومريس للحظة، وبقي واقفًا في مكانه دون أن يتحرك.
“هل نخبر السيد ليجولاس بهذا؟”
هز الآخر رأسه.
“لا داعي.”
ثم أعاد نظره نحو النزل.
قال فورتكس:
“نحن وُضعنا هنا من أجل الفتى، ولا علاقة لنا بتلك المرأة.”
وأشار إلى المساحة خلف نومريس.
مراقبة الخصم.
فكر الجندي الآخر للحظات، ثم أومأ برأسه.
“معك حق.”
“ليس هكذا.”
عاد الاثنان إلى مراقبة النزل بصمت.
أخذ نومريس يتراجع تحت الضغط، يحاول تذكر كل ما تعلمه.
“لا تجعل عقلك يركض أسرع من جسدك.”
“سننتظر فقط.”
جلس فورتكس أمام نومريس، الذي كان قد فرغ لتوّه من طعامه، وأخذ يمعن النظر فيه طويلًا، وكأنه يحاول اكتشاف شيء لم يستطع فهمه منذ وصوله إلى النزل.
رفع نومريس عينيه إليه: “ماذا؟”
لكن فورتكس لم يتراجع سوى نصف خطوة.
ثم يده.
أجاب فورتكس دون أن يشيح بنظره عنه:
“لا شيء… كنت أفكر فقط.”
هبت رياح قوية، فحرّكت خصلات شعر مارغريت بعنف.
“سأبقى قليلًا.”
هل نظر إلى وجهي يساعدك على تفكير ام ماذا.
القدمين.
توقف لحظة، ثم مال قليلًا إلى الأمام: “أي شيء مميز فيك قد يكون هو ما جذب تلك المرأة إليك.”
رفع نومريس السيف أمامه.
المسافة.
ظل نومريس يحدق فيه بصمت، ولم يجد ما يقوله أمام ملاحظة كهذه.
بعد لحظات، تابع فورتكس:
توقفت عينا فورتكس عند السيف الأسود المعلق إلى جانب نومريس.
“أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟”
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
لم يجب نومريس.
حدق فورتكس فيه بضيق، ثم تنهد.
“تحدث. هل تظن أنني أحب إضاعة وقتي هكذا؟ لولا أن مارغريت هي من كلفتني بشرح بعض الأمور لك، لما كلفت نفسي عناء الحديث معك أصلًا.”
فبقي واقفًا في مكانه.
قال فورتكس:
أجاب نومريس بعد تردد قصير:
“لقد أخبرتها… قبل خمس أيام على ما أظن.”
ابتسم فورتكس.
توقفت عينا فورتكس عند السيف الأسود المعلق إلى جانب نومريس.
ثم أشار إليه بذقنه.
“بطيء.”
“هل تعرف استخدامه؟”
كانت التفاصيل تتجمع في ذهنه واحدة تلو الأخرى.
حوّل نومريس نظره إلى سيفه.
“لم أستخدمه قط.”
“متوقع.”
رفع فورتكس حاجبه.
لم تهتم.
“هذه معضلة فعلًا… وتلك المرأة تريد إرسال شخص مثلك في مهمة.”
هز رأسه باستغراب، ثم تمتم:
“يا لها من امرأة…”
تلبدت السماء بالغيوم الداكنة، وفي البعيد كان البرق يتراقص بين السحب، يضيء السماء للحظات قبل أن يبتلعه الظلام من جديد.
نهض من مقعده، وأشار إلى نومريس: “تعال معي.”
“اثنهما قليلًا. لا تقف وكأنك تنتظر حكمًا بالموت.”
رفع نومريس رأسه.
ثم تبعتها ضربة ثانية.
“إلى أين؟”
توقف الأخير.
حركة كتفه قبل الهجوم.
استدار فورتكس نحو الباب، ثم أجاب:
“إن أردت أن تتعلم كيفية استخدام ذلك الشيء الذي تحمله، فاتبعني.”
كان يبدو عليه شيء من الدهشة، وكأن أمرًا ما لم يستطع فهمه بعد.
لم ينتظر ردًا، واتجه نحو الباب الخلفي للنزل.
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
تبعه نومريس، وخرجا إلى المكان الذي كان قد قطع فيه الخشب في الليلة الماضية.
“لا تجعل عقلك يركض أسرع من جسدك.”
كانت الرياح تهب بقوة في ذلك الجانب من النزل، بينما بدأ الليل يفرض سيطرته على السماء. وعلى امتداد الجدران، كانت قناديل زيتية معلقة، تبعث ضوءًا باهتًا متراقصًا وسط الظلام.
توقف فورتكس، ثم استل سيفه الأسود.
مراقبة الخصم.
بل توقف.
أمسك المقبض بثبات، ووجه النصل نحو نومريس.
تقدم نومريس.
“هاجمني.”
لكن المطر كان يزداد، والأرض أصبحت زلقة، والرؤية تزداد سوءًا مع الظلام.
تردد نومريس للحظة، وبقي واقفًا في مكانه دون أن يتحرك.
ثم أشار إلى ركبتيه.
حدق فورتكس فيه باستنكار.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
ضم أصابعه حول مقبض السيف.
“أيها الأحمق، استل سيفك بسرعة. ألم تأتِ إلى هنا لتتدرب عليه؟”
رفعت بصرها نحو أرجاء القبيلة.
ابتلع نومريس ريقه.
تحركت العربة مبتعدة عن المكان.
ثم مد يده إلى غمد السيف، وقبض على مقبضه، قبل أن يستله ببطء.
وبينما كانت السماء تضج بالرعد، فتح عينيه ببطء.
وفي اللحظة التي خرج فيها النصل الأسود من غمده… تغير الجو.
استعاد في ذهنه كل ما قاله فورتكس.
“ما هذا…؟”
شعر فورتكس ببرودة مفاجئة تزحف عبر المكان، وكأن درجة الحرارة انخفضت في لحظة واحدة.
ثم أشار إلى ركبتيه.
ثم سمع صوتًا غريبًا.
حدق فورتكس فيه بضيق، ثم تنهد.
أومأ نومريس برأسه دون أن يعلّق.
خربشات… كأن فرشاة خشنة تحك سطحًا ما.
وفي اللحظة التي اقترب فيها، تحرك جانبًا.
يمكنه التراجع.
جاء الصوت من كل اتجاه.
تذكر قدميه.
“أنت لا تستخدم سيفًا، بل تحمل قطعة من الحديد وتحاول أن تجعلها تؤذي شخصًا.”
استدار فورتكس بسرعة، وأخذ يتفحص المكان بعينيه.
خطوة أخرى.
“ما هذا…؟”
كررها.
جلس نومريس وحيدًا، وقد كان السيف أمام صدره، معلقًا في الهواء. كان متكئًا إلى الخلف، مغمض العينين، غارقًا في أفكاره، حين انفتح الباب ودخلت مارغريت.
ظل واقفًا للحظات، يصغي إلى الصوت، ثم أعاد نظره إلى نومريس.
ضاقت عيناه.
ثم أشار إلى ركبتيه.
“هل قدرتك مرتبطة بهذا السيف؟”
توقفت عينا فورتكس عند السيف الأسود المعلق إلى جانب نومريس.
زاوية قدميه.
أجاب نومريس بصوت خافت:
“لا أعرف.”
بل بدا وكأنه هو نفسه لم يفهم كيف فعلها.
رفع سيفه من جديد.
نظر إليه فورتكس باستغراب.
الملاحظة.
“لا تعرف؟ هذا غير ممكن.”
ثم أضاف:
“مباشرة بعد حصول المرء على قدرته، يمكنه إدراك كيفية استخدامها.”
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
أجاب نومريس بهدوء:
لم تكد ضربة نومريس تصل حتى رفع فورتكس سيفه واعترضها.
“أعرف كيفية استخدام قدرتي… أما هذا السيف فلا.”
نظر نومريس إليه.
صمت فورتكس لحظة، ثم هز كتفيه.
اكتفت بتجاهل الأمر، ثم وجهت نظرها نحو الجنوب.
“حسنًا، لا يهم الآن.”
رفع سيفه مجددًا.
“هاجمني.”
من خلفه.
أومأ نومريس.
أمسك السيف بيده اليمنى، بينما بقيت يده الأخرى قابضة على غمده. ثم تقدم نحو فورتكس بخطوات مترددة، وما إن اقترب منه حتى لوّح بسيفه.
لم تكد ضربة نومريس تصل حتى رفع فورتكس سيفه واعترضها.
نظر حوله بعبوس.
طَـن!
“فعليّ أن أصبح أقوى.”
ارتج المكان بصوت اصطدام المعدن بالمعدن، وتطايرت شرارة صغيرة بين النصلين.
ظل نومريس يحدق فيه بصمت، ولم يجد ما يقوله أمام ملاحظة كهذه.
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
لكن فورتكس لم يتراجع سوى نصف خطوة.
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
“لذلك تتعجل.”
أما نومريس، فقد اهتزت ذراعه من قوة الاصطدام، واضطر إلى التراجع.
تحرك فورتكس ببطء.
طَـن!
قال فورتكس دون أن يهاجمه:
توقف النصل قبل أن يلامسه بقليل.
“سيئ.”
لم يعرف نومريس كيف يرد.
حدق نومريس فيه.
تراجع نومريس إلى الجانب بدل أن يرفع سيفه.
“ماذا؟”
حدق فورتكس فيه بضيق، ثم تنهد.
وشعر بشيء يتحرك في أعماقه.
خفض فورتكس سيفه.
“تحدث. هل تظن أنني أحب إضاعة وقتي هكذا؟ لولا أن مارغريت هي من كلفتني بشرح بعض الأمور لك، لما كلفت نفسي عناء الحديث معك أصلًا.”
وتوقفت حركة فورتكس أيضًا.
“كل شيء.”
“ألن تذهب للنوم؟”
ثم أضاف وهو يشير إلى وقفته:
“طريقة وقوفك، طريقة إمساكك بالسيف، وحتى الطريقة التي وجهت بها الضربة.”
بل تحرك إلى الجانب، ثم استدار بجسده، ووجه سيفه نحو كتف فورتكس.
اندفع نومريس.
نظر نومريس إلى سيفه بصمت.
كل شيء بقي واضحًا في ذهنه.
تابع فورتكس:
بدأت قطرات المطر الأولى تسقط على الأرض.
“أنت لا تستخدم سيفًا، بل تحمل قطعة من الحديد وتحاول أن تجعلها تؤذي شخصًا.”
لم يعرف نومريس كيف يرد.
“للدفاع.”
رفع فورتكس سيفه وأشار به إلى قدميه.
رفع نومريس سيفه.
“أول شيء ستتعلمه ليس كيف تضرب.”
تقدم خطوة.
“بل كيف تقف.”
كل شيء بقي واضحًا في ذهنه.
ولم يكن هو الوحيد الذي لاحظها.
رفع نومريس حاجبه.
ولم يكن هو الوحيد الذي لاحظها.
“أفضل.”
“كيف أقف؟”
“مرة أخرى.”
رفع فورتكس سيفه وأشار به إلى قدميه.
“نعم.”
هذه المرة كانت الضربة أسرع.
تقدم فورتكس نحوه، ثم دفع قدمه قليلًا بطرف حذائه.
ساد الهدوء من جديد.
رفع سيفه مجددًا.
“قدماك متقاربتان.”
“وأنت تمسك المقبض كما لو أنك تخشى أن يهرب منك.”
عدل نومريس وقفته.
“اجعل إحداهما أمام الأخرى.”
التوازن.
“هل تأخرت؟”
نفذ ما قاله.
“انتظر اللحظة المناسبة.”
“ليس هكذا.”
ثم خفض بصره نحو السيف الأسود.
بعد مرور وقت طويل كان نومريس يلهث.
اقترب فورتكس وعدل قدمه مرة أخرى.
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
نظر حوله بعبوس.
“إذا فقدت توازنك، لن ينفعك السيف مهما كان حادًا.”
ثم أشار إلى ركبتيه.
نظر نومريس إليه باستغراب.
المسافة.
“اثنهما قليلًا. لا تقف وكأنك تنتظر حكمًا بالموت.”
خفض نومريس جسده قليلًا.
نظر إليه نومريس باستغراب.
“أفضل.”
نظر نومريس إليه باهتمام.
“لماذا رفعت سيفك؟”
ثم نظر إلى كتفيه.
“وأرخِهما.”
رفع نومريس رأسه.
بل تحرك إلى الجانب، ثم استدار بجسده، ووجه سيفه نحو كتف فورتكس.
أرخى نومريس كتفيه.
شعر فورتكس ببرودة مفاجئة تزحف عبر المكان، وكأن درجة الحرارة انخفضت في لحظة واحدة.
“الآن ذراعك.”
مراقبة الخصم.
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
رفع نومريس السيف أمامه.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
ومرة أخرى.
أمسك فورتكس معصمه.
“لا تجعلها مستقيمة تمامًا. اترك مجالًا للحركة.”
زفر فورتكس بخفة، ثم هز رأسه.
ثم نظر إلى قبضته.
“نعم.”
“وأنت تمسك المقبض كما لو أنك تخشى أن يهرب منك.”
استدار وغادر.
“أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟”
أرخى نومريس أصابعه قليلًا.
“هكذا.”
وتحريك الجسد قبل النصل.
ابتعد فورتكس عنه.
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
“السيف لا يحتاج إلى قوة يدك وحدها. القوة تأتي من جسدك كله.”
السيف ليس كل شيء.
نظر نومريس إليه باهتمام.
حدق نومريس فيه.
“من القدمين، إلى الساقين، إلى الخصر، ثم الكتف والذراع.”
نظر فورتكس إلى السيف.
حرّك فورتكس سيفه ببطء أمامه.
ضاقت عيناه.
“النصل هو آخر شيء يتحرك.”
“لماذا توقفنا؟”
ثم ثبت عينيه على نومريس.
“تذكر ذلك.”
دوّى الرعد في السماء.
رفع نومريس حاجبه.
قَصْف!
“ماذا؟”
“من القدمين، إلى الساقين، إلى الخصر، ثم الكتف والذراع.”
ارتجت القناديل المعلقة على الجدران، وتراقصت ألسنة النار داخلها.
“إذا فقدت توازنك، لن ينفعك السيف مهما كان حادًا.”
رفع نومريس رأسه نحو السماء للحظة.
حدق نومريس فيه.
ومضة برق شقت الغيوم السوداء، فأضاءت الساحة كاملة، قبل أن يعود كل شيء إلى عتمته.
ثم أضاف وهو يشير إلى وقفته:
قال فورتكس:
قطب نومريس حاجبيه.
“نعم.”
“الآن، اضربني.”
كان فقط يجبره على التحرك.
خطوة أخرى.
تقدم نومريس.
رفع سيفه.
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
“المسافة.”
تذكر قدميه.
ثم أشار إلى ركبتيه.
ثبت توازنه.
كانت الملصقات الجديدة قد ظهرت بين تلك القديمة، تحمل صور أشخاص مطلوبين وأسماءهم ومكافآت القبض عليهم.
ثم وجه ضربة نحو فورتكس.
تراجع نومريس.
اعترضها الأخير بسهولة.
طَـن!
“أفضل.”
ظل نومريس يحدق فيه بصمت، ولم يجد ما يقوله أمام ملاحظة كهذه.
تراجع فورتكس.
تنفس بعمق، ثم أطلق زفيرًا هادئًا.
“مرة أخرى.”
كرر نومريس الضربة.
اعترضها فورتكس.
“مرة أخرى.”
ثم وقفت من جديد.
كررها.
لكن المطر كان يزداد، والأرض أصبحت زلقة، والرؤية تزداد سوءًا مع الظلام.
طَـن!
حدق نومريس فيه.
حدق فورتكس فيه للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب:
“مرة أخرى.”
ومرة أخرى.
لكنها جعلته يفكر.
لكن عندما بلغ الباب، توقف للحظة.
ثم مرة خامسة.
“وأنت تمسك المقبض كما لو أنك تخشى أن يهرب منك.”
لم يكن فورتكس يهاجم.
“حسنًا، لا يهم الآن.”
كان يترك نومريس يكرر الحركة نفسها، ويصحح خطأً واحدًا في كل مرة.
حركة القدمين.
“ها.”
“لا ترفع كتفك.”
بل خوفًا يخرج منه.
أم بسبب شيء آخر لم يفهمه.
ضربة.
“لا تنظر إلى النصل.”
جلس نومريس وحيدًا، وقد كان السيف أمام صدره، معلقًا في الهواء. كان متكئًا إلى الخلف، مغمض العينين، غارقًا في أفكاره، حين انفتح الباب ودخلت مارغريت.
ضربة.
كانت الشمس السوداء تختفي ببطء خلف الأفق، ولم يبقَ منها سوى آخر أشعتها الباهتة التي تلقي ضوءًا شاحبًا فوق أراضي القبيلة.
“لا داعي.”
“لا تتقدم بجسدك قبل قدميك.”
ضربة.
لم تتردد.
“لا تحبس أنفاسك.”
“خطأ.”
تابع فورتكس:
ضربة.
لم يجب نومريس.
بعد مرور وقت طويل كان نومريس يلهث.
التوازن.
ثم رفع عينيه نحو نومريس.
بدأت قطرات المطر الأولى تسقط على الأرض.
رفع نومريس سيفه.
قطرة…
ثم أخرى…
قال فورتكس:
ثم أخرى…
استدار فورتكس نحو الباب، ثم أجاب:
حتى أخذت الأرض تكتسب لمعانًا رطبًا تحت ضوء القناديل.
قال فورتكس:
“هاجمني.”
“كفى.”
توقف نومريس.
ثبتت عينيها على صورته للحظات، وكأنها تحاول قراءة شيء مخفي خلف تلك الملامح الهادئة.
مسح العرق عن جبينه.
“لماذا توقفنا؟”
“قليلًا.”
ابتسم فورتكس.
لم يدرك حقًا أن كل ذلك الوقت قد مر.
“لدي بعض الأمور التي يتوجب عليّ تنفيذها بسرعة، لذلك سأحتاج إلى بعض الوقت. عندما أعود، سنتحدث، أو سأترك فورتكس يخبرك ببعض الأشياء.”
“لأنك لم تفهم بعد.”
أومأ نومريس برأسه دون أن يعلّق.
نظر نومريس إلى سيفه.
اندفع مرة أخرى.
“ما الذي فعلته غير صحيح؟”
صمت فورتكس للحظة، ثم أردف:
“أنت قضيت وقتك كله تحاول توجيه الضربات، ولم تفهم حتى الآن أن أهم جزء من القتال يحدث قبل أن تضرب.”
كانت تضم يديها أمام صدرها، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة.
رفع فورتكس سيفه.
ابتسم فورتكس.
“المسافة.”
اقترب خطوة.
اقترب خطوة.
“التوازن.”
استدار فورتكس بسرعة، وأخذ يتفحص المكان بعينيه.
“إذًا… هل حُلّت؟”
خطوة أخرى.
ثم أخرى…
“الوقت.”
تحرك فورتكس.
ثم توقف.
“قليلًا.”
أم بسبب شيء آخر لم يفهمه.
“والملاحظة.”
“نحن وُضعنا هنا من أجل الفتى، ولا علاقة لنا بتلك المرأة.”
حدق نومريس فيه.
“السيف لا يحتاج إلى قوة يدك وحدها. القوة تأتي من جسدك كله.”
أومأ نومريس برأسه دون أن يعلّق.
“الملاحظة؟”
“راقب خصمك.”
ضربة.
وأشار إلى عينيه.
بل بدا وكأنه هو نفسه لم يفهم كيف فعلها.
أمسك المقبض بثبات، ووجه النصل نحو نومريس.
“لا تحاول أن تخمن ما سيفعله. راقب كتفه، قدميه، طريقة تنفسه، اتجاه نظره.”
“ها.”
هطل المطر بقوة أكبر.
ثم ابتسم.
ثم أضاف:
“الجسد يتحدث قبل السيف.”
تذكر نومريس الحركة التي أداها فورتكس قبل قليل.
وضع قدمه.
حركة كتفه.
“لأنك لم تفهم بعد.”
اتجاه معصمه.
“كنت تستطيع الابتعاد.”
التوازن.
كل شيء بقي واضحًا في ذهنه.
اندفع نومريس.
أجاب نومريس بعد تردد قصير:
“لن أرتخي بعد اليوم.”
لم يتحرك فورتكس.
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
توقف الأخير.
وفي اللحظة التي اقترب فيها، تحرك جانبًا.
مر نومريس بجانبه.
“لم تكن حركة سيئة.”
“بطيء.”
هذه المرة حاول نومريس تغيير اتجاهه.
استدار نومريس.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
اندفع مرة أخرى.
التفت فورتكس إليه.
تراجع فورتكس خطوة.
“متوقع.”
اندفع مرة أخرى.
“كيف أقف؟”
مرة ثالثة.
هذه المرة حاول نومريس تغيير اتجاهه.
تساقطت القطرات فوق شعره وملابسه، بينما بدأت البرك الصغيرة تتشكل تحت قدميه.
لكن فورتكس ابتعد قبل أن يصل إليه.
“أفضل.”
ابتسم ابتسامة خافتة.
ثم أخرى…
توقف نومريس ليلتقط أنفاسه.
قال فورتكس:
هطل المطر بقوة أكبر.
“لماذا توقفنا؟”
تساقطت القطرات فوق شعره وملابسه، بينما بدأت البرك الصغيرة تتشكل تحت قدميه.
رفع فورتكس عينيه إلى السماء.
بل تحرك إلى الجانب، ثم استدار بجسده، ووجه سيفه نحو كتف فورتكس.
ومضة برق ضخمة أضاءت الغيوم.
ثم دوّى الرعد بعدها بثوانٍ.
“أنت لا تستخدم سيفًا، بل تحمل قطعة من الحديد وتحاول أن تجعلها تؤذي شخصًا.”
وسط تلك الفوضى، شعرت مارغريت بنظرات تراقبها.
“استمع.”
لم يتراجع.
نظر نومريس إليه باستغراب.
“ماذا؟”
تابعا العربة بأعينهما حتى بدأت تبتعد، ثم التفت أحدهما إلى الآخر.
نظر نومريس إلى الأرض.
“للرعد.”
نظر إليه فورتكس باستغراب.
ابتسم فورتكس.
“الرعد؟”
أجاب نومريس بهدوء:
“ماذا؟”
“نعم.”
رفع فورتكس سيفه.
رفع فورتكس سيفه وأشار به إلى قدميه.
رفع نومريس السيف أمامه.
“أنت متوتر عندما تهاجم.”
ثم نظر إلى كتفيه.
صمت فورتكس للحظة، ثم أردف:
اقترب ببطء.
أما نومريس، فقد اهتزت ذراعه من قوة الاصطدام، واضطر إلى التراجع.
“لذلك تتعجل.”
ثم أغلق الباب خلفه، تاركًا نومريس وحيدًا في الساحة.
ثم أضاف:
كان فورتكس يضغط عليه باستمرار، لكنه لم يكن يوجه ضربات حقيقية.
“لا تجعل عقلك يركض أسرع من جسدك.”
ثبت نومريس عينيه عليه.
حدق فورتكس فيه بضيق، ثم تنهد.
“انتظر اللحظة المناسبة.”
“إذا أردت أن أجعل أمي تعيش حياة هادئة في هذا العالم…”
تحرك فورتكس فجأة.
اندفع نحو نومريس.
ثم أخرى…
رفع نومريس سيفه بسرعة.
طَـن!
ثم أشار إليه بذقنه.
اصطدم النصلان.
“لا.”
تراجع نومريس.
نفذ ما قاله.
نظر نومريس إلى سيفه.
لكن فورتكس لم يتبع الضربة.
ابتسم فورتكس.
بل توقف.
“مباشرة بعد حصول المرء على قدرته، يمكنه إدراك كيفية استخدامها.”
ثم مرة خامسة.
“لماذا رفعت سيفك؟”
“للدفاع.”
“هل قدرتك مرتبطة بهذا السيف؟”
“خطأ.”
تراجع فورتكس.
“أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟”
تفاجأ نومريس.
تفاجأ نومريس.
“خطأ؟”
“كنت تستطيع الابتعاد.”
تحركت العربة مبتعدة عن المكان.
وأشار إلى المساحة خلف نومريس.
كانت التفاصيل تتجمع في ذهنه واحدة تلو الأخرى.
“السيف ليس الشيء الوحيد الذي يحميك.”
ثم نظر إلى النصل.
حدق نومريس فيه.
ثم قال:
هذه المرة لم يندفع مباشرة.
كان يحدق في السيف الأسود.
“إذا استطعت تفادي ضربة دون استخدام سيفك، فافعل.”
“ليس هكذا.”
“لماذا توقفنا؟”
نظر نومريس إلى الأرض.
تذكر نومريس الحركة التي أداها فورتكس قبل قليل.
كانت الكلمات بسيطة.
لم تتردد.
ومرة أخرى.
لكنها جعلته يفكر.
السيف ليس كل شيء.
“لا تحبس أنفاسك.”
يمكنه التحرك.
ثم ابتسم.
يمكنه التراجع.
يمكنه تفادي الهجوم.
“حسنًا، يمكنك الانصراف. لا بد أنك جائع…”
يمكنه تفادي الهجوم.
لم يبقَ سوى صوت المطر، وصفير الرياح وهي تمر بين أرجاء المكان، يتخلله بين الحين والآخر دوي الرعد.
يمكنه انتظار اللحظة المناسبة.
ضربة.
لم يدرك حقًا أن كل ذلك الوقت قد مر.
قال فورتكس:
“مرة أخرى.”
توقف نومريس ليلتقط أنفاسه.
“هذه معضلة فعلًا… وتلك المرأة تريد إرسال شخص مثلك في مهمة.”
رفع نومريس سيفه.
“لا.”
“مرة أخرى.”
لكن هذه المرة لم يندفع.
أجابته مارغريت وهي تتقدم إلى الداخل:
بقي ثابتًا.
يراقب.
“متوقع.”
تحرك فورتكس ببطء.
“اثنهما قليلًا. لا تقف وكأنك تنتظر حكمًا بالموت.”
راقب نومريس قدميه.
كان فقط يجبره على التحرك.
ثم كتفه.
وأضاء البرق السماء للحظة.
المسافة.
ثم يده.
فجأة…
اقترب خطوة.
قطرة…
تحرك فورتكس.
هطل المطر بقوة أكبر.
مرت ضربة فورتكس أمام صدره.
تراجع نومريس إلى الجانب بدل أن يرفع سيفه.
ثم ثبت عينيه على نومريس.
مرت ضربة فورتكس أمام صدره.
تبعه نومريس، وخرجا إلى المكان الذي كان قد قطع فيه الخشب في الليلة الماضية.
“بطيء.”
توقف الأخير.
قال فورتكس:
“لم تكن حركة سيئة.”
رفع حاجبه.
“كل شيء.”
“ها.”
“هاجمني.”
نظر نومريس إليه.
نهض نومريس من مقعده، وأومأ لها برأسه، ثم غادر الغرفة الواسعة.
“ماذا؟”
“هاجمني.”
“لا داعي.”
ابتسم فورتكس.
“أنت ممسوس، أليس كذلك؟ متى أيقظت جنينك؟”
“خطأ.”
“هذه أول مرة تفعل فيها شيئًا صحيحًا.”
اقترب فورتكس وعدل قدمه مرة أخرى.
ثم اندفع نحوه مرة أخرى.
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
تراجع نومريس.
“إن أردت أن تتعلم كيفية استخدام ذلك الشيء الذي تحمله، فاتبعني.”
“فعليّ أن أصبح أقوى.”
خطوة.
خطوة أخرى.
ثم أخرى.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
كان وجهه هذه المرة خاليًا من المزاح.
كان فورتكس يضغط عليه باستمرار، لكنه لم يكن يوجه ضربات حقيقية.
“سيئ.”
كان فقط يجبره على التحرك.
وأضاء البرق السماء للحظة.
وفي كل مرة، كان نومريس يلاحظ شيئًا جديدًا.
ومضة برق شقت الغيوم السوداء، فأضاءت الساحة كاملة، قبل أن يعود كل شيء إلى عتمته.
حدق فورتكس فيه باستنكار.
طريقة انتقال وزن فورتكس.
جاء الصوت من كل اتجاه.
زاوية قدميه.
“المهم، سنكمل التدريب غدًا. أما الآن، فسأذهب للنوم.”
حركة كتفه قبل الهجوم.
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
“لا تجعلها مستقيمة تمامًا. اترك مجالًا للحركة.”
حتى التغير الطفيف في تنفسه.
ثم نظر إلى قبضته.
كانت التفاصيل تتجمع في ذهنه واحدة تلو الأخرى.
وكأن عقله لا يسمح لأي شيء يراه أن يضيع.
بعد لحظات، تابع فورتكس:
رفع نومريس سيفه.
وعندما اندفع فورتكس مجددًا…
ثم نظر إلى كتفيه.
حدق فورتكس فيه للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب:
لم يتراجع.
بل تحرك إلى الجانب، ثم استدار بجسده، ووجه سيفه نحو كتف فورتكس.
تردد نومريس للحظة، وبقي واقفًا في مكانه دون أن يتحرك.
توقف النصل قبل أن يلامسه بقليل.
لم يجب نومريس.
ساد الصمت.
تذكر نومريس الحركة التي أداها فورتكس قبل قليل.
نظر فورتكس إلى السيف.
ثم إلى نومريس.
نظر نومريس إلى الأرض.
خفض نومريس سيفه ببطء.
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
لم يبدُ عليه الفرح.
مرر نظره على السيف وكأنه يخاطبه.
بل بدا وكأنه هو نفسه لم يفهم كيف فعلها.
دوى الرعد فوقهما.
طَـن!
أخذ نومريس يتراجع تحت الضغط، يحاول تذكر كل ما تعلمه.
ثم شق البرق السماء، فانعكس ضوؤه على النصل الأسود.
“ليس هكذا.”
قال فورتكس:
“لم تكن حركة سيئة.”
مسح العرق عن جبينه.
استدار فورتكس نحو الباب، ثم أجاب:
ثم أضاف:
يمكنه التحرك.
“لكن لا تفرح.”
رفع سيفه من جديد.
وشعر بشيء يتحرك في أعماقه.
القدمين.
“لو كان هذا قتالًا حقيقيًا، لكنت ميتًا منذ البداية.”
طَـن!
حدق نومريس فيه. كان يعرف ذلك.
ابتسم ابتسامة خافتة.
قوي جدًا.
طَـن!
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
ابتسم فورتكس.
ضم أصابعه حول مقبض السيف.
ثم أخرى.
“لأن خصمك لن يقف أمامك وينتظر أن تتعلم.”
كل شيء بقي واضحًا في ذهنه.
هذه المرة حاول نومريس تغيير اتجاهه.
ثم اندفع نحوه.
تلبدت السماء بالغيوم الداكنة، وفي البعيد كان البرق يتراقص بين السحب، يضيء السماء للحظات قبل أن يبتلعه الظلام من جديد.
هذه المرة كانت الضربة أسرع.
لكن عندما بلغ الباب، توقف للحظة.
رفع نومريس سيفه متأخرًا.
حدق نومريس فيه. كان يعرف ذلك.
طَـن!
ساد الصمت مجددًا.
تراجعت يده بعنف.
ثم تبعتها ضربة ثانية.
ثم توقف.
وثالثة.
لم تتردد.
أخذ نومريس يتراجع تحت الضغط، يحاول تذكر كل ما تعلمه.
القدمين.
ثم دوّى الرعد.
تبعه نومريس، وخرجا إلى المكان الذي كان قد قطع فيه الخشب في الليلة الماضية.
التوازن.
التنفس.
صوت فرشاة تحك سطحًا خشنًا…
المسافة.
رفع نومريس سيفه بسرعة.
الملاحظة.
جاء الصوت من كل اتجاه.
“هذه معضلة فعلًا… وتلك المرأة تريد إرسال شخص مثلك في مهمة.”
لكن المطر كان يزداد، والأرض أصبحت زلقة، والرؤية تزداد سوءًا مع الظلام.
ثم حدث شيء غريب.
رفع سيفه مجددًا.
في اللحظة التي رفع فيها نومريس سيفه، شعر بذلك البرد مرة أخرى.
طَـن!
بردٌ تسلل إلى المكان.
وتبعته الخربشات نفسها.
نظر إليه نومريس باستغراب.
صوت فرشاة تحك سطحًا خشنًا…
تحركت العربة مبتعدة عن المكان.
من خلفه.
ومن جانبه.
وفوقه.
رفع نومريس سيفه.
قطب نومريس حاجبيه.
تجمد نومريس للحظة.
“سيئ.”
وتوقفت حركة فورتكس أيضًا.
صمت فورتكس لحظة، ثم هز كتفيه.
نظر حوله بعبوس.
أجاب نومريس بعد تردد قصير:
“ذلك الصوت…”
ثم رفع عينيه نحو نومريس.
حركة كتفه.
كان وجهه هذه المرة خاليًا من المزاح.
“من أين يأتي؟”
وبينما كانت السماء تضج بالرعد، فتح عينيه ببطء.
لم يجب نومريس.
اندفع نحو نومريس.
كان يحدق في السيف الأسود.
وشعر بشيء يتحرك في أعماقه.
ابتلع نومريس ريقه.
شيء لم يفهمه.
شيء يشبه الخوف…
استدار وغادر.
لكنه لم يكن خوفًا منه.
أرخى نومريس كتفيه.
بل خوفًا يخرج منه.
اكتفت بتجاهل الأمر، ثم وجهت نظرها نحو الجنوب.
ثم دوّى الرعد.
مرة ثالثة.
وأضاء البرق السماء للحظة.
وفي ذلك الضوء، بدا السيف الأسود وكأنه يبتلع انعكاس البرق بدل أن يعكسه.
تراجع فورتكس خطوة.
أما نومريس…
“حسنًا، كفى لهذا اليوم.”
فبقي واقفًا في مكانه.
“كنت تستطيع الابتعاد.”
لا يعرف إن كان ما يحدث بسبب السيف…
كانت الكلمات بسيطة.
أم بسبب جنينه.
“من أين يأتي؟”
أم بسبب شيء آخر لم يفهمه.
رفع فورتكس سيفه.
“حسنًا، كفى لهذا اليوم.”
ومرة أخرى.
خفض فورتكس سيفه، ثم تنفس ببطء.
تحرك فورتكس ببطء.
نظر إليه نومريس باستغراب.
رفع فورتكس سيفه.
صمت فورتكس للحظة، ثم أردف:
“لماذا؟”
مر نومريس بجانبه.
“لقد أخبرتها… قبل خمس أيام على ما أظن.”
أجاب فورتكس وهو يعيد سيفه إلى غمده:
“ألا تعرف كم الوقت الآن؟”
قطب نومريس حاجبيه.
“كم مضى من الوقت؟”
حدق فورتكس فيه للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب:
“هل أنت وحش أم ماذا؟”
نظر إليه نومريس بصمت.
تابع فورتكس:
“لم تتعب إلا قليلًا، رغم أن الوقت تجاوز منتصف الليل. لقد مرت خمس ساعات كاملة وأنت تتدرب.”
نظر أمامه.
نظر نومريس إلى السماء.
“قليلًا.”
لم يدرك حقًا أن كل ذلك الوقت قد مر.
هذه المرة كانت الضربة أسرع.
ثم كتفه.
قال فورتكس:
وتوقفت حركة فورتكس أيضًا.
“المهم، سنكمل التدريب غدًا. أما الآن، فسأذهب للنوم.”
استدار وغادر.
رفع فورتكس سيفه.
لكن عندما بلغ الباب، توقف للحظة.
ارتجت القناديل المعلقة على الجدران، وتراقصت ألسنة النار داخلها.
كان نومريس لا يزال واقفًا في مكانه، لا يتحرك.
التفت فورتكس إليه.
تابعا العربة بأعينهما حتى بدأت تبتعد، ثم التفت أحدهما إلى الآخر.
“لا شيء… كنت أفكر فقط.”
“ألن تذهب للنوم؟”
كان يحدق في السيف الأسود.
ابتلع نومريس ريقه.
أجاب نومريس دون أن ينظر إليه:
“السيف ليس الشيء الوحيد الذي يحميك.”
“سأبقى قليلًا.”
تجمد نومريس للحظة.
ثم أضاف وهو ينظر إلى سيفه:
طَـن!
“أريد أن أتدرب قليلًا.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى سيفه:
زفر فورتكس بخفة، ثم هز رأسه.
وأشار إلى عينيه.
“حسنًا، هذا شأنك. لا علاقة لي بك.”
الوقفة.
ثم أغلق الباب خلفه، تاركًا نومريس وحيدًا في الساحة.
ثم دوّى الرعد.
ساد الهدوء من جديد.
لم يبقَ سوى صوت المطر، وصفير الرياح وهي تمر بين أرجاء المكان، يتخلله بين الحين والآخر دوي الرعد.
“هل قدرتك مرتبطة بهذا السيف؟”
رفع نومريس رأسه نحو السماء.
كانت الغيوم السوداء تغطيها بالكامل، والبرق يشقها بين لحظة وأخرى، فيغمر المكان بومضة بيضاء خاطفة، ثم يعيده إلى ظلامه.
ثم يده.
تساقطت قطرات المطر على وجهه، وانحدرت ببطء فوق بشرته داكنة، بينما كانت ومضات البرق تنعكس في عينيه الحمراوين.
“إذا أردت أن أجعل أمي تعيش حياة هادئة في هذا العالم…”
خفض فورتكس سيفه.
ظل واقفًا هناك للحظات.
خربشات… كأن فرشاة خشنة تحك سطحًا ما.
ثم خفض بصره نحو السيف الأسود.
يمكنه التراجع.
ابتسم ابتسامة خافتة.
“لن أرتخي بعد اليوم.”
ثم ابتسم.
ضم أصابعه حول مقبض السيف.
حركة كتفه.
أخذ نومريس يتراجع تحت الضغط، يحاول تذكر كل ما تعلمه.
“إذا أردت أن أجعل أمي تعيش حياة هادئة في هذا العالم…”
توقف لحظة.
“ماذا؟”
ثم نظر إلى النصل.
لكنه لم يكن خوفًا منه.
“فعليّ أن أصبح أقوى.”
ساد الصمت مجددًا.
وبعد لحظات، اتسعت ابتسامته قليلًا.
نظر نومريس إليه.
“سأفكر في اسم لك قريبًا.”
تقدم نومريس.
مرر نظره على السيف وكأنه يخاطبه.
قال فورتكس:
تنهدت مارغريت قليلًا، ثم تابعت:
“لا تقلق.”
نظرت إليه مارغريت للحظات، ثم قالت:
ثم أغمض عينيه.
تقدم نومريس.
نهاية الفصل
استعاد في ذهنه كل ما قاله فورتكس.
“الملاحظة؟”
“متوقع.”
الوقفة.
لم يتحرك فورتكس.
رفع فورتكس سيفه وأشار به إلى قدميه.
التوازن.
“فعليّ أن أصبح أقوى.”
حركة القدمين.
“لا تقلق.”
المسافة.
اندفع مرة أخرى.
التنفس.
ـــ
مراقبة الخصم.
لم يتحرك فورتكس.
شيء لم يفهمه.
وتحريك الجسد قبل النصل.
“لا تجعلها مستقيمة تمامًا. اترك مجالًا للحركة.”
زاوية قدميه.
تنفس بعمق، ثم أطلق زفيرًا هادئًا.
كانت الرياح تهب بقوة في ذلك الجانب من النزل، بينما بدأ الليل يفرض سيطرته على السماء. وعلى امتداد الجدران، كانت قناديل زيتية معلقة، تبعث ضوءًا باهتًا متراقصًا وسط الظلام.
وبينما كانت السماء تضج بالرعد، فتح عينيه ببطء.
جلس نومريس وحيدًا، وقد كان السيف أمام صدره، معلقًا في الهواء. كان متكئًا إلى الخلف، مغمض العينين، غارقًا في أفكاره، حين انفتح الباب ودخلت مارغريت.
وعندما اندفع فورتكس مجددًا…
نظر أمامه.
ثم همس:
اقترب ببطء.
في القاعة، جلس نومريس إلى إحدى الطاولات بمفرده، يتناول طعامه بهدوء، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الحين والآخر نحو الملصقات المعلقة على الجدار.
“أخرج.”
“مرة أخرى.”
وعندما اندفع فورتكس مجددًا…
نهاية الفصل
“خطأ؟”
