Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 32

الأستقرار
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الأستقرار

ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.

اقترب آزر من الصندوق. فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ. والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة. قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات: الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة. رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر: لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.

لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط.
حتى النار بدت بعيدة، كأنها تحدث في مكان آخر.

نظر آزر إليه.

كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات.
عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز.
جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، وأغمض عينيه للحظة.

— عن يان.

يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا.
نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.

قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق. ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة. قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.

ثم فتح عينيه.

— سأغادر.

لم يكن في رأسه الآن سوى سؤال واحد:

كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات. عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز. جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، وأغمض عينيه للحظة.

ماذا أفعل؟

لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط. حتى النار بدت بعيدة، كأنها تحدث في مكان آخر.

لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك.
والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها.
لكنه لم يكن يملك شيئًا.
لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.

رفع رأسه ببطء.
بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار.
يعرف ذلك الآن،  فقد شعر به في جسده أثناء القتال.
المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد.
لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق.
كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو .

— أعرف ماذا؟

تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان.
الحركات نفسها، والتنفس نفسه.
تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.

نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال. قال فقط:

خفض آزر عينيه.
للمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.

استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار. وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.

خرج من الغرفة.

استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار. وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.

ثم توقف.

رفع رأسه ببطء. بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار. يعرف ذلك الآن،  فقد شعر به في جسده أثناء القتال. المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد. لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق. كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو .

شعر بحركة في الساحة الخلفية.
رفع رأسه.
رجلان، نفس الملابس، نفس العلامة، كان أحدهما يمسك ذراعه، والآخر يعرج.
كانا الرجلين اللذين قاتلهما آزر في السكن مع والديه.
لم يموتا، هربا، لكن يبدو أن الحرب أتعبتهما أكثر مما أتعبته.

— بحثت عنك بعد أن انهار الجناح.

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما.
رآه أحدهما، وتجمد.

— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.

— أنت…

تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:

لم يرد آزر، ثم قال الآخر بصوت أجش:

خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر. لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء. لكن بقي له شيء واحد. السؤال. وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي. لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.

— كيف لم تمت؟

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد.

اقترب آزر ببطء، ورفع الرجل سيفه بصعوبة.

توقف، كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.

— لا تقترب.

نظر هان إليه.

توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل.
كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار.
وأخيرا… أمه

قال الرجل:

أمسك الحجر الرمادي.

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد.

قال الرجل:

بقي واقفًا فوق الجثة، انتظر شيئًا. غضبًا، راحة، فرحًا، شيئًا، لكن لم يأتِ. كان الدم يسيل أمامه، ولم يشعر إلا بذلك الفراغ نفسه. نظر إلى يده، كانت ثابتة. قبل ساعات كانت ترتجف،. والآن.. لا. لم يفكر كثيرا.

— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.

— لماذا؟

ظل آزر ساكنًا.

— ولماذا؟

— أعرف.

— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.

— إذن دعنا نذهب.

— انتظر!

لم يجب، وخطا خطوة أخرى.
ارتفع السيف، ثم طعن، لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض.
صرخ الرجل:

رفع رأسه ببطء. بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار. يعرف ذلك الآن،  فقد شعر به في جسده أثناء القتال. المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد. لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق. كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو .

— انتظر!

— لماذا؟

ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت.
رفع رأسه بصعوبة.

بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:

— لماذا؟

لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط. حتى النار بدت بعيدة، كأنها تحدث في مكان آخر.

نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد.
انتهى كل شيء في لحظة.

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد.

بقي واقفًا فوق الجثة، انتظر شيئًا.
غضبًا، راحة، فرحًا، شيئًا، لكن لم يأتِ.
كان الدم يسيل أمامه، ولم يشعر إلا بذلك الفراغ نفسه.
نظر إلى يده، كانت ثابتة.
قبل ساعات كانت ترتجف،. والآن.. لا.
لم يفكر كثيرا.

— ولهذا جاءوا.

أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم.
كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة.
خطوة،. ثم أخرى، وكان المدد عاد وحده هذه المرة.
دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع.
وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.

يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا. نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.

استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:

— أعرف ماذا؟

— أنا لم أفعل شيئًا!

تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:

— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.

— وأنا كذلك… لم أفعل شيئًا.

رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف. إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة. ثم غادر.

لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.

لم يكن في رأسه الآن سوى سؤال واحد:

سقط الرجل جثة هامدة، بينما ظل آزر شاخصًا فوقه.
يراقب شحوب وجهه بانتظار شيء ما… علّ شعلة تنبعث في داخله، أو إحساسًا ينبض.

— لا تقترب.

ولكن، لا شيء جاء، نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.

— إلى أين؟

استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:

قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق. ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة. قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.

«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»

سقط الرجل جثة هامدة، بينما ظل آزر شاخصًا فوقه. يراقب شحوب وجهه بانتظار شيء ما… علّ شعلة تنبعث في داخله، أو إحساسًا ينبض.

أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض

استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار. وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.

وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا.
رأى هان للمرة الأولى، كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.

— انتظر!

وحين وقع بصره على آزر، تسمّرت حدقتاه، وابتلعت الصدمة أنفاسه.

— لا أعرف.

لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب.
الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة.
التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛ فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.

شعر بحركة في الساحة الخلفية. رفع رأسه. رجلان، نفس الملابس، نفس العلامة، كان أحدهما يمسك ذراعه، والآخر يعرج. كانا الرجلين اللذين قاتلهما آزر في السكن مع والديه. لم يموتا، هربا، لكن يبدو أن الحرب أتعبتهما أكثر مما أتعبته.

لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.

— لم يبقَ الكثير هنا.

لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.

— سجلات الطريق أهم مما تظن.

تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.

توقف عند الاسم الأخير، فتح الصفحات. لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة. كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ. وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد. قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة، تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.

— آزر؟

ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.

لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات.
ناداه هان:

نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال. قال فقط:

— بحثت عنك بعد أن انهار الجناح.

لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. آزر توقف. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.

لم يجب آزر، لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله.
أما آزر فدخل الأرشيف.

تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.

لم يتبقَّ فيه الكثير.
الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة.
لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة.
آزر توقف.
لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن.
كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.

أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم. كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة. خطوة،. ثم أخرى، وكان المدد عاد وحده هذه المرة. دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع. وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.

اقترب آزر، ورأه أحد الرجال

التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.

— ابتعد!

ثم فتح عينيه.

لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير.
كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة: يوهان.
مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، تصادمت السيوف.
ضربة، ثم أخرى.
استخدم آزر المدد، وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، جسده كان يفعلها بشكل غريزي.
دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد.

اقترب آزر من الصندوق.
فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ.
والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة.
قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات:
الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة.
رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر:
لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق.

أجاب آزر بهدوء:

توقف، كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل.
كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة.
ربما عمدًا، وربما لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط.
لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.

لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك. والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها. لكنه لم يكن يملك شيئًا. لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.

أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق.
وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم.
جلس على الأرض.
وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق.
المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل.
مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.

— لماذا؟

قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق.
ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة.
قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق.

بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:

توقف عند الاسم الأخير، فتح الصفحات.
لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة.
كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ.
وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد.
قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة، تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.

خفض آزر عينيه. للمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.

لم يرفع آزر عينيه عن الصفحة، ثم قال هان من خلفه:

لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. آزر توقف. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.

— ستذهب؟

نظر إلى الصندوق الفارغ.

التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.

لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. آزر توقف. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان.

— لم يبقَ الكثير هنا.

— ستذهب؟

أغلق آزر الكتاب.

— لا أعرف.

— أعرف.

— إلى أين؟

— هل وجدت ما تبحث عنه؟

رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف. إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة. ثم غادر.

نظر إلى الصندوق الفارغ.

لم يجب آزر، لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.

— لا.

لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن، لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:

سكت هان، ثم قال:

— سأغادر.

— سجلات الطريق أهم مما تظن.

قال هان بعد لحظة:

رفع آزر عينيه.

لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.

— لماذا؟

اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد.

تردد هان.

تردد هان.

— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.

ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.

نظر آزر إليه.

— لا.

— ولهذا جاءوا.

نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. انتهى كل شيء في لحظة.

أومأ هان.

استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار. وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.

— نعم.

— ولهذا جاءوا.

بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:

— أعرف ماذا؟

— هل كنت تعرف؟

«الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب.»

نظر هان إليه.

— أعرف ماذا؟

— أعرف ماذا؟

— إذن دعنا نذهب.

— عن يان.

قال الرجل:

تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:

ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت. رفع رأسه بصعوبة.

— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.

أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض

لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.

توقف، كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.

قال هان بعد لحظة:

تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان. الحركات نفسها، والتنفس نفسه. تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.

— ماذا ستفعل؟

— عن يان.

وقف آزر، وأمسك الكتاب.

أمسك الحجر الرمادي.

— سأغادر.

— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.

— إلى أين؟

تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:

أغلق الكتاب.

— لم يبقَ الكثير هنا.

— طائفة النهر العميق.

وقف آزر، وأمسك الكتاب.

نظر هان إلى الإسم المكتوب على الغلاف، ثم إلى آزر.

— لا أعرف.

— ولماذا؟

— أعرف ماذا؟

أجاب آزر بهدوء:

ثم توقف.

— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.

— هل كنت تعرف؟

نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال.
قال فقط:

نظر آزر إليه.

— هل تعتقد أنهم سيقبلونك؟

أومأ هان.

— لا أعرف.

استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:

ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.

ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت. رفع رأسه بصعوبة.

— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.

— هل تعتقد أنهم سيقبلونك؟

لم يبتسم آزر، وقال:

ثم توقف.

— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.

تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان. الحركات نفسها، والتنفس نفسه. تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.

استدار نحو الباب، ثم توقف.
رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله.
الاستقرار.
وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.

تردد هان هذه المرة أطول، ولم يجب فورًا، ثم قال:

رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف.
إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة.
ثم غادر.

لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب. الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة. التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛ فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.

خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر.
لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء.
لكن بقي له شيء واحد.
السؤال.
وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي.
لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.

ماذا أفعل؟

خرج من الغرفة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط