Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 41

قافلة العبيد
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

قافلة العبيد

 

 

 

مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.

استند برادو جون بقامته العريضة إلى جانب العربة القيادية، واضعًا غليونه العاجي بين أسنانه، بينما راحت عيناه تراقبان القافلة الممتدة خلفه.

صليل…

 

ـــ

كانت العربات الخشبية تتهادى فوق الطريق الحجري، وتصدر عجلاتها صريرًا متقطعًا كلما اصطدمت بإحدى الحفر.

 

 

 

أما الخيول، فقد بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق؛ رؤوس منخفضة، وأنفاس ثقيلة، وعرق يتجمع تحت اللجام رغم اعتدال الطقس.

ارتفعت حاعجب صاحب الشعر الأبيض قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

 

رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.

أدار جون رأسه نحو السهل الممتد على جانبي الطريق. لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، فقد اعتاد ألا يترك الأمور للصدفة.

أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:

 

حاول تحريك يديه، لكنه شعر بشيء بارد يطوق معصميه. شد قبضتيه، فازداد صوت السلاسل وضوحًا.

أخرج الغليون من فمه، ونفث ببطء ما تبقى من الدخان.

 

 

 

سنتوقف قليلًا.

 

 

أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.

رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:

ففي النهاية، لم تكن تلك العيون القرمزية سوى عيون عبيد.

 

 

استراحة قصيرة! أوقفوا العربات، وأبعدوا الخيول عن الطريق. لا أريد أحدًا يتسكع بعيدًا عن القافلة!

وهكذا حصلت على هذه.

 

 

انتقل صوته من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وسرعان ما بدأ السائقون يشدون على اللجام. تراجعت الخيول وأبطأت العربات تباعًا حتى توقفت على أطراف السهل.

 

 

 

قفز بعض الحراس من فوق العربات، بينما انشغل آخرون بتفقد الأحزمة والسروج. وعلى مقربة منهم، كان أحد السائقين يفحص عجلة خشبية بدت وكأنها ارتخت قليلًا أثناء الرحلة.

 

 

 

أما من داخل الأقفاص، فقد تعالت همهمات خافتة، أعقبها صرير السلاسل مع تحرك الأجساد المنهكة.

 

 

لكنني أعترف بشيء واحد… تلك العيون تثير أعصابي.

لم يلتفت جون إلى الأصوات.

رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.

 

 

ترجل عن العربة، وسوّى طرف معطفه الداكن، ثم نفض عنه الغبار العالق به. كانت شمس الظهيرة تضرب السهل المكشوف، وقد ظهرت أسوار المدينة البعيدة بوضوح أكبر من ذي قبل، تعلوها أبراج حجرية شاهقة تلقي بظلالها على الطريق المؤدي إلى البوابات.

 

 

مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.

لم يعد يفصل القافلة عن المدينة سوى بضعة كيلومترات.

 

 

شد قبضتيه، ثم جذب ذراعيه بعنف محاولًا تحريرهما.

وهذا ما جعله يسترخي قليلًا.

 

 

 

اتجه نحو شجرة منفردة قرب إحدى العربات، واختار موضعًا يستظل فيه، ثم أعاد الغليون إلى فمه.

كلما رأيت تلك العيون، تذكرت هذه الندبة.

 

كانت المدينة تقترب، ومعها الأموال التي تنتظره، والصفقات التي لم يكن ينوي السماح لأحد بإفسادها.

على الجانب الآخر، امتدت الأقفاص الخشبية في صفوف متتابعة. كانت قضبانها السميكة مثبتة بأطواق حديدية، وقد غطى الغبار أجزاءً من الخشب، بينما تدلت الأقفال والسلاسل من أبوابها.

استند برادو جون بقامته العريضة إلى جانب العربة القيادية، واضعًا غليونه العاجي بين أسنانه، بينما راحت عيناه تراقبان القافلة الممتدة خلفه.

 

 

لم يكن بوسع من في الداخل التحرك بحرية. ومع كل اهتزازة تصدر عن العربة، كانت الأجساد تتصادم في المساحة الضيقة، فتتعالى أنفاس متعبة أو أنين سرعان ما يخفت.

ضحك جون باستهزاء.

 

 

اقترب كارل من جون، وهو يتفقد حزام سيفه قبل أن يرفع نظره نحو إحدى العربات في الصف الثاني.

رفع الغليون إلى فمه، وابتسم.

 

حاول تحريك يديه، لكنه شعر بشيء بارد يطوق معصميه. شد قبضتيه، فازداد صوت السلاسل وضوحًا.

كان رجلًا عريض الكتفين، تجاوز منتصف العمر بقليل، وقد تركت الشمس آثارها على بشرته. خدم جون سنوات طويلة، وكانت خبرته كافية لتجعله يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت.

 

 

لم يلتفت جون إلى الأصوات.

وقف إلى جوار الشجرة، ثم أشار بذقنه نحو العربة الثانية، وقال ساخرًا:

 

 

اختفت السخرية من وجهه، وحل محلها شيء أكثر قتامة.

يبدو أن بضاعتنا بدأت تفقد حماسها. لم أسمع من تلك العربة صراخًا منذ ساعات.

رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:

 

ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.

أخرج جون الغليون من فمه، ونظر إليه بطرف عينه.

 

 

سكت لحظة، ثم أطلق ضحكة جافة لا تحمل أي مرح.

وهل كنت تنتظر منهم أن يغنوا لك طوال الطريق؟

ثم أدار رأسه نحو إحدى العربات، حيث كان صبي صغير يجلس في زاوية القفص، واضعًا ذراعيه حول ركبتيه. كان شعره الأبيض ملتصقًا بجبينه بفعل العرق، وعيناه الحمراوان مثبتتين على الرجلين دون أن يرمش.

 

 

ضحك كارل بخفة.

 

 

أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.

لا، لكنني بدأت أشتاق إلى الضجيج. على الأقل، كان يجعل الطريق أقل مللًا.

الأجدر بك أن تسأل عن المكان الذي أنت فيه، لا عن هويتي. لكن قبل ذلك، لدي سؤال واحد…

 

 

نفث جون سحابة صغيرة من الدخان، ثم أعاد نظره إلى الأقفاص.

 

 

إن كنت تشعر بالملل، فابحث عن شيء تنشغل به. لدينا ما يكفي من العمل حين نصل إلى المدينة.

هؤلاء الأوغاد من من ذلك العرق العين… لا يجلبون سوى المتاعب أينما حلوا. حتى بعد أن يُلقوا في الأقفاص، لا يتعلمون كيف يخفضون أعينهم أمام من هو أقوى منهم.

 

من أنت؟

اختفت الابتسامة عن وجه كارل قليلًا.

بل في شيء أسوأ مما تتخيل. هذا سجن للعبيد.

 

أطلق كارل زفيرًا خافتًا.

أتظن أن الأمر سيمر بسلاسة هذه المرة؟

 

 

 

لم يجب جون فورًا. أدار الغليون بين أصابعه، ثم نظر إلى أبراج المدينة التي ارتفعت فوق الأسوار.

 

 

أخرج الغليون من فمه، ونفث ببطء ما تبقى من الدخان.

ولماذا لا يمر بسلاسة؟

شد قبضتيه، ثم جذب ذراعيه بعنف محاولًا تحريرهما.

 

كانت المدينة تقترب، ومعها الأموال التي تنتظره، والصفقات التي لم يكن ينوي السماح لأحد بإفسادها.

خفض كارل صوته، واقترب منه خطوة.

لكنني أعترف بشيء واحد… تلك العيون تثير أعصابي.

 

 

سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.

راقبه الفتى المجاور بصمت. لم يبدُ عليه الاستغراب من تصرفاته بقدر ما بدا عليه الملل منها. ظل مستلقيًا في مكانه، وعيناه البرتقاليتان تتابعان حركات رفيقه داخل زنزانة دون أن ينبس ببنت شفة.

 

تأمل كارل وجهه لحظة.

رفع جون حاجبه، ثم أخرج الغليون من فمه.

 

 

هل استفقت أخيرًا؟

الأسقف؟ هل تتحدث عن رومان؟

لكنني أعترف بشيء واحد… تلك العيون تثير أعصابي.

 

ما الذي يحدث…؟

ومن غيره ذلك الأعور؟

عرق ملعون.

 

 

أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.

أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.

 

 

لا تشغل بالك بأمره. السيد روبرت عقد اتفاقية تعاون مع الكنيسة، ولهذا ما زلنا نعمل في هذه التجارة حتى الآن.

 

 

 

ثم أدار نظره نحو أسوار المدينة، وأردف بنبرة هادئة:

 

 

استند برادو جون بقامته العريضة إلى جانب العربة القيادية، واضعًا غليونه العاجي بين أسنانه، بينما راحت عيناه تراقبان القافلة الممتدة خلفه.

أخبرني، هل تظن أن سجن العبيد كان سيظل قائمًا داخل المدينة لولا الكنيسة؟

 

 

قطب كارل حاجبيه.

تأمل كارل وجهه لحظة.

أخبرني، هل تظن أن سجن العبيد كان سيظل قائمًا داخل المدينة لولا الكنيسة؟

 

أعاد جون الغليون إلى فمه، وسحب منه نفسًا طويلًا.

ربما لا. صحيح أن بعض النبلاء يتغاضون عن الأمر، لكن الأغلبية لا ترغب في وجود السجن هنا علناً، عكس عائلتي نيفيس وأورسيني. لطالما اعترضتا على بقاء سجن العبيد داخل المدينة.

عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.

 

توقفت ابتسامة جون للحظة.

أومأ كارل ببطء، وكأنه كان يتوقع سماع ذلك.

 

 

كم كنا أغبياء.

والاجتماع السنوي يقترب. لا شك أن مسألة إخراج السجن من المدينة ستُطرح من جديد.

 

 

 

توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة ساخرة:

اختفت الابتسامة عن وجه كارل قليلًا.

 

 

عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.

ارتفعت حاعجب صاحب الشعر الأبيض قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

 

لم يعد يفصل القافلة عن المدينة سوى بضعة كيلومترات.

قطب كارل حاجبيه.

 

 

أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.

ألا يريدون العبيد أيضًا؟

 

 

 

بالطبع يريدونهم.

لم يلتفت جون إلى الأصوات.

 

قفز بعض الحراس من فوق العربات، بينما انشغل آخرون بتفقد الأحزمة والسروج. وعلى مقربة منهم، كان أحد السائقين يفحص عجلة خشبية بدت وكأنها ارتخت قليلًا أثناء الرحلة.

أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:

ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.

 

لماذا تحدق إليّ وعيناك مغمضتان؟

لكنهم لا يريدون تجارة العبيد داخل المدينة. تخيل ذلك! يريدون شراء العبيد والاستفادة منهم، لكنهم يرفضون وجود المكان الذي تُباع فيه بضاعتهم على مرأى الجميع.

 

 

 

هز رأسه باستهزاء.

لماذا أنا مقيّد؟

 

 

أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟

 

 

 

لم يعلق كارل، بل اكتفى بالنظر إلى الأقفاص المنتشرة على امتداد الطريق.

تنهد الفتى ذو العينين البرتقاليتين، ثم أشاح بوجهه عنه.

 

لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.

أما جون، فابتسم ابتسامة عريضة، وأمال رأسه قليلًا وهو يراقب أبراج المدينة.

 

 

 

خلافًا لعائلتي نيفيس وأورسيني كما قلت الأغلبية تريد ولا تريد سجن. لكنهم لن يجرؤوا على قول ذلك علنًا.

من أنت؟

 

في تلك الأثناء، أدار صاحب الشعر الأبيض رأسه نحوه مجددًا، وكأنهما لم يكونا يتحدثان عن وضعه قبل لحظات.

رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:

 

 

على الجانب الآخر، امتدت الأقفاص الخشبية في صفوف متتابعة. كانت قضبانها السميكة مثبتة بأطواق حديدية، وقد غطى الغبار أجزاءً من الخشب، بينما تدلت الأقفال والسلاسل من أبوابها.

فالنبلاء يحبون التظاهر بالطهارة أمام الناس، حتى عندما تكون أيديهم غارقة في الوحل.

أدار الفتى رأسه نحو مصدر الصوت، وظل صامتًا للحظات قبل أن يسأل:

 

 

استدار كارل نحو العربات، فتعلقت عيناه بالأقفاص التي اصطفت على امتداد الطريق. خلف القضبان الحديدية، كانت عشرات العيون القرمزية تحدق فيه بصمت، بعضها غارق في الإرهاق، وبعضها الآخر يراقبه بجمود بارد، كأن أصحابها ينتظرون لحظة لن تأتي.

 

 

والاجتماع السنوي يقترب. لا شك أن مسألة إخراج السجن من المدينة ستُطرح من جديد.

ابتلع كارل ريقه، ثم عبس وهو يتراجع نصف خطوة.

 

 

ضحك جون باستهزاء.

تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.

نفث جون سحابة صغيرة من الدخان، ثم أعاد نظره إلى الأقفاص.

 

لكنهم لا يريدون تجارة العبيد داخل المدينة. تخيل ذلك! يريدون شراء العبيد والاستفادة منهم، لكنهم يرفضون وجود المكان الذي تُباع فيه بضاعتهم على مرأى الجميع.

ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.

ففي النهاية، لم تكن تلك العيون القرمزية سوى عيون عبيد.

 

 

كلما رأيت تلك العيون، تذكرت هذه الندبة.

رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:

 

 

توقفت ضحكته تدريجيًا، وتحولت ابتسامته إلى تكشيرة باردة وهو يتلمس أثر الجرح.

 

 

 

هؤلاء الأوغاد من من ذلك العرق العين… لا يجلبون سوى المتاعب أينما حلوا. حتى بعد أن يُلقوا في الأقفاص، لا يتعلمون كيف يخفضون أعينهم أمام من هو أقوى منهم.

 

 

تحرك كارل لتنفيذ الأمر، بينما بدأ الحراس يتفرقون بين العربات، يتفقدون الأقفال ويعيدون شد الأحزمة.

بصق على الأرض، ثم أخرج الغليون من فمه ونفض عنه الرماد.

تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.

 

مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.

لقد تعلمت درسًا قاسيًا بسبب أحدهم. كنت أظن أن ضربهم وإخضاعهم كافيان لجعلهم يعرفون مكانتهم، لكنني اكتشفت أن بعضهم يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك حتى يفهم.

سجن للعبيد؟ أيريدون بيعي أم ماذا؟

 

 

توقف لحظة، ثم أشار بإصبعه نحو الأقفاص.

ما الذي يحدث…؟

 

سمعت أن بعضهم يفضّل الموت على أن يخضع لأحد.

انظر إليهم. لا يملكون شيئًا، ومع ذلك لا يزالون يحدقون فينا بتلك الطريقة المقززة. كأنهم لم يتعلموا شيئًا رغم كل ما مروا به.

 

 

 

أطلق كارل زفرة ساخرة، ثم شبك ذراعيه أمام صدره.

 

 

ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.

ربما لأنهم لم يتقبلوا حقيقة أنهم أصبحوا عبيدًا بعد.

ما هذا لا أشعر بأي “كا” داخل جسمي…

 

عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.

سمعت أن بعضهم يفضّل الموت على أن يخضع لأحد.

تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.

 

اقترب كارل من جون، وهو يتفقد حزام سيفه قبل أن يرفع نظره نحو إحدى العربات في الصف الثاني.

ضحك جون باستهزاء.

تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.

 

 

الموت؟ لو كانوا يملكون الشجاعة الكافية للموت، لما انتهى بهم المطاف داخل أقفاصنا.

 

 

كم كنا أغبياء.

ثم أدار رأسه نحو إحدى العربات، حيث كان صبي صغير يجلس في زاوية القفص، واضعًا ذراعيه حول ركبتيه. كان شعره الأبيض ملتصقًا بجبينه بفعل العرق، وعيناه الحمراوان مثبتتين على الرجلين دون أن يرمش.

استدار كارل نحو العربات، فتعلقت عيناه بالأقفاص التي اصطفت على امتداد الطريق. خلف القضبان الحديدية، كانت عشرات العيون القرمزية تحدق فيه بصمت، بعضها غارق في الإرهاق، وبعضها الآخر يراقبه بجمود بارد، كأن أصحابها ينتظرون لحظة لن تأتي.

 

الأسقف؟ هل تتحدث عن رومان؟

توقفت ابتسامة جون للحظة.

يبدو أن بضاعتنا بدأت تفقد حماسها. لم أسمع من تلك العربة صراخًا منذ ساعات.

 

لا تشغل بالك بأمره. السيد روبرت عقد اتفاقية تعاون مع الكنيسة، ولهذا ما زلنا نعمل في هذه التجارة حتى الآن.

حتى الصغار منهم لا يعرفون كيف يتصرفون.

 

 

 

أشار إلى الصبي بطرف غليونه.

هز رأسه باستهزاء.

 

 

انظر إلى ذلك الصغير. بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك ينظر إليّ وكأنه يحفظ وجهي لليوم الذي سيقتلني فيه.

 

 

 

تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.

 

 

انظر إليهم. لا يملكون شيئًا، ومع ذلك لا يزالون يحدقون فينا بتلك الطريقة المقززة. كأنهم لم يتعلموا شيئًا رغم كل ما مروا به.

أترى؟ لهذا السبب أكره التعامل معهم. لا تعرف ما الذي يدور في رؤوسهم. قد يبدو أحدهم مطيعًا طوال الطريق، ثم ينقض عليك بمجرد أن تدير ظهرك له.

 

 

ألا يريدون العبيد أيضًا؟

أعاد جون الغليون إلى فمه، وسحب منه نفسًا طويلًا.

 

 

تأمل كارل وجهه لحظة.

لا يهمني ما يدور في رؤوسهم. ما دامت القيود في أيدينا، فلا فرق بين أن ينظروا إلينا بالكراهية أو أن يركعوا أمامنا. النتيجة واحدة.

ومن غيره ذلك الأعور؟

 

 

ثم أخرج الغليون، ونفض رماده على الأرض.

أما جون، فابتسم ابتسامة عريضة، وأمال رأسه قليلًا وهو يراقب أبراج المدينة.

 

 

لكنني أعترف بشيء واحد… تلك العيون تثير أعصابي.

 

 

شق صوت السلاسل الصمت الثقيل داخل الزنزانة.

رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.

 

 

 

أليست هذه أول مرة أسمعك تقول شيئًا كهذا؟

 

 

توقفت ابتسامة جون للحظة.

حدق جون فيه لحظة، قبل أن يمرر إبهامه فوق الندبة على خده مرة أخرى.

سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.

 

سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.

لأنك لم تكن حاضرًا حين حصلت عليها.

أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:

 

 

اختفت السخرية من وجهه، وحل محلها شيء أكثر قتامة.

 

 

 

كان ذلك قبل سنوات، عندما كنت أرافق إحدى القوافل في الجنوب. لم يكن معنا سوى بضعة حراس، وكنا نظن أن مجموعة من السومريين الهاربين لن تشكل خطرًا علينا.

لم يعلق كارل، بل اكتفى بالنظر إلى الأقفاص المنتشرة على امتداد الطريق.

 

 

سكت لحظة، ثم أطلق ضحكة جافة لا تحمل أي مرح.

 

 

رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:

كم كنا أغبياء.

أجابه الفتى ذو العينين البرتقاليتين ببرود:

 

 

لم يقاطعه كارل، بل انتظر أن يتابع.

 

 

أليست هذه أول مرة أسمعك تقول شيئًا كهذا؟

أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.

 

 

راقبه الفتى المجاور بصمت. لم يبدُ عليه الاستغراب من تصرفاته بقدر ما بدا عليه الملل منها. ظل مستلقيًا في مكانه، وعيناه البرتقاليتان تتابعان حركات رفيقه داخل زنزانة دون أن ينبس ببنت شفة.

لمعت عيناه ببرود وهو يتذكر ما حدث.

 

 

انظر إلى ذلك الصغير. بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك ينظر إليّ وكأنه يحفظ وجهي لليوم الذي سيقتلني فيه.

لم يكن يملك سلاحًا، ولا حتى القوة الكافية لمواجهتي. لكنه كان مستعدًا لتمزيق عنقي بأسنانه إن أتيحت له الفرصة.

 

 

تنهد الآخر، وكأن السؤال لم يكن سوى إزعاج إضافي لا يحتاج إليه.

مرر أصابعه فوق الندبة مرة أخرى.

أومأ كارل ببطء، وكأنه كان يتوقع سماع ذلك.

 

 

وهكذا حصلت على هذه.

 

 

لقد تعلمت درسًا قاسيًا بسبب أحدهم. كنت أظن أن ضربهم وإخضاعهم كافيان لجعلهم يعرفون مكانتهم، لكنني اكتشفت أن بعضهم يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك حتى يفهم.

أطلق كارل زفيرًا خافتًا.

لماذا تحدق إليّ وعيناك مغمضتان؟

 

 

من كان يظن أن واحدًا منهم قد يترك أثرًا كهذا على وجهك؟

 

 

أومأ كارل ببطء، وكأنه كان يتوقع سماع ذلك.

ألقى جون نظرة جانبية عليه.

 

 

أتظن أنني نسيت الأمر؟ حتى الآن، كلما رأيت تلك العيون، أتذكر وجه ذلك الوغد وهو يحدق فيّ. لم يكن خائفًا، ولم يتوسل إليّ، ولم يطلب الرحمة. كان يكرهني فحسب.

استدار كارل نحو العربات، فتعلقت عيناه بالأقفاص التي اصطفت على امتداد الطريق. خلف القضبان الحديدية، كانت عشرات العيون القرمزية تحدق فيه بصمت، بعضها غارق في الإرهاق، وبعضها الآخر يراقبه بجمود بارد، كأن أصحابها ينتظرون لحظة لن تأتي.

 

 

اشتدت قبضته على الغليون.

 

 

رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:

ولهذا السبب بالذات لا أطيقهم. حتى بعدما يفقدون كل شيء، يظلون يتصرفون وكأن العالم مدين لهم بشيء.

ابتلع كارل ريقه، ثم عبس وهو يتراجع نصف خطوة.

 

 

أشاح كارل بنظره عن الأقفاص، ثم هز رأسه باقتناع.

 

 

أدار الفتى رأسه نحو مصدر الصوت، وظل صامتًا للحظات قبل أن يسأل:

عرق ملعون.

 

 

عرق ملعون.

قالها باحتقار، وكأنه يضع حدًا لكل ما سمعه.

بصق على الأرض، ثم أخرج الغليون من فمه ونفض عنه الرماد.

 

 

لكن جون لم يجبه فورًا. أخذ نفسًا آخر من غليونه، ثم أطلق الدخان ببطء، وعادت ابتسامته المعتادة إلى وجهه.

 

 

 

لا تشغل بالك بهم. بعد دخول المدينة، سيجد كل واحد منهم من يعلمه كيف يخفض عينيه.

أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:

 

 

ثم استدار نحو القافلة، ورفع صوته:

 

 

 

حسنًا، انتهت الاستراحة! أريد الجميع في أماكنهم خلال دقائق. لقد أضعنا وقتًا كافيًا.

لم يجب جون فورًا. أدار الغليون بين أصابعه، ثم نظر إلى أبراج المدينة التي ارتفعت فوق الأسوار.

 

أترى؟ لهذا السبب أكره التعامل معهم. لا تعرف ما الذي يدور في رؤوسهم. قد يبدو أحدهم مطيعًا طوال الطريق، ثم ينقض عليك بمجرد أن تدير ظهرك له.

تحرك كارل لتنفيذ الأمر، بينما بدأ الحراس يتفرقون بين العربات، يتفقدون الأقفال ويعيدون شد الأحزمة.

بالمناسبة، اسمي رورمين. ما اسمك؟

 

توقف قليلًا، ثم أردف بنبرة ساخرة:

أما جون، فظل واقفًا قرب الشجرة، يراقبهم وهم يستعدون للرحيل.

 

 

ولماذا لا يمر بسلاسة؟

كانت المدينة تقترب، ومعها الأموال التي تنتظره، والصفقات التي لم يكن ينوي السماح لأحد بإفسادها.

 

 

 

رفع الغليون إلى فمه، وابتسم.

 

 

 

ليس لدي سبب يدعوني إلى القلق.

 

 

 

ففي النهاية، لم تكن تلك العيون القرمزية سوى عيون عبيد.

 

 

 

استأنفت القافلة رحلتها نحو المدينة، فيما راحت الرياح تعبث بخصلات شعر جون الشقراء المظفرة. ظل يراقب أسوار نيڤيريا وهي تقترب ببطء، وعلى وجهه ابتسامة واثقة، غير مدرك أن بعض ما ينتظره خلف تلك الأسوار قد يغير الكثير في مصيره.

تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.

 

 

ـــ

 

 

 

نيڤيريا، سجن العبيد.

 

 

صدر صوت من جواره.

صليل…

 

 

أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:

شق صوت السلاسل الصمت الثقيل داخل الزنزانة.

لماذا أنا مقيّد؟

 

لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.

تحركت القيود مرة أخرى، فاحتك الحديد بعضه ببعض، مطلقًا رنينًا حادًا ارتد صداه في المكان المظلم.

 

 

أدار الفتى رأسه نحو مصدر الصوت، وظل صامتًا للحظات قبل أن يسأل:

ما هذا…؟

ولماذا لا يمر بسلاسة؟

 

لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.

خرج صوت خافت من بين شفتي أحد الفتيان.

ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.

 

ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.

حاول تحريك يديه، لكنه شعر بشيء بارد يطوق معصميه. شد قبضتيه، فازداد صوت السلاسل وضوحًا.

 

 

صليل!

ما الذي يحدث…؟

قفز بعض الحراس من فوق العربات، بينما انشغل آخرون بتفقد الأحزمة والسروج. وعلى مقربة منهم، كان أحد السائقين يفحص عجلة خشبية بدت وكأنها ارتخت قليلًا أثناء الرحلة.

 

لا تشغل بالك بهم. بعد دخول المدينة، سيجد كل واحد منهم من يعلمه كيف يخفض عينيه.

ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب ما يجري، قبل أن يخفض رأسه قليلًا نحو يديه. كانت القيود الحديدية تلتف حول معصميه، وتمتد منها سلاسل غليظة مثبتة في مكان ما فوق رأسه. أما ساقاه، فكانتا مقيدتين بدورهما.

توقفت ابتسامة جون للحظة.

 

 

لماذا أنا مقيّد؟

 

 

الأجدر بك أن تسأل عن المكان الذي أنت فيه، لا عن هويتي. لكن قبل ذلك، لدي سؤال واحد…

هاه…

 

 

لا تشغل بالك بأمره. السيد روبرت عقد اتفاقية تعاون مع الكنيسة، ولهذا ما زلنا نعمل في هذه التجارة حتى الآن.

صدر صوت من جواره.

 

 

لمعت عيناه ببرود وهو يتذكر ما حدث.

هل استفقت أخيرًا؟

لم يجب جون فورًا. أدار الغليون بين أصابعه، ثم نظر إلى أبراج المدينة التي ارتفعت فوق الأسوار.

 

رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:

أدار الفتى رأسه نحو مصدر الصوت، وظل صامتًا للحظات قبل أن يسأل:

 

 

 

من أنت؟

أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟

 

 

تنهد الآخر، وكأن السؤال لم يكن سوى إزعاج إضافي لا يحتاج إليه.

 

 

 

الأجدر بك أن تسأل عن المكان الذي أنت فيه، لا عن هويتي. لكن قبل ذلك، لدي سؤال واحد…

 

 

رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:

توقف قليلًا، ثم أردف بنبرة ساخرة:

ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب ما يجري، قبل أن يخفض رأسه قليلًا نحو يديه. كانت القيود الحديدية تلتف حول معصميه، وتمتد منها سلاسل غليظة مثبتة في مكان ما فوق رأسه. أما ساقاه، فكانتا مقيدتين بدورهما.

 

أما الخيول، فقد بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق؛ رؤوس منخفضة، وأنفاس ثقيلة، وعرق يتجمع تحت اللجام رغم اعتدال الطقس.

لماذا تحدق إليّ وعيناك مغمضتان؟

توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة ساخرة:

 

 

ساد الصمت للحظة.

يبدو أن بضاعتنا بدأت تفقد حماسها. لم أسمع من تلك العربة صراخًا منذ ساعات.

 

لا يهمني ما يدور في رؤوسهم. ما دامت القيود في أيدينا، فلا فرق بين أن ينظروا إلينا بالكراهية أو أن يركعوا أمامنا. النتيجة واحدة.

ثم أطلق الفتى ذو الشعر الأبيض زفرة خفيفة، كأنه تذكر أمرًا نسيه للتو.

 

 

سمعت أن بعضهم يفضّل الموت على أن يخضع لأحد.

ذلك الأحمق…

الموت؟ لو كانوا يملكون الشجاعة الكافية للموت، لما انتهى بهم المطاف داخل أقفاصنا.

 

 

لقد غدر بي.

 

 

 

عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.

أخبرني، هل تظن أن سجن العبيد كان سيظل قائمًا داخل المدينة لولا الكنيسة؟

 

 

لكن ما الذي فعله بالضبط ذلك القزم حتى أفقدني الوعي؟

هز رأسه باستهزاء.

 

لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.

همم…

 

 

الأسقف؟ هل تتحدث عن رومان؟

لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.

هل استفقت أخيرًا؟

 

لأنك لم تكن حاضرًا حين حصلت عليها.

أمال رأسه قليلًا، ثم هز كتفيه بلامبالاة.

 

 

 

حسنًا، لا بأس. سنلتقي مجددًا، أيها الوغد.

 

 

 

لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.

هؤلاء الأوغاد من من ذلك العرق العين… لا يجلبون سوى المتاعب أينما حلوا. حتى بعد أن يُلقوا في الأقفاص، لا يتعلمون كيف يخفضون أعينهم أمام من هو أقوى منهم.

 

 

ما هذا لا أشعر بأي “كا” داخل جسمي…

 

 

 

قطب حاجبيه، وأعاد المحاولة، محاولًا استشعار أدنى خيط من “الكا”. غير أنه لم يجد شيئًا.

 

 

 

ما الذي وضعه لي في ذلك الكوب بحق الجحيم؟

انتقل صوته من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وسرعان ما بدأ السائقون يشدون على اللجام. تراجعت الخيول وأبطأت العربات تباعًا حتى توقفت على أطراف السهل.

 

 

شد قبضتيه، ثم جذب ذراعيه بعنف محاولًا تحريرهما.

 

 

كم كنا أغبياء.

صليل!

ولماذا لا يمر بسلاسة؟

 

وهل كنت تنتظر منهم أن يغنوا لك طوال الطريق؟

ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.

لكن جون لم يجبه فورًا. أخذ نفسًا آخر من غليونه، ثم أطلق الدخان ببطء، وعادت ابتسامته المعتادة إلى وجهه.

 

 

توقف عن المقاومة، ثم أطلق زفرة طويلة.

 

 

 

يبدو أن عليّ الانتظار حتى أستعيد بعض “الكا”.

 

 

 

راقبه الفتى المجاور بصمت. لم يبدُ عليه الاستغراب من تصرفاته بقدر ما بدا عليه الملل منها. ظل مستلقيًا في مكانه، وعيناه البرتقاليتان تتابعان حركات رفيقه داخل زنزانة دون أن ينبس ببنت شفة.

أدار رأسه نحو مصدر الصوت السابق.

 

أمال رأسه قليلًا، ثم هز كتفيه بلامبالاة.

مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.

لم يكن بوسع من في الداخل التحرك بحرية. ومع كل اهتزازة تصدر عن العربة، كانت الأجساد تتصادم في المساحة الضيقة، فتتعالى أنفاس متعبة أو أنين سرعان ما يخفت.

 

 

مهلًا…

 

 

هل استفقت أخيرًا؟

أدار رأسه نحو مصدر الصوت السابق.

أومأ كارل ببطء، وكأنه كان يتوقع سماع ذلك.

 

 

هل نحن في سجن؟

 

 

 

أجابه الفتى ذو العينين البرتقاليتين ببرود:

وهكذا حصلت على هذه.

 

 

بل في شيء أسوأ مما تتخيل. هذا سجن للعبيد.

 

 

 

ارتفعت حاعجب صاحب الشعر الأبيض قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

انتقل صوته من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وسرعان ما بدأ السائقون يشدون على اللجام. تراجعت الخيول وأبطأت العربات تباعًا حتى توقفت على أطراف السهل.

 

 

سجن للعبيد؟ أيريدون بيعي أم ماذا؟

هاه…

 

كلما رأيت تلك العيون، تذكرت هذه الندبة.

حدق فيه الآخر للحظات، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.

مهلًا…

 

 

ما بال هذا الأحمق؟

 

 

 

ألا يدرك حتى الآن خطورة الموقف الذي وجد نفسه فيه؟ أم أنه لا يفهم معنى أن يستيقظ المرء مقيدًا داخل سجن للعبيد؟

 

 

 

تنهد الفتى ذو العينين البرتقاليتين، ثم أشاح بوجهه عنه.

 

 

توقفت ضحكته تدريجيًا، وتحولت ابتسامته إلى تكشيرة باردة وهو يتلمس أثر الجرح.

في تلك الأثناء، أدار صاحب الشعر الأبيض رأسه نحوه مجددًا، وكأنهما لم يكونا يتحدثان عن وضعه قبل لحظات.

 

 

تنهد الفتى ذو العينين البرتقاليتين، ثم أشاح بوجهه عنه.

بالمناسبة، اسمي رورمين. ما اسمك؟

لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.

 

 

نهاية الفصل

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط