ما انطفأ
ظل آزر يمشي.
لم يعد يحاول حساب المسافة، كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك.
أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم يحاول إخفاءها هذه المرة، تركها ترتجف.
— لماذا هم هنا ؟.
كان الدم قد جف على ملابسه، وبعضه لم يكن يعرف لمن يعود.
وفي كل مرة تنقبض أصابعه، يعود إليه المشهد نفسه:
تشاو على ركبته، النصل في يده، والبريق البارد في عينيه، ثم السؤال الذي لم يجب عليه.
لماذا…؟
ضغط على يده المرتجفة بأصابع اليد الأخرى، لكن لم تتوقف.
بقي آزر جاثيًا بينهما. الدخان حوله، الغبار في الهواء، والنيران خارج الجدران. لكنه لم يرَ شيئًا، كل ما رآه كان البيت القديم. أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا. الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.
ثم تذكّر شيئًا أبعد.
الرجل الغريب في لين، والطفل الذي كان سيُقتل، وكيف رفع يده آنذاك دون أن يفكر، وكيف كاد سيقتل من أجل حماية شخص لا يعرفه.
والآن… قتل من أجل نفسه.
لم يبكِ، ولم يغضب، فقط سار وجسده كله يحمل ثقلًا لم يكن موجودًا قبل ساعات.
اختفى الارتجاف في يدها، وسقطت أصابعها عن وجهه.
ولكن.. كان هناك شيء واحد هو ما يدفعه إلى الأمام.
والداه.
تذكر ما قاله شين يوم الحريق:
«أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان»
أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها.
أحياء.
كان عليهما أن يكونا أحياء.
— آزر؟
كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء
لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.
وصل إلى السكن الجنوبي، نصف المبنى لا يزال قائمًا. الأبواب مفتوحة، والناس يركضون، بعضهم يحمل أطفالًا، وامرأة تصرخ بحثًا عن أخيها، ورجل يجر آخر مصابًا من ساقه. مرّ بينهم، ثم… سمع صوتًا يعرفه.
رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال.
لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها.
لكن الأصوات كانت أسوأ.
صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة.
وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد.
توقف للحظة، ثم ركض.
تقدم، خطوة واحدة فقط، ثم أسرع. احتضنته أمه وشدت ذراعيها حوله رغم الدم والتراب.
ما إن تجاوز البوابة المهدمة حتى اندفع تلميذ نحوه.
توقف الرجل فجأة حين عرفه.
— عدت.
— آزر؟
— أمي!
لم يرد.
اندفع آزر، ودفع أمه، ثم حاول دفع والده. سقط الثلاثة، ثم ضرب شيء كتفه، وسمع صوتًا مكتومًا. ارتفع الغبار، ولم يعد يرى شيئًا.
— أين كنت؟ ماذا حدث؟
أبعدته عنها قليلًا، ثم بدأت يداها تبحثان عن جسده.
تجاوزه.
حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه. أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك. صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد. اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.
— آزر!
أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.
استمر، لم يكن يهتم بما حدث للطائفة الآن، ولم يكن يهتم بمن هاجم، ولا بمن مات.
كان عليه فقط أن يصل إلى الجناح الداخلي.
تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل. سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه. ظل ينظر إليها، ثم ابتسمت أمه بضعف مرة أخرى
شق طريقه بين الأنقاض، لكن أحد التلاميذ حاول إيقافه.
ارتجف نفسه.
— الطريق مغلق!
— آزر!
دفعه آزر من كتفه.
ظل آزر يمشي. لم يعد يحاول حساب المسافة، كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك. أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم يحاول إخفاءها هذه المرة، تركها ترتجف.
— أين الجناح الداخلي؟
— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟
تردد الرجل، ثم أشار.
— لا نستطيع… البقاء هنا.
— خلف القاعة القديمة… لكن لا تذهب، هناك قتال
لكن صوته لم يكن مقنعًا. أبعد آزر الحجارة عنه، ثم التفت إلى أمه. كانت تحت جزء من السقف المنهار، وجهها شاحب، وعيناها مفتوحتان.
لم يسمع بقية الجملة، وركض.
قالت أمه:
اندفع بين مبنيين، تصاعدت النيران أمامه، ثم سمع صوت سيف خلفه، فاستدار نصف استدارة.
رجل يرتدي الأسود مرّ أمامه، على يده كانت علامة:
دائرة ناقصة، وفي داخلها ذلك الخط الذي رآه من قبل.
لم يتوقف الرجل، ولا توقف آزر، لكن الصورة بقيت في عينيه.
— كنت أعلم أنك ستعود.
طائفة النجم الساقط.
هكذا قال ريو.
إذن الحرب بدأت فعلًا، ولكن لماذا الآن؟ لماذا انتظروا حتى فُتح الطريق؟ السؤال مرّ في رأسه، ثم اختفى.
لم يفكر كثيرا.
صمت.
وصل إلى السكن الجنوبي، نصف المبنى لا يزال قائمًا.
الأبواب مفتوحة، والناس يركضون، بعضهم يحمل أطفالًا، وامرأة تصرخ بحثًا عن أخيها، ورجل يجر آخر مصابًا من ساقه.
مرّ بينهم، ثم… سمع صوتًا يعرفه.
نظر إلى عينيها، ثم إلى والده. كان ساكنًا، لم يتحرك، ولم يعد هناك صوت.
— آزر!
قال والده:
توقف، والتفت.
— آزر!
كان والده واقفًا عند باب إحدى الغرف، ذراعه ملفوفة بقطعة قماش، وعلى جبينه جرح صغير.
وخلفه… أمه.
كانت واقفة، وبصحة جيدة.
لم يتحرك آزر، ولا هي، ثم خرجت من فمها الكلمة التي لم يكن يعرف كم مرة تخيل سماعها:
— انظر.
— آزر؟
توقف…
تقدم، خطوة واحدة فقط، ثم أسرع.
احتضنته أمه وشدت ذراعيها حوله رغم الدم والتراب.
طائفة النجم الساقط. هكذا قال ريو. إذن الحرب بدأت فعلًا، ولكن لماذا الآن؟ لماذا انتظروا حتى فُتح الطريق؟ السؤال مرّ في رأسه، ثم اختفى. لم يفكر كثيرا.
— كنت أعلم أنك ستعود.
— إذن هذه المرة… لا تخفها.
بقي ساكنًا لحظة، ثم رفع يديه ببطء ووضعهما على ظهرها.
لم يقل شيئًا، فقط أغمض عينيه، كان يسمع أنفاسها، وهذا وحده كان كافيًا.
لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.
أبعدته عنها قليلًا، ثم بدأت يداها تبحثان عن جسده.
حرك الرجل رأسه.
— أين أُصبت؟
اقترب، وحاول رفع الحجارة. مرة، مرتين، ثلاثًا، لكن كانت أثقل مما يستطيع.
— لا شيء.
سكتَ لحظة..
نظر إليه والده.
في تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن نفسه كان ينحت جسده من الداخل.
— لا تكذب يا فتى.
— هل نستطيع الخروج؟
أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.
فهمت، ثم خفضت عينيها، ولم تسأل مجددا ،ربما لأنها رأت الجواب في وجهه.
— عدت.
لم يجب فورًا.
أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.
— قلت سأخرجك.
قالت أمه وهي تمسح الدم عن خده بأصابعها:
كان صوتها يضعف.
— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟
وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان. رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة. وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار، والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..
نظر إلى يده المرتجفة.
— انظر إليّ.
— نعم.
حرك الرجل رأسه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.
— ما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسخ.
— آزر…
قال والده بصوت خشن يحاول أن يكون ساخرًا:
— لا شيء.
— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.
— أين الآخرون؟
لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.
لم يرد.
قالت أمه:
توقفت لتلتقط أنفاسها.
— أين الآخرون؟
— أمي!!
لم يجب فورًا.
شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.
فهمت، ثم خفضت عينيها، ولم تسأل مجددا ،ربما لأنها رأت الجواب في وجهه.
بقي ساكنًا لحظة، ثم رفع يديه ببطء ووضعهما على ظهرها. لم يقل شيئًا، فقط أغمض عينيه، كان يسمع أنفاسها، وهذا وحده كان كافيًا.
قال والده:
— آزر…
— هل الطائفة تحت الهجوم؟
— كنت أعلم أنك ستعود.
— نعم.
في تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن نفسه كان ينحت جسده من الداخل.
— هل نستطيع الخروج؟
كانت أمه، تتنفس.
— سنحاول.
— إذن هذه المرة… لا تخفها.
نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:
شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.
— لا.
— لا.
التفت آزر.
نظر إلى يدها، ثم قال:
— ماذا؟
— نعم.
— انظر.
توقف.
في الخارج مرت مجموعة من الرجال المسلحين.
بعضهم يرتدي ملابس الطائفة، وبعضهم لا، وعلى يد اثنين منهم كانت العلامة نفسها:
الدائرة، والخط.
تغير وجه آزر.
سكتَ لحظة..
— إذن لنختبئ في الداخل.
— انظر إليّ.
قالت أمه:
توقف…
— لماذا هم هنا ؟.
— أين كنت؟ ماذا حدث؟
— لا أعلم.
نظر إلى عينيها، ثم إلى والده. كان ساكنًا، لم يتحرك، ولم يعد هناك صوت.
لم تسأل مرة أخرى، فقط أمسكت يده.
— ماذا؟
— تعال معنا.
— لا تتعب نفسك.
نظر إلى يدها، ثم قال:
جاء صوت من بعيد:
— نعم.
— لا تبكِ… يا ابني.
لم يقطعوا سوى بضعة أمتار، ثم جاء الصوت.
ليس انفجارًا، بل صراخ معدني قريب جدًا، ثم اصطدام سيوف، وصوت جسد يسقط.
اندفع ثلاثة مقاتلين من طائفة النجم الساقط من الممر الجانبي.
كانوا يبحثون عن التلاميذ، أو عن شيء ما.
أحدهم رأى آزر ووالديه، فصاح:
— نعم.
— هناك!
— أمي؟
اندفع.
لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.
دفع آزر أمه إلى الخلف، ورفع النصل، اصطدم السيفان، فاهتزت ذراعه المكسورة تقريبًا، وتراجع خطوة.
هاجم الثاني، تفادى آزر الضربة بفارق ضئيل، وشعر بالمخلب الحديدي يمزق جانب ثوبه.
استخدم القليل من المدد، دفعة قصيرة، وتزعزع الرجل، لكن الثالث جاء من الجانب.
— انظر إليّ.
تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه.
اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته.
حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز.
ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر.
صاح أحدهم:
— آزر…
— ابتعدوا!
بقي آزر جاثيًا بينهما. الدخان حوله، الغبار في الهواء، والنيران خارج الجدران. لكنه لم يرَ شيئًا، كل ما رآه كان البيت القديم. أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا. الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.
لكن فات الأوان، انهار جزء من السقف، وسقطت كتلة حجرية كبيرة.
ظل آزر يمشي. لم يعد يحاول حساب المسافة، كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك. أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم يحاول إخفاءها هذه المرة، تركها ترتجف.
اندفع آزر، ودفع أمه، ثم حاول دفع والده.
سقط الثلاثة، ثم ضرب شيء كتفه، وسمع صوتًا مكتومًا.
ارتفع الغبار، ولم يعد يرى شيئًا.
— نعم.
— أمي!
— ماذا؟
— أبي!
— آزر؟
جاء صوت من بعيد:
لم يأته جواب، نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.
— آزر…
— لماذا هم هنا ؟.
كانت أمه، تتنفس.
— لا تكذب يا فتى.
— أين أنت؟
رفعت يدها بصعوبة، وصلت أصابعها إلى وجهه، ومسحت الدم عن خده. ثم قالت بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس:
— هنا.
صمت.
حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه.
أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك.
صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد.
اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.
— ابتعدوا!
كان والده ملقى على الأرض، تنفسه متقطع، والدم يتسرب بين أصابعه فوق صدره.
لكن فات الأوان، انهار جزء من السقف، وسقطت كتلة حجرية كبيرة.
— أبي.
— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.
حرك الرجل رأسه.
— نعم.
— أنا… بخير.
— انظر إليّ.
لكن صوته لم يكن مقنعًا.
أبعد آزر الحجارة عنه، ثم التفت إلى أمه.
كانت تحت جزء من السقف المنهار، وجهها شاحب، وعيناها مفتوحتان.
لم يأته جواب، نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.
— أمي!
التفت آزر.
اقترب، وحاول رفع الحجارة.
مرة، مرتين، ثلاثًا، لكن كانت أثقل مما يستطيع.
— لا تبكِ… فتاي اللطيف
— آزر…
رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال. لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها. لكن الأصوات كانت أسوأ. صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة. وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد. توقف للحظة، ثم ركض.
توقف.
جاء صوت من بعيد:
— سأخرجك!
— أمي!!
ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.
خفض رأسه، ثم رفعها ببطء. كانت عيناه خاليتين تمامًا. لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن. مرر يده على وجهه، ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها. وبقى ساكنًا لفترة طويلة…
— لا تتعب نفسك.
نظر إليه، وكان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.
— اصمتي!
— أمي!!
شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.
— آزر…
— قلت سأخرجك.
اختفى الارتجاف في يدها، وسقطت أصابعها عن وجهه.
قال والده بصوت أضعف:
— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟
— آزر…
— تعال معنا.
نظر إليه، وكان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.
تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل. سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه. ظل ينظر إليها، ثم ابتسمت أمه بضعف مرة أخرى
— لا نستطيع… البقاء هنا.
— لا.
رفع آزر رأسه، كان المكان كله يهتز.
من بعيد تعالت صرخات جديدة، ومعادن تتصادم، وشخص يقاتل فوق المبنى.
ثم سقط شيء ضخم، وتوقفت أذن آزر للحظة عن سماع كل شيء.
— أين الآخرون؟
نظر إلى أمه، ثم قالت:
قالت أمه:
— انظر إليّ.
تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه. اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته. حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز. ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر. صاح أحدهم:
نظر إليها.
وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان. رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة. وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار، والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..
— لا تنظر إلى الحجر.
ما إن تجاوز البوابة المهدمة حتى اندفع تلميذ نحوه. توقف الرجل فجأة حين عرفه.
ثم ابتسمت.
خرجت الكلمة منه أكثر حدة.
— انظر إليّ.
— أبي.
اقترب وجهه منها.
— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…
— أنت عدت.
— هذا يكفيني.
توقفت لتلتقط أنفاسها.
— الآن… عش جيدًا يا أجمل ما خطّه القدر في لوحي
— هذا يكفيني.
ظل آزر يمشي. لم يعد يحاول حساب المسافة، كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك. أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم يحاول إخفاءها هذه المرة، تركها ترتجف.
هز آزر رأسه.
— لا تتكلمي هكذا.
— لا…
— آزر؟
— آزر…
لم يرد.
— لا!
— قلت سأخرجك.
خرجت الكلمة منه أكثر حدة.
— أمي!
— سأخرجك!
— أمي!
رفعت يدها بصعوبة، وصلت أصابعها إلى وجهه، ومسحت الدم عن خده.
ثم قالت بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس:
— سأخرجك!
— لا تبكِ… يا ابني.
— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.
تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل.
سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه.
ظل ينظر إليها، ثم ابتسمت أمه بضعف مرة أخرى
— أين أنت؟
— كنت أكره حين كنت تسقط ولا تبكي.
— سأخرجك!
توقفت.
— لا تكذب يا فتى.
— والآن… تفعل.
— أين الجناح الداخلي؟
مسحت دمعة أخرى بأصابعها المرتجفة.
— أين الآخرون؟
— إذن هذه المرة… لا تخفها.
شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.
ارتجف نفسه.
رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال. لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها. لكن الأصوات كانت أسوأ. صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة. وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد. توقف للحظة، ثم ركض.
— لا تتكلمي هكذا.
— إذن هذه المرة… لا تخفها.
— آزر…
توقفت لتلتقط أنفاسها.
كان صوتها يضعف.
— إذن لنختبئ في الداخل.
— أنت كنت دائمًا تسأل أكثر مما ينبغي.
شق طريقه بين الأنقاض، لكن أحد التلاميذ حاول إيقافه.
أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها.
— عدت.
— الآن… عش جيدًا يا أجمل ما خطّه القدر في لوحي
— أين أنت؟
ابتسمت، وكأن الكلمات الأخيرة تكلفها ما تبقى من قوتها.
«العجز ليس أن تتساقطَ أرواح من تحبَّ بين يديك وأنت تصارعُ أجلَهم؛ فتلكَ حدودُ طينِك ولا عارُ في حدود البشر»
— لا تبكِ… فتاي اللطيف
— العجزُ الحقيقيُّ أن تنحنيَ بسكون، وتتركَ عبثَ هذا العالم يرسُم جغرافيةَ البقاء ويوزّع صكوكَ الموت.
اختفى الارتجاف في يدها، وسقطت أصابعها عن وجهه.
— عدت.
ظل آزر ممسكًا بيدها.
— هذا يكفيني.
— أمي؟
— سأخرجك!
صمت.
رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب. ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:
— أمي!!
— الطريق مغلق!
نظر إلى عينيها، ثم إلى والده.
كان ساكنًا، لم يتحرك، ولم يعد هناك صوت.
قالت أمه:
بقي آزر جاثيًا بينهما.
الدخان حوله، الغبار في الهواء، والنيران خارج الجدران.
لكنه لم يرَ شيئًا، كل ما رآه كان البيت القديم.
أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا.
الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.
نظر إليه، وكان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.
خفض رأسه، ثم رفعها ببطء.
كانت عيناه خاليتين تمامًا.
لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن.
مرر يده على وجهه، ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها.
وبقى ساكنًا لفترة طويلة…
شق طريقه بين الأنقاض، لكن أحد التلاميذ حاول إيقافه.
رفع عينيه إلى السماء.
ظل ينظر إليها.
لثوانٍ، ثم دقائق، وكأن الوقت نفسه توقف.
لم يتحرك، ولم يتنفس بصوت مسموع، فقط نظر.
ثم قال بصوت خافت، وكأنه يسأل السماء نفسها:
قالت أمه:
— “أكان هذا الخرابُ ليمرّ بسلام لو أنني رضيتُ بالجهل؟ وهل كان قلبي ليعبرَ بوزنٍ أخفّ.. لو لم أرتكب جُرم المحاولة؟”
في الخارج مرت مجموعة من الرجال المسلحين. بعضهم يرتدي ملابس الطائفة، وبعضهم لا، وعلى يد اثنين منهم كانت العلامة نفسها: الدائرة، والخط. تغير وجه آزر.
لم يأته جواب، نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.
— لا تبكِ… فتاي اللطيف
في تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه.
خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن نفسه كان ينحت جسده من الداخل.
رفعت يدها بصعوبة، وصلت أصابعها إلى وجهه، ومسحت الدم عن خده. ثم قالت بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس:
رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما.
برودة، هدوء مرعب.
ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:
— ماذا؟
«العجز ليس أن تتساقطَ أرواح من تحبَّ بين يديك وأنت تصارعُ أجلَهم؛ فتلكَ حدودُ طينِك ولا عارُ في حدود البشر»
— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟
توقف…
توقف، والتفت.
— العجزُ الحقيقيُّ أن تنحنيَ بسكون، وتتركَ عبثَ هذا العالم يرسُم جغرافيةَ البقاء ويوزّع صكوكَ الموت.
— آزر؟
تطّلعَ بجمودٍ قاطع إلى الدخانِ المتصاعدِ بين الركام.
— هناك!
— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…
— لا تبكِ… يا ابني.
سكتَ لحظة..
في تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن نفسه كان ينحت جسده من الداخل.
— «فسأجُرُّها من علوّها إلى هذا الركام… وأذبحُ القدرَ بيدَيّ.»
— تعال معنا.
وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان.
رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة.
وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار،
والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..
— كنت أكره حين كنت تسقط ولا تبكي.
ولكن.. كان هناك شيء واحد هو ما يدفعه إلى الأمام. والداه. تذكر ما قاله شين يوم الحريق: «أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان» أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها. أحياء. كان عليهما أن يكونا أحياء.
