قافلة العبيد
ارتفعت حاعجب صاحب الشعر الأبيض قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
استند برادو جون بقامته العريضة إلى جانب العربة القيادية، واضعًا غليونه العاجي بين أسنانه، بينما راحت عيناه تراقبان القافلة الممتدة خلفه.
أتظن أنني نسيت الأمر؟ حتى الآن، كلما رأيت تلك العيون، أتذكر وجه ذلك الوغد وهو يحدق فيّ. لم يكن خائفًا، ولم يتوسل إليّ، ولم يطلب الرحمة. كان يكرهني فحسب.
كانت العربات الخشبية تتهادى فوق الطريق الحجري، وتصدر عجلاتها صريرًا متقطعًا كلما اصطدمت بإحدى الحفر.
أما الخيول، فقد بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق؛ رؤوس منخفضة، وأنفاس ثقيلة، وعرق يتجمع تحت اللجام رغم اعتدال الطقس.
بالمناسبة، اسمي رورمين. ما اسمك؟
أدار جون رأسه نحو السهل الممتد على جانبي الطريق. لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، فقد اعتاد ألا يترك الأمور للصدفة.
مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.
أخرج الغليون من فمه، ونفث ببطء ما تبقى من الدخان.
ضحك جون باستهزاء.
شد قبضتيه، ثم جذب ذراعيه بعنف محاولًا تحريرهما.
سنتوقف قليلًا.
أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟
أخرج الغليون من فمه، ونفث ببطء ما تبقى من الدخان.
رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:
عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.
هاه…
استراحة قصيرة! أوقفوا العربات، وأبعدوا الخيول عن الطريق. لا أريد أحدًا يتسكع بعيدًا عن القافلة!
ما الذي يحدث…؟
انتقل صوته من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وسرعان ما بدأ السائقون يشدون على اللجام. تراجعت الخيول وأبطأت العربات تباعًا حتى توقفت على أطراف السهل.
ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.
قفز بعض الحراس من فوق العربات، بينما انشغل آخرون بتفقد الأحزمة والسروج. وعلى مقربة منهم، كان أحد السائقين يفحص عجلة خشبية بدت وكأنها ارتخت قليلًا أثناء الرحلة.
لم يلتفت جون إلى الأصوات.
عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.
أما من داخل الأقفاص، فقد تعالت همهمات خافتة، أعقبها صرير السلاسل مع تحرك الأجساد المنهكة.
رفع جون حاجبه، ثم أخرج الغليون من فمه.
لم يلتفت جون إلى الأصوات.
انظر إلى ذلك الصغير. بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك ينظر إليّ وكأنه يحفظ وجهي لليوم الذي سيقتلني فيه.
ترجل عن العربة، وسوّى طرف معطفه الداكن، ثم نفض عنه الغبار العالق به. كانت شمس الظهيرة تضرب السهل المكشوف، وقد ظهرت أسوار المدينة البعيدة بوضوح أكبر من ذي قبل، تعلوها أبراج حجرية شاهقة تلقي بظلالها على الطريق المؤدي إلى البوابات.
إن كنت تشعر بالملل، فابحث عن شيء تنشغل به. لدينا ما يكفي من العمل حين نصل إلى المدينة.
لم يعد يفصل القافلة عن المدينة سوى بضعة كيلومترات.
لم يجب جون فورًا. أدار الغليون بين أصابعه، ثم نظر إلى أبراج المدينة التي ارتفعت فوق الأسوار.
ألا يريدون العبيد أيضًا؟
وهذا ما جعله يسترخي قليلًا.
أما من داخل الأقفاص، فقد تعالت همهمات خافتة، أعقبها صرير السلاسل مع تحرك الأجساد المنهكة.
اتجه نحو شجرة منفردة قرب إحدى العربات، واختار موضعًا يستظل فيه، ثم أعاد الغليون إلى فمه.
ترجل عن العربة، وسوّى طرف معطفه الداكن، ثم نفض عنه الغبار العالق به. كانت شمس الظهيرة تضرب السهل المكشوف، وقد ظهرت أسوار المدينة البعيدة بوضوح أكبر من ذي قبل، تعلوها أبراج حجرية شاهقة تلقي بظلالها على الطريق المؤدي إلى البوابات.
لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.
على الجانب الآخر، امتدت الأقفاص الخشبية في صفوف متتابعة. كانت قضبانها السميكة مثبتة بأطواق حديدية، وقد غطى الغبار أجزاءً من الخشب، بينما تدلت الأقفال والسلاسل من أبوابها.
لم يكن بوسع من في الداخل التحرك بحرية. ومع كل اهتزازة تصدر عن العربة، كانت الأجساد تتصادم في المساحة الضيقة، فتتعالى أنفاس متعبة أو أنين سرعان ما يخفت.
لم يكن بوسع من في الداخل التحرك بحرية. ومع كل اهتزازة تصدر عن العربة، كانت الأجساد تتصادم في المساحة الضيقة، فتتعالى أنفاس متعبة أو أنين سرعان ما يخفت.
اقترب كارل من جون، وهو يتفقد حزام سيفه قبل أن يرفع نظره نحو إحدى العربات في الصف الثاني.
أجابه الفتى ذو العينين البرتقاليتين ببرود:
من أنت؟
كان رجلًا عريض الكتفين، تجاوز منتصف العمر بقليل، وقد تركت الشمس آثارها على بشرته. خدم جون سنوات طويلة، وكانت خبرته كافية لتجعله يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت.
تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
وقف إلى جوار الشجرة، ثم أشار بذقنه نحو العربة الثانية، وقال ساخرًا:
يبدو أن بضاعتنا بدأت تفقد حماسها. لم أسمع من تلك العربة صراخًا منذ ساعات.
استدار كارل نحو العربات، فتعلقت عيناه بالأقفاص التي اصطفت على امتداد الطريق. خلف القضبان الحديدية، كانت عشرات العيون القرمزية تحدق فيه بصمت، بعضها غارق في الإرهاق، وبعضها الآخر يراقبه بجمود بارد، كأن أصحابها ينتظرون لحظة لن تأتي.
وقف إلى جوار الشجرة، ثم أشار بذقنه نحو العربة الثانية، وقال ساخرًا:
أخرج جون الغليون من فمه، ونظر إليه بطرف عينه.
حدق فيه الآخر للحظات، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.
وهل كنت تنتظر منهم أن يغنوا لك طوال الطريق؟
ضحك كارل بخفة.
لا، لكنني بدأت أشتاق إلى الضجيج. على الأقل، كان يجعل الطريق أقل مللًا.
مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.
نفث جون سحابة صغيرة من الدخان، ثم أعاد نظره إلى الأقفاص.
أدار رأسه نحو مصدر الصوت السابق.
إن كنت تشعر بالملل، فابحث عن شيء تنشغل به. لدينا ما يكفي من العمل حين نصل إلى المدينة.
اختفت الابتسامة عن وجه كارل قليلًا.
أتظن أن الأمر سيمر بسلاسة هذه المرة؟
فالنبلاء يحبون التظاهر بالطهارة أمام الناس، حتى عندما تكون أيديهم غارقة في الوحل.
سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.
لم يجب جون فورًا. أدار الغليون بين أصابعه، ثم نظر إلى أبراج المدينة التي ارتفعت فوق الأسوار.
أجابه الفتى ذو العينين البرتقاليتين ببرود:
ولماذا لا يمر بسلاسة؟
خفض كارل صوته، واقترب منه خطوة.
صليل!
سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.
تأمل كارل وجهه لحظة.
صليل…
رفع جون حاجبه، ثم أخرج الغليون من فمه.
في تلك الأثناء، أدار صاحب الشعر الأبيض رأسه نحوه مجددًا، وكأنهما لم يكونا يتحدثان عن وضعه قبل لحظات.
الأسقف؟ هل تتحدث عن رومان؟
ومن غيره ذلك الأعور؟
لقد غدر بي.
ثم أدار نظره نحو أسوار المدينة، وأردف بنبرة هادئة:
أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.
ألقى جون نظرة جانبية عليه.
لا تشغل بالك بأمره. السيد روبرت عقد اتفاقية تعاون مع الكنيسة، ولهذا ما زلنا نعمل في هذه التجارة حتى الآن.
قفز بعض الحراس من فوق العربات، بينما انشغل آخرون بتفقد الأحزمة والسروج. وعلى مقربة منهم، كان أحد السائقين يفحص عجلة خشبية بدت وكأنها ارتخت قليلًا أثناء الرحلة.
ثم أدار نظره نحو أسوار المدينة، وأردف بنبرة هادئة:
ما الذي يحدث…؟
أخبرني، هل تظن أن سجن العبيد كان سيظل قائمًا داخل المدينة لولا الكنيسة؟
ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.
تأمل كارل وجهه لحظة.
أخبرني، هل تظن أن سجن العبيد كان سيظل قائمًا داخل المدينة لولا الكنيسة؟
تأمل كارل وجهه لحظة.
ربما لا. صحيح أن بعض النبلاء يتغاضون عن الأمر، لكن الأغلبية لا ترغب في وجود السجن هنا علناً، عكس عائلتي نيفيس وأورسيني. لطالما اعترضتا على بقاء سجن العبيد داخل المدينة.
صليل!
أومأ كارل ببطء، وكأنه كان يتوقع سماع ذلك.
أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟
والاجتماع السنوي يقترب. لا شك أن مسألة إخراج السجن من المدينة ستُطرح من جديد.
توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة ساخرة:
مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.
عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.
هل نحن في سجن؟
قطب كارل حاجبيه.
ألا يريدون العبيد أيضًا؟
قطب كارل حاجبيه.
بالطبع يريدونهم.
أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:
لماذا أنا مقيّد؟
ما الذي يحدث…؟
لكنهم لا يريدون تجارة العبيد داخل المدينة. تخيل ذلك! يريدون شراء العبيد والاستفادة منهم، لكنهم يرفضون وجود المكان الذي تُباع فيه بضاعتهم على مرأى الجميع.
هز رأسه باستهزاء.
أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟
لم يعلق كارل، بل اكتفى بالنظر إلى الأقفاص المنتشرة على امتداد الطريق.
أما جون، فابتسم ابتسامة عريضة، وأمال رأسه قليلًا وهو يراقب أبراج المدينة.
صليل…
خلافًا لعائلتي نيفيس وأورسيني كما قلت الأغلبية تريد ولا تريد سجن. لكنهم لن يجرؤوا على قول ذلك علنًا.
ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب ما يجري، قبل أن يخفض رأسه قليلًا نحو يديه. كانت القيود الحديدية تلتف حول معصميه، وتمتد منها سلاسل غليظة مثبتة في مكان ما فوق رأسه. أما ساقاه، فكانتا مقيدتين بدورهما.
لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.
رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:
ثم استدار نحو القافلة، ورفع صوته:
لم يعد يفصل القافلة عن المدينة سوى بضعة كيلومترات.
فالنبلاء يحبون التظاهر بالطهارة أمام الناس، حتى عندما تكون أيديهم غارقة في الوحل.
عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.
استدار كارل نحو العربات، فتعلقت عيناه بالأقفاص التي اصطفت على امتداد الطريق. خلف القضبان الحديدية، كانت عشرات العيون القرمزية تحدق فيه بصمت، بعضها غارق في الإرهاق، وبعضها الآخر يراقبه بجمود بارد، كأن أصحابها ينتظرون لحظة لن تأتي.
ـــ
ابتلع كارل ريقه، ثم عبس وهو يتراجع نصف خطوة.
يبدو أن عليّ الانتظار حتى أستعيد بعض “الكا”.
تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.
هؤلاء الأوغاد من من ذلك العرق العين… لا يجلبون سوى المتاعب أينما حلوا. حتى بعد أن يُلقوا في الأقفاص، لا يتعلمون كيف يخفضون أعينهم أمام من هو أقوى منهم.
أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.
ما إن سمع جون كلماته حتى أطلق ضحكة مدوية، ثم رفع يده إلى وجهه، ومرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده.
حدق جون فيه لحظة، قبل أن يمرر إبهامه فوق الندبة على خده مرة أخرى.
كلما رأيت تلك العيون، تذكرت هذه الندبة.
تلك العيون اللعينة… إنها تبعث في نفسي القشعريرة حقًا.
توقفت ضحكته تدريجيًا، وتحولت ابتسامته إلى تكشيرة باردة وهو يتلمس أثر الجرح.
لكنهم لا يريدون تجارة العبيد داخل المدينة. تخيل ذلك! يريدون شراء العبيد والاستفادة منهم، لكنهم يرفضون وجود المكان الذي تُباع فيه بضاعتهم على مرأى الجميع.
هؤلاء الأوغاد من من ذلك العرق العين… لا يجلبون سوى المتاعب أينما حلوا. حتى بعد أن يُلقوا في الأقفاص، لا يتعلمون كيف يخفضون أعينهم أمام من هو أقوى منهم.
بصق على الأرض، ثم أخرج الغليون من فمه ونفض عنه الرماد.
ولهذا السبب بالذات لا أطيقهم. حتى بعدما يفقدون كل شيء، يظلون يتصرفون وكأن العالم مدين لهم بشيء.
رفع كارل، الذي كان يسير بمحاذاة العربة، رأسه فور سماع الأمر، ثم استدار نحو بقية الحراس وصاح:
لقد تعلمت درسًا قاسيًا بسبب أحدهم. كنت أظن أن ضربهم وإخضاعهم كافيان لجعلهم يعرفون مكانتهم، لكنني اكتشفت أن بعضهم يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك حتى يفهم.
توقف لحظة، ثم أشار بإصبعه نحو الأقفاص.
صدر صوت من جواره.
انظر إليهم. لا يملكون شيئًا، ومع ذلك لا يزالون يحدقون فينا بتلك الطريقة المقززة. كأنهم لم يتعلموا شيئًا رغم كل ما مروا به.
أطلق كارل زفرة ساخرة، ثم شبك ذراعيه أمام صدره.
ربما لأنهم لم يتقبلوا حقيقة أنهم أصبحوا عبيدًا بعد.
ألا يريدون العبيد أيضًا؟
سمعت أن بعضهم يفضّل الموت على أن يخضع لأحد.
ضحك جون باستهزاء.
انتقل صوته من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وسرعان ما بدأ السائقون يشدون على اللجام. تراجعت الخيول وأبطأت العربات تباعًا حتى توقفت على أطراف السهل.
لم يلتفت جون إلى الأصوات.
الموت؟ لو كانوا يملكون الشجاعة الكافية للموت، لما انتهى بهم المطاف داخل أقفاصنا.
ثم أدار رأسه نحو إحدى العربات، حيث كان صبي صغير يجلس في زاوية القفص، واضعًا ذراعيه حول ركبتيه. كان شعره الأبيض ملتصقًا بجبينه بفعل العرق، وعيناه الحمراوان مثبتتين على الرجلين دون أن يرمش.
أدار جون رأسه نحو السهل الممتد على جانبي الطريق. لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، فقد اعتاد ألا يترك الأمور للصدفة.
توقفت ابتسامة جون للحظة.
ليس لدي سبب يدعوني إلى القلق.
رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.
حتى الصغار منهم لا يعرفون كيف يتصرفون.
أطلق كارل زفرة ساخرة، ثم شبك ذراعيه أمام صدره.
أشار إلى الصبي بطرف غليونه.
انظر إلى ذلك الصغير. بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك ينظر إليّ وكأنه يحفظ وجهي لليوم الذي سيقتلني فيه.
هاه…
توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة ساخرة:
تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
لم يكن بوسع من في الداخل التحرك بحرية. ومع كل اهتزازة تصدر عن العربة، كانت الأجساد تتصادم في المساحة الضيقة، فتتعالى أنفاس متعبة أو أنين سرعان ما يخفت.
شق صوت السلاسل الصمت الثقيل داخل الزنزانة.
أترى؟ لهذا السبب أكره التعامل معهم. لا تعرف ما الذي يدور في رؤوسهم. قد يبدو أحدهم مطيعًا طوال الطريق، ثم ينقض عليك بمجرد أن تدير ظهرك له.
لم يعلق كارل، بل اكتفى بالنظر إلى الأقفاص المنتشرة على امتداد الطريق.
اتجه نحو شجرة منفردة قرب إحدى العربات، واختار موضعًا يستظل فيه، ثم أعاد الغليون إلى فمه.
أعاد جون الغليون إلى فمه، وسحب منه نفسًا طويلًا.
لا يهمني ما يدور في رؤوسهم. ما دامت القيود في أيدينا، فلا فرق بين أن ينظروا إلينا بالكراهية أو أن يركعوا أمامنا. النتيجة واحدة.
استأنفت القافلة رحلتها نحو المدينة، فيما راحت الرياح تعبث بخصلات شعر جون الشقراء المظفرة. ظل يراقب أسوار نيڤيريا وهي تقترب ببطء، وعلى وجهه ابتسامة واثقة، غير مدرك أن بعض ما ينتظره خلف تلك الأسوار قد يغير الكثير في مصيره.
ثم أخرج الغليون، ونفض رماده على الأرض.
هل نحن في سجن؟
ترجل عن العربة، وسوّى طرف معطفه الداكن، ثم نفض عنه الغبار العالق به. كانت شمس الظهيرة تضرب السهل المكشوف، وقد ظهرت أسوار المدينة البعيدة بوضوح أكبر من ذي قبل، تعلوها أبراج حجرية شاهقة تلقي بظلالها على الطريق المؤدي إلى البوابات.
لكنني أعترف بشيء واحد… تلك العيون تثير أعصابي.
صدر صوت من جواره.
رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.
رفع الغليون إلى فمه مجددًا، ثم أضاف بنبرة ساخرة:
رفع الغليون إلى فمه، وابتسم.
أليست هذه أول مرة أسمعك تقول شيئًا كهذا؟
حدق جون فيه لحظة، قبل أن يمرر إبهامه فوق الندبة على خده مرة أخرى.
توقف قليلًا، ثم أردف بنبرة ساخرة:
لأنك لم تكن حاضرًا حين حصلت عليها.
اختفت السخرية من وجهه، وحل محلها شيء أكثر قتامة.
كان ذلك قبل سنوات، عندما كنت أرافق إحدى القوافل في الجنوب. لم يكن معنا سوى بضعة حراس، وكنا نظن أن مجموعة من السومريين الهاربين لن تشكل خطرًا علينا.
من أنت؟
سكت لحظة، ثم أطلق ضحكة جافة لا تحمل أي مرح.
كم كنا أغبياء.
وقف إلى جوار الشجرة، ثم أشار بذقنه نحو العربة الثانية، وقال ساخرًا:
لم يقاطعه كارل، بل انتظر أن يتابع.
أطلق كارل زفرة ساخرة، ثم شبك ذراعيه أمام صدره.
أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.
إن كنت تشعر بالملل، فابحث عن شيء تنشغل به. لدينا ما يكفي من العمل حين نصل إلى المدينة.
لمعت عيناه ببرود وهو يتذكر ما حدث.
لم يكن يملك سلاحًا، ولا حتى القوة الكافية لمواجهتي. لكنه كان مستعدًا لتمزيق عنقي بأسنانه إن أتيحت له الفرصة.
مرر أصابعه فوق الندبة مرة أخرى.
توقف عن المقاومة، ثم أطلق زفرة طويلة.
أطلق جون ضحكة قصيرة، ثم نفث الدخان ببطء.
وهكذا حصلت على هذه.
حاول تحريك يديه، لكنه شعر بشيء بارد يطوق معصميه. شد قبضتيه، فازداد صوت السلاسل وضوحًا.
أطلق كارل زفيرًا خافتًا.
كانت العربات الخشبية تتهادى فوق الطريق الحجري، وتصدر عجلاتها صريرًا متقطعًا كلما اصطدمت بإحدى الحفر.
من كان يظن أن واحدًا منهم قد يترك أثرًا كهذا على وجهك؟
يبدو أن عليّ الانتظار حتى أستعيد بعض “الكا”.
ألقى جون نظرة جانبية عليه.
أشار إلى الصبي بطرف غليونه.
استند برادو جون بقامته العريضة إلى جانب العربة القيادية، واضعًا غليونه العاجي بين أسنانه، بينما راحت عيناه تراقبان القافلة الممتدة خلفه.
أتظن أنني نسيت الأمر؟ حتى الآن، كلما رأيت تلك العيون، أتذكر وجه ذلك الوغد وهو يحدق فيّ. لم يكن خائفًا، ولم يتوسل إليّ، ولم يطلب الرحمة. كان يكرهني فحسب.
شق صوت السلاسل الصمت الثقيل داخل الزنزانة.
ثم استدار نحو القافلة، ورفع صوته:
اشتدت قبضته على الغليون.
أشار إلى الصبي بطرف غليونه.
ألا يريدون العبيد أيضًا؟
ولهذا السبب بالذات لا أطيقهم. حتى بعدما يفقدون كل شيء، يظلون يتصرفون وكأن العالم مدين لهم بشيء.
ساد الصمت للحظة.
هل نحن في سجن؟
أشاح كارل بنظره عن الأقفاص، ثم هز رأسه باقتناع.
الموت؟ لو كانوا يملكون الشجاعة الكافية للموت، لما انتهى بهم المطاف داخل أقفاصنا.
عرق ملعون.
سمعت أن الحراس عند البوابة شددوا إجراءات التفتيش خلال الأيام الماضية. ناهيك عن ذلك الأسقف الأعور من الكنيسة… كلما رأى قافلتنا، سال لعابه وكأننا فريسة ينتظر الانقضاض عليها.
قالها باحتقار، وكأنه يضع حدًا لكل ما سمعه.
الأجدر بك أن تسأل عن المكان الذي أنت فيه، لا عن هويتي. لكن قبل ذلك، لدي سؤال واحد…
لكن جون لم يجبه فورًا. أخذ نفسًا آخر من غليونه، ثم أطلق الدخان ببطء، وعادت ابتسامته المعتادة إلى وجهه.
توقف عن المقاومة، ثم أطلق زفرة طويلة.
أجاب جون دون تردد، ثم أعاد الغليون إلى فمه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع:
لا تشغل بالك بهم. بعد دخول المدينة، سيجد كل واحد منهم من يعلمه كيف يخفض عينيه.
هاه…
ثم استدار نحو القافلة، ورفع صوته:
كان رجلًا عريض الكتفين، تجاوز منتصف العمر بقليل، وقد تركت الشمس آثارها على بشرته. خدم جون سنوات طويلة، وكانت خبرته كافية لتجعله يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت.
حسنًا، انتهت الاستراحة! أريد الجميع في أماكنهم خلال دقائق. لقد أضعنا وقتًا كافيًا.
تحرك كارل لتنفيذ الأمر، بينما بدأ الحراس يتفرقون بين العربات، يتفقدون الأقفال ويعيدون شد الأحزمة.
أترى؟ لهذا السبب أكره التعامل معهم. لا تعرف ما الذي يدور في رؤوسهم. قد يبدو أحدهم مطيعًا طوال الطريق، ثم ينقض عليك بمجرد أن تدير ظهرك له.
لكنهم لا يريدون تجارة العبيد داخل المدينة. تخيل ذلك! يريدون شراء العبيد والاستفادة منهم، لكنهم يرفضون وجود المكان الذي تُباع فيه بضاعتهم على مرأى الجميع.
أما جون، فظل واقفًا قرب الشجرة، يراقبهم وهم يستعدون للرحيل.
من أنت؟
كانت المدينة تقترب، ومعها الأموال التي تنتظره، والصفقات التي لم يكن ينوي السماح لأحد بإفسادها.
رفع الغليون إلى فمه، وابتسم.
من كان يظن أن واحدًا منهم قد يترك أثرًا كهذا على وجهك؟
ليس لدي سبب يدعوني إلى القلق.
أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟
ففي النهاية، لم تكن تلك العيون القرمزية سوى عيون عبيد.
لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.
استأنفت القافلة رحلتها نحو المدينة، فيما راحت الرياح تعبث بخصلات شعر جون الشقراء المظفرة. ظل يراقب أسوار نيڤيريا وهي تقترب ببطء، وعلى وجهه ابتسامة واثقة، غير مدرك أن بعض ما ينتظره خلف تلك الأسوار قد يغير الكثير في مصيره.
سنتوقف قليلًا.
ـــ
صليل…
نيڤيريا، سجن العبيد.
لم يكن يملك سلاحًا، ولا حتى القوة الكافية لمواجهتي. لكنه كان مستعدًا لتمزيق عنقي بأسنانه إن أتيحت له الفرصة.
لأنك لم تكن حاضرًا حين حصلت عليها.
صليل…
ساد الصمت للحظة.
شق صوت السلاسل الصمت الثقيل داخل الزنزانة.
كان رجلًا عريض الكتفين، تجاوز منتصف العمر بقليل، وقد تركت الشمس آثارها على بشرته. خدم جون سنوات طويلة، وكانت خبرته كافية لتجعله يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت.
تحركت القيود مرة أخرى، فاحتك الحديد بعضه ببعض، مطلقًا رنينًا حادًا ارتد صداه في المكان المظلم.
لم يقاطعه كارل، بل انتظر أن يتابع.
ما هذا…؟
ألا يريدون العبيد أيضًا؟
خرج صوت خافت من بين شفتي أحد الفتيان.
وقف إلى جوار الشجرة، ثم أشار بذقنه نحو العربة الثانية، وقال ساخرًا:
حاول تحريك يديه، لكنه شعر بشيء بارد يطوق معصميه. شد قبضتيه، فازداد صوت السلاسل وضوحًا.
ما الذي يحدث…؟
ربما لأنهم لم يتقبلوا حقيقة أنهم أصبحوا عبيدًا بعد.
ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب ما يجري، قبل أن يخفض رأسه قليلًا نحو يديه. كانت القيود الحديدية تلتف حول معصميه، وتمتد منها سلاسل غليظة مثبتة في مكان ما فوق رأسه. أما ساقاه، فكانتا مقيدتين بدورهما.
لماذا أنا مقيّد؟
ثم أدار نظره نحو أسوار المدينة، وأردف بنبرة هادئة:
هاه…
صدر صوت من جواره.
عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.
هل استفقت أخيرًا؟
عائلة نيفيس ليست مشكلة كبيرة. لقد انقسمت إلى قسمين، ولم يعد أفرادها متفقين حتى على ما يريدونه. أما عائلة أورسيني، فذلك شأن آخر.
أدار الفتى رأسه نحو مصدر الصوت، وظل صامتًا للحظات قبل أن يسأل:
سنتوقف قليلًا.
عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.
من أنت؟
الأسقف؟ هل تتحدث عن رومان؟
كانت العربات الخشبية تتهادى فوق الطريق الحجري، وتصدر عجلاتها صريرًا متقطعًا كلما اصطدمت بإحدى الحفر.
تنهد الآخر، وكأن السؤال لم يكن سوى إزعاج إضافي لا يحتاج إليه.
الأجدر بك أن تسأل عن المكان الذي أنت فيه، لا عن هويتي. لكن قبل ذلك، لدي سؤال واحد…
توقف قليلًا، ثم أردف بنبرة ساخرة:
لماذا تحدق إليّ وعيناك مغمضتان؟
ساد الصمت للحظة.
ثم أطلق الفتى ذو الشعر الأبيض زفرة خفيفة، كأنه تذكر أمرًا نسيه للتو.
أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.
ذلك الأحمق…
لقد غدر بي.
عقد حاجبيه، محاولًا استعادة ما حدث قبل أن يفقد وعيه.
ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب ما يجري، قبل أن يخفض رأسه قليلًا نحو يديه. كانت القيود الحديدية تلتف حول معصميه، وتمتد منها سلاسل غليظة مثبتة في مكان ما فوق رأسه. أما ساقاه، فكانتا مقيدتين بدورهما.
تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
لكن ما الذي فعله بالضبط ذلك القزم حتى أفقدني الوعي؟
لقد غدر بي.
همم…
رفع كارل حاجبيه، وقد بدا عليه الاستغراب.
لا بد أنه دس شيئًا في ذلك الكوب.
ثم استدار نحو القافلة، ورفع صوته:
أمال رأسه قليلًا، ثم هز كتفيه بلامبالاة.
حسنًا، لا بأس. سنلتقي مجددًا، أيها الوغد.
أشاح كارل بنظره عن الأقفاص، ثم هز رأسه باقتناع.
لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.
كم كنا أغبياء.
ما هذا لا أشعر بأي “كا” داخل جسمي…
في تلك الأثناء، أدار صاحب الشعر الأبيض رأسه نحوه مجددًا، وكأنهما لم يكونا يتحدثان عن وضعه قبل لحظات.
قطب حاجبيه، وأعاد المحاولة، محاولًا استشعار أدنى خيط من “الكا”. غير أنه لم يجد شيئًا.
أحدهم كان مقيدًا، ومصابًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف. ومع ذلك، انتظر حتى اقتربت منه، ثم هاجمني بأسنانه كالحيوان المسعور.
ما الذي وضعه لي في ذلك الكوب بحق الجحيم؟
لماذا تحدق إليّ وعيناك مغمضتان؟
شد قبضتيه، ثم جذب ذراعيه بعنف محاولًا تحريرهما.
صليل!
راقبه الفتى المجاور بصمت. لم يبدُ عليه الاستغراب من تصرفاته بقدر ما بدا عليه الملل منها. ظل مستلقيًا في مكانه، وعيناه البرتقاليتان تتابعان حركات رفيقه داخل زنزانة دون أن ينبس ببنت شفة.
ما هذا لا أشعر بأي “كا” داخل جسمي…
ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.
همم…
توقف عن المقاومة، ثم أطلق زفرة طويلة.
هل نحن في سجن؟
يبدو أن عليّ الانتظار حتى أستعيد بعض “الكا”.
توقفت ابتسامة جون للحظة.
راقبه الفتى المجاور بصمت. لم يبدُ عليه الاستغراب من تصرفاته بقدر ما بدا عليه الملل منها. ظل مستلقيًا في مكانه، وعيناه البرتقاليتان تتابعان حركات رفيقه داخل زنزانة دون أن ينبس ببنت شفة.
انظر إلى ذلك الصغير. بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك ينظر إليّ وكأنه يحفظ وجهي لليوم الذي سيقتلني فيه.
مر بعض الوقت قبل أن يكسر الفتى ذو الشعر الأبيض الصمت مجددًا.
تبع كارل اتجاه إصبعه، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
مهلًا…
ما بال هذا الأحمق؟
لكن ما إن حاول فعل شيء ماحتى اختفت ابتسامته قليلًا.
أدار رأسه نحو مصدر الصوت السابق.
بصق على الأرض، ثم أخرج الغليون من فمه ونفض عنه الرماد.
هل نحن في سجن؟
أجابه الفتى ذو العينين البرتقاليتين ببرود:
نهاية الفصل
بل في شيء أسوأ مما تتخيل. هذا سجن للعبيد.
أين المنطق في هذا؟ أي نوع من الحمقى يظن أن بإمكانه الاستفادة من تجارة كهذه دون أن يتحمل وجودها أمام عينيه؟
ارتفعت حاعجب صاحب الشعر الأبيض قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
أعاد جون الغليون إلى فمه، وسحب منه نفسًا طويلًا.
سجن للعبيد؟ أيريدون بيعي أم ماذا؟
لأنك لم تكن حاضرًا حين حصلت عليها.
حدق فيه الآخر للحظات، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.
من كان يظن أن واحدًا منهم قد يترك أثرًا كهذا على وجهك؟
كانت المدينة تقترب، ومعها الأموال التي تنتظره، والصفقات التي لم يكن ينوي السماح لأحد بإفسادها.
ما بال هذا الأحمق؟
نفث جون سحابة صغيرة من الدخان، ثم أعاد نظره إلى الأقفاص.
ألا يدرك حتى الآن خطورة الموقف الذي وجد نفسه فيه؟ أم أنه لا يفهم معنى أن يستيقظ المرء مقيدًا داخل سجن للعبيد؟
تنهد الفتى ذو العينين البرتقاليتين، ثم أشاح بوجهه عنه.
تحرك كارل لتنفيذ الأمر، بينما بدأ الحراس يتفرقون بين العربات، يتفقدون الأقفال ويعيدون شد الأحزمة.
ارتطمت السلاسل ببعضها، واهتزت القيود حول معصميه، لكنها ظلت ثابتة في مكانها.
في تلك الأثناء، أدار صاحب الشعر الأبيض رأسه نحوه مجددًا، وكأنهما لم يكونا يتحدثان عن وضعه قبل لحظات.
ما هذا…؟
بالمناسبة، اسمي رورمين. ما اسمك؟
أعاد جون الغليون إلى فمه، وسحب منه نفسًا طويلًا.
نهاية الفصل
أدار رأسه نحو مصدر الصوت السابق.
