ثَمَن الحقيقة
وفي جوف الليل، حيث ابتلع الظلام بقايا اليوم وغطت السحب الباردة وجه القمر، كان هواء الساحة الخلفية ثقيلًا ومحمّلًا برائحة الصنوبر وندى الحجارة.
— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟
وقف لاو ويداه معقودتان خلف ظهره، يتأمل الفتى الذي يقف أمامه بملامح لا تُقرأ، وكأنها قد نُحتت من الجليد نفسه.
خرجت الكلمة من شفتي آزر باهتة، كالصدى البعيد.
كسر لاو سكون الليل بصوت هادئ ولكنه حازم:
أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:
— كما ذكرت لك مسبقًا يا آزر، أهم ثلاث ركائز لأي مزارع كي يصعد في هذا العالم هي:
الموهبة، السيطرة، والسعة.
— لكن أخبرني يا تشو فينغ… إن كنت أنا تلك الحثالة الضعيفة… فكيف تشعر وأنت تقف أمامي بعكازين خشبيين؟ كيف تشعر وأنت تتكئ على نصف جسد، مكسورًا، مهانًا، ومنزوع الكرامة بضربة واحدة من هذه الحثالة المثير للشفقة؟ إذن… من منا الذي يثير الشفقة حقًا؟
—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة.
لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة.
وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.
أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:
ضيق آزر عينيه قليلًا.
لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
ضحك آزر بجنون: — سأنتزع تلك القمة من فك المستحيل، وسأتمرد على كل قانون.. حتى وإن كان طريقي إليها يقطر دمًا، وممشاي فيها مرصوفًا بالجثث!
أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:
لم يكن هناك غضب، ولم تكن هناك كراهية. بل ظلام… ظلام سحيق قابع في عمق هاوية لا نهاية لها، يبتلع كل ضوء، ويجرد من ينظر إليه من روحه.
— هنا يكمن ما نسميه “بوعاء المدد”.
في مرحلة اليقظة، هذا الوعاء يكون ضيقًا بطبيعته، لذا لا يستطيع المزارعون استيعاب سوى القليل من المدد الروحي.
وحتى أولئك الذين يمتلكون أساسًا ممتازًا، أقصى ما يمكن لوعائهم أن يتحمله في دورة الامتصاص الواحدة هو خمسة خيوط من المدد.
— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال. أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا. بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.
سكت لاو للحظة..
وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
سكت لاو للحظة.. وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
— أما أنت… فحدك الأقصى هو خيط واحد فقط.
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض. — لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
تجمد الهواء بينهما.
لم تتغير ملامح آزر، ولم ترمش عيناه، لكن برودة خفية تسللت إلى صدره كإبرة جليدية.
— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا. فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.
تابع لاو بنبرة حملت أسفًا حقيقيًا، غير معتادة من شيخ مثله:
— خيميائي؟
— خيط واحد في كل دورة، هذا يعني أن وعاءك شبه مشلول.
ابتسم آزر. ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.
— فالفرق بينك وبينهم لا يبدو كارثيًا الآن لأنكم جميعًا في البداية، ولكن عندما تصلون إلى مرحلة التكوين، حيث يُبنى الأساس الحقيقي للطاقة ويحتاج الجسد لسيول من المدد… ستُسحق يا آزر!
بدا كطائر جارح كُسر جناحه ولكنه يرفض الاعتراف بهزيمته.
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض.
— لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
ضيق آزر عينيه قليلًا. لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
صمت آزر.
كانت الكلمات كحكم إعدام يُتلى على مسمعه ببطء.
ولكن عقله كان يعمل بسرعة مذهلة، يحلل المعطيات، ويزن الخسائر بعيدًا عن أي عاطفة.
اغتاظ تشو فينغ من هذا الهدوء المرعب، فقبض على عكازيه بقوة.. حتى ابيضت مفاصله، وصرخ باحتقار:
تنهد لاو.. واقترب خطوة، مخففًا من حدة صوته:
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو. فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
— لقد جلبتك الليلة لأقترح عليك دربًا آخر.
طريق المزارعين معبّد بالدماء، وأنت تمتلك عقلًا حادًا كشفرة، وأنا لا أريد لهذه الحدة أن تنكسر هباءً.
توقف آزر على بُعد خطوات منه. ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:
— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.
واصل السير حتى ابتلعه ظلام الممر، تاركًا لاو يتنهد بضيق متمتمًا:
— خيميائي؟
تراجع تشو فينغ برعب حتى اصطدم ظهره بالجدار الحجري البارد. فلم يعد يرى أمامه فتى بشريًا.. بل كيانًا يتجسد من العتمة!
خرجت الكلمة من شفتي آزر باهتة، كالصدى البعيد.
— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!
أومأ لاو:
— نعم، صانع إكسير وحبوب.
الخيميائيون في هذا العالم يصنعون أدوية تعالج الأمراض، أو سمومًا تقتل بصمت.
اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا. حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!
— والخبراء منهم، ممن يتعمقون في أسرار الداو العظيم، قادرون على صنع حبوب أسطورية يمكنها رفع مستوى المزارع طبقة كاملة، أو حتى.. إطالة العمر!
تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية. كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض.. وفي تلك العتمة. بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل. تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف. ثم… تذكر أمه.
— إنها مهنة نبيلة، محترمة، تحني لها الطوائف رؤوسها، والأهم… أنها آمنة.
— ابتعد عن الزراعة يا فتى. كن خيميائيًا صغيرًا. سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..
صمت لاو قليلًا..
ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
توقف آزر على بُعد خطوات منه. ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:
— ابتعد عن الزراعة يا فتى.
كن خيميائيًا صغيرًا.
سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..
استدار آزر ببرود متأنق، تاركًا تشو فينغ يرتجف على الأرض الباردة.
كان العرض مثاليًا.
حياة آمنة، خالية من الموت المتربص في كل زاوية، زوجة تحبه، وسقف يحميه.
ولكن… سأل آزر سؤاله الوحيد، ببرود لم يتزعزع:
لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه. فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى إله الموت نفسه!
— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟
أخيرًا… أنزل آزر نظره عن السماء. ثم.. تحدث ببرود، وصوته أجوف كبئر مهجور لا يرد الصدى:
أغمض لاو عينيه ونفى برأسه ببطء:
سكت لاو للحظة.. وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
— لا أعلم، لكن لم يسمع أحد بشيء كهذا قط في عصرنا.
وحتى إكسير إطالة العمر وزيادة الطبقات يُعد من الأساطير المنسية التي لا نملك لها وصفات.
— لقد جلبتك الليلة لأقترح عليك دربًا آخر. طريق المزارعين معبّد بالدماء، وأنت تمتلك عقلًا حادًا كشفرة، وأنا لا أريد لهذه الحدة أن تنكسر هباءً.
ساد الصمت مجددًا..
الهواء البارد يلفح وجه آزر الشاحب.
تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.
استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:
كان العرض مثاليًا. حياة آمنة، خالية من الموت المتربص في كل زاوية، زوجة تحبه، وسقف يحميه. ولكن… سأل آزر سؤاله الوحيد، ببرود لم يتزعزع:
— سأفكر في الأمر.
ساد الصمت مجددًا.. الهواء البارد يلفح وجه آزر الشاحب.
عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:
وفجأة… كُسر الصمت. ابتسم آزر.. ثم ضحك. كانت ضحكة خفيضة، بطيئة، لا تحمل ذرة من المرح، ضحكة شخص أدرك لتوه نكتة كونية سخيفة.
— آزر! لماذا تصر على سلك هذا الطريق المظلم؟ لماذا تريد أن تصبح أقوى وتقود نفسك إلى الموت المحتوم، بينما باب الحياة الآمنة مفتوح أمامك؟
— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال. أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا. بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو. فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
واصل السير حتى ابتلعه ظلام الممر، تاركًا لاو يتنهد بضيق متمتمًا:
— سأفكر في الأمر.
— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.
التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.
كان الليل موحشًا، والسكون يغلف ممرات الطائفة الحجرية.
مشى آزر ببطء.. خطواته الخفيفة لا تُصدر صوتًا، وكأنه شبح يتجول بين الأحياء.
— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال. أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا. بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
— أنت… أنت مجنون..!! تمتم تشو بصوت يرتجف ودموع الرعب تتجمع في عينيه.
هناك، وجد صخرة كبيرة مكسوة بطبقة رقيقة من الطحالب الباردة.
جلس عليها بهدوء… وأسند ذراعيه على ركبتيه، رافعًا وجهه نحو السماء.
سكت لاو للحظة.. وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية.
كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض..
وفي تلك العتمة.
بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل.
تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف.
ثم… تذكر أمه.
صمت لاو قليلًا.. ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:
تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.
أغمض لاو عينيه ونفى برأسه ببطء:
لو قبل عرض لاو، سيعيش.
سيبتسم، سيتزوج، سيشيخ ويموت بسلام.
لكن… ماذا عن الحقيقة؟ ماذا عن سبب كل هذا الألم؟
هل سيتخلى عن طموحه ليصبح مجرد ظل آمن تحت جناح عجوز؟ وهل سيعيش كذبة سعيدة، ويموت دون أن يعرف لماذا؟
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض. — لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
— أوه.. انظروا من يختبئ هنا.
مزق الصوت اللزج والمليء بالحقد حبل أفكاره.
— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا. فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.
لم يتحرك آزر من مكانه، ولم ينزل عينيه عن السماء، بينما اقترب مصدر الصوت.
طق… جرّ… طق… جرّ…
كان صوت عكاز خشبي يضرب الأرض، يتبعه سحب قدم ثقيلة.
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض. — لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
وفي نهاية الساحة، وقف.. تشو فينغ.
كان يلهث قليلًا من المجهود، يتكئ على عكازين، وساقه اليمنى تنتهي بضمادات سميكة ملطخة بالدماء.
— لا أعلم، لكن لم يسمع أحد بشيء كهذا قط في عصرنا. وحتى إكسير إطالة العمر وزيادة الطبقات يُعد من الأساطير المنسية التي لا نملك لها وصفات.
بدا كطائر جارح كُسر جناحه ولكنه يرفض الاعتراف بهزيمته.
تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية. كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض.. وفي تلك العتمة. بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل. تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف. ثم… تذكر أمه.
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
ضيق آزر عينيه قليلًا. لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..
بصق تشو فينغ كلماته حين رأى تجاهل آزر التام له.
— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض. — لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.
— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!
توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.
استمر آزر في تأمل النجوم، وهدوؤه يغذي نار تشو فينغ التي تحولت إلى صراخ هستيري:
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك!
لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!
بصق تشو فينغ كلماته حين رأى تجاهل آزر التام له.
أخيرًا… أنزل آزر نظره عن السماء.
ثم.. تحدث ببرود، وصوته أجوف كبئر مهجور لا يرد الصدى:
ابتسم آزر. ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.
— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال.
أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا.
بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.
توقف آزر على بُعد خطوات منه. ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:
اغتاظ تشو فينغ من هذا الهدوء المرعب، فقبض على عكازيه بقوة.. حتى ابيضت مفاصله، وصرخ باحتقار:
— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك! لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!
— أنت… من تظن نفسك؟! أنت مجرد حشرة عالقة في مرحلة الاستقرار! موهبتك كالقمامة!
أنت ضعيف، مثير للشفقة، وتعتمد على النساء لتحتمي مني! أنت حثالة البشر!
—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة. لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة. وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.
ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو. فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
لم يكن هناك غضب، ولم تكن هناك كراهية.
بل ظلام… ظلام سحيق قابع في عمق هاوية لا نهاية لها، يبتلع كل ضوء، ويجرد من ينظر إليه من روحه.
عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:
ارتجف تشو فينغ لا إراديًا وتراجع خطوة بعكازه.
سكت لاو للحظة.. وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:
وفجأة… كُسر الصمت.
ابتسم آزر.. ثم ضحك.
كانت ضحكة خفيضة، بطيئة، لا تحمل ذرة من المرح، ضحكة شخص أدرك لتوه نكتة كونية سخيفة.
صمت آزر. كانت الكلمات كحكم إعدام يُتلى على مسمعه ببطء. ولكن عقله كان يعمل بسرعة مذهلة، يحلل المعطيات، ويزن الخسائر بعيدًا عن أي عاطفة.
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:
بدأ آزر يتقدم بخطوات بطيئة، منتظمة، كدقات ساعة تحسب الوقت المتبقي لحياة خصمه:
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
— لكن أخبرني يا تشو فينغ… إن كنت أنا تلك الحثالة الضعيفة… فكيف تشعر وأنت تقف أمامي بعكازين خشبيين؟
كيف تشعر وأنت تتكئ على نصف جسد، مكسورًا، مهانًا، ومنزوع الكرامة بضربة واحدة من هذه الحثالة المثير للشفقة؟
إذن… من منا الذي يثير الشفقة حقًا؟
لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.
اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا.
حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!
لو قبل عرض لاو، سيعيش. سيبتسم، سيتزوج، سيشيخ ويموت بسلام. لكن… ماذا عن الحقيقة؟ ماذا عن سبب كل هذا الألم؟ هل سيتخلى عن طموحه ليصبح مجرد ظل آمن تحت جناح عجوز؟ وهل سيعيش كذبة سعيدة، ويموت دون أن يعرف لماذا؟
توقف آزر على بُعد خطوات منه.
ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:
— لكن أخبرني يا تشو فينغ… إن كنت أنا تلك الحثالة الضعيفة… فكيف تشعر وأنت تقف أمامي بعكازين خشبيين؟ كيف تشعر وأنت تتكئ على نصف جسد، مكسورًا، مهانًا، ومنزوع الكرامة بضربة واحدة من هذه الحثالة المثير للشفقة؟ إذن… من منا الذي يثير الشفقة حقًا؟
— في الواقع… يجب أن أشكرك.
لقد كنت أجلس هناك، أبحث عن ذريعة للراحة، وعن كذبة تبقيني إنسانًا… لكنك جئت لتذكرني بحقيقة هذا العالم البشع.
لقد منحتني العذر لأحسم أمري.
— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.
تغيرت نبرة آزر.
اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لآلهة الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:
اغتاظ تشو فينغ من هذا الهدوء المرعب، فقبض على عكازيه بقوة.. حتى ابيضت مفاصله، وصرخ باحتقار:
— «ابتداءً من هذا النفسِ وصاعدًا… كلُّ مَن يقف بيني وبين غايتي، سأجعلُ من جثَّتِهِ مجرَّدَ درجةٍ في سلَّم مجدي! وإذا اعترض الوجودُ نفسه طريقي، فسأُحيلُه إلى رماد!
سأَسحقُ جماجم البشر تحت قدمي، وسأُحرِقُ لوحَ القدر إن سوّلت له نفسه أن يكتب نهايتي!
سأنتزعُ الحقيقةَ من أحشاءِ هذا العالم العَفِن… ولن أهتمَّ أدنى اهتمام… سواءٌ هلَّلتم لي كملاكٍ منتقم، أو لعنتموني كشيطانٍ رجيم!»
لو قبل عرض لاو، سيعيش. سيبتسم، سيتزوج، سيشيخ ويموت بسلام. لكن… ماذا عن الحقيقة؟ ماذا عن سبب كل هذا الألم؟ هل سيتخلى عن طموحه ليصبح مجرد ظل آمن تحت جناح عجوز؟ وهل سيعيش كذبة سعيدة، ويموت دون أن يعرف لماذا؟
تراجع تشو فينغ برعب حتى اصطدم ظهره بالجدار الحجري البارد.
فلم يعد يرى أمامه فتى بشريًا.. بل كيانًا يتجسد من العتمة!
استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:
تابع آزر، وعيناه تخترقان روح تشو كمسامير ملتهبة:
— كما ذكرت لك مسبقًا يا آزر، أهم ثلاث ركائز لأي مزارع كي يصعد في هذا العالم هي: الموهبة، السيطرة، والسعة.
— تتحدث عن الأخلاق؟ عن السمعة؟ وتعايرني بالاختباء؟
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
استهزأ آزر بابتسامة بالغة القسوة:
— الأخلاق يا وغد، ليست سوى أثواب من حرير يخيطها الجبناء لستر عورات عجزهم!
إنما السمعة فهي درع واهٍ يختبئ خلفه الضعفاء أمثالك خوفًا من أنياب الحقيقة!
— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!
— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
ضحك آزر بجنون:
— سأنتزع تلك القمة من فك المستحيل، وسأتمرد على كل قانون.. حتى وإن كان طريقي إليها يقطر دمًا، وممشاي فيها مرصوفًا بالجثث!
— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟
لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه.
فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى إله الموت نفسه!
— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي.
— أنت… أنت مجنون..!!
تمتم تشو بصوت يرتجف ودموع الرعب تتجمع في عينيه.
بدأ آزر يتقدم بخطوات بطيئة، منتظمة، كدقات ساعة تحسب الوقت المتبقي لحياة خصمه:
ابتسم آزر.
ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.
—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة. لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة. وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.
— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا.
فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.
وفجأة… كُسر الصمت. ابتسم آزر.. ثم ضحك. كانت ضحكة خفيضة، بطيئة، لا تحمل ذرة من المرح، ضحكة شخص أدرك لتوه نكتة كونية سخيفة.
استدار آزر ببرود متأنق، تاركًا تشو فينغ يرتجف على الأرض الباردة.
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو.
فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.
— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.
وبينما آزر يبتعد، تبتلعه الظلال خطوة بعد خطوة، حدق تشو فينغ في ظهره، وعيناه تفيضان برعب نقي لم يشعر به قط في حياته.
— لقد جلبتك الليلة لأقترح عليك دربًا آخر. طريق المزارعين معبّد بالدماء، وأنت تمتلك عقلًا حادًا كشفرة، وأنا لا أريد لهذه الحدة أن تنكسر هباءً.
همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:
لم يتحرك آزر من مكانه، ولم ينزل عينيه عن السماء، بينما اقترب مصدر الصوت. طق… جرّ… طق… جرّ… كان صوت عكاز خشبي يضرب الأرض، يتبعه سحب قدم ثقيلة.
— هذا ليس بشرًا… هذا شيطان.. يجدر بنا قتله… قبل أن… يبتلعنا جميعًا!
— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!
