ثَمَن الحقيقة
وفي جوف الليل، حيث ابتلع الظلام بقايا اليوم وغطت السحب الباردة وجه القمر، كان هواء الساحة الخلفية ثقيلًا ومحمّلًا برائحة الصنوبر وندى الحجارة.
— تتحدث عن الأخلاق؟ عن السمعة؟ وتعايرني بالاختباء؟
وقف لاو ويداه معقودتان خلف ظهره، يتأمل الفتى الذي يقف أمامه بملامح لا تُقرأ، وكأنها قد نُحتت من الجليد نفسه.
— خيط واحد في كل دورة، هذا يعني أن وعاءك شبه مشلول.
كسر لاو سكون الليل بصوت هادئ ولكنه حازم:
ابتسم آزر. ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.
— كما ذكرت لك مسبقًا يا آزر، أهم ثلاث ركائز لأي مزارع كي يصعد في هذا العالم هي:
الموهبة، السيطرة، والسعة.
صمت لاو قليلًا.. ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة.
لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة.
وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.
بصق تشو فينغ كلماته حين رأى تجاهل آزر التام له.
ضيق آزر عينيه قليلًا.
لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
تغيرت نبرة آزر. اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لآلهة الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:
أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
— هنا يكمن ما نسميه “بوعاء المدد”.
في مرحلة اليقظة، هذا الوعاء يكون ضيقًا بطبيعته، لذا لا يستطيع المزارعون استيعاب سوى القليل من المدد الروحي.
وحتى أولئك الذين يمتلكون أساسًا ممتازًا، أقصى ما يمكن لوعائهم أن يتحمله في دورة الامتصاص الواحدة هو خمسة خيوط من المدد.
أخيرًا… أنزل آزر نظره عن السماء. ثم.. تحدث ببرود، وصوته أجوف كبئر مهجور لا يرد الصدى:
سكت لاو للحظة..
وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
— أما أنت… فحدك الأقصى هو خيط واحد فقط.
— سأفكر في الأمر.
تجمد الهواء بينهما.
لم تتغير ملامح آزر، ولم ترمش عيناه، لكن برودة خفية تسللت إلى صدره كإبرة جليدية.
— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك! لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!
تابع لاو بنبرة حملت أسفًا حقيقيًا، غير معتادة من شيخ مثله:
— آزر! لماذا تصر على سلك هذا الطريق المظلم؟ لماذا تريد أن تصبح أقوى وتقود نفسك إلى الموت المحتوم، بينما باب الحياة الآمنة مفتوح أمامك؟
— خيط واحد في كل دورة، هذا يعني أن وعاءك شبه مشلول.
كسر لاو سكون الليل بصوت هادئ ولكنه حازم:
— فالفرق بينك وبينهم لا يبدو كارثيًا الآن لأنكم جميعًا في البداية، ولكن عندما تصلون إلى مرحلة التكوين، حيث يُبنى الأساس الحقيقي للطاقة ويحتاج الجسد لسيول من المدد… ستُسحق يا آزر!
ضيق آزر عينيه قليلًا. لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض.
— لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
— إنها مهنة نبيلة، محترمة، تحني لها الطوائف رؤوسها، والأهم… أنها آمنة.
صمت آزر.
كانت الكلمات كحكم إعدام يُتلى على مسمعه ببطء.
ولكن عقله كان يعمل بسرعة مذهلة، يحلل المعطيات، ويزن الخسائر بعيدًا عن أي عاطفة.
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
تنهد لاو.. واقترب خطوة، مخففًا من حدة صوته:
— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟
— لقد جلبتك الليلة لأقترح عليك دربًا آخر.
طريق المزارعين معبّد بالدماء، وأنت تمتلك عقلًا حادًا كشفرة، وأنا لا أريد لهذه الحدة أن تنكسر هباءً.
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.
— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.
— خيميائي؟
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
خرجت الكلمة من شفتي آزر باهتة، كالصدى البعيد.
— تتحدث عن الأخلاق؟ عن السمعة؟ وتعايرني بالاختباء؟
أومأ لاو:
— نعم، صانع إكسير وحبوب.
الخيميائيون في هذا العالم يصنعون أدوية تعالج الأمراض، أو سمومًا تقتل بصمت.
أومأ لاو: — نعم، صانع إكسير وحبوب. الخيميائيون في هذا العالم يصنعون أدوية تعالج الأمراض، أو سمومًا تقتل بصمت.
— والخبراء منهم، ممن يتعمقون في أسرار الداو العظيم، قادرون على صنع حبوب أسطورية يمكنها رفع مستوى المزارع طبقة كاملة، أو حتى.. إطالة العمر!
— هنا يكمن ما نسميه “بوعاء المدد”. في مرحلة اليقظة، هذا الوعاء يكون ضيقًا بطبيعته، لذا لا يستطيع المزارعون استيعاب سوى القليل من المدد الروحي. وحتى أولئك الذين يمتلكون أساسًا ممتازًا، أقصى ما يمكن لوعائهم أن يتحمله في دورة الامتصاص الواحدة هو خمسة خيوط من المدد.
— إنها مهنة نبيلة، محترمة، تحني لها الطوائف رؤوسها، والأهم… أنها آمنة.
— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!
صمت لاو قليلًا..
ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
تابع آزر، وعيناه تخترقان روح تشو كمسامير ملتهبة:
— ابتعد عن الزراعة يا فتى.
كن خيميائيًا صغيرًا.
سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..
— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!
كان العرض مثاليًا.
حياة آمنة، خالية من الموت المتربص في كل زاوية، زوجة تحبه، وسقف يحميه.
ولكن… سأل آزر سؤاله الوحيد، ببرود لم يتزعزع:
تجمد الهواء بينهما. لم تتغير ملامح آزر، ولم ترمش عيناه، لكن برودة خفية تسللت إلى صدره كإبرة جليدية.
— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟
وقف لاو ويداه معقودتان خلف ظهره، يتأمل الفتى الذي يقف أمامه بملامح لا تُقرأ، وكأنها قد نُحتت من الجليد نفسه.
أغمض لاو عينيه ونفى برأسه ببطء:
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
— لا أعلم، لكن لم يسمع أحد بشيء كهذا قط في عصرنا.
وحتى إكسير إطالة العمر وزيادة الطبقات يُعد من الأساطير المنسية التي لا نملك لها وصفات.
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
ساد الصمت مجددًا..
الهواء البارد يلفح وجه آزر الشاحب.
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:
— ابتعد عن الزراعة يا فتى. كن خيميائيًا صغيرًا. سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..
— سأفكر في الأمر.
— في الواقع… يجب أن أشكرك. لقد كنت أجلس هناك، أبحث عن ذريعة للراحة، وعن كذبة تبقيني إنسانًا… لكنك جئت لتذكرني بحقيقة هذا العالم البشع. لقد منحتني العذر لأحسم أمري.
عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
— آزر! لماذا تصر على سلك هذا الطريق المظلم؟ لماذا تريد أن تصبح أقوى وتقود نفسك إلى الموت المحتوم، بينما باب الحياة الآمنة مفتوح أمامك؟
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو. فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.
واصل السير حتى ابتلعه ظلام الممر، تاركًا لاو يتنهد بضيق متمتمًا:
لم يكن هناك غضب، ولم تكن هناك كراهية. بل ظلام… ظلام سحيق قابع في عمق هاوية لا نهاية لها، يبتلع كل ضوء، ويجرد من ينظر إليه من روحه.
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
— فالفرق بينك وبينهم لا يبدو كارثيًا الآن لأنكم جميعًا في البداية، ولكن عندما تصلون إلى مرحلة التكوين، حيث يُبنى الأساس الحقيقي للطاقة ويحتاج الجسد لسيول من المدد… ستُسحق يا آزر!
كان الليل موحشًا، والسكون يغلف ممرات الطائفة الحجرية.
مشى آزر ببطء.. خطواته الخفيفة لا تُصدر صوتًا، وكأنه شبح يتجول بين الأحياء.
اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا. حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
هناك، وجد صخرة كبيرة مكسوة بطبقة رقيقة من الطحالب الباردة.
جلس عليها بهدوء… وأسند ذراعيه على ركبتيه، رافعًا وجهه نحو السماء.
التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.
تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية.
كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض..
وفي تلك العتمة.
بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل.
تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف.
ثم… تذكر أمه.
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.
خرجت الكلمة من شفتي آزر باهتة، كالصدى البعيد.
لو قبل عرض لاو، سيعيش.
سيبتسم، سيتزوج، سيشيخ ويموت بسلام.
لكن… ماذا عن الحقيقة؟ ماذا عن سبب كل هذا الألم؟
هل سيتخلى عن طموحه ليصبح مجرد ظل آمن تحت جناح عجوز؟ وهل سيعيش كذبة سعيدة، ويموت دون أن يعرف لماذا؟
— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا. فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.
— أوه.. انظروا من يختبئ هنا.
مزق الصوت اللزج والمليء بالحقد حبل أفكاره.
— إنها مهنة نبيلة، محترمة، تحني لها الطوائف رؤوسها، والأهم… أنها آمنة.
لم يتحرك آزر من مكانه، ولم ينزل عينيه عن السماء، بينما اقترب مصدر الصوت.
طق… جرّ… طق… جرّ…
كان صوت عكاز خشبي يضرب الأرض، يتبعه سحب قدم ثقيلة.
لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه. فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى إله الموت نفسه!
وفي نهاية الساحة، وقف.. تشو فينغ.
كان يلهث قليلًا من المجهود، يتكئ على عكازين، وساقه اليمنى تنتهي بضمادات سميكة ملطخة بالدماء.
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
بدا كطائر جارح كُسر جناحه ولكنه يرفض الاعتراف بهزيمته.
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
بصق تشو فينغ كلماته حين رأى تجاهل آزر التام له.
صمت لاو قليلًا.. ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!
كان الليل موحشًا، والسكون يغلف ممرات الطائفة الحجرية. مشى آزر ببطء.. خطواته الخفيفة لا تُصدر صوتًا، وكأنه شبح يتجول بين الأحياء.
استمر آزر في تأمل النجوم، وهدوؤه يغذي نار تشو فينغ التي تحولت إلى صراخ هستيري:
تغيرت نبرة آزر. اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لآلهة الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:
— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك!
لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!
ضيق آزر عينيه قليلًا. لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
أخيرًا… أنزل آزر نظره عن السماء.
ثم.. تحدث ببرود، وصوته أجوف كبئر مهجور لا يرد الصدى:
استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:
— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال.
أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا.
بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.
تغيرت نبرة آزر. اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لآلهة الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:
اغتاظ تشو فينغ من هذا الهدوء المرعب، فقبض على عكازيه بقوة.. حتى ابيضت مفاصله، وصرخ باحتقار:
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
— أنت… من تظن نفسك؟! أنت مجرد حشرة عالقة في مرحلة الاستقرار! موهبتك كالقمامة!
أنت ضعيف، مثير للشفقة، وتعتمد على النساء لتحتمي مني! أنت حثالة البشر!
تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة. لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة. وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.
التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.
لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه. فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى إله الموت نفسه!
لم يكن هناك غضب، ولم تكن هناك كراهية.
بل ظلام… ظلام سحيق قابع في عمق هاوية لا نهاية لها، يبتلع كل ضوء، ويجرد من ينظر إليه من روحه.
استدار آزر ببرود متأنق، تاركًا تشو فينغ يرتجف على الأرض الباردة.
ارتجف تشو فينغ لا إراديًا وتراجع خطوة بعكازه.
استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:
وفجأة… كُسر الصمت.
ابتسم آزر.. ثم ضحك.
كانت ضحكة خفيضة، بطيئة، لا تحمل ذرة من المرح، ضحكة شخص أدرك لتوه نكتة كونية سخيفة.
كان الليل موحشًا، والسكون يغلف ممرات الطائفة الحجرية. مشى آزر ببطء.. خطواته الخفيفة لا تُصدر صوتًا، وكأنه شبح يتجول بين الأحياء.
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
— كما ذكرت لك مسبقًا يا آزر، أهم ثلاث ركائز لأي مزارع كي يصعد في هذا العالم هي: الموهبة، السيطرة، والسعة.
بدأ آزر يتقدم بخطوات بطيئة، منتظمة، كدقات ساعة تحسب الوقت المتبقي لحياة خصمه:
عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:
— لكن أخبرني يا تشو فينغ… إن كنت أنا تلك الحثالة الضعيفة… فكيف تشعر وأنت تقف أمامي بعكازين خشبيين؟
كيف تشعر وأنت تتكئ على نصف جسد، مكسورًا، مهانًا، ومنزوع الكرامة بضربة واحدة من هذه الحثالة المثير للشفقة؟
إذن… من منا الذي يثير الشفقة حقًا؟
— أما أنت… فحدك الأقصى هو خيط واحد فقط.
اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا.
حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!
التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.
توقف آزر على بُعد خطوات منه.
ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
— في الواقع… يجب أن أشكرك.
لقد كنت أجلس هناك، أبحث عن ذريعة للراحة، وعن كذبة تبقيني إنسانًا… لكنك جئت لتذكرني بحقيقة هذا العالم البشع.
لقد منحتني العذر لأحسم أمري.
اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا. حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!
تغيرت نبرة آزر.
اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لآلهة الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:
— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!
— «ابتداءً من هذا النفسِ وصاعدًا… كلُّ مَن يقف بيني وبين غايتي، سأجعلُ من جثَّتِهِ مجرَّدَ درجةٍ في سلَّم مجدي! وإذا اعترض الوجودُ نفسه طريقي، فسأُحيلُه إلى رماد!
سأَسحقُ جماجم البشر تحت قدمي، وسأُحرِقُ لوحَ القدر إن سوّلت له نفسه أن يكتب نهايتي!
سأنتزعُ الحقيقةَ من أحشاءِ هذا العالم العَفِن… ولن أهتمَّ أدنى اهتمام… سواءٌ هلَّلتم لي كملاكٍ منتقم، أو لعنتموني كشيطانٍ رجيم!»
هناك، وجد صخرة كبيرة مكسوة بطبقة رقيقة من الطحالب الباردة. جلس عليها بهدوء… وأسند ذراعيه على ركبتيه، رافعًا وجهه نحو السماء.
تراجع تشو فينغ برعب حتى اصطدم ظهره بالجدار الحجري البارد.
فلم يعد يرى أمامه فتى بشريًا.. بل كيانًا يتجسد من العتمة!
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
تابع آزر، وعيناه تخترقان روح تشو كمسامير ملتهبة:
بدا كطائر جارح كُسر جناحه ولكنه يرفض الاعتراف بهزيمته.
— تتحدث عن الأخلاق؟ عن السمعة؟ وتعايرني بالاختباء؟
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
استهزأ آزر بابتسامة بالغة القسوة:
— الأخلاق يا وغد، ليست سوى أثواب من حرير يخيطها الجبناء لستر عورات عجزهم!
إنما السمعة فهي درع واهٍ يختبئ خلفه الضعفاء أمثالك خوفًا من أنياب الحقيقة!
— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك! لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!
— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!
تنهد لاو.. واقترب خطوة، مخففًا من حدة صوته:
ضحك آزر بجنون:
— سأنتزع تلك القمة من فك المستحيل، وسأتمرد على كل قانون.. حتى وإن كان طريقي إليها يقطر دمًا، وممشاي فيها مرصوفًا بالجثث!
أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:
لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه.
فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى إله الموت نفسه!
وبينما آزر يبتعد، تبتلعه الظلال خطوة بعد خطوة، حدق تشو فينغ في ظهره، وعيناه تفيضان برعب نقي لم يشعر به قط في حياته.
— أنت… أنت مجنون..!!
تمتم تشو بصوت يرتجف ودموع الرعب تتجمع في عينيه.
ارتجف تشو فينغ لا إراديًا وتراجع خطوة بعكازه.
ابتسم آزر.
ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا.
فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.
صمت لاو قليلًا.. ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
استدار آزر ببرود متأنق، تاركًا تشو فينغ يرتجف على الأرض الباردة.
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو.
فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!
وبينما آزر يبتعد، تبتلعه الظلال خطوة بعد خطوة، حدق تشو فينغ في ظهره، وعيناه تفيضان برعب نقي لم يشعر به قط في حياته.
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
— ابتعد عن الزراعة يا فتى. كن خيميائيًا صغيرًا. سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..
— هذا ليس بشرًا… هذا شيطان.. يجدر بنا قتله… قبل أن… يبتلعنا جميعًا!
تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية. كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض.. وفي تلك العتمة. بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل. تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف. ثم… تذكر أمه.
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
