خطوات التيار المنحرف
بين جدران الغرفة الطبية، كان الهواء ثقيلًا برائحة الدم والدواء اللاذع.
تقدم لاو خطوة ورفع ذراع آزر قليلًا:
— سأقتله!
تابع لاو:
مزق صوت تشو فينغ المبحوح صمت الغرفة.
كان يجلس على السرير، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما استقرت ساقه المبتورة فوق وسادة سميكة، وقد تشبعت ضماداتها البيضاء بلون قرمزي داكن لم يتوقف عن الاتساع.
وجهه لم يكن مشوهًا بالألم بقدر ما كان ملطخًا بالذل العاري.
انحنى فينغ تشن قليلًا، والتقت عيناه بعيني ابن أخيه:
دفع جسده محاولًا النهوض، متناسيًا في فورة غضبه نصفه المفقود، فخانته الساق التي لم تعد هناك.
سقط على الأرضية الخشبية بثقل، وراح يضرب حافة السرير بقبضته حتى أدمى مفاصله، وهو يلهث:
توقفت عن الكلام، والتقت عيناها بعينيه. سحبها إليه ببطء، وعانقها. لم يكن عناقًا شغوفًا، بل كان احتضانًا بسيطًا، كغريق وجد أخيرًا قطعة خشب تطفو به. أسند ذقنه على رأسها وهمس بصوت خافت جدًا:
— سأقتله… حتى لو زحفت إليه زحفًا سأمزقه!
— الآن… رأيتها، هذه هي النظرة المطلوبة.
بالقرب منه، وقف رجل في أواخر الخمسينيات، عريض المنكبين، يكسو الشيب شعره الأسود، وعيناه تحملان برودًا جليديًا لا يتأثر بالصراخ.
كان الشيخ فينغ تشن، عمه.
أخرج لاو من كم ثوبه لفافة قديمة، جلدها متهالك، ووضعها على صخرة قريبة.
تحدث بصوت خفيض، لكنه قطع نوبة غضب الشاب كشفرة حادة:
تجمد الدم في عروق كايو. صورة نيرة ورين يموتان مزقت ما تبقى من كبريائه. تشنج جسده المحطم، وبذل جهدًا خرافيًا ليرفع رأسه عن الأرض المنقوعة بدمه.
— لن تقتله الآن.
ابتسم الكائن ابتسامة كشفت عن أسنان مسننة، مرعبة.
اتسعت عينا تشو، وهو لا يزال ملقىً على الأرض، وصرخ غير مصدق:
شعرت بنبض قلبه الهادئ تحت ثوبه.
— ماذا؟! لقد أخذ قدمي!
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
انحنى فينغ تشن قليلًا، والتقت عيناه بعيني ابن أخيه:
مزق صوت تشو فينغ المبحوح صمت الغرفة. كان يجلس على السرير، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما استقرت ساقه المبتورة فوق وسادة سميكة، وقد تشبعت ضماداتها البيضاء بلون قرمزي داكن لم يتوقف عن الاتساع. وجهه لم يكن مشوهًا بالألم بقدر ما كان ملطخًا بالذل العاري.
— القتل السريع رحمة لا يستحقها.
لا نحتاج إلى طعنة سريعة في الظلام، يكفي أن نجعل كل نفس يتنفسه داخل هذه الطائفة جحيمًا خالصًا… حتى يعود والدك.
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
نقل الشيخ بصره إلى الساق المضمدة، وأضاف بنبرة أكثر قسوة:
همست بصوت مخنوق في صدره.
— وفي الوقت نفسه، سنجعله يتمنى لو أنه قطع يده قبل أن يمسك بها النصل.
رفع فينغ تشن يده بحركة بطيئة لكنها آمرة.
ضغط تشو أسنانه حتى كادت تتكسر، وبصق كلماته باحتقار:
وفي المحاولة السابعة، تلقى ضربة دقيقة في كتفه جعلته يترنح لخطوتين إلى الوراء. استعاد توازنه بصعوبة، بينما سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه. مسحه بظهر يده، وعيناه لا تزالان مثبتتين على معلمه، تشتعلان بتركيز مرعب.
— ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!
انحنى بهدوء متأنق، التقط سيف الحارس الميت، وأمسك برأس الرجل الأول من شعره. بضربة واحدة قاسية، وحشية، ودقيقة، فصل العنق عن الجسد، ثم كرر الأمر مع الثاني وسحق عظام العنق تحت ثقل النصل.
رفع فينغ تشن يده بحركة بطيئة لكنها آمرة.
تحدث بصوت خفيض، لكنه قطع نوبة غضب الشاب كشفرة حادة:
— كفى.
— ماذا دهاك؟! بالأمس قطعت قدم تشو فينغ دون رحمة، واليوم تأتي برأسين مقطوعين إلى قاعة الدرس؟! من أنت؟ ماذا تفعل بنفسك؟
ابتلع تشو بقية كلماته، ولم يكمل.
لم يتركها تكمل، أمسك بمعصميها بلطف شديد، وأوقف ضرباتها المرتجفة، ثم رفع يده الأخرى، الملطخة قليلًا، ومسح دمعة هاربة من على خدها بإبهامه بحذر بالغ كي لا يلوثها.
في الساحة الخلفية المعزولة، بعيدًا عن عيون الطائفة، كان الهواء يصفر مع كل حركة.
عندما وصل إلى مسكنه، وجد يوري تنتظره. كانت ترتجف، وعيناها محمرتان من البكاء والغضب، وبمجرد أن رأته يقترب بملابسه الملطخة، صرخت بوجهه:
وقف لاو بثوب التدريب الرمادي، يراقب الفتى أمامه بنظرة فاحصة.
لم يكن هذا مجرد تدريب، بل كان اختبارًا صامتًا لمدى استيعاب آزر بعد ما حدث مع تشو فينغ.
— مرة أخرى.
— مرة أخرى.
بمجرد دخوله، ملأ ضغط روحي ثقيل ومرعب القاعة، جاعلًا الهواء كثيفًا خانقًا لا يُطاق. مسح العجوز المكان بنظرة واحدة باردة: الرأسان المقطوعان، بركة الدم تتسع، آزر الملقى على الأرض يبتسم، والمعلم الذي يتصبب عرقًا من الغضب والخوف.
انطلق آزر كالسهم، انحرف بجسده محاولًا الإفلات من دفاع لاو والوصول إلى خاصرته.
لكن المعلم العجوز لم يتحرك سوى نصف خطوة، وبحركة سلسة كتدفق الماء، صد الهجوم وأسقط آزر بقوة على ظهره.
تغيرت عيناه، الفراغ الموحش قد اختفى، وحل مكانه دفء حقيقي، مرهق، وصادق.
— مرة أخرى.
انحنى الكائن، واقترب وجهه المرعب من كايو:
لم ينطق آزر بحرف، نهض، مسح الغبار عن ثوبه، وهاجم.
سقط، نهض، وسقط مجددًا.
تابع لاو:
وفي المحاولة السابعة، تلقى ضربة دقيقة في كتفه جعلته يترنح لخطوتين إلى الوراء.
استعاد توازنه بصعوبة، بينما سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه.
مسحه بظهر يده، وعيناه لا تزالان مثبتتين على معلمه، تشتعلان بتركيز مرعب.
نقل آزر عينيه المظلمتين بين وجوه التلاميذ المذعورة، وأضاف بنبرة بريئة ومستفزة:
قال لاو بهدوء، وهو يطوي ذراعيه:
ارتجف المعلم، وتراجع خطوة لا إرادية إلى الوراء، ووجهه ينزف لونه:
— أنت تقاتل وكأنك حيوان محاصر، تنتظر الثغرة، ثم تلقي بكل ثقلك دفعة واحدة
وهذه غريزة بقاء، ليست فنًا قتاليًا.
— الباقي عليك.
تقدم لاو خطوة ورفع ذراع آزر قليلًا:
مد الكائن يده الضخمة ذات المخالب نحو الفتى المحطم.
— ذراعك تسبق قدميك، وزنك يميل دائمًا للأمام، وفي كل مرة تفعل ذلك، تترك نصف جسدك متاحًا للإصابة.
— حسنًا… تريدون إرسال رسالة؟ دعونا نرى إذن.. من منا يجيد الكتابة أفضل بالدم.
ظل آزر صامتًا..
يخفي خلف ملامحه الجامدة عقلًا يحلل كل كلمة، يفككها، ويعيد بناءها.
كان يدرك نواقصه، لكنه أراد أن يعرف إلى أي مدى سيكشف له لاو أسرار هذا العالم.
— ماذا تظن نفسك فاعلًا؟
— لا أريدك أن تصبح أقوى فقط،
— إن حفظت الحركات كالأبله، فلن تستفيد شيئًا، افهم النبض داخلها.
تابع لاو:
أخرج لاو من كم ثوبه لفافة قديمة، جلدها متهالك، ووضعها على صخرة قريبة.
— أريدك أن تفهم لماذا تتحرك، فالقوة العمياء تكسر صاحبها.
— وفي النهاية، هما مجرد حارسين وقحين يا معلم، ليسا حتى مزارعين يستحقان اهتمامنا، أليس كذلك؟
رفع آزر عينيه المظلمتين:
وفي كل يد، كان تتدلى جثة مؤجلة… رأسان مقطوعان يقطران دمًا حارًا، وأعينهما جاحظة ومفتوحة على اتساعها، محتفظة بآخر لحظات الرعب المطلق قبل الموت.
— إذن، أرني كيف أتحرك.
— لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.
ابتسم لاو ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذا الرد:
عمت شهقات الرعب القاعة، واختنقت الأنفاس. تراجعت يوري للخلف بخطوات متعثرة، واضعة يديها المرتجفتين على فمها.
— هذا بالضبط ما أفعله منذ ساعة.
هناك، في إطار الباب، وقف آزر.
أخرج لاو من كم ثوبه لفافة قديمة، جلدها متهالك، ووضعها على صخرة قريبة.
في قاعة الدرس، كان المعلم يشرح بإسهاب، والتلاميذ يجلسون في سكون. ويوري كانت في الصف الأمامي، تشعر بانقباض غريب في صدرها لغياب آزر.
— اسمها «خطوات التيار المنحرف».
تقنية روحية تعتمد على استغلال قوة الخصم وزخمه بدلًا من الاصطدام به، وهي تناسب أسلوبك الحالي.
تابع لاو:
اقترب آزر ببطء.
وبمجرد أن لمست أصابعه الورق الخشن، شعر بنبض خفي، وكأن اللفافة تتنفس.
كان المدد المحيط بالكلمات كثيفًا، حيًا، ومختلفًا عن أي طاقة شعر بها من قبل.
اتسعت عيناه، لقد كانت هذه أول تقنية روحية حقيقية تقع بين يديه، ورغم العاصفة التي اجتاحت صدره، أبقى وجهه خاليًا من أي تعبير، يتظاهر بالجهل التام.
— لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.
أكمل لاو:
اندفع الحارس الثاني وقد أعمى الرعب بصيرته، فلوّح بسيفه بتهور لقطع رأس آزر. بخطوة شبحية، وتطبيق مرعب ومثالي لما قرأه للتو. انزلق آزر تحت النصل الثقيل وكأنه يتراقص مع الظل، ممررًا خنجره خلف ركبة الرجل. قُطعت الأوتار بتمزيق واحد دقيق، وانهار الحارس على ركبتيه بصرخة ممزقة. فاستدار آزر نحوه ببرود نبيل، وغرس نصله في قاعدة جمجمة الرجل، فاصلًا النخاع عن الدماغ!
— إن حفظت الحركات كالأبله، فلن تستفيد شيئًا، افهم النبض داخلها.
— ذراعك تسبق قدميك، وزنك يميل دائمًا للأمام، وفي كل مرة تفعل ذلك، تترك نصف جسدك متاحًا للإصابة.
قال لاو، واستدار مغادرًا:
في تلك اللحظة، تجمد الهواء.
— الباقي عليك.
— أرني كيف!
بقي آزر وحده.
فتح اللفافة وتأمل الحركة الأولى.
وحين حاول تطبيقها، اصطدم بجدار غير مرئي من التعقيد الروحي.
فشل في المحاولة الأولى، ثم الثانية.
ورغم ذلك، لم تتغير ملامحه الجامدة، ولم يتسرب الإحباط إلى عينيه.
فقربه من الموت مرات عديدة علّمه أن الغضب كان ترف لا يملكه.
ساد وجهه سكون مخيف، وأغمض عينيه للحظة؛
يراقب مسار المدد داخل جسده، ويعيد ضبط حواسه كأداة قاتلة، ثم فتح عينيه وعاود التجربة ببرود مطلق.
كان كايو ملقىً على الأرض الباردة. جسده لم يعد جسدًا، بل خريطة من الجروح المفتوحة والدم المتخثر. كانت ذراعه اليسرى محطمة، وساقه لا تستجيب لأي أمر. حاول أن يتنفس، فكان الهواء يدخل إلى صدره كشظايا زجاج، ويخرج مصحوبًا بأنات خافتة.
بعد وقت ليس بالطويل، سمع وقع أقدام ثقيلة تقترب.
حارسان من الطائفة، يحملان شارات تابعة لجناح الشيخ فينغ.
قال لاو، واستدار مغادرًا:
قال أحدهما بلهجة آمرة، وعيناه تفيضان بالاحتقار:
اقتربت منه، تضرب صدره بقبضتيها الصغيرتين:
— آزر، لقد تخلفت عن الدرس، المعلم يطلب حضورك فورًا.
— إذن، أرني كيف أتحرك.
لم يرفع آزر عينيه عن اللفافة.
وقبل أن يتقدم المعلم لضربه مجددًا كي يمحو تلك الابتسامة القذرة، انفتح الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته.
— أنا أتدرب.
رفع آزر عينيه المظلمتين:
— الدرس أهم، ستأتي معنا الآن، طوعًا أو كرهًا.
— أحم.
تقدم الحارس الأول ومد يده الخشنة ليقبض على كتف آزر.
لم ينطق لاو بحرف آخر. سحب تلميذه من ذراعه، الملطخ بالدماء، وخرجا معًا في هدوء تام، تاركين خلفهما قاعة تغرق في صمت يشبه صمت المقابر، ورائحة دم لن تُنسى بسهولة.
في تلك اللحظة، تجمد الهواء.
— الدرس أهم، ستأتي معنا الآن، طوعًا أو كرهًا.
نظر آزر إلى اليد الخشنة التي تجرأت على ملامسة ثوبه، ثم رفع عينيه ببطء.
لم يكن في نظراته غضب، ولا حتى احتقار… بل كان هناك سكون؛
سكون الموت المطلق.
نظرة باردة، مجردة من أي ذرة إنسانية، كعين وحش مفترس لا يرى أمامه سوى جثث مؤجلة ما زالت تتنفس.
وفي المحاولة السابعة، تلقى ضربة دقيقة في كتفه جعلته يترنح لخطوتين إلى الوراء. استعاد توازنه بصعوبة، بينما سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه. مسحه بظهر يده، وعيناه لا تزالان مثبتتين على معلمه، تشتعلان بتركيز مرعب.
كان يعلم جيدًا أن هؤلاء لم يأتوا لاقتياده لدرس، لقد جاؤوا لاستفزازه، ولكسر إرادته أو ربما.. ذراعه بحجة المقاومة.
— يان…
— اتركني.
بمجرد دخوله، ملأ ضغط روحي ثقيل ومرعب القاعة، جاعلًا الهواء كثيفًا خانقًا لا يُطاق. مسح العجوز المكان بنظرة واحدة باردة: الرأسان المقطوعان، بركة الدم تتسع، آزر الملقى على الأرض يبتسم، والمعلم الذي يتصبب عرقًا من الغضب والخوف.
قالها بصوت خافت كحفيف سكين.
— وإلا ماذا أيها الـ…
— أنا لا أحب الدم يا يوري، لكنني في غابة، وإن لم أكشر عن أنيابي، سيفترسونني… وسيفترسون كل من يقف بجانبي.
لم يُسمح للحرف الأخير بالخروج.
بحركة أسرع من ارتداد الطرف، التفتت يد آزر حول معصم الحارس، لم يدفعه، بل لوى العظم ببرود وحشي.
دَوَى صوت طقطقة بشعة حين تحطم المفصل وانشقت العظام تحت الجلد.
وقبل أن تخرج صرخة الألم من حلق الرجل، كان خنجر آزر قد انزلق من كمه كأفعى سوداء، وغاص عميقًا في الجانب الأيسر من عنق الحارس، ممزقًا الوريد والشريان معًا.
صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا.
انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
في تلك اللحظة، تجمد الهواء.
اندفع الحارس الثاني وقد أعمى الرعب بصيرته، فلوّح بسيفه بتهور لقطع رأس آزر.
بخطوة شبحية، وتطبيق مرعب ومثالي لما قرأه للتو.
انزلق آزر تحت النصل الثقيل وكأنه يتراقص مع الظل، ممررًا خنجره خلف ركبة الرجل.
قُطعت الأوتار بتمزيق واحد دقيق، وانهار الحارس على ركبتيه بصرخة ممزقة.
فاستدار آزر نحوه ببرود نبيل، وغرس نصله في قاعدة جمجمة الرجل، فاصلًا النخاع عن الدماغ!
— القتل السريع رحمة لا يستحقها. لا نحتاج إلى طعنة سريعة في الظلام، يكفي أن نجعل كل نفس يتنفسه داخل هذه الطائفة جحيمًا خالصًا… حتى يعود والدك.
انطفأ الحارس كشمعة سُحقت في الظلام، وسقط الجسدان لتتسع بركة لزجة وداكنة من الدماء على الحجارة الباردة.
انحنى فينغ تشن قليلًا، والتقت عيناه بعيني ابن أخيه:
وقف آزر وسط المجزرة الصامتة..
قطرات الدم الساخن تنحدر على وجهه الشاحب، وعيناه لا تحملان سوى ذلك الفراغ الموحش.
لم يشعر بالندم، ولم تعتريه نشوة الانتصار.
كان يعلم أن التراجع الآن يعني الموت البطيء.
إذا أرادوا اللعب بالخوف… فعليه أن يكون هو الكابوس.
— لا أريدك أن تصبح أقوى فقط،
انحنى بهدوء متأنق، التقط سيف الحارس الميت، وأمسك برأس الرجل الأول من شعره.
بضربة واحدة قاسية، وحشية، ودقيقة، فصل العنق عن الجسد، ثم كرر الأمر مع الثاني وسحق عظام العنق تحت ثقل النصل.
ظل آزر صامتًا.. يخفي خلف ملامحه الجامدة عقلًا يحلل كل كلمة، يفككها، ويعيد بناءها. كان يدرك نواقصه، لكنه أراد أن يعرف إلى أي مدى سيكشف له لاو أسرار هذا العالم.
نهض ببطء، يحمل في كل يد رأسًا يقطر دمًا، وثوبه الأزرق قد تشبع باللون القرمزي.
همس لنفسه بصوت خفيض وبارد، وهو ينظر إلى العيون الميتة ببرود وحشي:
وقف آزر وسط المجزرة الصامتة.. قطرات الدم الساخن تنحدر على وجهه الشاحب، وعيناه لا تحملان سوى ذلك الفراغ الموحش. لم يشعر بالندم، ولم تعتريه نشوة الانتصار. كان يعلم أن التراجع الآن يعني الموت البطيء. إذا أرادوا اللعب بالخوف… فعليه أن يكون هو الكابوس.
— حسنًا… تريدون إرسال رسالة؟ دعونا نرى إذن.. من منا يجيد الكتابة أفضل بالدم.
— مرة أخرى.
في قاعة الدرس، كان المعلم يشرح بإسهاب، والتلاميذ يجلسون في سكون.
ويوري كانت في الصف الأمامي، تشعر بانقباض غريب في صدرها لغياب آزر.
— إن بقيت متمسكًا بضعفك هذا… سيموتون جميعًا قبل أن تخطو خطوة واحدة لإنقاذهم.
وفجأة، انفتح الباب الخشبي الثقيل بصرير بطيء.
تقدم الحارس الأول ومد يده الخشنة ليقبض على كتف آزر.
توقفت الكلمات في حلق المعلم وكأن نصلًا خفيًا قد قطع حباله الصوتية.
وفي سكون مشلول، استدارت الأعناق جميعها نحو الباب.
تقدم الحارس الأول ومد يده الخشنة ليقبض على كتف آزر.
هناك، في إطار الباب، وقف آزر.
كانت الكلمات تقطر بالسخرية المبطنة، تهشم هيبة القاعة وتحتقر كل من فيها. انفجر المعلم غضبًا، وشعر بإهانة لا تُحتمل تحرق صدره. اندفع نحو آزر متجاهلًا كل شيء، جمع طاقة روحه المتأججة في راحة يده، وضربه بقوة هائلة استقرت في منتصف صدره.
لم يكن المشهد ينتمي إلى عالم الأحياء.
كان ثوبه الأزرق قد تشبع تمامًا، متحولًا إلى لوحة سريالية مروعة من الدم الطازج الذي أخذ يقطر بانتظام لزج على الأرضية الخشبية.
انسدلت خصلات شعره الأسود الطويل فوضوية ومبللة باللون القرمزي فوق وجهه الشاحب، بينما برزت خصلاته البيضاء المهيبة وسط السواد كرماد مقدّس لوثته خطيئة لا تُغتفر.
ضغط تشو أسنانه حتى كادت تتكسر، وبصق كلماته باحتقار:
وفي كل يد، كان تتدلى جثة مؤجلة… رأسان مقطوعان يقطران دمًا حارًا، وأعينهما جاحظة ومفتوحة على اتساعها، محتفظة بآخر لحظات الرعب المطلق قبل الموت.
انحنى فينغ تشن قليلًا، والتقت عيناه بعيني ابن أخيه:
وفي تلك اللحظة، لم يره أحد كفتى بشري.
بدا كشيطانٍ متمردٍ يفيض بكبرياء الهاوية؛
يقف وسط المذبحة بلامبالاة مطلقة، حاملاً الرأسين بغطرسة كيانٍ متعالٍ يحتقر حتى نظرات الرعب في عيون من حوله
قال لاو، واستدار مغادرًا:
عمت شهقات الرعب القاعة، واختنقت الأنفاس.
تراجعت يوري للخلف بخطوات متعثرة، واضعة يديها المرتجفتين على فمها.
— لن تقتله الآن.
ابتسم آزر ابتسامة هادئة، مهذبة، ثم قال بصوت متزن وناعم:
انحنى الكائن، واقترب وجهه المرعب من كايو:
— مساء الخير يا معلم، أعتذر بشدة عن التأخير.
— أنا أتدرب.
ارتجف المعلم، وتراجع خطوة لا إرادية إلى الوراء، ووجهه ينزف لونه:
— ما… ما هذا الذي تحمله؟!
— ما… ما هذا الذي تحمله؟!
صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:
رفع آزر الرأسين قليلًا، بلامبالاة تقشعر لها الأبدان:
وفي كل يد، كان تتدلى جثة مؤجلة… رأسان مقطوعان يقطران دمًا حارًا، وأعينهما جاحظة ومفتوحة على اتساعها، محتفظة بآخر لحظات الرعب المطلق قبل الموت.
— اوه هذين؟
تجمد الدم في عروق كايو. صورة نيرة ورين يموتان مزقت ما تبقى من كبريائه. تشنج جسده المحطم، وبذل جهدًا خرافيًا ليرفع رأسه عن الأرض المنقوعة بدمه.
هذا سوء فهم مؤسف، هذان الرجلان قاطعاني أثناء خلوتي للتدريب.
حاولا قتلي دون مبرر… ثم دافعت عن نفسي، وبعد التفكير في الأمر يبدو أنني بالغت قليلًا في ردة فعلي.
فقتلهما كان تقريبًا… عن غير قصد.
لم ينطق لاو بحرف آخر. سحب تلميذه من ذراعه، الملطخ بالدماء، وخرجا معًا في هدوء تام، تاركين خلفهما قاعة تغرق في صمت يشبه صمت المقابر، ورائحة دم لن تُنسى بسهولة.
نقل آزر عينيه المظلمتين بين وجوه التلاميذ المذعورة، وأضاف بنبرة بريئة ومستفزة:
صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:
— وفي النهاية، هما مجرد حارسين وقحين يا معلم، ليسا حتى مزارعين يستحقان اهتمامنا، أليس كذلك؟
بمجرد دخوله، ملأ ضغط روحي ثقيل ومرعب القاعة، جاعلًا الهواء كثيفًا خانقًا لا يُطاق. مسح العجوز المكان بنظرة واحدة باردة: الرأسان المقطوعان، بركة الدم تتسع، آزر الملقى على الأرض يبتسم، والمعلم الذي يتصبب عرقًا من الغضب والخوف.
كانت الكلمات تقطر بالسخرية المبطنة، تهشم هيبة القاعة وتحتقر كل من فيها.
انفجر المعلم غضبًا، وشعر بإهانة لا تُحتمل تحرق صدره.
اندفع نحو آزر متجاهلًا كل شيء، جمع طاقة روحه المتأججة في راحة يده، وضربه بقوة هائلة استقرت في منتصف صدره.
بقي آزر وحده. فتح اللفافة وتأمل الحركة الأولى. وحين حاول تطبيقها، اصطدم بجدار غير مرئي من التعقيد الروحي. فشل في المحاولة الأولى، ثم الثانية. ورغم ذلك، لم تتغير ملامحه الجامدة، ولم يتسرب الإحباط إلى عينيه. فقربه من الموت مرات عديدة علّمه أن الغضب كان ترف لا يملكه. ساد وجهه سكون مخيف، وأغمض عينيه للحظة؛ يراقب مسار المدد داخل جسده، ويعيد ضبط حواسه كأداة قاتلة، ثم فتح عينيه وعاود التجربة ببرود مطلق.
دوى صوت تكسر مكتوم، وطار جسد آزر في الهواء كدمية محطمة.
ارتطم بالجدار الحجري بعنف أسقط الغبار من السقف.
انهار على الأرض، وسعل دفعة من الدم الداكن لوثت ذقنه.
في الساحة الخلفية المعزولة، بعيدًا عن عيون الطائفة، كان الهواء يصفر مع كل حركة.
ومع ذلك… وسط ألمه، وبينما جسده يرتجف من قوة الضربة… ابتسم.
كانت ابتسامة خفية، مظلمة، وراضية تمامًا.
لقد أراد هذا الهجوم، أراد أن يشهد الجميع هذا المشهد؛
هو الضحية المعتدى عليها، والمعلم هو الجلاد، لقد حوّل جريمته البشعة إلى دفاع عن النفس بضربة واحدة.
— اتركني.
وقبل أن يتقدم المعلم لضربه مجددًا كي يمحو تلك الابتسامة القذرة، انفتح الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته.
كان يعلم جيدًا أن هؤلاء لم يأتوا لاقتياده لدرس، لقد جاؤوا لاستفزازه، ولكسر إرادته أو ربما.. ذراعه بحجة المقاومة.
كان لاو.
تجمد الدم في عروق كايو. صورة نيرة ورين يموتان مزقت ما تبقى من كبريائه. تشنج جسده المحطم، وبذل جهدًا خرافيًا ليرفع رأسه عن الأرض المنقوعة بدمه.
بمجرد دخوله، ملأ ضغط روحي ثقيل ومرعب القاعة، جاعلًا الهواء كثيفًا خانقًا لا يُطاق.
مسح العجوز المكان بنظرة واحدة باردة:
الرأسان المقطوعان، بركة الدم تتسع، آزر الملقى على الأرض يبتسم، والمعلم الذي يتصبب عرقًا من الغضب والخوف.
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
قال لاو بصوت منخفض، عميق، وثقيل كجبل يسقط:
— شش… اهدئي.
— ماذا تظن نفسك فاعلًا؟
لم يتركها تكمل، أمسك بمعصميها بلطف شديد، وأوقف ضرباتها المرتجفة، ثم رفع يده الأخرى، الملطخة قليلًا، ومسح دمعة هاربة من على خدها بإبهامه بحذر بالغ كي لا يلوثها.
تلعثم المعلم وابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول صياغة مبرر، لكن لاو أسكته بإشارة صارمة قطعت الهواء كالسيف.
تقدم العجوز بهدوء نحو آزر، مد يده الخشنة، ورفعه عن الأرض.
رفع آزر عينيه نحو معلمه بنظرة بريئة، خالية تمامًا من وحشية اللحظات الماضية.
— هل أنت لا تريد القوة حقًا؟.
لم ينطق لاو بحرف آخر.
سحب تلميذه من ذراعه، الملطخ بالدماء، وخرجا معًا في هدوء تام، تاركين خلفهما قاعة تغرق في صمت يشبه صمت المقابر، ورائحة دم لن تُنسى بسهولة.
— ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!
وفي الممر المظلم، بعيدًا عن العيون، أفلت لاو ذراع آزر والتفت إليه بحدة:
— لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.
— لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.
دفع جسده محاولًا النهوض، متناسيًا في فورة غضبه نصفه المفقود، فخانته الساق التي لم تعد هناك. سقط على الأرضية الخشبية بثقل، وراح يضرب حافة السرير بقبضته حتى أدمى مفاصله، وهو يلهث:
مسح آزر الدم عن ذقنه، واختفت ابتسامته تمامًا، ليحل محلها برود مخيف:
اتسعت عينا تشو، وهو لا يزال ملقىً على الأرض، وصرخ غير مصدق:
— لو اكتفيت بضربهما، لعادا غدًا ومعهما عشرة، وإن تركتهم يعتقدون أنني فريسة سهلة، سأقضي وقتي هنا في صد الهجمات التافهة بدلًا من التعلم.
كان يجب أن أرسم خطًا بالدم لا يجرؤون على تخطيه.
— آزر، لقد تخلفت عن الدرس، المعلم يطلب حضورك فورًا.
تأمله لاو طويلًا..
الفتى لم يكن مجنونًا، بل كان عقلانيًا لدرجة مرعبة.
— اغتسل، وبدل ثيابك، التدريب لم ينتهِ.
— القتل ليس استعراضًا لترسل به رسائلك، لا تستهن بحياة البشر، وإلا.. ستفقد إنسانيتك قبل أن تبلغ هدفك.
أجاب كايو بصوت بالكاد يُسمع، مغمضًا عينيه:
نظر آزر إلى السماء، وللحظة ظهر في عينيه بريق بارد، ثم أخفض عينيه، وخفتت حدته قليلًا.
نظر آزر إلى السماء، وللحظة ظهر في عينيه بريق بارد، ثم أخفض عينيه، وخفتت حدته قليلًا.
— فهمت يا معلمي، سأحترم تعاليمك.
— ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!
عندما وصل إلى مسكنه، وجد يوري تنتظره.
كانت ترتجف، وعيناها محمرتان من البكاء والغضب، وبمجرد أن رأته يقترب بملابسه الملطخة، صرخت بوجهه:
همس كايو، واتسعت عيناه.
— ماذا دهاك؟! بالأمس قطعت قدم تشو فينغ دون رحمة، واليوم تأتي برأسين مقطوعين إلى قاعة الدرس؟! من أنت؟ ماذا تفعل بنفسك؟
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
اقتربت منه، تضرب صدره بقبضتيها الصغيرتين:
رفع الكائن يده المخالبية. انشق الظلام، وظهرت صورة مجسمة، واضحة كالحقيقة. رأى كايو ريو، مغطى بالدماء، يحمل رين ونيرة وسط فوضى عارمة من المزارعين الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر. وإلى جواره، وقف رجل عجوز يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا. ملامح العجوز جعلت قلب كايو يتوقف للحظة. لقد رآه من قبل… في ذكريات قديمة.
— أنا لا أفهمك! هل تستمتع بالدم؟ هل تريد أن يقتلوك؟ أنا…
لم يتركها تكمل، أمسك بمعصميها بلطف شديد، وأوقف ضرباتها المرتجفة، ثم رفع يده الأخرى، الملطخة قليلًا، ومسح دمعة هاربة من على خدها بإبهامه بحذر بالغ كي لا يلوثها.
ابتسم آزر ابتسامة هادئة، مهذبة، ثم قال بصوت متزن وناعم:
تغيرت عيناه، الفراغ الموحش قد اختفى، وحل مكانه دفء حقيقي، مرهق، وصادق.
اقتربت منه، تضرب صدره بقبضتيها الصغيرتين:
— شش… اهدئي.
— لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.
توقفت عن الكلام، والتقت عيناها بعينيه.
سحبها إليه ببطء، وعانقها.
لم يكن عناقًا شغوفًا، بل كان احتضانًا بسيطًا، كغريق وجد أخيرًا قطعة خشب تطفو به.
أسند ذقنه على رأسها وهمس بصوت خافت جدًا:
— هل أنت لا تريد القوة حقًا؟.
— أنا لا أحب الدم يا يوري، لكنني في غابة، وإن لم أكشر عن أنيابي، سيفترسونني… وسيفترسون كل من يقف بجانبي.
هذا سوء فهم مؤسف، هذان الرجلان قاطعاني أثناء خلوتي للتدريب. حاولا قتلي دون مبرر… ثم دافعت عن نفسي، وبعد التفكير في الأمر يبدو أنني بالغت قليلًا في ردة فعلي. فقتلهما كان تقريبًا… عن غير قصد.
شعرت بنبض قلبه الهادئ تحت ثوبه.
اندفع الحارس الثاني وقد أعمى الرعب بصيرته، فلوّح بسيفه بتهور لقطع رأس آزر. بخطوة شبحية، وتطبيق مرعب ومثالي لما قرأه للتو. انزلق آزر تحت النصل الثقيل وكأنه يتراقص مع الظل، ممررًا خنجره خلف ركبة الرجل. قُطعت الأوتار بتمزيق واحد دقيق، وانهار الحارس على ركبتيه بصرخة ممزقة. فاستدار آزر نحوه ببرود نبيل، وغرس نصله في قاعدة جمجمة الرجل، فاصلًا النخاع عن الدماغ!
— لا أريد أن أراك هكذا مجددًا…
نقل آزر عينيه المظلمتين بين وجوه التلاميذ المذعورة، وأضاف بنبرة بريئة ومستفزة:
همست بصوت مخنوق في صدره.
— إن حفظت الحركات كالأبله، فلن تستفيد شيئًا، افهم النبض داخلها.
ربت على شعرها برفق.
في قاعة الدرس، كان المعلم يشرح بإسهاب، والتلاميذ يجلسون في سكون. ويوري كانت في الصف الأمامي، تشعر بانقباض غريب في صدرها لغياب آزر.
— أعدك، سأكون أكثر حذرًا.
— فهمت يا معلمي، سأحترم تعاليمك.
نبض قلبها بجنون.
ذاب غضبها في حرارة قربه، واحمر وجهها بشدة، وفي تلك اللحظة بالذات، سعل شخص خلفهما بصوت مفتعل:
— ما… ما هذا الذي تحمله؟!
— أحم.
— ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!
انتفضت يوري وابتعدت عن آزر وكأن صاعقة ضربتها.
كان لاو يقف في نهاية الممر، ينظر إلى السقف متظاهرًا بعدم الاهتمام.
تلعثمت يوري بكلمات غير مفهومة، وركضت هاربة نحو مسكنها، ووجهها يغلي من الخجل.
التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.
ابتسم آزر بخفة، والتفت إلى لاو الذي تنهد وقال:
قالها بصوت خافت كحفيف سكين.
— اغتسل، وبدل ثيابك، التدريب لم ينتهِ.
وفي تلك اللحظة، لم يره أحد كفتى بشري. بدا كشيطانٍ متمردٍ يفيض بكبرياء الهاوية؛ يقف وسط المذبحة بلامبالاة مطلقة، حاملاً الرأسين بغطرسة كيانٍ متعالٍ يحتقر حتى نظرات الرعب في عيون من حوله
وفي الطريق…
اقترب آزر ببطء. وبمجرد أن لمست أصابعه الورق الخشن، شعر بنبض خفي، وكأن اللفافة تتنفس. كان المدد المحيط بالكلمات كثيفًا، حيًا، ومختلفًا عن أي طاقة شعر بها من قبل. اتسعت عيناه، لقد كانت هذه أول تقنية روحية حقيقية تقع بين يديه، ورغم العاصفة التي اجتاحت صدره، أبقى وجهه خاليًا من أي تعبير، يتظاهر بالجهل التام.
كان كايو ملقىً على الأرض الباردة.
جسده لم يعد جسدًا، بل خريطة من الجروح المفتوحة والدم المتخثر.
كانت ذراعه اليسرى محطمة، وساقه لا تستجيب لأي أمر.
حاول أن يتنفس، فكان الهواء يدخل إلى صدره كشظايا زجاج، ويخرج مصحوبًا بأنات خافتة.
كان يعلم جيدًا أن هؤلاء لم يأتوا لاقتياده لدرس، لقد جاؤوا لاستفزازه، ولكسر إرادته أو ربما.. ذراعه بحجة المقاومة.
العجز… كان مهينًا ومذلًا.
ابتلع تشو بقية كلماته، ولم يكمل.
أمامه، وقف الكائن الأسود ذو القرنين غير المتماثلين.
عينه الحمراء الوحيدة تنظر إلى الجسد المحطم ببرود خالٍ من أي تعاطف.
نبض قلبها بجنون. ذاب غضبها في حرارة قربه، واحمر وجهها بشدة، وفي تلك اللحظة بالذات، سعل شخص خلفهما بصوت مفتعل:
— هل أنت لا تريد القوة حقًا؟.
— أنت تقاتل وكأنك حيوان محاصر، تنتظر الثغرة، ثم تلقي بكل ثقلك دفعة واحدة وهذه غريزة بقاء، ليست فنًا قتاليًا.
قال الكائن، وصوته كاحتكاك الحجارة الثقيلة.
— أحم.
أجاب كايو بصوت بالكاد يُسمع، مغمضًا عينيه:
— إذن، أرني كيف أتحرك.
— لا.
— مرة أخرى.
رفع الكائن يده المخالبية.
انشق الظلام، وظهرت صورة مجسمة، واضحة كالحقيقة.
رأى كايو ريو، مغطى بالدماء، يحمل رين ونيرة وسط فوضى عارمة من المزارعين الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر.
وإلى جواره، وقف رجل عجوز يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا.
ملامح العجوز جعلت قلب كايو يتوقف للحظة.
لقد رآه من قبل… في ذكريات قديمة.
تحدث بصوت خفيض، لكنه قطع نوبة غضب الشاب كشفرة حادة:
— يان…
رفع الكائن يده المخالبية. انشق الظلام، وظهرت صورة مجسمة، واضحة كالحقيقة. رأى كايو ريو، مغطى بالدماء، يحمل رين ونيرة وسط فوضى عارمة من المزارعين الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر. وإلى جواره، وقف رجل عجوز يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا. ملامح العجوز جعلت قلب كايو يتوقف للحظة. لقد رآه من قبل… في ذكريات قديمة.
همس كايو، واتسعت عيناه.
اندفع الحارس الثاني وقد أعمى الرعب بصيرته، فلوّح بسيفه بتهور لقطع رأس آزر. بخطوة شبحية، وتطبيق مرعب ومثالي لما قرأه للتو. انزلق آزر تحت النصل الثقيل وكأنه يتراقص مع الظل، ممررًا خنجره خلف ركبة الرجل. قُطعت الأوتار بتمزيق واحد دقيق، وانهار الحارس على ركبتيه بصرخة ممزقة. فاستدار آزر نحوه ببرود نبيل، وغرس نصله في قاعدة جمجمة الرجل، فاصلًا النخاع عن الدماغ!
أغلق الكائن يده، فتهشمت الصورة وتلاشت.
كانت الكلمات تقطر بالسخرية المبطنة، تهشم هيبة القاعة وتحتقر كل من فيها. انفجر المعلم غضبًا، وشعر بإهانة لا تُحتمل تحرق صدره. اندفع نحو آزر متجاهلًا كل شيء، جمع طاقة روحه المتأججة في راحة يده، وضربه بقوة هائلة استقرت في منتصف صدره.
— ريو لا يزال في البحر، أما ذلك العجوز… فهو أخطر بكثير، إنه في… المجال.
نقل آزر عينيه المظلمتين بين وجوه التلاميذ المذعورة، وأضاف بنبرة بريئة ومستفزة:
انحنى الكائن، واقترب وجهه المرعب من كايو:
صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:
— إن بقيت متمسكًا بضعفك هذا… سيموتون جميعًا قبل أن تخطو خطوة واحدة لإنقاذهم.
— لا أريدك أن تصبح أقوى فقط،
تجمد الدم في عروق كايو.
صورة نيرة ورين يموتان مزقت ما تبقى من كبريائه.
تشنج جسده المحطم، وبذل جهدًا خرافيًا ليرفع رأسه عن الأرض المنقوعة بدمه.
ابتسم لاو ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذا الرد:
صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:
وفي الطريق…
— أرني كيف!
— أريدك أن تفهم لماذا تتحرك، فالقوة العمياء تكسر صاحبها.
سقط رأسه مجددًا، وأخذ يلهث بصعوبة بالغة.
الدم يسيل من فمه، لكن عينيه كانتا تشتعلان بنار جديدة.
نار مظلمة ومخيفة، ثم قال بصوت منخفض، ثابت، ويائس:
وفي الطريق…
— علمني.
— مرة أخرى.
ابتسم الكائن ابتسامة كشفت عن أسنان مسننة، مرعبة.
بين جدران الغرفة الطبية، كان الهواء ثقيلًا برائحة الدم والدواء اللاذع.
— الآن… رأيتها، هذه هي النظرة المطلوبة.
— اوه هذين؟
مد الكائن يده الضخمة ذات المخالب نحو الفتى المحطم.
رفع فينغ تشن يده بحركة بطيئة لكنها آمرة.
— فلنبدأ إذن… أيها الوريث الأخير للهب الخالد.
— ماذا؟! لقد أخذ قدمي!
وبين طيات ذلك الظلام الأبدي، اتقدت عين الكائن بجحيم قرمزي، مؤذنةً بصحوة اللهب الخالد، لتبدأ رحلة صعودٍ لن تُبقي ولن تَذر..
— ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!
— ريو لا يزال في البحر، أما ذلك العجوز… فهو أخطر بكثير، إنه في… المجال.
