ثمن غالٍ
ثم أخرى.
حفيف…
ظلت عيناها مثبتتين على المبنى.
كان صوت النار وهي تلتهم الجدران يمتزج ببكاء الصبي فوق جسد أخته الفاقدة للوعي.
فحتى الحراس الذين اعتادوا رؤية الجثث والجرائم بدت على وجوههم علامات التوتر.
لكن هذين الاثنين… كيف خرجا؟
كانت حرارة الغرفة تزداد لحظة بعد أخرى.
تعرق نومريس وهو يراقب الصبي.
أسرعوا بإخماد النار!
وهذا الشيء لم يعجبه.
كان الألم واضحًا في عينيه، رغم أنه لم ينطق بكلمة واحدة.
ربما لم تمنحيهم سنوات طويلة…
تعرق نومريس وهو يراقب الصبي.
تساقطت إحدى اللوحات من الجدار، ثم تبعها قطع من الخشب المتفحم من السقف.
الحق بهما!
لم يجبه أحد.
كان كل شيء يحترق.
ألم يخرج أي طفل آخر؟
مسح فورتكس العرق عن جبينه، ثم قال:
والفتى أيضًا.
هيا، علينا المغادرة.
انحنى بجانب الصبي وحمل ريماس بين ذراعيه.
كانت لأحد الأطفال.
صرخ الصبي، وقد تبدلت ملامحه من الخوف:
ثم التفت نحو أحد الحراس.
تساقطت إحدى اللوحات من الجدار، ثم تبعها قطع من الخشب المتفحم من السقف.
ماذا تفعل؟ إلى أين تأخذ أختي؟
لكنها لم تستطع منع عينيها من الامتلاء بالدموع.
لا تقلق.
وكأن الحريق لم ينتهِ بعد.
سنخرج من هنا.
اندفع فورتكس نحو النافذة، وقفز من خلالها إلى الخارج وهو يحمل ريماس.
كان هناك شخصان آخران داخل المبنى. هما من أخرجا الصبي والفتاة، ثم هربا فورًا باتجاه الزقاق.
راقب روجان النيران المتصاعدة نحو السماء بعينين غريبتين.
كان الحزن لا يزال عالقًا في ملامحها رغم فقدانها للوعي.
كان صوت النار وهي تلتهم الجدران يمتزج ببكاء الصبي فوق جسد أخته الفاقدة للوعي.
تقدم نومريس نحو الصبي، ثم حمله على ظهره، وأسند ساقيه إلى جانبيه.
تشبث الصبي به دون مقاومة.
ثم أمسك نومريس بسيفه وقفز هو الآخر من النافذة.
والفتى أيضًا.
في الخارج، كان الشارع قد امتلأ بالناس أكثر مما كان عليه قبل دخولهما.
ولم تقل هي شيئًا أيضًا.
كانت الإجابة مجهولة للجميع.
رجال ونساء وأطفال…
لم يبقَ من المبنى سوى هيكل أسود متفحم.
كان الجميع يحدق في المبنى المشتعل، حيث التهمت النيران الجدران وأضاءت السماء بضوء برتقالي مضطرب.
لماذا هربا؟
واحدة…
وفجأة، لمح أحدهم ظلين يقفزان من إحدى نوافذ الطابق الثاني.
في صباح اليوم التالي…
أشار بإصبعه نحوهما.
ثم التفت أحد الرجال نحو الزقاق الذي اختفى فيه نومريس وفورتكس.
هناك!
كان يجب أن يكونوا بأمان هنا.
شيء ما خرج من النافذة!
تحولت أنظار الجميع نحو المكان الذي هبط فيه نومريس وفورتكس.
ارتجفت أصابعها.
قد لا ندرك ذلك في البداية…
كان بكاء الصبي واضحًا وسط الضجيج.
ثم عادت تحدق في الأنقاض.
أكثر من ثلاثين طفلًا…
هبط فورتكس على الأرض بثبات، ووضع ريماس برفق، ثم التفت نحو نومريس.
حتى بدأ الضباب يبتلع أطراف المبنى.
صرخ الصبي، وقد تبدلت ملامحه من الخوف:
هيا بنا.
كانت عيناه غارقتين بالدموع، وأنفاسه متقطعة بين شهقات متلاحقة.
تسلل الاثنان بسرعة متخفين عن الناس، ثم دخلا زقاقًا قريبًا واختفيا في ظلامه قبل أن يتمكن أحد من اللحاق بهما.
أكثر من ثلاثين طفلًا…
الحق بهما!
أشار أحد الحراس بيده نحو الزقاق المظلم.
توقفت عيناه للحظة عند سيليستيا.
تلاشت أصوات الأقدام المطاردة داخل الأزقة المظلمة، بينما ظلت ألسنة اللهب تتصاعد في الشارع الرئيسي تلتهم ما تبقى من هدوء الليل.
ألقى روجان نظرة على الفتاة، ثم التفت إلى لويستان.
وفي تلك اللحظة تحديداً شق لويستان طريقه وسط الجموع المتجمهرة وأنفاسه تتصاعد بكثافة وهو يحاول استيعاب حجم الكارثة.
ثم اقترب من الصبي الذي بقي في المكان بجانب أخته.
ثم همست:
انحنى أمامه وسأله:
تشبث الصبي به دون مقاومة.
وكأن الحريق لم ينتهِ بعد.
هل أنت بخير؟
كانت حرارة الغرفة تزداد لحظة بعد أخرى.
رفع الصبي رأسه.
التفت لويستان خلفه.
كانت عيناه غارقتين بالدموع، وأنفاسه متقطعة بين شهقات متلاحقة.
قال رجل آخر:
لم يختبر في حياته ألمًا كهذا.
ولم يعرف الخوف يومًا كما عرفه في هذه الليلة.
ولا بكاء.
فتح فمه محاولًا الكلام…
أومأ لويستان برأسه، ثم نادى على حارسين كانا يقفان بالقرب منه.
لكن لم تخرج منه أي كلمة.
لو لا ذلك ما اختارهم جنينك للتضحية بهم.
اختلطت دموعه بمخاط أنفه، وظل يحدق في الحارس بعينين زائغتين، عاجزًا حتى عن التعبير عما حدث.
لم يكن بحاجة إلى الكلام.
لكن ما لم يكن أحد يعرفه، باستثناء يوهي، هو أن سيليستيا كانت تلوم نفسها على ما حدث لهذه المؤسسة.
كانت ملامحه وحدها كافية لتروي كل شيء.
لو لم تكوني أنتِ، لربما عاش هؤلاء الأطفال بقية حياتهم عبيدًا، تُسلب منهم حريتهم ويُستغلون كما يشاء الآخرون.
مشاجراتهم الصغيرة.
شدّ لويستان قبضته، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
ربما كانت تخشى أن تعرف.
كان في بداية العشرينيات من عمره، وقد ركض طوال الطريق للوصول إلى هنا.
رفع نظره نحو دار الأيتام المشتعلة.
كان صوت النار وهي تلتهم الجدران يمتزج ببكاء الصبي فوق جسد أخته الفاقدة للوعي.
كانت النيران تلتهم كل شيء، وتصعد ألسنتها نحو السماء، بينما تصاعد الدخان الكثيف فوق المبنى.
لكن لم تخرج منه أي كلمة.
كان يريد الاندفاع إلى الداخل لإنقاذ من بقي هناك، لكن النيران التي اجتاحت المكان لم تكن تسمح لأحد بالاقتراب.
لويستان، ها أنت ذا.
خفضت سيليستيا رأسها.
كان بعض الرجال يحدقون في المبنى المشتعل بوجوه متجهمة، بينما تراجع آخرون إلى الخلف بسبب شدة الحرارة.
همم؟
على النافذة المحطمة.
التفت لويستان خلفه.
سيد روجان… هل وصلت؟
كان الخبر كافيًا ليجعل القلق ينتشر بين الحشد.
نعم، وصلت لتوي.
في صباح اليوم التالي…
لكن ما خسرته ليس بالضرورة نهاية الطريق.
راقب روجان النيران المتصاعدة نحو السماء بعينين غريبتين.
انحنت سيليستيا برأسها، وانخفض صوتها وهي تقول:
يا ترى… ماذا حدث هنا؟
ثبت يوهي نظره على ظهر الفتاة الصغيرة، وكانت الشفقة واضحة في عينيه.
والآن لم يعد فيه سوى الرماد.
ثم التفت نحو أحد الحراس.
هل هناك شيء؟
ماذا لدينا هنا؟
أشار أحد الحراس بيده نحو الزقاق المظلم.
سيدي، دار الأيتام هذه تضم أكثر من ثلاثين صبيًا، بالإضافة إلى المربين. لم يخرج أي شخص من الداخل حتى الآن.
إذن عليك أن تكون مستعداً لدفع ثمنها.
ثم أشار إلى المكان الذي يقف فيه الصبي.
لم تكن هناك صرخات.
لكن هذين الاثنين… كيف خرجا؟
توقّف.
ألقى روجان نظرة على الفتاة، ثم التفت إلى لويستان.
تمعن روجان في الصبي الذي كان يسند رأسه إلى صدر أخته، بينما كان يئن بصوت خافت.
رأيت بعض الحراس يتجهون نحو ذلك الزقاق.
أو إلى ما تبقى منها.
انحنى أمامه وسأله:
هل هناك شيء؟
ماذا لدينا هنا؟
نعم، سيدي.
كان هناك شخصان آخران داخل المبنى. هما من أخرجا الصبي والفتاة، ثم هربا فورًا باتجاه الزقاق.
تعرق نومريس وهو يراقب الصبي.
أو على الأقل، لم يرها أحد.
لماذا هربا؟
قال لويستان وهو يقترب منه.
لا أعلم، سيدي.
سيدي، دار الأيتام هذه تضم أكثر من ثلاثين صبيًا، بالإضافة إلى المربين. لم يخرج أي شخص من الداخل حتى الآن.
ربما لم يريدا أن ينكشف أمرهما.
نظر إلى الأنقاض، ثم إلى العربات الممتلئة بالجثث.
هذا وارد.
وقف بعض سكان الحي بعيدًا، يراقبون بصمت.
ألقى روجان نظرة على الفتاة، ثم التفت إلى لويستان.
كانت أصواتهم لا تزال عالقة في ذاكرتها.
لم يقل شيئًا.
خذها إلى العيادة.
قد تكون إصابتها خطيرة.
أو إلى ما تبقى منها.
والفتى أيضًا.
والفتى أيضًا.
حسنًا.
لا أحد يحصل على ما يريد مجانًا.
أومأ لويستان برأسه، ثم نادى على حارسين كانا يقفان بالقرب منه.
أو على الأقل، لم يرها أحد.
أكثر من ثلاثين طفلًا… هل هذا صحيح..
نهاية الفصل
نعم منزلي في شارع المقابل، أمر من هنا دائما.
كان يراقب سيليستيا منذ فترة.
كان الخبر كافيًا ليجعل القلق ينتشر بين الحشد.
ولم يعرف الخوف يومًا كما عرفه في هذه الليلة.
ماذا تقصد؟ هل ما زال الأطفال في الداخل؟
لكنها لم تبكِ.
سأل أحد الرجال بصوت مرتجف.
لم يجبه أحد.
فقدت والدها قبل أيام قليلة، ذلك الرجل الذي كان سندها. وبعد رحيله، ترك غيابه فراغًا كبيرًا في قلبها، فازداد إصرارها على الحصول على القوة، لأنها كانت تعرف أن هناك مؤسسة بأكملها تنتظر منها أن تحميها.
وكل طريق نختاره يغلق خلفنا طرقًا أخرى.
اقتربت امرأة من أحد الحراس، وكانت ملامحها شاحبة.
لم يقل شيئًا.
ألم يخرج أي طفل آخر؟
تحركت عينا سيليستيا ببطء نحو إحدى العربات.
قد يظن البعض أن التضحية تعني أن تمنح شيئًا في مقابل شيء آخر، وكأن العالم سوقٌ عادل، تضع فيه ما تملك وتأخذ ما تشتهي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
هز الحارس رأسه ببطء.
أليس هناك أحد يستطيع إنقاذهم؟
لا.
لهذا دائما على الشخص قبل أن يطلب قدرة تتجاوز حدود البشر، عليه أن يسأل نفسه سؤالا واحدا:
وضعت المرأة يدها على فمها، بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
سكتت.
يا إلهي…
انتشرت الهمسات بين الناس.
الحق بهما!
هناك أطفال في الداخل…
كان يراقب سيليستيا منذ فترة.
من يمكنه فعل شيء كهذا؟
ألقى روجان نظرة على الفتاة، ثم التفت إلى لويستان.
سمعت امرأة أخرى الكلمات، فبدأت بالبكاء.
أليس هناك أحد يستطيع إنقاذهم؟
كان بعض الرجال يحدقون في المبنى المشتعل بوجوه متجهمة، بينما تراجع آخرون إلى الخلف بسبب شدة الحرارة.
هيا يا بني.
أسرعوا بإخماد النار!
لا يزال هناك أطفال بالداخل!
نعم، وصلت لتوي.
صرخ أحدهم.
امرأة كانت تضم طفلها إلى صدرها بقوة، بينما وقف رجل بجانبها وعيناه معلقتان بالأنقاض.
لكن أحد الحراس صاح:
أشار أحد الحراس بيده نحو الزقاق المظلم.
لا تقتربوا!
المبنى قد ينهار في أي لحظة!
ساد الصمت للحظات.
لا تقلق.
ثم أشار إلى المكان الذي يقف فيه الصبي.
لم يعد أحد يعرف ماذا يقول.
فحتى الحراس الذين اعتادوا رؤية الجثث والجرائم بدت على وجوههم علامات التوتر.
ثم التفت أحد الرجال نحو الزقاق الذي اختفى فيه نومريس وفورتكس.
تمعن روجان في الصبي الذي كان يسند رأسه إلى صدر أخته، بينما كان يئن بصوت خافت.
شخصان دخلا إلى هناك… ثم خرجا ومعهما الصبي والفتاة.
ارتجف صوتها للمرة الأولى.
شيء ما خرج من النافذة!
قال رجل آخر:
نهاية الفصل
هل تعتقد أنهما من فعل هذا؟
لكنها لم تبكِ.
كان يجب أن يكونوا بأمان هنا.
ربما.
ربما.
قالت بصوت خافت:
لكن لماذا أنقذا الطفلين إذن؟
أو إلى ما تبقى منها.
لم يجب الرجل.
صباح الخير، أختي سيليستيا.
كانت الإجابة مجهولة للجميع.
قد يظن البعض أن التضحية تعني أن تمنح شيئًا في مقابل شيء آخر، وكأن العالم سوقٌ عادل، تضع فيه ما تملك وتأخذ ما تشتهي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
في هذه الأثناء، حمل لويستان ريماس بحذر، بينما اقترب أحد الحارسين من الصبي.
لا تقتربوا!
هيا يا بني.
كانت تنظر إلى دار الأيتام التي أسستها بنفسها.
المبنى قد ينهار في أي لحظة!
سنأخذكما إلى مكان آمن.
ظل الصبي صامتًا.
وكانت كل جثة تخرج من بين الأنقاض تجعل الصمت أثقل.
لم يجب الرجل.
كانت عيناه معلقتين بالمبنى المشتعل.
ارتجفت أصابعها.
ثم بدأ جسده يرتجف من جديد.
قال بهدوء:
على الجدار الأسود.
أختي…
تريد القوة؟
خرجت الكلمة منه بصعوبة.
فقدت والدها قبل أيام قليلة، ذلك الرجل الذي كان سندها. وبعد رحيله، ترك غيابه فراغًا كبيرًا في قلبها، فازداد إصرارها على الحصول على القوة، لأنها كانت تعرف أن هناك مؤسسة بأكملها تنتظر منها أن تحميها.
أنا هنا.
لكن عندما نصل إلى النهاية، ونلتفت إلى الوراء، ندرك كم شيئًا تركناه خلفنا.
قال لويستان وهو يقترب منه.
بعد لحظات، قالت بصوت خافت:
لكن لماذا أنقذا الطفلين إذن؟
سنساعدها.
رفع الصبي عينيه نحوه، ثم نظر إلى ريماس.
رفع الصبي عينيه نحوه، ثم نظر إلى ريماس.
قال بهدوء:
ربما كانت تخشى أن تعرف.
لم يقل شيئًا آخر.
لا.
وفي الخلف، ظل روجان واقفًا أمام المبنى المشتعل.
انحنى أمامه وسأله:
كانت عيناه تراقبان النيران بصمت.
أكثر من ثلاثين طفلًا…
لم يجب يوهي.
وشخصان مجهولان ظهرا في الداخل واختفيا بعد إخراج طفلين فقط.
صرخ أحدهم.
كان هناك شيء لا يفهمه بعد.
ماذا؟
وهذا الشيء لم يعجبه.
آسفة… لم أكن أعلم أن هذا سيحدث.
لا تقل شيئًا.
ـــ
في صباح اليوم التالي…
كانت حرارة الغرفة تزداد لحظة بعد أخرى.
لم تشرق الشمس على الحي.
أو على الأقل، لم يرها أحد.
أصواتهم.
لكنها لم تستطع منع عينيها من الامتلاء بالدموع.
كان الضباب قد غطى الشوارع منذ الساعات الأولى للفجر، واختلط بالدخان المتصاعد من دار الأيتام حتى بدا الحي بأكمله غارقًا في رماد رمادي خانق.
لماذا هربا؟
لم يبقَ من المبنى سوى هيكل أسود متفحم.
رفع الصبي عينيه نحوه، ثم نظر إلى ريماس.
الجدران التي كانت تؤوي عشرات الأطفال تحولت إلى أطلال، والنوافذ التي كانت تضيء ليلًا أصبحت تجاويف سوداء تحدق في الشارع بصمت.
نعم، سيدي.
كان بعض الرجال يتحركون بين الأنقاض.
لم يتحدثوا كثيرًا.
هيا بنا.
ظل الصبي صامتًا.
كلما وجد أحدهم شيئًا تحت الركام، انحنى بصمت.
أنت فقط لن تقرر ماذا سيأخذ.
ثم يخرج بعد لحظات وهو يحمل جثة محترقة.
وكأن الحريق لم ينتهِ بعد.
كانوا يضعون الجثث داخل عربات مغطاة بالقماش، واحدة تلو الأخرى.
لا تنظري فقط إلى ما أخذ منكِ الجنين.
نهاية الفصل
لم تكن هناك صرخات.
سأل أحد الرجال بصوت مرتجف.
ولا بكاء.
على الساحة التي لم تعد موجودة.
ربما لأن الجميع استنفد ما لديه من كلمات.
على الساحة التي لم تعد موجودة.
وقف بعض سكان الحي بعيدًا، يراقبون بصمت.
امرأة كانت تضم طفلها إلى صدرها بقوة، بينما وقف رجل بجانبها وعيناه معلقتان بالأنقاض.
لأنه عندما يعرف الإجابة، قد يكون الوقت قد فات بالفعل.
نعم، سيدي.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
على الجدار الأسود.
حتى الأطفال الذين اعتادوا الركض في هذه الشوارع ظلوا صامتين.
ألم يخرج أي طفل آخر؟
كان المكان الذي شهد ضحكاتهم بالأمس، يبتلع الآن كل صوت.
وعند إحدى العربات…
كان بكاء الصبي واضحًا وسط الضجيج.
وقفت سيليستيا.
هل مات الجميع؟
لم تتحرك.
سكتت.
أليس هناك أحد يستطيع إنقاذهم؟
كانت تنظر إلى دار الأيتام التي أسستها بنفسها.
أشار أحد الحراس بيده نحو الزقاق المظلم.
ربما.
أو إلى ما تبقى منها.
ولا بكاء.
على النافذة المحطمة.
كانت ترتدي ملابسها المعتادة، لكن وجهها بدا شاحبًا على نحو لم يعتده يوهي منها.
كل شيء كان مألوفًا…
عاد ينظر إلى سيليستيا.
تطايرت خصلات شعرها السوداء مع الهواء البارد، بينما استقرت ذرات الرماد فوق كتفيها.
كانت عيناه غارقتين بالدموع، وأنفاسه متقطعة بين شهقات متلاحقة.
لم يقل شيئًا.
لم تمسحها.
تطايرت خصلات شعرها السوداء مع الهواء البارد، بينما استقرت ذرات الرماد فوق كتفيها.
ظلت عيناها مثبتتين على المبنى.
على النافذة المحطمة.
على الجدار الأسود.
قد لا ندرك ذلك في البداية…
قال بهدوء:
على الساحة التي لم تعد موجودة.
كل شيء كان مألوفًا…
أنا من وعدتهم بأنهم سيكونون بأمان.
ومع ذلك، بدا المكان غريبًا.
راقب روجان النيران المتصاعدة نحو السماء بعينين غريبتين.
تذكرت الأطفال وهم يركضون في تلك الساحة.
تلاشت أصوات الأقدام المطاردة داخل الأزقة المظلمة، بينما ظلت ألسنة اللهب تتصاعد في الشارع الرئيسي تلتهم ما تبقى من هدوء الليل.
أصواتهم.
ضحكاتهم.
كان المكان الذي شهد ضحكاتهم بالأمس، يبتلع الآن كل صوت.
مشاجراتهم الصغيرة.
أومأ لويستان برأسه، ثم نادى على حارسين كانا يقفان بالقرب منه.
حتى صراخهم عندما يختلف اثنان منهم على لعبة.
نظر إليها يوهي.
كانت تلك الأصوات تملأ المكان ذات يوم.
لا تنظري فقط إلى ما أخذ منكِ الجنين.
أما الآن…
منحتهم الحرية.
فلم يبقَ سوى حفيف الريح بين الأنقاض.
توقفت عيناه للحظة عند سيليستيا.
خلفها، كان يوهي يسند ظهره إلى العربة، وقد عقد ذراعيه أمام صدره.
قد لا ندرك ذلك في البداية…
كان يراقب سيليستيا منذ فترة.
وضعت المرأة يدها على فمها، بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
لم يقل شيئًا.
توقّف.
بقيت عالقة في الهواء.
لم يكن يعرف ماذا يمكن أن يقول.
قبضت يدها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
فبعض المصائب لا تملك الكلمات القدرة على تخفيفها.
مر أحد الرجال بالقرب منهما، يحمل جثة صغيرة بين ذراعيه.
توقفت عيناه للحظة عند سيليستيا.
هم يعرفون الثمن الذي دفعته من أجلهم، لربما اعتبروكِ منقذتهم.
ظل يوهي صامتًا.
ثم خفض رأسه ومضى.
فبعض المصائب لا تملك الكلمات القدرة على تخفيفها.
تابعته بعينيها حتى اختفى خلف العربة.
صرخ أحدهم.
لم تسأل من يكون.
اختلطت دموعه بمخاط أنفه، وظل يحدق في الحارس بعينين زائغتين، عاجزًا حتى عن التعبير عما حدث.
رفع نظره نحو دار الأيتام المشتعلة.
ربما كانت تخشى أن تعرف.
بعد لحظات، قالت بصوت خافت:
هل تعتقد أنهما من فعل هذا؟
لم يعد أحد يعرف ماذا يقول.
هل مات الجميع؟
كانت تحدق في المبنى.
ظل يوهي صامتًا.
ولم تقل هي شيئًا أيضًا.
نظر إلى الأنقاض، ثم إلى العربات الممتلئة بالجثث.
لا نعرف بعد.
تمتمت سيليستيا بصوت خافت.
تحركت عينا سيليستيا ببطء نحو إحدى العربات.
كانت هناك قطعة قماش صغيرة ملطخة بالسواد، تتدلى من طرفها.
لكن رائحة الدخان…
عرفتها.
رفع الصبي رأسه.
كانت لأحد الأطفال.
ارتجف صوتها للمرة الأولى.
وكانت كل جثة تخرج من بين الأنقاض تجعل الصمت أثقل.
ارتجفت أصابعها.
سمعت امرأة أخرى الكلمات، فبدأت بالبكاء.
لكنها لم تبكِ.
قبضت يدها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
إنه يأخذ.
ثم همست:
كانوا ينتظرونني.
ماذا تقصد؟ هل ما زال الأطفال في الداخل؟
نظر إليها يوهي.
ماذا؟
تمتمت سيليستيا بصوت خافت.
أغمضت عينيها للحظة.
في الخارج، كان الشارع قد امتلأ بالناس أكثر مما كان عليه قبل دخولهما.
هذا وارد.
كنت أقول لهم دائمًا إن هذا المكان هو بيتهم.
كانت حرارة الغرفة تزداد لحظة بعد أخرى.
سكتت.
لم يقل شيئًا.
ثم فتحت عينيها من جديد.
كان يجب أن يكونوا بأمان هنا.
لم يجب يوهي.
اقترب منها بضع خطوات.
سيليستيا…
كل شيء كان مألوفًا…
لا تقل شيئًا.
اختلطت دموعه بمخاط أنفه، وظل يحدق في الحارس بعينين زائغتين، عاجزًا حتى عن التعبير عما حدث.
لا.
توقّف.
أنا من وعدتهم بأنهم سيكونون بأمان.
كانت تحدق في المبنى.
شدّ لويستان قبضته، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
في مكان كان يومًا مليئًا بالحياة.
تذكرت الأطفال وهم يركضون في تلك الساحة.
والآن لم يعد فيه سوى الرماد.
همم؟
أنت فقط لن تقرر ماذا سيأخذ.
قالت بصوت خافت:
أنا من أسست هذا المكان.
شخصان دخلا إلى هناك… ثم خرجا ومعهما الصبي والفتاة.
ارتجف صوتها للمرة الأولى.
أنا من وعدتهم بأنهم سيكونون بأمان.
لا نعرف بعد.
سقطت دمعة واحدة على خدها.
كانت عيناه معلقتين بالمبنى المشتعل.
أما الآن…
مسحتها بسرعة قبل أن تنزل أكثر.
لم يعد أحد يعرف ماذا يقول.
ثم عادت تحدق في الأنقاض.
أكثر من ثلاثين طفلًا… هل هذا صحيح..
لكنها لم تستطع منع عينيها من الامتلاء بالدموع.
تذكرت الأطفال وهم يركضون في تلك الساحة.
سيليستيا…
أماما، استمر الرجال في إخراج الجثث.
واحدة…
ثم أخرى…
ألقى روجان نظرة على الفتاة، ثم التفت إلى لويستان.
ثم أخرى.
أكثر من ثلاثين طفلًا…
وكانت كل جثة تخرج من بين الأنقاض تجعل الصمت أثقل.
رفع يوهي نظره إلى السماء.
لم تكن الشمس قد ظهرت بعد.
سيليستيا قد أتت!
كان الخبر كافيًا ليجعل القلق ينتشر بين الحشد.
فقط ضباب رمادي ودخان أسود يغطيان كل شيء.
هيا، علينا المغادرة.
ثم التفت نحو أحد الحراس.
عاد ينظر إلى سيليستيا.
قد لا ندرك ذلك في البداية…
إذن عليك أن تكون مستعداً لدفع ثمنها.
لم يقل شيئًا.
ولم تقل هي شيئًا أيضًا.
رفع نظره نحو دار الأيتام المشتعلة.
مسحتها بسرعة قبل أن تنزل أكثر.
ظل الاثنان واقفين أمام دار الأيتام.
حتى بدأ الضباب يبتلع أطراف المبنى.
خفضت سيليستيا رأسها.
لكن رائحة الدخان…
كلما مددت يدك نحو شيء أعظم مما تملك، سيأخذ الجنين منك شيئا في المقابل.
المبنى قد ينهار في أي لحظة!
بقيت عالقة في الهواء.
لم يكن بحاجة إلى الكلام.
قبضت يدها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
وكأن الحريق لم ينتهِ بعد.
لم يجب يوهي.
ثبت يوهي نظره على ظهر الفتاة الصغيرة، وكانت الشفقة واضحة في عينيه.
على العكس…
هل كان الأمر يستحق؟
فقدت والدها قبل أيام قليلة، ذلك الرجل الذي كان سندها. وبعد رحيله، ترك غيابه فراغًا كبيرًا في قلبها، فازداد إصرارها على الحصول على القوة، لأنها كانت تعرف أن هناك مؤسسة بأكملها تنتظر منها أن تحميها.
قد تكون إصابتها خطيرة.
لكن ما لم يكن أحد يعرفه، باستثناء يوهي، هو أن سيليستيا كانت تلوم نفسها على ما حدث لهذه المؤسسة.
انحنت سيليستيا برأسها، وانخفض صوتها وهي تقول:
نظر إلى الأنقاض، ثم إلى العربات الممتلئة بالجثث.
آسفة… لم أكن أعلم أن هذا سيحدث.
والآن لم يعد فيه سوى الرماد.
كنت فقط أريد أن أمتلك شيئًا أستطيع به الدفاع عنكم.
ظل الصبي صامتًا.
ارتجف جسد يوهي قليلًا عند سماع كلماتها.
كان الحزن لا يزال عالقًا في ملامحها رغم فقدانها للوعي.
وكانت كل جثة تخرج من بين الأنقاض تجعل الصمت أثقل.
نظر بعيدا.
تنهذ ببطء
لا تنظري فقط إلى ما أخذ منكِ الجنين.
العالم قاسي جدا.
لا أحد يحصل على ما يريد مجانًا.
قد يظن البعض أن التضحية تعني أن تمنح شيئًا في مقابل شيء آخر، وكأن العالم سوقٌ عادل، تضع فيه ما تملك وتأخذ ما تشتهي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
لكن هذين الاثنين… كيف خرجا؟
الجنين لا يساومك.
هل مات الجميع؟
إنه يأخذ.
انظري أيضًا إلى ما منحكِ إياه.
ماذا تقصد؟ هل ما زال الأطفال في الداخل؟
أنت فقط لن تقرر ماذا سيأخذ.
راقب روجان النيران المتصاعدة نحو السماء بعينين غريبتين.
تريد القوة؟
إذن عليك أن تكون مستعداً لدفع ثمنها.
خلفها، كان يوهي يسند ظهره إلى العربة، وقد عقد ذراعيه أمام صدره.
كلما مددت يدك نحو شيء أعظم مما تملك، سيأخذ الجنين منك شيئا في المقابل.
كانت ملامحه وحدها كافية لتروي كل شيء.
كانت عيناه غارقتين بالدموع، وأنفاسه متقطعة بين شهقات متلاحقة.
هذا هو ثمن الحقيقي، وهذه هي الحقيقة المرة لن تعرف ما سيأخذ منك.
خلفها، كان يوهي يسند ظهره إلى العربة، وقد عقد ذراعيه أمام صدره.
كل رغبة عظيمة تخفي خلفها تضحية أعظم مما نتوقع.
الجنين وكأنه يخاطبنا، لا تسألني عن ثمن ما تريد.
اسألني أولًا…
كانت تلك الأصوات تملأ المكان ذات يوم.
ما الشيء الذي تستطيع العيش بدونه؟
أغمضت عينيها للحظة.
ماذا لدينا هنا؟
لهذا دائما على الشخص قبل أن يطلب قدرة تتجاوز حدود البشر، عليه أن يسأل نفسه سؤالا واحدا:
هل هناك شيء؟
هل كان عليه أن يخسر ذلك شيء من أجل الحصول على تلك القدرة.
ما شيء الذي سيخسره؟
هبط فورتكس على الأرض بثبات، ووضع ريماس برفق، ثم التفت نحو نومريس.
واذا كان لا يستطيع الإجابة…
أنا من أسست هذا المكان.
فلا يطلب القوة.
لأنه عندما يعرف الإجابة، قد يكون الوقت قد فات بالفعل.
العم يوهي…
ثم اقترب من الصبي الذي بقي في المكان بجانب أخته.
أنا من وعدتهم بأنهم سيكونون بأمان.
تمتمت سيليستيا بصوت خافت.
هل كان الأمر يستحق؟
سنساعدها.
لم يجب يوهي.
ظل يحدق في ظهرها للحظات، ثم أدار عينيه نحو العربات التي تراصت أمام دار الأيتام، حيث كانت الجثث تُحمل واحدة تلو الأخرى.
هل هناك شيء؟
بعد صمت طويل، قال:
خرجت الكلمة منه بصعوبة.
سيدتي الصغيرة…
حتى الأطفال الذين اعتادوا الركض في هذه الشوارع ظلوا صامتين.
وكانت كل جثة تخرج من بين الأنقاض تجعل الصمت أثقل.
لا أحد يستطيع أن يشك في حبك لهم.
لو لا ذلك ما اختارهم جنينك للتضحية بهم.
خفضت سيليستيا رأسها.
ـــ
لم تستطع منع الدموع من التجمع في عينيها.
أتمنى لو أنني لم أفعل ذلك…
قالتها بصوت متهدج.
كان بعض الرجال يحدقون في المبنى المشتعل بوجوه متجهمة، بينما تراجع آخرون إلى الخلف بسبب شدة الحرارة.
لو لم أفعل، لكانوا الآن يركضون في أروقة المؤسسة.
عادت ذكريات الماضي القريب إلى ذهنها.
لكنها لم تبكِ.
صباح الخير، أختي سيليستيا.
أما الآن…
أختي، هل أتيتِ اليوم؟
أليس هناك أحد يستطيع إنقاذهم؟
سيليستيا قد أتت!
لا نعرف بعد.
كانت أصواتهم لا تزال عالقة في ذاكرتها.
ـــ
انظري أيضًا إلى ما منحكِ إياه.
نظر يوهي إليها بصمت، ثم قال:
سيدتي الصغيرة…
والآن لم يعد فيه سوى الرماد.
لو لم تكوني أنتِ، لربما عاش هؤلاء الأطفال بقية حياتهم عبيدًا، تُسلب منهم حريتهم ويُستغلون كما يشاء الآخرون.
لا تقتربوا!
ربما لم تمنحيهم سنوات طويلة…
لكنّك منحتهم شيئًا لم يكن لديهم من قبل.
كان في بداية العشرينيات من عمره، وقد ركض طوال الطريق للوصول إلى هنا.
كانت تلك الأصوات تملأ المكان ذات يوم.
منحتهم الحرية.
ماذا تقصد؟ هل ما زال الأطفال في الداخل؟
كانت تنظر إلى دار الأيتام التي أسستها بنفسها.
منحتهم مكانًا يستطيعون أن يسموه بيتًا.
صمت للحظة.
كان في بداية العشرينيات من عمره، وقد ركض طوال الطريق للوصول إلى هنا.
ثم تابع:
إذن عليك أن تكون مستعداً لدفع ثمنها.
وفي تلك اللحظة تحديداً شق لويستان طريقه وسط الجموع المتجمهرة وأنفاسه تتصاعد بكثافة وهو يحاول استيعاب حجم الكارثة.
لا تظني أنهم كانوا سيلومونك على ذلك.
لا نعرف بعد.
على العكس…
خفضت سيليستيا رأسها.
هم يعرفون الثمن الذي دفعته من أجلهم، لربما اعتبروكِ منقذتهم.
الجنين لا يساومك.
رفعت سيليستيا عينيها نحوه، لكن يوهي لم يلتفت إليها.
هل كان الأمر يستحق؟
كان هناك شخصان آخران داخل المبنى. هما من أخرجا الصبي والفتاة، ثم هربا فورًا باتجاه الزقاق.
قال بهدوء:
أو على الأقل، لم يرها أحد.
كل رغبة عظيمة تخفي خلفها تضحية أعظم مما نتوقع.
لا أحد يستطيع أن يشك في حبك لهم.
وكل طريق نختاره يغلق خلفنا طرقًا أخرى.
قد لا ندرك ذلك في البداية…
لكن عندما نصل إلى النهاية، ونلتفت إلى الوراء، ندرك كم شيئًا تركناه خلفنا.
لو لا ذلك ما اختارهم جنينك للتضحية بهم.
لهذا، سيدتي الصغيرة…
ربما لم يريدا أن ينكشف أمرهما.
لكن عندما نصل إلى النهاية، ونلتفت إلى الوراء، ندرك كم شيئًا تركناه خلفنا.
لا تنظري فقط إلى ما أخذ منكِ الجنين.
لم تشرق الشمس على الحي.
انظري أيضًا إلى ما منحكِ إياه.
ربما لأن الجميع استنفد ما لديه من كلمات.
فقد لا نستطيع تغيير الثمن الذي دفعناه…
نظر بعيدا.
لكن ما خسرته ليس بالضرورة نهاية الطريق.
أو إلى ما تبقى منها.
نهاية الفصل
ثم عادت تحدق في الأنقاض.
