المساعدة
الفصل 2: المساعدة
كلما سافرتُ مع زوجي، أصررتُ على اصطحاب ما لا يقل عن اثني عشر خادمًا: طاهٍ واحد، وأربع وصيفات، وخادم أقدام، وحامل أريكة، وثلاثة خدم شخصيين فتيان أشداء لي، ووصيفتين جميلتين تُلهيان زوجي بينما أكون مع الخدم.
“لدي طلب يتعلق بالخدم الذين ترغب في اصطحابهم معك إلى الضيعة.”
— الليدي أربيسا، في رسالة إلى صديقة
وصل إلى باب حجرة دراسة أخيه. وكان يسمع ضحكات ابنة أخيه وابن أخيه في غرفة أخرى. “بداية متينة للجيل القادم”، هذا ما قاله أبوه يوم وُلدا. وقد وافقه أخوه على الفكرة دون أن يبتسم.
ما إن انتهت تلاوة الوصية حتى اتجه سولومون إلى جناحه، وناول معطف حداده الأسود الطويل إلى إدمور، خادمه الشخصي.
اتجه إلى الباب الخشبي الصغير في أقصى الغرفة، ودخل حديقته الخاصة الصغيرة. تصاعدت إليه رائحة الغاردينيا وزهرة الدم، فاستنشقها بعمق. كانت الغاردينيا من نزوات البستاني، أما زهرة الدم فاختياره هو. أحب لطختها الحمراء ورائحتها الحلوة المرة.
“هل ستتناول وجبةً يا سيدي؟”
انحنى الرجل، وبدآ يسيران عبر أروقة الضيعة الطويلة. كان سولومون يعرف الطريق بالطبع. فقد عاش في الضيعة طوال حياته، ولم يكن يغادرها إلا نادرًا، لكن كان ثمة إجراءات ينبغي اتباعها، وتشورد يحب هذه الإجراءات، تمامًا كما كان أبوهما يحبها.
لم يكن قد أكل بعد؛ إذ جرت العادة على الصيام حتى يُوارى الجثمان الثرى، لكنه كان قد بلغ من الجوع مبلغًا شديدًا بعد تلاوة الوصية. وكان عليه أن يحافظ على طاقته ليبدأ بتحريك الأمور.
“سأقدم طلبًا منفصلًا. هل ثمة أسماء ينبغي لي تجنبها؟”
“طبق من البيض مع شيء من ذلك التابل الأوركي الذي لا يُفترض أن نملكه، وشريحة لحم صغيرة.”
كان تشورد يكتب على مكتبه، بينما ظل سولومون واقفًا. قبل وفاة أبيه، كان يستطيع الجلوس متى شاء، لكن القواعد تغيرت الآن بعدما أصبح تشورد رب الأسرة.
“حسنًا يا سيدي”، قال إدمور وهو ينحني.
قطب سولومون حاجبيه. “افترضت أنك سترغب في البقاء هنا، أليس كذلك؟ فزوجتك تخدم برنيس، وابنك يتدرب لدى كبير السُّيَّاس.”
أومأ سولومون له ودفع باب غرفته ليفتحه. كان جناحه في الضيعة يتألف من غرفة نومه، ومكتبة صغيرة وحجرة دراسة، وحديقة خاصة، ومطبخ صغير لطباخه الشخصي، وأماكن إقامة عدد من خدمه الخاصين كي يتمكنوا من خدمته سريعًا عند الحاجة. كان جناحه أصغر أجنحة إخوته جميعًا، إذ لم يكن يتجاوز نصف جناح برنيس تقريبًا. وقد أُبعد إليه منذ الرابعة من عمره، حين بدأ دراسته. وما زال يتذكر تلك الليلة الأولى في سرير بدا من فرط اتساعه كأنه سيلتهمه.
تجاهل سولومون ذلك وبدأ يخرج، لكنه توقف للحظة لينظر إلى أخيه، فالتقت عيناه الرماديتان الشاحبتان بعيني أخيه الداكنتين الفولاذيتين.
لم يكن يتوهم أنه يعيش في ضيق. فمن بين البيوت العريقة، كان آل مورو يُصنَّفون غالبًا في المرتبة السابعة أو الثامنة بين البيوت الثلاثة عشر؛ وكان الترتيب تسليةً تدمنها طبقة النبلاء، صغارًا وكبارًا. لم يذق الجوع قط إلا عقابًا، ومع ذلك كان قد لمس، وهو لم يتجاوز العشرين، أقمشة فاخرة وتذوق أصنافًا من الطعام أكثر تنوعًا مما تذوقه معظم أبناء الإمبراطورية. لقد كان واعيًا كل الوعي بامتيازه، كما كان واعيًا كل الوعي بمسؤوليته.
لم يكن في صوتها أثر للحزن، ولا حتى ذرة منه. ومع ذلك، كان بوسع كلماتها أن تدفعه إلى البكاء من أجلها.
اتجه إلى الباب الخشبي الصغير في أقصى الغرفة، ودخل حديقته الخاصة الصغيرة. تصاعدت إليه رائحة الغاردينيا وزهرة الدم، فاستنشقها بعمق. كانت الغاردينيا من نزوات البستاني، أما زهرة الدم فاختياره هو. أحب لطختها الحمراء ورائحتها الحلوة المرة.
كان يقلقه حال ضيعة العم فيكتور. فقد ظلت مهجورة بضع سنوات، وكان من المحتمل جدًا أن يكون اللصوص والمتشردون قد استولوا عليها خلال تلك المدة. ومع ذلك، كان ينبغي له، إذا استعان بالأشخاص المناسبين، أن يتمكن من إصلاح حالها سريعًا والبدء في التركيز على خططه الأخرى.
جلس على المقعد الحجري المواجه للتمثال القائم في وسط الحديقة. كان التمثال يصور فارسًا يضع تاجًا على رأسه، ويمد يده إلى أسفل ليساعد رجلًا يرتدي ثياب فلاح على النهوض. تذكر كم استحوذ التمثال على اهتمامه حين عثر عليه، وهو يتجول في الحديقة الرئيسية للعائلة. كان يومها قد غطاه العشب، ومخبوءًا في زاوية لم يره فيها أحد منذ زمن. كان يود أن يصطحبه معه إلى ضيعة العم فيكتور القديمة، لكن ذلك كان إنفاقًا لا طائل منه. تذكر أنه سأل معلمه عن معنى التمثال، وعن الغرض الذي أُقيم من أجله. فتلقى ضربةً على مفاصل أصابعه بسبب سؤاله، وأُرسل ليترجم معناه بنفسه.
“سأقدم طلبًا منفصلًا. هل ثمة أسماء ينبغي لي تجنبها؟”
كان التمثال يجسد فكرة أن ذوي المكانة في المجتمع ملزمون بأداء واجبات اجتماعية تجاه من لا مكانة لهم. وبمعنى أوسع، كان يجسد فكرة أن النبلاء ينبغي أن يكونوا خيرة الناس. وعليهم أن يمدوا أيديهم لمساعدة من هم أدنى منهم منزلةً اجتماعية، وأن يقدموا لهم مثالًا يُحتذى به. وقد لامس شيء في تلك الفكرة أعماقه. لعل السبب كان ما رآه يوم تسلل عبر ممرات الخدم، قبيل ذهابه إلى الحديقة وضياعه فيها إلى أن عثر على التمثال. هز رأسه، وأجبر تلك الفكرة على الخروج من ذهنه.
أومأ سولومون له ودفع باب غرفته ليفتحه. كان جناحه في الضيعة يتألف من غرفة نومه، ومكتبة صغيرة وحجرة دراسة، وحديقة خاصة، ومطبخ صغير لطباخه الشخصي، وأماكن إقامة عدد من خدمه الخاصين كي يتمكنوا من خدمته سريعًا عند الحاجة. كان جناحه أصغر أجنحة إخوته جميعًا، إذ لم يكن يتجاوز نصف جناح برنيس تقريبًا. وقد أُبعد إليه منذ الرابعة من عمره، حين بدأ دراسته. وما زال يتذكر تلك الليلة الأولى في سرير بدا من فرط اتساعه كأنه سيلتهمه.
“هل ستتناول وجبتك في الحديقة يا سيدي؟” سأل إدمور.
بعد ذلك بدأ يجمع متعلقاته الشخصية. لم تكن كثيرة، لكن ثمة بعض وسائل الراحة الصغيرة التي أراد اصطحابها معه.
“نعم.”
امتثل سولومون.
أومأ إدمور وناولَه طبقًا مكدسًا بالبيض المتبل، وإلى جانبه شريحة لحم مطهوة بإتقان. أكل سولومون بحرص، محاولًا أن يتمهل قدر استطاعته. كان يعرف بالفعل ما ستكون خطواته التالية؛ بل كان يعرفها منذ أشهر. كان يعرف أي الخدم يريد اصطحابهم معه، وما الأشياء التي سيحزمها، وأي الرسائل سيكتب ويرسل إلى أي من الناقلين والحمالين والتجار. وكان يعرف أي التجار سيكونون أشد اهتمامًا بإعادة فتح المنجم القديم الذي أُغلق قرب مونفالو، وأيهم قد يرغب في بدء عملية قطع أخشاب على امتداد حافة الغابة السوداء. لم يدوّن شيئًا من ذلك؛ فلو عُثر عليه لكان دليل إدانة بالغ الخطورة. ولحسن الحظ، كان معلموه قد شددوا دائمًا على أهمية الذاكرة القوية.
بدا إدمور متفاجئًا من السؤال. فلم يعتد الرجل قط اهتمام سولومون، منذ كان صبيًا صغيرًا وأبدى قلقه من شدة الحر الذي لا بد أنه كان يعانيه داخل بدلته في الصيف.
أنهى وجبته وخرج من غرفته إلى حجرة دراسته. كانت الجدران مغطاة بكتب التاريخ والأنساب والرياضيات والفلسفة. كانت مكتبات إخوته مليئة بالنصوص ذاتها، وإن كان يشك في أنهم قرؤوها بالعمق الذي قرأها به، إن كانوا قرؤوها أصلًا. أخرج رزمة من الرقوق وأحد أقلام الحبر الجديدة القادمة من العاصمة. كان حبره أرجوانيًا معدنيًا، وهو لونه المفضل. وكان سيفتقده خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكن بروتوكولات الحداد كانت تفرض الأسود مدة طويلة. أما أمه وأخواته، فسيبقين حبيسات الأسود عامًا كاملًا، باستثناء حفلات الزفاف التي يحضرنها.
هز سولومون رأسه. سيكون تبرير ذلك أصعب، لكن هذا يعني في الوقت نفسه أنها لا تمثل قيمة كبيرة لتشورد. وربما كان جود في موقف أضعف أمام طلب من هذا النوع.
بدأ سولومون يخط كل رسالة من رسائله. أعد أولًا قائمة بالموظفين والمواد التي يريد نقلها إلى ضيعته الجديدة، متظاهرًا بارتكاب بضعة أخطاء هنا وهناك ثم يشطبها. وبعد ذلك كتب رسائل تُرسل إلى مونفالو، وأخرى تتعلق بترتيب عملية الانتقال. وما إن انتهى حتى ختمها بشعاره، وناولها لإدمور، كما ناول قائمة الخدم المطلوبين إلى وصيفة لتسلمها مباشرة إلى تشورد.
أومأ سولومون. كانت تلك هي الإجابة التي توقعها. غادر الغرفة واتجه إلى جناحه. وحين بلغ حجراته، وجد إدمور في انتظاره.
بعد ذلك بدأ يجمع متعلقاته الشخصية. لم تكن كثيرة، لكن ثمة بعض وسائل الراحة الصغيرة التي أراد اصطحابها معه.
“ولستُ أقل دهشةً منكِ”، أجاب سولومون، مرتشفًا من كوبه. “لم أكن أعلم أصلًا بوجود هذه الضيعة.”
كان يقلقه حال ضيعة العم فيكتور. فقد ظلت مهجورة بضع سنوات، وكان من المحتمل جدًا أن يكون اللصوص والمتشردون قد استولوا عليها خلال تلك المدة. ومع ذلك، كان ينبغي له، إذا استعان بالأشخاص المناسبين، أن يتمكن من إصلاح حالها سريعًا والبدء في التركيز على خططه الأخرى.
لم يكن تشورد قد انتقل بعد إلى الأجنحة الرئيسية للمنزل، ولن يفعل ذلك حتى تُنقل أمه منها. أما جناحه الخاص، فكان ينافس أجنحة ملوك البلدان الصغيرة فخامةً. كانت الأرضيات مغطاة بسجاجيد صوفية سميكة النسج ذات نقوش بسيطة متكررة، والجدران مزينة بمفروشات جدارية تصور انتصارات عائلتهم وهزائمها، وهي نزوة غريبة ورثوها عن مؤسس العائلة. وعلى مسافات متقاربة، كانت تُعرض قطعة فنية أوركية أو إلفية، انتُزعت في إحدى الفتوحات، كان ثمن أي قطعة منها يكفي لإطعام قرية صغيرة عدة أشهر، أو الأقنان لسنوات. أما سولومون، فكان يبقي زينته بسيطة وأنيقة، مع أنه ربما كان سيملك ذوقًا أكثر إسرافًا لو أُعطي الحرية نفسها التي مُنحت لإخوته.
بعد لحظات، طُرق الباب. وبما أن إدمور كان يتولى أمر المراسلات، فأجاب سولومون بنفسه، فوجد هانز واقفًا هناك؛ رجلًا عملاقًا ذا شعر رمادي كثيف، لقد كان خادم أبيه الشخصي سابقًا.
“وهل لي أن أسأل متى قدم طلبه؟ قبل أن تتلقى طلبي أم بعده؟”
“لقد طلب سيد القصر حضورك.”
…
لم يُبدِ سولومون أي علامة على دهشته.
“وعليّ أيضًا أن أصر على تقليص الطلب من ثلاثين خادمًا إلى خمسة عشر على الأكثر. أعتقد أن ما تطلبه يتجاوز ما تنص عليه الوصية.”
“بالطبع.” اتجه ليرتدي معطفه الرسمي. “تقدم يا هانز.”
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
انحنى الرجل، وبدآ يسيران عبر أروقة الضيعة الطويلة. كان سولومون يعرف الطريق بالطبع. فقد عاش في الضيعة طوال حياته، ولم يكن يغادرها إلا نادرًا، لكن كان ثمة إجراءات ينبغي اتباعها، وتشورد يحب هذه الإجراءات، تمامًا كما كان أبوهما يحبها.
هز سولومون رأسه. سيكون تبرير ذلك أصعب، لكن هذا يعني في الوقت نفسه أنها لا تمثل قيمة كبيرة لتشورد. وربما كان جود في موقف أضعف أمام طلب من هذا النوع.
لم يكن تشورد قد انتقل بعد إلى الأجنحة الرئيسية للمنزل، ولن يفعل ذلك حتى تُنقل أمه منها. أما جناحه الخاص، فكان ينافس أجنحة ملوك البلدان الصغيرة فخامةً. كانت الأرضيات مغطاة بسجاجيد صوفية سميكة النسج ذات نقوش بسيطة متكررة، والجدران مزينة بمفروشات جدارية تصور انتصارات عائلتهم وهزائمها، وهي نزوة غريبة ورثوها عن مؤسس العائلة. وعلى مسافات متقاربة، كانت تُعرض قطعة فنية أوركية أو إلفية، انتُزعت في إحدى الفتوحات، كان ثمن أي قطعة منها يكفي لإطعام قرية صغيرة عدة أشهر، أو الأقنان لسنوات. أما سولومون، فكان يبقي زينته بسيطة وأنيقة، مع أنه ربما كان سيملك ذوقًا أكثر إسرافًا لو أُعطي الحرية نفسها التي مُنحت لإخوته.
أومأ سولومون. “لنتحدث في مكتبي.” كان البيت يعج بالجواسيس دائمًا، لكنه كان واثقًا من أن عددهم ازداد كثيرًا عن المعتاد بعد وفاة أبيه.
وصل إلى باب حجرة دراسة أخيه. وكان يسمع ضحكات ابنة أخيه وابن أخيه في غرفة أخرى. “بداية متينة للجيل القادم”، هذا ما قاله أبوه يوم وُلدا. وقد وافقه أخوه على الفكرة دون أن يبتسم.
“أحتاج إلى صياغة طلب جديد في حجرة دراستي.”
طرق هانز الباب مرتين.
كان تشورد يكتب على مكتبه، بينما ظل سولومون واقفًا. قبل وفاة أبيه، كان يستطيع الجلوس متى شاء، لكن القواعد تغيرت الآن بعدما أصبح تشورد رب الأسرة.
“ادخل”، قال تشورد من خلف الباب.
“انتظر. هل تعتقد أن ثمة آخرين في خطر مثلها؟ أي أشخاص يمكنني مساعدتهم؟”
دفع هانز الباب فانفتح، ثم دخل سولومون. كان المكان فخمًا ككل ما عداه، فعلى جانبي الغرفة رفوف كتب لا يمكن الوصول إلى مجلداتها العليا إلا بسلالم. أما المكتب الذي جلس عليه تشورد فكان من خشب الإلف، وهو خشب حي يلتئم من تلقاء نفسه إذا أصابه ضرر. وكان يُقال إن أرواح أسلافهم تسكن داخله. لكن إمبراطورية دراكثيس لم تكن تكترث. فالسفن التي تصلح نفسها بنفسها تستحق ثمنها، حتى لو كان الثمن أرواح بضعة من الإلف.
“أسماءهم وأحوالهم يا إدمور. حتى لو زاد عددهم على من أستطيع اصطحابهم، أريد أن أعرف.”
كان تشورد يكتب على مكتبه، بينما ظل سولومون واقفًا. قبل وفاة أبيه، كان يستطيع الجلوس متى شاء، لكن القواعد تغيرت الآن بعدما أصبح تشورد رب الأسرة.
“سأفعل ما بوسعي”، قال سولومون.
أنهى تشورد ما كان يكتبه، ووضع قلمه بعناية. ثم أشار إلى الكرسي المقابل له.
“هل لي أن أسأل عن السبب؟”
“اجلس.”
ظل إدمور صامتًا للحظة، مترددًا، لكنه لم يقل شيئًا.
امتثل سولومون.
“وأنا سأفتقد أن أرفع بصري إلى المنزل فأرى فتاةً بالزُرقة تطل عليّ من الأعلى وأنا أسير.”
“تلقيت طلبك بشأن الخدم. أخشى أنني مضطر إلى رفض معظم هذه الطلبات.”
…
أومأ سولومون بهدوء. فقد حرص على اختيار عمال وخدم لا يكاد يُلتفت إليهم في الصورة الكبرى لشؤون البيت. لم يختر أفضل نجار، بل الثالث. ولم يختر أمهر طاهٍ، بل أحد تلاميذه.
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
“هل لي أن أسأل عن السبب؟”
“ثمة مسألة… حساسة بعض الشيء.”
“لقد طلبهم جود بنفسه ليساعد في تجهيز والدتنا في الضيعة الجديدة، وضمان أن يكون كل شيء على هواها.”
ابتسمت له، فكسر قناعه وابتسم بدوره للشيء الوحيد الذي سيفتقده من ضيعة مورو.
“وهل لي أن أسأل متى قدم طلبه؟ قبل أن تتلقى طلبي أم بعده؟”
أومأ إدمور وناولَه طبقًا مكدسًا بالبيض المتبل، وإلى جانبه شريحة لحم مطهوة بإتقان. أكل سولومون بحرص، محاولًا أن يتمهل قدر استطاعته. كان يعرف بالفعل ما ستكون خطواته التالية؛ بل كان يعرفها منذ أشهر. كان يعرف أي الخدم يريد اصطحابهم معه، وما الأشياء التي سيحزمها، وأي الرسائل سيكتب ويرسل إلى أي من الناقلين والحمالين والتجار. وكان يعرف أي التجار سيكونون أشد اهتمامًا بإعادة فتح المنجم القديم الذي أُغلق قرب مونفالو، وأيهم قد يرغب في بدء عملية قطع أخشاب على امتداد حافة الغابة السوداء. لم يدوّن شيئًا من ذلك؛ فلو عُثر عليه لكان دليل إدانة بالغ الخطورة. ولحسن الحظ، كان معلموه قد شددوا دائمًا على أهمية الذاكرة القوية.
“هذا غير ذي صلة.”
“وهل لي أن أسأل متى قدم طلبه؟ قبل أن تتلقى طلبي أم بعده؟”
إذًا كان جود يتعمد التضييق عليه وعرقلة طريقه. عندما كانت السماء زرقاء والشمس ساطعة.
الفصل 2: المساعدة كلما سافرتُ مع زوجي، أصررتُ على اصطحاب ما لا يقل عن اثني عشر خادمًا: طاهٍ واحد، وأربع وصيفات، وخادم أقدام، وحامل أريكة، وثلاثة خدم شخصيين فتيان أشداء لي، ووصيفتين جميلتين تُلهيان زوجي بينما أكون مع الخدم.
“وعليّ أيضًا أن أصر على تقليص الطلب من ثلاثين خادمًا إلى خمسة عشر على الأكثر. أعتقد أن ما تطلبه يتجاوز ما تنص عليه الوصية.”
تجاهل سولومون ذلك وبدأ يخرج، لكنه توقف للحظة لينظر إلى أخيه، فالتقت عيناه الرماديتان الشاحبتان بعيني أخيه الداكنتين الفولاذيتين.
بدا ذلك كأنه تعديل أدخله تشورد بنفسه. ولم يكن الأمر يستحق الاستقصاء.
إذًا كان جود يتعمد التضييق عليه وعرقلة طريقه. عندما كانت السماء زرقاء والشمس ساطعة.
“سأقدم طلبًا منفصلًا. هل ثمة أسماء ينبغي لي تجنبها؟”
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
“لن أعرف حتى أراها.”
وصل إلى باب حجرة دراسة أخيه. وكان يسمع ضحكات ابنة أخيه وابن أخيه في غرفة أخرى. “بداية متينة للجيل القادم”، هذا ما قاله أبوه يوم وُلدا. وقد وافقه أخوه على الفكرة دون أن يبتسم.
أومأ سولومون ونهض. “مفهوم. آمل أن أغادر خلال أسبوع.”
“هل لي أن أسأل عن السبب؟”
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
“هل ستتناول وجبتك في الحديقة يا سيدي؟” سأل إدمور.
تجاهل سولومون ذلك وبدأ يخرج، لكنه توقف للحظة لينظر إلى أخيه، فالتقت عيناه الرماديتان الشاحبتان بعيني أخيه الداكنتين الفولاذيتين.
“سأقدم طلبًا منفصلًا. هل ثمة أسماء ينبغي لي تجنبها؟”
“هل تشعر بثقله يا أخي؟ بالمسؤولية التي ستستقر على كاهليك من الآن فصاعدًا؟”
“لقد طلب سيد القصر حضورك.”
نظر إليه تشورد للحظة، ومنحه كامل انتباهه للمرة الأولى منذ دخل الغرفة.
امتثل سولومون.
“لطالما شعرت بها.”
ابتسمت له، فكسر قناعه وابتسم بدوره للشيء الوحيد الذي سيفتقده من ضيعة مورو.
أومأ سولومون. كانت تلك هي الإجابة التي توقعها. غادر الغرفة واتجه إلى جناحه. وحين بلغ حجراته، وجد إدمور في انتظاره.
جلس سولومون قبالة برنيس. كانت لا تزال تغطي شعرها، وترتدي ثوبًا أسود كئيبًا. كانت تفضل عادةً الأزرق الفاتح، بل إن جدران غرفة الجلوس الصغيرة التي كانا فيها مطلية بأهدأ درجة ممكنة من الأزرق، تشبه زرقة بيضة طائر أبي الحناء. كانت قد مرت بضعة أيام على تلاوة الوصية، وكان يخطط للمغادرة بعد ساعات قليلة فقط. لم يدعُه أيٌّ من الآخرين ليودعهم، لكنه لم يكن يملك أصلًا ما يرغب في قوله لهم.
“أحتاج إلى صياغة طلب جديد في حجرة دراستي.”
جلس سولومون قبالة برنيس. كانت لا تزال تغطي شعرها، وترتدي ثوبًا أسود كئيبًا. كانت تفضل عادةً الأزرق الفاتح، بل إن جدران غرفة الجلوس الصغيرة التي كانا فيها مطلية بأهدأ درجة ممكنة من الأزرق، تشبه زرقة بيضة طائر أبي الحناء. كانت قد مرت بضعة أيام على تلاوة الوصية، وكان يخطط للمغادرة بعد ساعات قليلة فقط. لم يدعُه أيٌّ من الآخرين ليودعهم، لكنه لم يكن يملك أصلًا ما يرغب في قوله لهم.
ظل إدمور صامتًا للحظة، مترددًا، لكنه لم يقل شيئًا.
كان هو نفسه قد خُطب مرتين، لكن الفتاتين كلتيهما ماتتا؛ ماتت إحداهما بمرض، والأخرى في حادث. وقد أدى سوء حظه ذاك إلى ألا تُرتب له أي زيجات أخرى، كما أنه لم يعد يرقص في الحفلات الراقصة.
“هل ثمة خطب ما؟” سأل سولومون.
بعد لحظات، طُرق الباب. وبما أن إدمور كان يتولى أمر المراسلات، فأجاب سولومون بنفسه، فوجد هانز واقفًا هناك؛ رجلًا عملاقًا ذا شعر رمادي كثيف، لقد كان خادم أبيه الشخصي سابقًا.
بدا إدمور متفاجئًا من السؤال. فلم يعتد الرجل قط اهتمام سولومون، منذ كان صبيًا صغيرًا وأبدى قلقه من شدة الحر الذي لا بد أنه كان يعانيه داخل بدلته في الصيف.
“نعم يا سيدي.”
“ثمة مسألة… حساسة بعض الشيء.”
“إذًا، قفص مذهَّب جديد. ما زلت مندهشة لأن أبي ترك لك هذا”، قالت برنيس وهي ترتشف الشاي ببطء.
أومأ سولومون. “لنتحدث في مكتبي.” كان البيت يعج بالجواسيس دائمًا، لكنه كان واثقًا من أن عددهم ازداد كثيرًا عن المعتاد بعد وفاة أبيه.
“أخشى أنني لا أتوقع أن يُسمح لي بالمغادرة قبل عودة خطيبي من الجبهة. وبعد ذلك، من المرجح أن أتزوج سريعًا ويُقتاد بي إلى ضيعته خارج بريفانتيس. وحتى بافتراض ألا أحمل بطفل فورًا، فستمضي سنوات طويلة قبل أن أتمكن من زيارتك.”
دخلا، وأصر سولومون على أن يجلس إدمور قبالته بدلًا من أن يظل واقفًا.
“سأقدم طلبًا منفصلًا. هل ثمة أسماء ينبغي لي تجنبها؟”
“لدي طلب يتعلق بالخدم الذين ترغب في اصطحابهم معك إلى الضيعة.”
امتثل سولومون.
قطب سولومون حاجبيه. “افترضت أنك سترغب في البقاء هنا، أليس كذلك؟ فزوجتك تخدم برنيس، وابنك يتدرب لدى كبير السُّيَّاس.”
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
“كنت محقًا يا سيدي، لكن…” كان إدمور يتصبب عرقًا قليلًا، ويرمق الباب بنظرات قلقة.
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
“إدمور. لقد خدمتني طوال حياتي بإخلاص. فإذا كان ثمة أمر تحتاج إليه حقًا، فسأفعل كل ما أستطيعه لمساعدتك.”
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
أومأ إدمور، لكنه احتاج إلى لحظات أخرى قبل أن يتكلم. “فيليسيتي. إحدى وصيفات والدتك، وهي ابنة عمي. لقد… تجاوز أخوك جود حدوده معها أكثر من مرة. وهي مذعورة من أن تُنقل إلى ضيعة يكون فيها هو ووالدتك، حيث ستكون أكثر عزلة.”
كانت برنيس تكبره بما يزيد قليلًا على عام. وقد كانا متقاربين قبل أن يُنقلا إلى جناحين منفصلين، لقد ظلت دائمًا أخته المفضلة. خُطبت لرجل يكبرها ضعفي عمرها حين كانت في السادسة عشرة. وكان يُفترض أن تكون قد تزوجت الآن، لكن وجود الجنرال في الجبهة أجل الأمر قرابة سبع سنوات. كان يعرف أنها لا تحب الرجل، لكنه كان يعرف أيضًا أنها تتوق إلى إنهاء كل شيء. أن تتزوج وينتهي الأمر. فمن الناحية المثالية، كان ينبغي أن تتحرر من الخطبة؛ فطول الانتظار هذا يمنحها مسوغًا لذلك، لكن أباه كان يعارض الأمر. وتخيل أن تشورد سيتبنى الرأي نفسه. فما إن يتم الزواج حتى يكون اتحادًا جيدًا بين فردين من عائلتين من العائلات الثلاث عشرة المؤسسة. ولم يكن المرء ليتخلى عن مثل هذا التحالف ببساطة.
صرّ سولومون أسنانه، وانزلق قناعه للحظة قبل أن يتمكن من إحكامه من جديد.
لم يكن في صوتها أثر للحزن، ولا حتى ذرة منه. ومع ذلك، كان بوسع كلماتها أن تدفعه إلى البكاء من أجلها.
“أتريدني أن أطلب أن تكون من الخدم الذين سيأتون إلى ضيعتي؟”
أومأ سولومون له ودفع باب غرفته ليفتحه. كان جناحه في الضيعة يتألف من غرفة نومه، ومكتبة صغيرة وحجرة دراسة، وحديقة خاصة، ومطبخ صغير لطباخه الشخصي، وأماكن إقامة عدد من خدمه الخاصين كي يتمكنوا من خدمته سريعًا عند الحاجة. كان جناحه أصغر أجنحة إخوته جميعًا، إذ لم يكن يتجاوز نصف جناح برنيس تقريبًا. وقد أُبعد إليه منذ الرابعة من عمره، حين بدأ دراسته. وما زال يتذكر تلك الليلة الأولى في سرير بدا من فرط اتساعه كأنه سيلتهمه.
“نعم يا سيدي.”
لم يكن تشورد قد انتقل بعد إلى الأجنحة الرئيسية للمنزل، ولن يفعل ذلك حتى تُنقل أمه منها. أما جناحه الخاص، فكان ينافس أجنحة ملوك البلدان الصغيرة فخامةً. كانت الأرضيات مغطاة بسجاجيد صوفية سميكة النسج ذات نقوش بسيطة متكررة، والجدران مزينة بمفروشات جدارية تصور انتصارات عائلتهم وهزائمها، وهي نزوة غريبة ورثوها عن مؤسس العائلة. وعلى مسافات متقاربة، كانت تُعرض قطعة فنية أوركية أو إلفية، انتُزعت في إحدى الفتوحات، كان ثمن أي قطعة منها يكفي لإطعام قرية صغيرة عدة أشهر، أو الأقنان لسنوات. أما سولومون، فكان يبقي زينته بسيطة وأنيقة، مع أنه ربما كان سيملك ذوقًا أكثر إسرافًا لو أُعطي الحرية نفسها التي مُنحت لإخوته.
“لقد عرقل جود طلبي السابق. ولست واثقًا من أنني سأتمكن من تمرير هذا الطلب.” توقف لحظة يفكر. “كيف تخدم والدتي؟”
أنهى تشورد ما كان يكتبه، ووضع قلمه بعناية. ثم أشار إلى الكرسي المقابل له.
“إنها واحدة من وصيفاتها الخمس المخصصات لملابسها. وأظن أنها أقلّهن شأنًا.”
هز سولومون رأسه. سيكون تبرير ذلك أصعب، لكن هذا يعني في الوقت نفسه أنها لا تمثل قيمة كبيرة لتشورد. وربما كان جود في موقف أضعف أمام طلب من هذا النوع.
كان التمثال يجسد فكرة أن ذوي المكانة في المجتمع ملزمون بأداء واجبات اجتماعية تجاه من لا مكانة لهم. وبمعنى أوسع، كان يجسد فكرة أن النبلاء ينبغي أن يكونوا خيرة الناس. وعليهم أن يمدوا أيديهم لمساعدة من هم أدنى منهم منزلةً اجتماعية، وأن يقدموا لهم مثالًا يُحتذى به. وقد لامس شيء في تلك الفكرة أعماقه. لعل السبب كان ما رآه يوم تسلل عبر ممرات الخدم، قبيل ذهابه إلى الحديقة وضياعه فيها إلى أن عثر على التمثال. هز رأسه، وأجبر تلك الفكرة على الخروج من ذهنه.
“سأفعل ما بوسعي”، قال سولومون.
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
“شكرًا يا سيدي. شكرًا.” بدأ إدمور ينهض، لكن سولومون رفع يده.
“اجلس.”
“انتظر. هل تعتقد أن ثمة آخرين في خطر مثلها؟ أي أشخاص يمكنني مساعدتهم؟”
“سأفعل ما بوسعي”، قال سولومون.
هز إدمور رأسه. “سيدي، لا يمكنني أن أطلب ذلك. لقد كنت كريمًا أكثر مما ينبغي، و…”
“نعم يا سيدي.”
“أسماءهم وأحوالهم يا إدمور. حتى لو زاد عددهم على من أستطيع اصطحابهم، أريد أن أعرف.”
كان التمثال يجسد فكرة أن ذوي المكانة في المجتمع ملزمون بأداء واجبات اجتماعية تجاه من لا مكانة لهم. وبمعنى أوسع، كان يجسد فكرة أن النبلاء ينبغي أن يكونوا خيرة الناس. وعليهم أن يمدوا أيديهم لمساعدة من هم أدنى منهم منزلةً اجتماعية، وأن يقدموا لهم مثالًا يُحتذى به. وقد لامس شيء في تلك الفكرة أعماقه. لعل السبب كان ما رآه يوم تسلل عبر ممرات الخدم، قبيل ذهابه إلى الحديقة وضياعه فيها إلى أن عثر على التمثال. هز رأسه، وأجبر تلك الفكرة على الخروج من ذهنه.
…
“لقد طلب سيد القصر حضورك.”
جلس سولومون قبالة برنيس. كانت لا تزال تغطي شعرها، وترتدي ثوبًا أسود كئيبًا. كانت تفضل عادةً الأزرق الفاتح، بل إن جدران غرفة الجلوس الصغيرة التي كانا فيها مطلية بأهدأ درجة ممكنة من الأزرق، تشبه زرقة بيضة طائر أبي الحناء. كانت قد مرت بضعة أيام على تلاوة الوصية، وكان يخطط للمغادرة بعد ساعات قليلة فقط. لم يدعُه أيٌّ من الآخرين ليودعهم، لكنه لم يكن يملك أصلًا ما يرغب في قوله لهم.
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
“إذًا، قفص مذهَّب جديد. ما زلت مندهشة لأن أبي ترك لك هذا”، قالت برنيس وهي ترتشف الشاي ببطء.
أومأ سولومون له ودفع باب غرفته ليفتحه. كان جناحه في الضيعة يتألف من غرفة نومه، ومكتبة صغيرة وحجرة دراسة، وحديقة خاصة، ومطبخ صغير لطباخه الشخصي، وأماكن إقامة عدد من خدمه الخاصين كي يتمكنوا من خدمته سريعًا عند الحاجة. كان جناحه أصغر أجنحة إخوته جميعًا، إذ لم يكن يتجاوز نصف جناح برنيس تقريبًا. وقد أُبعد إليه منذ الرابعة من عمره، حين بدأ دراسته. وما زال يتذكر تلك الليلة الأولى في سرير بدا من فرط اتساعه كأنه سيلتهمه.
“ولستُ أقل دهشةً منكِ”، أجاب سولومون، مرتشفًا من كوبه. “لم أكن أعلم أصلًا بوجود هذه الضيعة.”
كان تشورد يكتب على مكتبه، بينما ظل سولومون واقفًا. قبل وفاة أبيه، كان يستطيع الجلوس متى شاء، لكن القواعد تغيرت الآن بعدما أصبح تشورد رب الأسرة.
“هل لديك أي فكرة عن موقعها؟ طلبت من كلارا أن تبحث عنها. ويبدو أنها بعيدة جدًا عن كل ما يستحق الاهتمام.”
بدأ سولومون يخط كل رسالة من رسائله. أعد أولًا قائمة بالموظفين والمواد التي يريد نقلها إلى ضيعته الجديدة، متظاهرًا بارتكاب بضعة أخطاء هنا وهناك ثم يشطبها. وبعد ذلك كتب رسائل تُرسل إلى مونفالو، وأخرى تتعلق بترتيب عملية الانتقال. وما إن انتهى حتى ختمها بشعاره، وناولها لإدمور، كما ناول قائمة الخدم المطلوبين إلى وصيفة لتسلمها مباشرة إلى تشورد.
“البُعد حرية”، أجاب سولومون. “ومساحة أبتكر فيها شيئًا يخصني.”
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
ابتسمت. “كما كنت تتمنى دائمًا. يسعدني أن تتاح لك فرصة كهذه.”
صرّ سولومون أسنانه، وانزلق قناعه للحظة قبل أن يتمكن من إحكامه من جديد.
ظل سولومون صامتًا لبرهة قصيرة. ثم قال بصعوبة: “آمل أن يُسمح لك بزيارتي يومًا ما، بعد أن تُرمم الضيعة وتصبح جاهزة.”
“هل ستتناول وجبتك في الحديقة يا سيدي؟” سأل إدمور.
“أخشى أنني لا أتوقع أن يُسمح لي بالمغادرة قبل عودة خطيبي من الجبهة. وبعد ذلك، من المرجح أن أتزوج سريعًا ويُقتاد بي إلى ضيعته خارج بريفانتيس. وحتى بافتراض ألا أحمل بطفل فورًا، فستمضي سنوات طويلة قبل أن أتمكن من زيارتك.”
دفع هانز الباب فانفتح، ثم دخل سولومون. كان المكان فخمًا ككل ما عداه، فعلى جانبي الغرفة رفوف كتب لا يمكن الوصول إلى مجلداتها العليا إلا بسلالم. أما المكتب الذي جلس عليه تشورد فكان من خشب الإلف، وهو خشب حي يلتئم من تلقاء نفسه إذا أصابه ضرر. وكان يُقال إن أرواح أسلافهم تسكن داخله. لكن إمبراطورية دراكثيس لم تكن تكترث. فالسفن التي تصلح نفسها بنفسها تستحق ثمنها، حتى لو كان الثمن أرواح بضعة من الإلف.
لم يكن في صوتها أثر للحزن، ولا حتى ذرة منه. ومع ذلك، كان بوسع كلماتها أن تدفعه إلى البكاء من أجلها.
“نعم.”
كانت برنيس تكبره بما يزيد قليلًا على عام. وقد كانا متقاربين قبل أن يُنقلا إلى جناحين منفصلين، لقد ظلت دائمًا أخته المفضلة. خُطبت لرجل يكبرها ضعفي عمرها حين كانت في السادسة عشرة. وكان يُفترض أن تكون قد تزوجت الآن، لكن وجود الجنرال في الجبهة أجل الأمر قرابة سبع سنوات. كان يعرف أنها لا تحب الرجل، لكنه كان يعرف أيضًا أنها تتوق إلى إنهاء كل شيء. أن تتزوج وينتهي الأمر. فمن الناحية المثالية، كان ينبغي أن تتحرر من الخطبة؛ فطول الانتظار هذا يمنحها مسوغًا لذلك، لكن أباه كان يعارض الأمر. وتخيل أن تشورد سيتبنى الرأي نفسه. فما إن يتم الزواج حتى يكون اتحادًا جيدًا بين فردين من عائلتين من العائلات الثلاث عشرة المؤسسة. ولم يكن المرء ليتخلى عن مثل هذا التحالف ببساطة.
“هل ثمة خطب ما؟” سأل سولومون.
كان هو نفسه قد خُطب مرتين، لكن الفتاتين كلتيهما ماتتا؛ ماتت إحداهما بمرض، والأخرى في حادث. وقد أدى سوء حظه ذاك إلى ألا تُرتب له أي زيجات أخرى، كما أنه لم يعد يرقص في الحفلات الراقصة.
“جيد. أحتاج إلى تحويل جناحك إلى غرف ضيوف إضافية. فسأستضيف آل رايلاند الشهر المقبل.”
“على الأقل، ما زال جود هنا”، قال بابتسامة ماكرة.
ظل سولومون صامتًا لبرهة قصيرة. ثم قال بصعوبة: “آمل أن يُسمح لك بزيارتي يومًا ما، بعد أن تُرمم الضيعة وتصبح جاهزة.”
بادلته الابتسامة. “نعم. لا بد أن أعترف بأن جزءًا مني شعر بارتياح بالغ حين علم أنه لن يتمكن من القيام برحلته المخطط لها عبر الأقاليم، وأنه سيساعد أمنا العزيزة بدلًا من ذلك.”
ظل سولومون صامتًا لبرهة قصيرة. ثم قال بصعوبة: “آمل أن يُسمح لك بزيارتي يومًا ما، بعد أن تُرمم الضيعة وتصبح جاهزة.”
ضحكا معًا، تنحنح سولومون وهو يرتشف الشاي. ثم ألقى نظرة على إدمور، الذي كان واقفًا مع كلارا، خادمة برنيس الشخصية وزوجة إدمور. كان الاثنان يواجهان الشابين النبيلين، لكنه لاحظ أن كتفيهما كانا يتلامسان بالكاد حيث يقفان. كانت إشارة صغيرة إلى المودة.
“أسماءهم وأحوالهم يا إدمور. حتى لو زاد عددهم على من أستطيع اصطحابهم، أريد أن أعرف.”
“سأفتقدك يا أخي. هذا أناني مني. فأعلم أن الأمور كانت صعبة عليك هنا، لكنني، حتى مع معرفتي أنني لن أرى بين الحين والآخر هيئةً أرجوانية الثوب، زاهية الشعر البرتقالي، تتجول في الحديقة…”
“طبق من البيض مع شيء من ذلك التابل الأوركي الذي لا يُفترض أن نملكه، وشريحة لحم صغيرة.”
“وأنا سأفتقد أن أرفع بصري إلى المنزل فأرى فتاةً بالزُرقة تطل عليّ من الأعلى وأنا أسير.”
…
ابتسمت له، فكسر قناعه وابتسم بدوره للشيء الوحيد الذي سيفتقده من ضيعة مورو.
“انتظر. هل تعتقد أن ثمة آخرين في خطر مثلها؟ أي أشخاص يمكنني مساعدتهم؟”
“إذًا، قفص مذهَّب جديد. ما زلت مندهشة لأن أبي ترك لك هذا”، قالت برنيس وهي ترتشف الشاي ببطء.
