Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 31

ما انطفأ
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ما انطفأ

ظل آزر يمشي.
لم يعد يحاول حساب المسافة.. كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك.
أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم  يحاول إخفاءها، هذه المرة تركها ترتجف.

لماذا…؟ ضغط على يده المرتجفة بأصابع اليد الأخرى، لكن لم تتوقف.

كان الدم قد جف على ملابسه، وبعضه لم يكن يعرف لمن يعود.
وفي كل مرة تنقبض أصابعه، يعود إليه المشهد نفسه:
تشاو على ركبته، النصل في يده، والبريق البارد في عينيه، ثم السؤال الذي لم يجب عليه.

ظل آزر يمشي. لم يعد يحاول حساب المسافة.. كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك. أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم  يحاول إخفاءها، هذه المرة تركها ترتجف.

لماذا…؟

ضغط على يده المرتجفة بأصابع اليد الأخرى، لكن لم تتوقف.

أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا. الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.

ثم تذكّر شيئًا أبعد.
الرجل الغريب في لين، والطفل الذي كان سيُقتل، وكيف رفع يده آنذاك دون أن يفكر، وكيف كاد سيقتل من أجل حماية شخص لا يعرفه.
والآن… قتل من أجل نفسه.
لم يبكِ، ولم يغضب، فقط سار وجسده كله يحمل ثقلًا لم يكن موجودًا قبل ساعات.

اقترب وجهه منها.

ولكن.. كان هناك شيء واحد هو ما يدفعه إلى الأمام.
والداه.
تذكر ما قاله شين يوم الحريق:

مسحت دمعة أخرى بأصابعها المرتجفة.

«أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان»

نظر إليه والده.

أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها.
أحياء.
كان عليهما أن يكونا أحياء!

قال والده:

كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء
لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.

توقفت.

رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال.
لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها.
لكن الأصوات كانت أسوأ.
صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة.
وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد.
توقف للحظة، ثم ركض.

نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:

ما إن تجاوز البوابة المهدمة حتى اندفع تلميذ نحوه.
توقف الرجل فجأة حين عرفه.

— آزر؟

— آزر؟

— أمي!

لم يرد.

— أمي!

— أين كنت؟ ماذا حدث؟

اندفع.

تجاوزه.

— تعال معنا.

— آزر!

— أين الآخرون؟

استمر.
لم يكن يهتم بما حدث للطائفة الآن، ولم يكن يهتم بمن هاجم، ولا بمن مات.
كان عليه فقط أن يصل إلى الجناح الداخلي.

كان.. والده واقفًا عند باب إحدى الغرف، ذراعه ملفوفة بقطعة قماش، وعلى جبينه جرح صغير. وخلفه… أمه. كانت واقفة، وبصحة جيدة.

شق طريقه بين الأنقاض، ولكن أحد التلاميذ حاول إيقافه.

— نعم.

— الطريق مغلق!

وصل إلى السكن الجنوبي، نصف المبنى لا يزال قائمًا. الأبواب مفتوحة، والناس يركضون، بعضهم يحمل أطفالًا، وامرأة تصرخ بحثًا عن أخيها، ورجل يجر آخر مصابًا من ساقه. مرّ بينهم، ثم… سمع صوتًا يعرفه.

دفعه آزر من كتفه.

— انظر إليّ.

— أين الجناح الداخلي؟

أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.

تردد الرجل، ثم أشار.

قال والده بصوت خشن يحاول أن يكون ساخرًا:

— خلف القاعة القديمة… لكن لا تذهب، هناك قتال

— آزر…

لم يسمع بقية الجملة، وركض.

لم يأته جواب.. نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.

اندفع بين مبنيين، تصاعدت النيران أمامه، ثم سمع صوت سيف خلفه، فاستدار نصف استدارة.
رجل يرتدي الأسود مرّ أمامه، على يده كانت علامة:

كان صوتها يضعف.

دائرة ناقصة، وفي داخلها ذلك الخط الذي رآه من قبل.

— كنت أعلم أنك ستعود.

لم يتوقف الرجل، ولا توقف آزر، لكن الصورة بقيت في عينيه.

— آزر؟

طائفة النجم الساقط.

— نعم.

هكذا قال ريو.
إذن.. الحرب بدأت فعلًا، ولكن لماذا الآن؟ لماذا انتظروا حتى فُتح الطريق؟
السؤال مرّ في رأسه، ثم اختفى.
ولم يفكر كثيرا.

— إذن هذه المرة… لا تخفها.

وصل إلى السكن الجنوبي، نصف المبنى لا يزال قائمًا.
الأبواب مفتوحة، والناس يركضون، بعضهم يحمل أطفالًا، وامرأة تصرخ بحثًا عن أخيها، ورجل يجر آخر مصابًا من ساقه.
مرّ بينهم، ثم… سمع صوتًا يعرفه.

— أبي!

— آزر!

— أين أُصبت؟

توقف، والتفت.

قال والده بصوت خشن يحاول أن يكون ساخرًا:

كان.. والده واقفًا عند باب إحدى الغرف، ذراعه ملفوفة بقطعة قماش، وعلى جبينه جرح صغير.
وخلفه… أمه.
كانت واقفة، وبصحة جيدة.

— أبي!

لم يتحرك آزر، ولا هي، ثم خرجت من فمها الكلمة التي لم يكن يعرف كم مرة تخيل سماعها:

تجاوزه.

— آزر؟

— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.

تقدم… خطوة واحدة فقط، ثم أسرع.
احتضنته أمه وشدت ذراعيها حوله رغم الدم والتراب.

— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…

— كنت أعلم أنك ستعود.

— أمي!!

بقي ساكنًا لحظة، ثم رفع يديه ببطء ووضعهما على ظهرها.
لم يقل شيئًا، فقط أغمض عينيه.. كان يسمع أنفاسها، وهذا وحده كان كافيًا.

دفعه آزر من كتفه.

أبعدته عنها قليلًا، ثم بدأت يداها تبحثان عن جسده.

— الطريق مغلق!

— أين أُصبت؟

— انظر.

— لا شيء.

— أين كنت؟ ماذا حدث؟

نظر إليه والده.

نظر إلى أمه، ثم قالت:

— لا تكذب يا فتى.

رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال. لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها. لكن الأصوات كانت أسوأ. صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة. وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد. توقف للحظة، ثم ركض.

أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.

بقي ساكنًا لحظة، ثم رفع يديه ببطء ووضعهما على ظهرها. لم يقل شيئًا، فقط أغمض عينيه.. كان يسمع أنفاسها، وهذا وحده كان كافيًا.

— عدت.

أبعدته عنها قليلًا، ثم بدأت يداها تبحثان عن جسده.

أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.

— هنا.

قالت أمه وهي تمسح الدم عن خده بأصابعها:

— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…

— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟

— لماذا هم هنا؟

نظر إلى يده المرتجفة.

أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.

— نعم.

— لا تبكِ… يا ابني.

ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.

رفع آزر رأسه. كان المكان كله يهتز. ومن بعيد تعالت صرخات جديدة، معادن تتصادم، وشخص يقاتل فوق المبنى. ثم سقط شيء ضخم.. وتوقفت أذن آزر للحظة عن سماع كل شيء..

— ما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسخ.

— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟

قال والده بصوت خشن يحاول أن يكون ساخرًا:

نظر إلى يده المرتجفة.

— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.

أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا. الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.

لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.

أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها. أحياء. كان عليهما أن يكونا أحياء!

قالت أمه:

حرك الرجل رأسه.

— أين الآخرون؟

تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل. سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه.

لم يجب فورًا.

شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.

فهمت، ثم خفضت عينيها، ولم تسأل مجددا.
ربما لأنها رأت الجواب في وجهه.

كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.

قال والده:

اندفع بين مبنيين، تصاعدت النيران أمامه، ثم سمع صوت سيف خلفه، فاستدار نصف استدارة. رجل يرتدي الأسود مرّ أمامه، على يده كانت علامة:

— هل الطائفة تحت الهجوم؟

أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.

— نعم.

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب. ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

— هل نستطيع الخروج؟

لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.

— سنحاول.

— أين أُصبت؟

نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:

— آزر!

— لا.

هكذا قال ريو. إذن.. الحرب بدأت فعلًا، ولكن لماذا الآن؟ لماذا انتظروا حتى فُتح الطريق؟ السؤال مرّ في رأسه، ثم اختفى. ولم يفكر كثيرا.

التفت آزر.

خفض رأسه، ثم رفعها ببطء. كانت عيناه خاليتين تمامًا. لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن. مرر يده على وجهه.. ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها. وبقى ساكنًا لفترة طويلة…

— ماذا؟

— أمي؟

— انظر.

لم يسمع بقية الجملة، وركض.

في الخارج مرت مجموعة من الرجال المسلحين.
بعضهم يرتدي ملابس الطائفة، وبعضهم لا، وعلى يد اثنين منهم كانت العلامة نفسها:
الدائرة، والخط.
تغير وجه آزر.

خفض رأسه، ثم رفعها ببطء. كانت عيناه خاليتين تمامًا. لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن. مرر يده على وجهه.. ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها. وبقى ساكنًا لفترة طويلة…

— إذن لنختبئ في الداخل.

— لا تكذب يا فتى.

قالت أمه:

— «فسأجُرُّها من علوّها إلى هذا الركام… وأذبحُ القدرَ بيدَيّ!»

— لماذا هم هنا؟

كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.

— لا أعلم.

— نعم.

لم تسأل مرة أخرى، فقط أمسكت يده.

كانت أمه، تتنفس.

— تعال معنا.

— لا تبكِ… فتاي اللطيف.

نظر إلى يدها، ثم قال:

ابتسمت.

— نعم.

— لا شيء.

لم يقطعوا سوى بضعة أمتار، ثم جاء الصوت.
ليس انفجارًا، بل صراخ معدني قريب جدًا، ثم اصطدام سيوف، وصوت جسد يسقط.

— سأخرجك!

اندفع ثلاثة مقاتلين من طائفة النجم الساقط من الممر الجانبي.
كانوا يبحثون عن التلاميذ، أو عن شيء ما.
أحدهم رأى آزر ووالديه، فصاح:

— أمي؟

— هناك!

وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن… كان ينحت جسده من الداخل.

اندفع.

لم يرد.

دفع آزر أمه إلى الخلف، ورفع النصل، اصطدم السيفان، فاهتزت ذراعه المكسورة تقريبًا، وتراجع خطوة.
هاجم الثاني، تفادى آزر الضربة بفارق ضئيل، وشعر بالمخلب الحديدي يمزق جانب ثوبه.
استخدم القليل من المدد، دفعة قصيرة، وتزعزع الرجل، لكن الثالث جاء من الجانب.

— هل الطائفة تحت الهجوم؟

تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه.
اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته.
حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز.
ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر.
صاح أحدهم:

— إذن لنختبئ في الداخل.

— ابتعدوا!

أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.

لكن فات الأوان.. انهار جزء من السقف، وسقطت كتلة حجرية كبيرة.

قال والده:

اندفع آزر، ودفع أمه، ثم حاول دفع والده.
سقط الثلاثة.
ثم ضرب شيء كتفه، وسمع صوتًا مكتومًا.
ارتفع الغبار، ولم يعد يرى شيئًا.

لم يتوقف الرجل، ولا توقف آزر، لكن الصورة بقيت في عينيه.

— أمي!

ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.

— أبي!

— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.

جاء صوت من بعيد:

— أين الجناح الداخلي؟

— آزر…

لم يسمع بقية الجملة، وركض.

كانت أمه، تتنفس.

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب. ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

— أين أنت؟

— آزر…

— هنا.

نظر إلى أمه، ثم قالت:

حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه.
أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك.
صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد.
اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.

أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها. أحياء. كان عليهما أن يكونا أحياء!

كان والده ملقى على الأرض، تنفسه متقطع، والدم يتسرب بين أصابعه فوق صدره.

— هناك!

— أبي!

— آزر…

حرك الرجل رأسه.

— الآن… عش جيدًا يا أجمل ما خطّه القدر في لوحي

— أنا… بخير.

— آزر!

لكن صوته لم يكن مقنعًا.
أبعد آزر الحجارة عنه، ثم التفت إلى أمه.
كانت تحت جزء من السقف المنهار، وجهها شاحب، وعيناها مفتوحتان.

— انظر.

— أمي!

حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه. أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك. صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد. اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.

اقترب، وحاول رفع الحجارة.
مرة، مرتين، ثلاثًا، لكن كانت أثقل مما يستطيع.

وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن… كان ينحت جسده من الداخل.

— آزر…

— هناك!

— سأخرجك!

— كنت أعلم أنك ستعود.

ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.

كانت أمه، تتنفس.

— لا تتعب نفسك.

اقترب، وحاول رفع الحجارة. مرة، مرتين، ثلاثًا، لكن كانت أثقل مما يستطيع.

— اصمتي!

— أمي؟

شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.

تجاوزه.

— قلت سأخرجك!

حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه. أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك. صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد. اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.

قال والده بصوت أضعف:

— «العجزُ الحقيقيُّ أن تنحنيَ بسكون، وتتركَ عبثَ هذا العالم يرسُم جغرافيةَ البقاء ويوزّع صكوكَ الموت»

— آزر…

وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان. رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة. وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار، والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..

نظر إليه.. كان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.

نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:

— لا نستطيع… البقاء هنا.

— لماذا هم هنا؟

رفع آزر رأسه.
كان المكان كله يهتز.
ومن بعيد تعالت صرخات جديدة، معادن تتصادم، وشخص يقاتل فوق المبنى.
ثم سقط شيء ضخم.. وتوقفت أذن آزر للحظة عن سماع كل شيء..

أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.

نظر إلى أمه، ثم قالت:

ثم تذكّر شيئًا أبعد. الرجل الغريب في لين، والطفل الذي كان سيُقتل، وكيف رفع يده آنذاك دون أن يفكر، وكيف كاد سيقتل من أجل حماية شخص لا يعرفه. والآن… قتل من أجل نفسه. لم يبكِ، ولم يغضب، فقط سار وجسده كله يحمل ثقلًا لم يكن موجودًا قبل ساعات.

— انظر إليّ.

— لا تتعب نفسك.

نظر إليها.

— ماذا؟

— لا تنظر إلى الحجر.

— هل نستطيع الخروج؟

ابتسمت.

لكن فات الأوان.. انهار جزء من السقف، وسقطت كتلة حجرية كبيرة.

— انظر إليّ.

نظر إليه.. كان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.

اقترب وجهه منها.

لماذا…؟ ضغط على يده المرتجفة بأصابع اليد الأخرى، لكن لم تتوقف.

— أنت عدت.

لم يجب فورًا.

توقفت لتلتقط أنفاسها.

— لا شيء.

— هذا يكفيني.

كان صوتها يضعف.

هز آزر رأسه.

هز آزر رأسه.

— لا…

نظر إليه والده.

— آزر…

لم يسمع بقية الجملة، وركض.

— لا!

— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…

خرجت الكلمة منه أكثر حدة.

كان صوتها يضعف.

— سأخرجك!

ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.

رفعت يدها بصعوبة، وصلت أصابعها إلى وجهه، ومسحت الدم عن خده.
ثم قالت بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس:

— «فسأجُرُّها من علوّها إلى هذا الركام… وأذبحُ القدرَ بيدَيّ!»

— لا تبكِ… يا ابني.

اقترب وجهه منها.

تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل.
سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه.

— أمي!!

ظل ينظر إليها، ثم ابتسمت أمه بضعف مرة أخرى.

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب. ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

— كنت أكره حين كنت تسقط ولا تبكي.

رفع آزر رأسه. كان المكان كله يهتز. ومن بعيد تعالت صرخات جديدة، معادن تتصادم، وشخص يقاتل فوق المبنى. ثم سقط شيء ضخم.. وتوقفت أذن آزر للحظة عن سماع كل شيء..

توقفت.

— سأخرجك!

— والآن… تفعل.

دفع آزر أمه إلى الخلف، ورفع النصل، اصطدم السيفان، فاهتزت ذراعه المكسورة تقريبًا، وتراجع خطوة. هاجم الثاني، تفادى آزر الضربة بفارق ضئيل، وشعر بالمخلب الحديدي يمزق جانب ثوبه. استخدم القليل من المدد، دفعة قصيرة، وتزعزع الرجل، لكن الثالث جاء من الجانب.

مسحت دمعة أخرى بأصابعها المرتجفة.

— لا تتعب نفسك.

— إذن هذه المرة… لا تخفها.

كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.

ارتجف نفسه.

— إذن لنختبئ في الداخل.

— لا تتكلمي.. هكذا.

لم يقطعوا سوى بضعة أمتار، ثم جاء الصوت. ليس انفجارًا، بل صراخ معدني قريب جدًا، ثم اصطدام سيوف، وصوت جسد يسقط.

— آزر…

مسحت دمعة أخرى بأصابعها المرتجفة.

كان صوتها يضعف.

تطايرَ من مآقيهِ شرار حقد، يحملُ نيةَ فتكٍ تقشعرُ لها الأبدان.

— أنت كنت دائمًا تسأل أكثر مما ينبغي.

«أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان»

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها.

— لا…

— الآن… عش جيدًا يا أجمل ما خطّه القدر في لوحي

«العجز.. ليس أن تتساقطَ أرواح من تحبَّ بين يديك وأنت تصارعُ أجلَهم؛ فتلكَ حدودُ طينِك ولا عارُ في حدود البشر»

ابتسمت، وكأن الكلمات الأخيرة تكلفها ما تبقى من قوتها.

ولكن.. كان هناك شيء واحد هو ما يدفعه إلى الأمام. والداه. تذكر ما قاله شين يوم الحريق:

— لا تبكِ… فتاي اللطيف.

خفض رأسه، ثم رفعها ببطء. كانت عيناه خاليتين تمامًا. لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن. مرر يده على وجهه.. ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها. وبقى ساكنًا لفترة طويلة…

اختفى الارتجاف في يدها، وسقطت أصابعها عن وجهه.

نظر إلى يده المرتجفة.

ظل آزر ممسكًا بيدها.

تقدم… خطوة واحدة فقط، ثم أسرع. احتضنته أمه وشدت ذراعيها حوله رغم الدم والتراب.

— أمي؟

قالت أمه وهي تمسح الدم عن خده بأصابعها:

صمت.

— لا!

— أمي!!

— إذن لنختبئ في الداخل.

نظر إلى عينيها، ثم إلى والده.
كان ساكنًا، لم يتحرك، ولم يعد هناك صوت.

— انظر.

بقي آزر جاثيًا بينهما.
الدخان حوله، الغبار في الهواء، والنيران خارج الجدران.
لكنه لم يرَ شيئًا، كل ما رآه كان البيت القديم.

— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟

أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا.
الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.

— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟

خفض رأسه، ثم رفعها ببطء.
كانت عيناه خاليتين تمامًا.
لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن.
مرر يده على وجهه.. ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها.
وبقى ساكنًا لفترة طويلة…

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها.

رفع عينيه إلى السماء.
ظل ينظر إليها.
لثوانٍ، ثم دقائق، وكأن الوقت نفسه توقف.
لم يتحرك، ولم يتنفس بصوت مسموع، فقط نظر.
ثم قال بصوت خافت، وكأنه يسأل السماء نفسها:

— ما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسخ.

— «أكان هذا الخرابُ ليمرّ بسلام لو أنني رضيتُ بالجهل؟ وهل كان قلبي ليعبرَ بوزنٍ أخفّ.. لو لم أرتكب جُرم المحاولة؟»

تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه. اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته. حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز. ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر. صاح أحدهم:

لم يأته جواب.. نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.

نظر إلى يدها، ثم قال:

وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه.
خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن… كان ينحت جسده من الداخل.

— خلف القاعة القديمة… لكن لا تذهب، هناك قتال

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما.
برودة، هدوء مرعب.
ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب. ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

«العجز.. ليس أن تتساقطَ أرواح من تحبَّ بين يديك وأنت تصارعُ أجلَهم؛ فتلكَ حدودُ طينِك ولا عارُ في حدود البشر»

نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:

توقف…

— ما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسخ.

— «العجزُ الحقيقيُّ أن تنحنيَ بسكون، وتتركَ عبثَ هذا العالم يرسُم جغرافيةَ البقاء ويوزّع صكوكَ الموت»

— أين الآخرون؟

تطّلعَ بجمودٍ قاطع إلى الدخانِ المتصاعدِ بين الركام.

تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه. اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته. حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز. ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر. صاح أحدهم:

— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…

لم يتوقف الرجل، ولا توقف آزر، لكن الصورة بقيت في عينيه.

تطايرَ من مآقيهِ شرار حقد، يحملُ نيةَ فتكٍ تقشعرُ لها الأبدان.

— أنت عدت.

— «فسأجُرُّها من علوّها إلى هذا الركام… وأذبحُ القدرَ بيدَيّ!»

ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.

وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان.
رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة.
وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار،
والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..

طائفة النجم الساقط.

— اصمتي!

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط