طريق تحت الحقول
بدأت العملية في الساحة بالطريقة نفسها التي بدأت بها قبل ثلاثة أيام، لكن بإيقاع أسرع هذه المرة، وكأن الجنود أنفسهم يريدون إنهاء الأمر قبل أن يطول النهار أكثر من اللازم. فتح أحدهم سجله، وبدأ ينادي الأسماء، بينما وقف الباقون على أطراف الساحة، أعينهم تتنقل بين الحشد بحثًا عن أي حركة تلفت الانتباه.
فكر في الطاحونة القديمة، ليس لأنه متأكد، بل لأنه تذكّر أن أورِن نفسه كان قد راجع سجلات صيانتها قبل أشهر، ضمن مهمة عادية طُلبت منه، وذكر لمارتن يومها، بشكل عابر، تفصيلاً عن قبو قديم تحتها لم يعد أحد يتذكره.
جاء بعض من نودي اسمهم بأنفسهم هذه المرة، وجوههم أهدأ من المتوقع، وكأنهم قضوا الأيام الثلاثة يقنعون أنفسهم بأن الأمر لا مفر منه، فقرروا إنهاءه دون مقاومة إضافية. أم واحدة، تقف قرب اللوح الخشبي، بكت بصوت منخفض وهي تودع ابنها، ويده على كتفها لثانية أخيرة قبل أن يبتعد نحو الصف المتشكل. أب آخر وقف بلا حراك، فمه مشدود، يداه متشابكتان خلف ظهره، محاولًا أن يبدو متماسكًا أمام ابنه أكثر مما يشعر فعلاً.
نظر إليها الجندي بصمت أطول مما تحتمله إجابة بسيطة، ولاحظت هي نظرة عينيه وهي تتحرك، دون قصد منها، نحو غرفته في آخر الممر، قبل أن تدرك خطأها وتعيد النظر إلى وجهه مباشرة.
عند اسم واحد، تردد صوت من الحشد يقول إن الشاب “غير موجود منذ الصباح”، وكتب الجندي ملاحظة، ومضى.
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
عاد الجندي بعد دقائق، يقود الشاب أمامه بيد على كتفه، لا عنف واضحًا في الحركة، لكن لا مجال للتفاوض فيها أيضًا. كان وجه ابن الحداد شاحبًا، لا يبكي ولا يصرخ، فقط ينظر إلى الأرض أمامه بينما يمشي، ووالده يقف عند باب المخزن، غير قادر على التقدم أكثر، يداه مقبوضتان على إطار الباب الخشبي.
عاد الجندي بعد دقائق، يقود الشاب أمامه بيد على كتفه، لا عنف واضحًا في الحركة، لكن لا مجال للتفاوض فيها أيضًا. كان وجه ابن الحداد شاحبًا، لا يبكي ولا يصرخ، فقط ينظر إلى الأرض أمامه بينما يمشي، ووالده يقف عند باب المخزن، غير قادر على التقدم أكثر، يداه مقبوضتان على إطار الباب الخشبي.
مرّت ساعات طويلة بهذا الشكل، صمت ثقيل يقطعه أحيانًا صوت حشرة أو تساقط تراب خفيف من السقف. حاول ألا يفكر كثيرًا في مارِن، في ما قد يسألونها، في كيف ستبدو حين يواجهونها، لكن الفكرة كانت تعود إليه كل بضع دقائق رغم محاولاته.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
“ربما كتب فيه قبل أن يغادر.”
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
لم يمر أحد من العملية بلا ملاحظة أن هذا يحدث كل شهرين تقريبًا الآن، بوتيرة أسرع من العام الماضي، وأن وجوه الحاضرين، رغم الحزن الحقيقي في بعضها، حملت أيضًا ذلك التسليم البارد الذي يأتي من رؤية الشيء نفسه يتكرر أكثر مما ينبغي.
بعد انتهاء الجزء الأول من العملية، توجه ثلاثة من الجنود، يرافقهم موظف من المحكمة يحمل سجلاً منفصلاً، نحو مبنى الأرشيف.
لم يكن يعرف بعد إن كان قد نجا فعلاً، أو إن كان مجرد يؤجل شيئًا لا مفر منه في النهاية.
كان المشرف قد فتح القسم منذ الصباح الباكر، ربما توقعًا لما سيحدث، وربما لأن العمل الإداري لا يتوقف حتى في يوم كهذا. رفع رأسه حين دخل الجنود، وحاول أن يبدو مشغولاً بورقة أمامه أكثر مما هو عليه فعلاً.
كان المشرف قد فتح القسم منذ الصباح الباكر، ربما توقعًا لما سيحدث، وربما لأن العمل الإداري لا يتوقف حتى في يوم كهذا. رفع رأسه حين دخل الجنود، وحاول أن يبدو مشغولاً بورقة أمامه أكثر مما هو عليه فعلاً.
عند اسم واحد، تردد صوت من الحشد يقول إن الشاب “غير موجود منذ الصباح”، وكتب الجندي ملاحظة، ومضى.
“نبحث عن موظف يعمل هنا، اسمه أورِن،” قال أحد الجنود، بنبرة إدارية لا تحمل تهديدًا مباشرًا. “هل هو موجود اليوم؟”
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
عند مساء ذلك اليوم، سمع صوت خطوات فوقه، خفيفة في البداية، ثم أكثر ثباتًا، وكأن شخصًا يمشي حول المبنى المهجور، يتحقق من شيء.
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
غادر الجنود بعد ذلك بدقائق قليلة نحو بيت أورِن، تاركين المشرف وحده مع مارتن، الذي كان يقف عند طاولته بصمت طوال الحوار، عيناه على المشرف بنظرة لم يفهمها الأخير تمامًا.
خرج من الطاحونة، وعاد باتجاه الساحة، وهو يفكر في المكافأة التي قد يحصل عليها، وفي ما قد يحدث له إن وجد الجنود أورِن في مكان آخر قبله.
داخل القبو، لم يكن أورِن قد انتظر أكثر من اللازم؛ ما إن سمع الخطوات تتوقف في الخارج بعد دقائق، حتى تحرك بحذر نحو الممر الضيق الذي كان قد فحصه فور وصوله، فتحة منخفضة في الجدار الخلفي للقبو، بالكاد تتسع لجسده إن انحنى بالكامل، تؤدي، وفق ما تذكره من السجلات، إلى قناة التصريف القديمة الممتدة تحت الحقول.
وصل الجنود إلى البيت بعد وقت قصير. فتحت مارِن الباب قبل أن يطرقوا، وكأنها كانت تنتظر الطرقة منذ ساعات.
لم يمر أحد من العملية بلا ملاحظة أن هذا يحدث كل شهرين تقريبًا الآن، بوتيرة أسرع من العام الماضي، وأن وجوه الحاضرين، رغم الحزن الحقيقي في بعضها، حملت أيضًا ذلك التسليم البارد الذي يأتي من رؤية الشيء نفسه يتكرر أكثر مما ينبغي.
“نبحث عن أورِن،” قال أحدهم.
كان المشرف قد بدأ التفكير في الأمر منذ اللحظة التي غادر فيها الجنود الأرشيف. لم يكن رجلاً سيئًا بطبيعته؛ كان فقط رجلاً يخاف على وظيفته، وعلى نفسه، وقد سمع، قبل مغادرة الجنود، أحدهم يذكر بصوت غير رسمي أن أي معلومة تؤدي إلى العثور على هارب ستُكافأ، مبلغًا ليس كبيرًا، لكنه ليس تافهًا أيضًا بالنسبة لرجل في وضعه.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
“لم يأتِ إلى هنا منذ أسابيع،” قالت، بصوت حاولت أن تبقيه ثابتًا. “غادر إلى مدينة أخرى للعمل، لم يخبرني بالتفاصيل.”
داخل القبو، لم يكن أورِن قد انتظر أكثر من اللازم؛ ما إن سمع الخطوات تتوقف في الخارج بعد دقائق، حتى تحرك بحذر نحو الممر الضيق الذي كان قد فحصه فور وصوله، فتحة منخفضة في الجدار الخلفي للقبو، بالكاد تتسع لجسده إن انحنى بالكامل، تؤدي، وفق ما تذكره من السجلات، إلى قناة التصريف القديمة الممتدة تحت الحقول.
“وحين نودي اسمه في الساحة قبل ثلاثة أيام؟”
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
نظر إليها الجندي بصمت أطول مما تحتمله إجابة بسيطة، ولاحظت هي نظرة عينيه وهي تتحرك، دون قصد منها، نحو غرفته في آخر الممر، قبل أن تدرك خطأها وتعيد النظر إلى وجهه مباشرة.
نظر إليها الجندي بصمت أطول مما تحتمله إجابة بسيطة، ولاحظت هي نظرة عينيه وهي تتحرك، دون قصد منها، نحو غرفته في آخر الممر، قبل أن تدرك خطأها وتعيد النظر إلى وجهه مباشرة.
“لا أعرف.”
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
“إذا لم يكن هنا، فلن تمانعي أن نتحقق بأنفسنا،” قال، ولم ينتظر إذنها.
“هذا حديث نسبيًا،” قال الجندي، رافعًا الدفتر نحو زميله. “أقرب بكثير من أسابيع.”
دخل الجنود، وبدأوا بتفتيش الغرفة، يفتحون الخزانة، يرفعون الفراش، ينظرون خلف الصناديق المكدسة في الزاوية. لم يكن التفتيش عنيفًا بقدر ما كان منهجيًا، رجال يؤدون مهمة اعتادوا تكرارها في بيوت أخرى قبل هذا البيت.
وجد أحدهم الدفتر الجلدي على الرف الصغير فوق المكتب، وفتحه، وقلّب صفحاته الأخيرة، معظمها سطور قصيرة عن أيام عادية، أكل وعمل وطقس، حتى وصل إلى صفحة قريبة من التاريخ، تحمل ملاحظة مقتضبة كتبها أورِن قبل أيام قليلة.
“هذا حديث نسبيًا،” قال الجندي، رافعًا الدفتر نحو زميله. “أقرب بكثير من أسابيع.”
“إذا لم يكن هنا، فلن تمانعي أن نتحقق بأنفسنا،” قال، ولم ينتظر إذنها.
عاد المشرف إلى الساحة، وتوجه مباشرة إلى الجندي الذي بدا الأعلى رتبة بين من تبقوا هناك، ووقف أمامه لحظة، يلتقط أنفاسه من المشي السريع أكثر مما يحتاج الأمر فعلاً.
نظر إلى مارِن، التي شعرت بيدها تتشنج قليلاً بجانب جسدها.
“ربما كتب فيه قبل أن يغادر.”
خرج منها أخيرًا، ملابسه مبللة بالطين حتى الركبتين، ويداه مخدوشتين، وتنفس بعمق الهواء المفتوح، يحاول أن يميز مكانه بالضبط وسط الحقول الممتدة في ضوء المساء المتراجع.
“هذا حديث نسبيًا،” قال الجندي، رافعًا الدفتر نحو زميله. “أقرب بكثير من أسابيع.”
“وترك الدفتر خلفه؟ رجل يكتب كل يوم تقريبًا، ويرحل دون أن يأخذ الشيء الوحيد الذي يبدو مهمًا له؟”
دخل المشرف الممر بضع خطوات، ثم توقف حين ضاق أكثر مما يستطيع احتماله، ونظر إلى الظلام الممتد أمامه. لم يعرف إلى أين يؤدي بالضبط، ولم يكن مستعدًا للزحف فيه وحده.
زحف داخلها، والحجارة الخشنة تخدش راحتي يديه، والهواء بداخلها أثقل وأكثر رطوبة من القبو نفسه، رائحة طين قديم وماء راكد تملأ أنفه مع كل نفس. تعثرت قدمه أكثر من مرة في نتوءات حجرية لم يستطع رؤيتها في الظلام التام، وشعر بألم حاد في كاحله بعد اصطدامه بحافة حجر بارز، لكنه واصل التقدم دون توقف، يعرف أن التوقف الآن ترف لا يملكه.
لم تجد إجابة سريعة، وامتد الصمت بينهما لحظة طويلة، كافية ليعرف الجندي أن ما سمعه ليس حقيقة كاملة.
جاء بعض من نودي اسمهم بأنفسهم هذه المرة، وجوههم أهدأ من المتوقع، وكأنهم قضوا الأيام الثلاثة يقنعون أنفسهم بأن الأمر لا مفر منه، فقرروا إنهاءه دون مقاومة إضافية. أم واحدة، تقف قرب اللوح الخشبي، بكت بصوت منخفض وهي تودع ابنها، ويده على كتفها لثانية أخيرة قبل أن يبتعد نحو الصف المتشكل. أب آخر وقف بلا حراك، فمه مشدود، يداه متشابكتان خلف ظهره، محاولًا أن يبدو متماسكًا أمام ابنه أكثر مما يشعر فعلاً.
اقترب منها خطوة، وقال بنبرة أكثر حدة: “أين هو؟”
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
“لا أعرف.”
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
دفعها بيده، ليس بقوة كبيرة، لكن كافية لتصطدم كتفها بإطار الباب، وشعرت بألم خفيف يمتد من كتفها إلى ذراعها. لم تصرخ، ولم تبكِ، فقط ثبتت مكانها، عيناها في عينيه، والخوف واضحًا فيهما رغم محاولتها إخفاءه.
“لا أعرف.”
غادر الجنود بعد ذلك بدقائق قليلة نحو بيت أورِن، تاركين المشرف وحده مع مارتن، الذي كان يقف عند طاولته بصمت طوال الحوار، عيناه على المشرف بنظرة لم يفهمها الأخير تمامًا.
“لا أعرف،” كررت، بصوت أهدأ هذه المرة، وكأن الهدوء نفسه سلاحها الوحيد المتبقي.
نظر إليها الجندي بصمت أطول مما تحتمله إجابة بسيطة، ولاحظت هي نظرة عينيه وهي تتحرك، دون قصد منها، نحو غرفته في آخر الممر، قبل أن تدرك خطأها وتعيد النظر إلى وجهه مباشرة.
وصل الجنود إلى البيت بعد وقت قصير. فتحت مارِن الباب قبل أن يطرقوا، وكأنها كانت تنتظر الطرقة منذ ساعات.
نظر إليها الجندي لحظة إضافية، ثم استدار، وأمر بمواصلة التفتيش، غير مقتنع تمامًا، لكن دون دليل كافٍ للمضي أبعد من ذلك الآن.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
في تلك الأثناء، كان أورِن قد وصل، منذ ساعة تقريبًا، إلى المكان الذي اختاره منذ يومين حين بدأ يفكر جديًا في التفاصيل: قبو طاحونة قديمة متوقفة عن العمل منذ سنوات، عند الطرف الجنوبي البعيد من القرية، حيث لم يعد أحد يقصدها منذ أن بُنيت طاحونة أحدث أقرب إلى مصادر المياه.
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
كان يعرف المكان من عمله؛ سجلات الصيانة القديمة التي مرت على يديه أكثر من مرة ذكرت وجود قبو أسفل الطاحونة، استُخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر مع بقية المبنى، وذكرت أيضًا ممرًا ضيقًا يربطه بقناة تصريف قديمة تمتد تحت الأرض باتجاه الحقول، حُفرت أصلاً لتصريف المياه الزائدة عن الطاحونة في مواسم الأمطار.
“إذا لم يكن هنا، فلن تمانعي أن نتحقق بأنفسنا،” قال، ولم ينتظر إذنها.
خرج بعد الظهر بحجة تفقد بعض الأمور، ومشى نحو الطرف الجنوبي من القرية، متجنبًا الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى محيط الطاحونة المهجورة.
نزل إلى القبو عبر باب خشبي متهالك يكاد يسقط من مفصلاته، والهواء بداخله ثقيل برائحة الرطوبة والخشب المتعفن، والظلام شبه كامل باستثناء خيط ضوء رفيع يتسلل من شق في السقف. جلس هناك، ظهره إلى الجدار الحجري البارد، ينتظر مرور الوقت دون أن يعرف بالضبط ماذا يحدث في القرية فوقه.
خرج بعد الظهر بحجة تفقد بعض الأمور، ومشى نحو الطرف الجنوبي من القرية، متجنبًا الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى محيط الطاحونة المهجورة.
كان المشرف قد فتح القسم منذ الصباح الباكر، ربما توقعًا لما سيحدث، وربما لأن العمل الإداري لا يتوقف حتى في يوم كهذا. رفع رأسه حين دخل الجنود، وحاول أن يبدو مشغولاً بورقة أمامه أكثر مما هو عليه فعلاً.
مرّت ساعات طويلة بهذا الشكل، صمت ثقيل يقطعه أحيانًا صوت حشرة أو تساقط تراب خفيف من السقف. حاول ألا يفكر كثيرًا في مارِن، في ما قد يسألونها، في كيف ستبدو حين يواجهونها، لكن الفكرة كانت تعود إليه كل بضع دقائق رغم محاولاته.
غادر الجنود بعد ذلك بدقائق قليلة نحو بيت أورِن، تاركين المشرف وحده مع مارتن، الذي كان يقف عند طاولته بصمت طوال الحوار، عيناه على المشرف بنظرة لم يفهمها الأخير تمامًا.
عند مساء ذلك اليوم، سمع صوت خطوات فوقه، خفيفة في البداية، ثم أكثر ثباتًا، وكأن شخصًا يمشي حول المبنى المهجور، يتحقق من شيء.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
لم تكن خطوات جندي؛ عرف ذلك من إيقاعها، أبطأ وأكثر تروٍّ من مشية رجل يؤدي عملاً روتينيًا، أقرب إلى مشية شخص يبحث بعناية، يعرف ما يبحث عنه تحديدًا.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
بقي ساكنًا تمامًا، يستمع.
لم تكن خطوات جندي؛ عرف ذلك من إيقاعها، أبطأ وأكثر تروٍّ من مشية رجل يؤدي عملاً روتينيًا، أقرب إلى مشية شخص يبحث بعناية، يعرف ما يبحث عنه تحديدًا.
توقفت الخطوات عند الباب الخشبي المتهالك، ثم انفتح الباب ببطء، وبقي أورِن في مكانه، لا يتحرك ولا يصدر صوتًا. انتظر حتى سمع الخطوات تتوقف تماماً عند الباب الخشبي في الأعلى، ثم ساد صمت قصير. لم يعرف من كان في الأعلى، لكنه أدرك أن البقاء في مكانه لم يعد أكثر أمانًا، فبدأ يتحرك بحذر نحو الممر الخلفي قبل أن يُفتح الباب.
في تلك الأثناء، كان أورِن قد وصل، منذ ساعة تقريبًا، إلى المكان الذي اختاره منذ يومين حين بدأ يفكر جديًا في التفاصيل: قبو طاحونة قديمة متوقفة عن العمل منذ سنوات، عند الطرف الجنوبي البعيد من القرية، حيث لم يعد أحد يقصدها منذ أن بُنيت طاحونة أحدث أقرب إلى مصادر المياه.
كان المشرف قد بدأ التفكير في الأمر منذ اللحظة التي غادر فيها الجنود الأرشيف. لم يكن رجلاً سيئًا بطبيعته؛ كان فقط رجلاً يخاف على وظيفته، وعلى نفسه، وقد سمع، قبل مغادرة الجنود، أحدهم يذكر بصوت غير رسمي أن أي معلومة تؤدي إلى العثور على هارب ستُكافأ، مبلغًا ليس كبيرًا، لكنه ليس تافهًا أيضًا بالنسبة لرجل في وضعه.
فكر في العواقب أيضًا؛ لو اكتُشف لاحقًا أنه كذب على الجنود عمدًا، فقد يخسر أكثر من مجرد وظيفته. لم يكن يعرف أين أورِن بالتحديد، لكنه يعرف القرية جيدًا، أكثر مما يعرفها أي جندي غريب وصل هذا الصباح، ويعرف أن هناك أماكن قليلة قد يفكر فيها شاب يعمل في الأرشيف تحديدًا.
دفعها بيده، ليس بقوة كبيرة، لكن كافية لتصطدم كتفها بإطار الباب، وشعرت بألم خفيف يمتد من كتفها إلى ذراعها. لم تصرخ، ولم تبكِ، فقط ثبتت مكانها، عيناها في عينيه، والخوف واضحًا فيهما رغم محاولتها إخفاءه.
“إذا لم يكن هنا، فلن تمانعي أن نتحقق بأنفسنا،” قال، ولم ينتظر إذنها.
فكر في الطاحونة القديمة، ليس لأنه متأكد، بل لأنه تذكّر أن أورِن نفسه كان قد راجع سجلات صيانتها قبل أشهر، ضمن مهمة عادية طُلبت منه، وذكر لمارتن يومها، بشكل عابر، تفصيلاً عن قبو قديم تحتها لم يعد أحد يتذكره.
بعد انتهاء الجزء الأول من العملية، توجه ثلاثة من الجنود، يرافقهم موظف من المحكمة يحمل سجلاً منفصلاً، نحو مبنى الأرشيف.
خرج بعد الظهر بحجة تفقد بعض الأمور، ومشى نحو الطرف الجنوبي من القرية، متجنبًا الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى محيط الطاحونة المهجورة.
وصل الجنود إلى البيت بعد وقت قصير. فتحت مارِن الباب قبل أن يطرقوا، وكأنها كانت تنتظر الطرقة منذ ساعات.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
رأى، عند اقترابه، أثرًا خفيفًا في التراب أمام الباب الخشبي، بصمة قدم حديثة نسبيًا، لا يمكن الجزم بها تمامًا، لكنها كافية ليقنعه أن حدسه لم يكن بلا أساس.
عند مساء ذلك اليوم، سمع صوت خطوات فوقه، خفيفة في البداية، ثم أكثر ثباتًا، وكأن شخصًا يمشي حول المبنى المهجور، يتحقق من شيء.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
“نبحث عن أورِن،” قال أحدهم.
انحنى أمام الفتحة، ومد يده إلى التراب عند حافتها، فوجد آثارًا حديثة لا تزال واضحة. لم يحتج إلى أكثر من ذلك ليفهم أن أورِن كان هنا، وأنه غادر من الطريق الآخر.
دخل المشرف الممر بضع خطوات، ثم توقف حين ضاق أكثر مما يستطيع احتماله، ونظر إلى الظلام الممتد أمامه. لم يعرف إلى أين يؤدي بالضبط، ولم يكن مستعدًا للزحف فيه وحده.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
خرج من الطاحونة، وعاد باتجاه الساحة، وهو يفكر في المكافأة التي قد يحصل عليها، وفي ما قد يحدث له إن وجد الجنود أورِن في مكان آخر قبله.
عند اسم واحد، تردد صوت من الحشد يقول إن الشاب “غير موجود منذ الصباح”، وكتب الجندي ملاحظة، ومضى.
وجد أحدهم الدفتر الجلدي على الرف الصغير فوق المكتب، وفتحه، وقلّب صفحاته الأخيرة، معظمها سطور قصيرة عن أيام عادية، أكل وعمل وطقس، حتى وصل إلى صفحة قريبة من التاريخ، تحمل ملاحظة مقتضبة كتبها أورِن قبل أيام قليلة.
داخل القبو، لم يكن أورِن قد انتظر أكثر من اللازم؛ ما إن سمع الخطوات تتوقف في الخارج بعد دقائق، حتى تحرك بحذر نحو الممر الضيق الذي كان قد فحصه فور وصوله، فتحة منخفضة في الجدار الخلفي للقبو، بالكاد تتسع لجسده إن انحنى بالكامل، تؤدي، وفق ما تذكره من السجلات، إلى قناة التصريف القديمة الممتدة تحت الحقول.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
زحف داخلها، والحجارة الخشنة تخدش راحتي يديه، والهواء بداخلها أثقل وأكثر رطوبة من القبو نفسه، رائحة طين قديم وماء راكد تملأ أنفه مع كل نفس. تعثرت قدمه أكثر من مرة في نتوءات حجرية لم يستطع رؤيتها في الظلام التام، وشعر بألم حاد في كاحله بعد اصطدامه بحافة حجر بارز، لكنه واصل التقدم دون توقف، يعرف أن التوقف الآن ترف لا يملكه.
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
خرج منها أخيرًا، ملابسه مبللة بالطين حتى الركبتين، ويداه مخدوشتين، وتنفس بعمق الهواء المفتوح، يحاول أن يميز مكانه بالضبط وسط الحقول الممتدة في ضوء المساء المتراجع.
جاء بعض من نودي اسمهم بأنفسهم هذه المرة، وجوههم أهدأ من المتوقع، وكأنهم قضوا الأيام الثلاثة يقنعون أنفسهم بأن الأمر لا مفر منه، فقرروا إنهاءه دون مقاومة إضافية. أم واحدة، تقف قرب اللوح الخشبي، بكت بصوت منخفض وهي تودع ابنها، ويده على كتفها لثانية أخيرة قبل أن يبتعد نحو الصف المتشكل. أب آخر وقف بلا حراك، فمه مشدود، يداه متشابكتان خلف ظهره، محاولًا أن يبدو متماسكًا أمام ابنه أكثر مما يشعر فعلاً.
لم يكن يعرف بعد إن كان قد نجا فعلاً، أو إن كان مجرد يؤجل شيئًا لا مفر منه في النهاية.
نظر إلى مارِن، التي شعرت بيدها تتشنج قليلاً بجانب جسدها.
عاد المشرف إلى الساحة، وتوجه مباشرة إلى الجندي الذي بدا الأعلى رتبة بين من تبقوا هناك، ووقف أمامه لحظة، يلتقط أنفاسه من المشي السريع أكثر مما يحتاج الأمر فعلاً.
رأى، عند اقترابه، أثرًا خفيفًا في التراب أمام الباب الخشبي، بصمة قدم حديثة نسبيًا، لا يمكن الجزم بها تمامًا، لكنها كافية ليقنعه أن حدسه لم يكن بلا أساس.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
نظر إليه الجندي بصمت قصير، ثم أومأ لزميلين قريبين، وبدأ الثلاثة يتحركون نحو الطرف الجنوبي من القرية، بخطى سريعة ومنظمة، بينما بقي المشرف واقفًا في مكانه، ينظر إليهم وهم يبتعدون، بشعور لم يستطع أن يحدد بالضبط إن كان ارتياحًا أم شيئًا أثقل من ذلك بكثير.
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
