الجاذبية
الفصل الثالث والعشرون: الجاذبية
“باستثناء العائلات المؤسسة الثلاث عشرة، التي لم يبقَ منها سوى إحدى عشرة، توجد عائلات فرعية أصغر كثيرة لا تضرب جذور نسبها في العمق الكافي. وإذا أضفتم إليها العائلات التي نالت ألقابًا نبيلة بفضل إنجازاتها العظيمة، أو تلك التي مُنحت الألقاب لمساعدتها في إخضاع أبناء شعبها أو غيرهم، فسيبلغ عدد النبلاء في دراكتيس الآلاف. وهذا يعني أننا لا نحتاج إلا إلى قطع بضعة آلاف من الرؤوس حتى نتخلّص منهم جميعًا.”
وبعد حلوى بسيطة من الكعك والقهوة، ودّع سولومون الليدي بريور، وقد غدت مبتسمة، توجه إلى عربته. أيقظت ميليسا دنكان بلمسة سريعة خفيفة، ثم فتحت باب العربة لسولومون. وسارا في صمت لبعض الوقت، حتى لاحظ أن ميليسا ترمقه بنظرة غريبة.
— من خطاب دالمار المنشق، وقد وُثّق ليُستخدم في ملاحقة قضائية مستقبلية.
“سمعت أن عائلة نبيلة أخرى كانت تعيش هنا ذات يوم. آل هارتري؟ لا أستطيع القول إنني صادفت أحدًا منهم.”
راح سولومون يراقب البلدة وهي تمر من حوله، بينما كان يركب العربة برفقة ميليسا. كانا يعبران مونفالو بأكملها في طريقهما إلى ضيعة الليدي بريور. وقد أخذ رجال ونساء كثيرون يحدّقون في العربة وهي تمضي، إذ لم يألفوا رؤيتها في بلدتهم. بدا أهل البلدة شبيهين بمن سبق أن رآهم، لكنهم ربما كانوا أشد بؤسًا قليلًا؛ ثيابهم مرقّعة، ووجوههم أنحل. كان عليه أن يحرص على ألا يقتصر توزيع الأعمال على من يسهل الوصول إليهم فحسب.
“سولومون يكفي”، أجاب، وعيناه على الطريق المتداعي الذي كانت العربة تسير عليه.
بلغا طرف البلدة، ثم قطعا مسافة أخرى حتى وصلا إلى ضيعة صغيرة. لعلها تضم سبع أو ثماني غرف نوم، ونوافذها عالية تسمح بدخول الضوء الطبيعي، أما واجهتها فكانت متقنة الصنع، على طراز حديث نسبيًا. وزادتها الحديقة جمالًا، إذ اصطفّت فيها شجيرات الورد على جانبي الممر المؤدي إليها.
“آه، بالطبع.”
فتحت ميليسا باب العربة ليسهل عليه النزول، فعبقت رائحة الورود بأنف سولومون ما إن وطئت قدماه الأرض. شكر ميليسا، ثم دنكان، وهو يسير عبر الممر نحو الباب الأمامي. كان هناك مطرقة باب على هيئة وجه ثور غاضب، تخترق أنفه حلقة. طرق سولومون الباب طرقتين قويتين، ثم انتظر.
“كان رجلًا ذكيًا. هادئًا. وكانت له مطالب صارمة عمّا يتوقعه من خدمه.”
لم يسمع صوتًا، لكن الباب انفتح.
“شكرًا لك.”
وقف أمام سولومون الخادم الشاحب ذو الملامح التي لا ذكورية فيها ولا أنثوية، لقد رآه من قبل مع الليدي بريور في الكنيسة. لكن الرجل كان يشعّ هذه المرة.
“كان رجلًا ذكيًا. هادئًا. وكانت له مطالب صارمة عمّا يتوقعه من خدمه.”
انحنى الخادم له.
“الغداء جاهز”، قال بصوته الخافت.
“الليدي بانتظارك في غرفة الجلوس. تفضّل، دعني أرافقك إليها.”
“شكرًا لك”، أجاب سولومون وهو يدخل.
كان صوته محايدًا كملامحه؛ طبقتُه أعلى من المعتاد لدى الرجال وأخفض من المعتاد لدى النساء.
“كان للبلدة شأن آخر في زمن مضى. لم تكن يومًا لتنافس إتلينغ، لكنها كانت مكانًا طيبًا، يسكنه أناس طيبون.”
“شكرًا لك”، أجاب سولومون وهو يدخل.
— من خطاب دالمار المنشق، وقد وُثّق ليُستخدم في ملاحقة قضائية مستقبلية.
بدا داخل المنزل مُعتنى به بعناية لا تقل عن عنايته بواجهته. ومن أثاثه الفاخر ولوحاته ومزهرياته المملوءة بورد مقطوف حديثًا، خمن أن الورود من الحديقة.
“لم يخطر ذلك ببالي. كنت أتساءل فحسب إن كان بإمكاني أن أطرح عليه بعض الأسئلة. لا أذكر أنني التقيت فيكتور إلا مرة واحدة.”
قادوه إلى غرفة جلوس أنيقة، تصطف على أحد جدرانها رفوف كتب حُشيت بروايات غرامية فاضحة، وتطل نافذتها على الحديقة. كانت الليدي بريور جالسة على مقعد، مستقيمة القامة تمامًا، وفي إحدى يديها فنجان شاي، وعلى حجرها كتاب أُغلق لتوّه.
عاد العبوس إلى وجهها.
“الليدي بريور”، قال سولومون، وانحنى لها.
“إنها تبرز حقًا بين ضياع مونفالو.”
“اللورد مورو. أهلًا بك”، أجابت بلهجة رسمية.
راح سولومون يراقب البلدة وهي تمر من حوله، بينما كان يركب العربة برفقة ميليسا. كانا يعبران مونفالو بأكملها في طريقهما إلى ضيعة الليدي بريور. وقد أخذ رجال ونساء كثيرون يحدّقون في العربة وهي تمضي، إذ لم يألفوا رؤيتها في بلدتهم. بدا أهل البلدة شبيهين بمن سبق أن رآهم، لكنهم ربما كانوا أشد بؤسًا قليلًا؛ ثيابهم مرقّعة، ووجوههم أنحل. كان عليه أن يحرص على ألا يقتصر توزيع الأعمال على من يسهل الوصول إليهم فحسب.
“أعتذر لأنني لم أتمكن من الوفاء بموعدنا السابق.”
“ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فقد انتقلوا إلى إتلينغ منذ بعض الوقت. بل إن ضيعتك كانت ملكًا لهم في السابق. حين اشتراها عمك، قرروا الرحيل. كانوا قد خسروا قدرًا كبيرًا من استثماراتهم بعد انهيار المنجم. ومع ذلك، لا يزال أحد آل هارتري هنا.”
“أظن أن إعادة تحديد الموعد كانت مناسبة، بالنظر إلى الظروف. وإن كان ذلك بالكاد.” لم تتغير نبرة صوتها، فظل سولومون يتساءل إن كانت تمزح أم لا.
كان صوته محايدًا كملامحه؛ طبقتُه أعلى من المعتاد لدى الرجال وأخفض من المعتاد لدى النساء.
“تفضّل بالجلوس”، قالت وهي تشير إلى المقعد المقابل لها. “ثرين، أحضر له بعض الشاي، ثم عد إلينا حين يصبح الغداء جاهزًا.”
عقد سولومون حاجبيه. كانت ليندال مدينة حدودية قرب الجبال الفاصلة بين دراكثيس وهيرد. قلّما ذهب إليها أحد، وقلّما غادرها أحد.
أومأ الخادم الشاحب وصبّ شايًا لا يزال ساخنًا في كوب تزيّنه رسوم زهور زرقاء.
راح سولومون يراقب البلدة وهي تمر من حوله، بينما كان يركب العربة برفقة ميليسا. كانا يعبران مونفالو بأكملها في طريقهما إلى ضيعة الليدي بريور. وقد أخذ رجال ونساء كثيرون يحدّقون في العربة وهي تمضي، إذ لم يألفوا رؤيتها في بلدتهم. بدا أهل البلدة شبيهين بمن سبق أن رآهم، لكنهم ربما كانوا أشد بؤسًا قليلًا؛ ثيابهم مرقّعة، ووجوههم أنحل. كان عليه أن يحرص على ألا يقتصر توزيع الأعمال على من يسهل الوصول إليهم فحسب.
“كيف تحبّه؟”
“همج أُسندت إليهم سلطة تفوق مقامهم. سرّني أن أعلم أن عددهم قد نقص واحدًا.” ارتشفت من شايها، ولان تعبير وجهها قليلًا. “لكنني آسفة، بالطبع، لما حدث في ضيعتك.”
“حلوًا”، أجاب سولومون، وراقب الخادم وهو يضيف إليه أربع ملاعق من السكر، ثم يحرّكه برفق ويسلمه إياه.
— من خطاب دالمار المنشق، وقد وُثّق ليُستخدم في ملاحقة قضائية مستقبلية.
أومأ سولومون شاكرًا، وتناول رشفة. كان الشاي قويّ النكهة، تفوح منه رائحة الأزهار.
الفصل الثالث والعشرون: الجاذبية “باستثناء العائلات المؤسسة الثلاث عشرة، التي لم يبقَ منها سوى إحدى عشرة، توجد عائلات فرعية أصغر كثيرة لا تضرب جذور نسبها في العمق الكافي. وإذا أضفتم إليها العائلات التي نالت ألقابًا نبيلة بفضل إنجازاتها العظيمة، أو تلك التي مُنحت الألقاب لمساعدتها في إخضاع أبناء شعبها أو غيرهم، فسيبلغ عدد النبلاء في دراكتيس الآلاف. وهذا يعني أننا لا نحتاج إلا إلى قطع بضعة آلاف من الرؤوس حتى نتخلّص منهم جميعًا.”
ما إن استقر سولومون في مقعده حتى انحنى ثرين مرة أخرى وغادر الغرفة. أما ميليسا، فذهبت لتقف عند الباب، لعلها أرادت أن تُخرج الكتاب الصغير من جيب سترتها وتقرأه خلسة.
ألقى سولومون نظرة عابرة حوله.
ألقى سولومون نظرة عابرة حوله.
“ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فقد انتقلوا إلى إتلينغ منذ بعض الوقت. بل إن ضيعتك كانت ملكًا لهم في السابق. حين اشتراها عمك، قرروا الرحيل. كانوا قد خسروا قدرًا كبيرًا من استثماراتهم بعد انهيار المنجم. ومع ذلك، لا يزال أحد آل هارتري هنا.”
“ضيعتك جميلة.”
“اللورد مورو. أهلًا بك”، أجابت بلهجة رسمية.
“أنا واثقة من أنها لا تضاهي ضيعتك، أيها اللورد مورو.”
“أظن أن إعادة تحديد الموعد كانت مناسبة، بالنظر إلى الظروف. وإن كان ذلك بالكاد.” لم تتغير نبرة صوتها، فظل سولومون يتساءل إن كانت تمزح أم لا.
“مبناي كبير ومهيب، لكنه يفتقر إلى ما يمتّ إلى الأناقة بصلة. ضيعتك أرقى بكثير.”
“آل بايثار؟”
ارتجفت حافتا فمها المقطّب، وارتفعتا قليلًا للحظة.
ما إن استقر سولومون في مقعده حتى انحنى ثرين مرة أخرى وغادر الغرفة. أما ميليسا، فذهبت لتقف عند الباب، لعلها أرادت أن تُخرج الكتاب الصغير من جيب سترتها وتقرأه خلسة.
“شكرًا لك.”
الفصل الثالث والعشرون: الجاذبية “باستثناء العائلات المؤسسة الثلاث عشرة، التي لم يبقَ منها سوى إحدى عشرة، توجد عائلات فرعية أصغر كثيرة لا تضرب جذور نسبها في العمق الكافي. وإذا أضفتم إليها العائلات التي نالت ألقابًا نبيلة بفضل إنجازاتها العظيمة، أو تلك التي مُنحت الألقاب لمساعدتها في إخضاع أبناء شعبها أو غيرهم، فسيبلغ عدد النبلاء في دراكتيس الآلاف. وهذا يعني أننا لا نحتاج إلا إلى قطع بضعة آلاف من الرؤوس حتى نتخلّص منهم جميعًا.”
“إنها تبرز حقًا بين ضياع مونفالو.”
“الجميع يستطيعون إخباري بذلك عنه.”
أومأت، وارتشفت قليلًا من الشاي لترطّب حلقها.
بدا داخل المنزل مُعتنى به بعناية لا تقل عن عنايته بواجهته. ومن أثاثه الفاخر ولوحاته ومزهرياته المملوءة بورد مقطوف حديثًا، خمن أن الورود من الحديقة.
“كان للبلدة شأن آخر في زمن مضى. لم تكن يومًا لتنافس إتلينغ، لكنها كانت مكانًا طيبًا، يسكنه أناس طيبون.”
“سمعت أن عائلة نبيلة أخرى كانت تعيش هنا ذات يوم. آل هارتري؟ لا أستطيع القول إنني صادفت أحدًا منهم.”
“رأيت لمحات من ذلك”، كذب سولومون. “شرارات صغيرة مما كانت عليه في الماضي.” ارتشف من شايه. “هل لي أن أسأل عمّا حدث؟”
ما إن استقر سولومون في مقعده حتى انحنى ثرين مرة أخرى وغادر الغرفة. أما ميليسا، فذهبت لتقف عند الباب، لعلها أرادت أن تُخرج الكتاب الصغير من جيب سترتها وتقرأه خلسة.
في الحقيقة، كان يعرف أن معظم المتاعب بدأت حين توقّف التعدين وقطع الأشجار، لكنه لم يستهن برأي امرأة عاشت هنا طوال حياتها.
أومأ سولومون. لم يكن لينال من ثرين إجابات صريحة، لكن الاستنتاجات غير المباشرة التي يستطيع استخلاصها كانت مفيدة تقريبًا بالقدر نفسه.
عاد العبوس إلى وجهها.
“كان رجلًا ذكيًا. هادئًا. وكانت له مطالب صارمة عمّا يتوقعه من خدمه.”
“سألقي اللوم على آل بايثار.”
“آه، بالطبع.”
“آل بايثار؟”
رأى هذه المرة المانا داخل ثرين تتحرك وتضطرب قليلًا.
كانت عائلة نبيلة عاشت في هذه الأراضي قبل سواها. وكان أسلافهم زعماء قبائل خضعوا للإمبراطورية طوعًا. وبحسب ما عرفه، فقد فقدوا ألقابهم منذ بعض الوقت.
وبعد حلوى بسيطة من الكعك والقهوة، ودّع سولومون الليدي بريور، وقد غدت مبتسمة، توجه إلى عربته. أيقظت ميليسا دنكان بلمسة سريعة خفيفة، ثم فتحت باب العربة لسولومون. وسارا في صمت لبعض الوقت، حتى لاحظ أن ميليسا ترمقه بنظرة غريبة.
“نعم. إنهم كالفئران، يقضمون هذه البلدة شيئًا فشيئًا. كلما أُسندت إليهم السلطة، انحدرت البلدة أكثر نحو إمارة نائية مهملة. حين كنت صغيرة، كان أبي يحمّلهم مسؤولية الحادث الذي أوقف عمل المنجم، ومع ذلك عادوا وتولّوا السلطة. وأتصور أنك لا تحبهم أنت أيضًا، بالنظر إلى ما حدث لك.”
“الغداء جاهز”، قال بصوته الخافت.
“ما حدث لي…؟” تمتم سولومون بصوت مسموع، وسرعان ما ربط ذهنه بين كلامها وما يعرفه. فطفا إلى ذاكرته أيضًا ذكرى مبهمة لماركوس وهو يدّعي أنه من آل بايثار؛ ذكرى طُمست وسط كل المانا والدم في ذلك اليوم.
أومأ سولومون. لم يكن لينال من ثرين إجابات صريحة، لكن الاستنتاجات غير المباشرة التي يستطيع استخلاصها كانت مفيدة تقريبًا بالقدر نفسه.
“أكان العمدة والحارس الأول من آل بايثار؟”
أومأت.
أومأت.
أومأت.
“همج أُسندت إليهم سلطة تفوق مقامهم. سرّني أن أعلم أن عددهم قد نقص واحدًا.” ارتشفت من شايها، ولان تعبير وجهها قليلًا. “لكنني آسفة، بالطبع، لما حدث في ضيعتك.”
“الليدي بانتظارك في غرفة الجلوس. تفضّل، دعني أرافقك إليها.”
“بالطبع”، أجاب مبتسمًا وهزّ رأسه. لقد منحه كونهم من نبلاء سابقين فهمًا أعمق لرسوخ نفوذهم.
“هل لي أن أسألك عن رأيك في عمي؟”
“حين كنت فتاة، انتشرت شائعات تقول إنهم يقتلون زوجاتهم. وقال بعضهم إن ذلك هو السبب الحقيقي وراء تجريدهم من ألقابهم.”
“آه، بالطبع.”
ابتسم سولومون.
“آه، بالطبع.”
“هذا مثير للاهتمام.” ارتشف من شايه مرة أخرى. “هل لي أن أسألك سؤالًا آخر؟”
فتحت ميليسا باب العربة ليسهل عليه النزول، فعبقت رائحة الورود بأنف سولومون ما إن وطئت قدماه الأرض. شكر ميليسا، ثم دنكان، وهو يسير عبر الممر نحو الباب الأمامي. كان هناك مطرقة باب على هيئة وجه ثور غاضب، تخترق أنفه حلقة. طرق سولومون الباب طرقتين قويتين، ثم انتظر.
أومأت، وبدا أنها بدأت ترتاح إليه. فللقيل والقال سحره بين النساء النبيلات. وكذلك بين الرجال، وإن كانوا نادرًا ما يعترفون بذلك.
“سمعت أن عائلة نبيلة أخرى كانت تعيش هنا ذات يوم. آل هارتري؟ لا أستطيع القول إنني صادفت أحدًا منهم.”
“سمعت أن عائلة نبيلة أخرى كانت تعيش هنا ذات يوم. آل هارتري؟ لا أستطيع القول إنني صادفت أحدًا منهم.”
“آل بايثار؟”
“ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فقد انتقلوا إلى إتلينغ منذ بعض الوقت. بل إن ضيعتك كانت ملكًا لهم في السابق. حين اشتراها عمك، قرروا الرحيل. كانوا قد خسروا قدرًا كبيرًا من استثماراتهم بعد انهيار المنجم. ومع ذلك، لا يزال أحد آل هارتري هنا.”
أومأت، وبدا أنها بدأت ترتاح إليه. فللقيل والقال سحره بين النساء النبيلات. وكذلك بين الرجال، وإن كانوا نادرًا ما يعترفون بذلك.
“حقًا؟”
“كان نهمًا للقراءة، وطالبًا للعلم طوال حياته. وبخلاف ذلك، لم يبدُ أن شيئًا يثير اهتمامه.”
“أنا. كانت جدتي من آل هارتري. كانت عائلتانا على صلة وثيقة، إذ لم يكن هنا سوى النبلاء المتحضرين.”
رأى هذه المرة المانا داخل ثرين تتحرك وتضطرب قليلًا.
“آه، بالطبع.”
أومأ الخادم الشاحب وصبّ شايًا لا يزال ساخنًا في كوب تزيّنه رسوم زهور زرقاء.
عاد ثرين إلى الغرفة.
“ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فقد انتقلوا إلى إتلينغ منذ بعض الوقت. بل إن ضيعتك كانت ملكًا لهم في السابق. حين اشتراها عمك، قرروا الرحيل. كانوا قد خسروا قدرًا كبيرًا من استثماراتهم بعد انهيار المنجم. ومع ذلك، لا يزال أحد آل هارتري هنا.”
“الغداء جاهز”، قال بصوته الخافت.
“لكل شخص أسلوب يناسبه”، أجاب ببساطة. “معك ومع بقية الخدم، لا أحتاج إلى المواربة. أما مع نبيلات مثل الليدي بريور، فينبغي معالجة الأمور بحذر أكبر. هذا درس يجدر بك، بصفتك خادمتي الخاصة، أن تحفظيه.”
“سيدتي”، قال سولومون، وعرض عليها ذراعه.
“اعذرني على قول هذا، أيها اللورد مورو، لكنك كنت لبقًا للغاية هناك.”
ابتسمت ابتسامة ماكرة قليلًا، وقبلت ذراعه، فسار معها إلى غرفة الطعام. كانت أنيقة الأثاث، ونظيفة تمامًا ك سائر أرجاء الضيعة. وعلى المائدة وُضع طائر الطيهوج، وعدة أوعية من الفاكهة، وخبز طازج. كان الغداء أثقل قليلًا من المعتاد، لكن جوع سولومون جعله ممتنًا له.
اختار أن يطرح الأسئلة التي تحب كل امرأة ذات مكانة ونفوذ أن تُسأل عنها، كي يكسب ودّها: كيف حال أبنائك؟ كيف كانت الحياة حين كنت شابة؟ كيف تديرين ضيعة جميلة كهذه؟ أصغى إلى شكواها من ابنيها اللذين لا يزورانها أبدًا؛ أحدهما مساعد في البرلمان، والآخر تاجر في إتلينغ. ثم حدّثته عن رحلتها إلى العاصمة في شبابها، وعن لقائها بالملك السابق الذي أثنى على جمالها. وأخيرًا، أغدقت الثناء على ثرين، الذي تبيّن أنه يدير الضيعة كلها ويعتني بها بمفرده.
“لم يحالفهم الحظ مثلي في العثور على عمل جديد هنا. فاضطروا إلى الذهاب إلى أماكن أخرى.”
“يكاد لا ينام، ولا يشتكي أبدًا، ودائمًا ما ينجز عمله على أكمل وجه.”
“آه، بالطبع.”
“هذا مثير للإعجاب حقًا”، قال سولومون، وهو ينظر إلى الرجل الشاحب الواقف في زاوية الغرفة، الذي ظل يشعّ بالمانا في عينيه.
“رأيت لمحات من ذلك”، كذب سولومون. “شرارات صغيرة مما كانت عليه في الماضي.” ارتشف من شايه. “هل لي أن أسأل عمّا حدث؟”
“والآن، إن لم أكن مخطئًا، فقد عمل سابقًا عند عمي؟”
“آه، بالطبع.”
“صحيح، لكن لا تفكر في انتزاعه مني”، أجابت الليدي بريور، وقد شاب صوتها شيء من التحذير.
رأى هذه المرة المانا داخل ثرين تتحرك وتضطرب قليلًا.
“لم يخطر ذلك ببالي. كنت أتساءل فحسب إن كان بإمكاني أن أطرح عليه بعض الأسئلة. لا أذكر أنني التقيت فيكتور إلا مرة واحدة.”
“لا. أُجبرنا على خدمته في ليندال حين كان يقيم هناك.”
“أستطيع أن أخبرك بأنه كان فظًّا ومنعزلًا”، أجابت الليدي.
“لاحظت أن أيًّا من خدمه لم يكن من أهل مونفالو أصلًا. هل أحضرهم من ضيعة مورو؟”
ابتسم سولومون.
“هل من شيء؟” سألها.
“الجميع يستطيعون إخباري بذلك عنه.”
وبعد حلوى بسيطة من الكعك والقهوة، ودّع سولومون الليدي بريور، وقد غدت مبتسمة، توجه إلى عربته. أيقظت ميليسا دنكان بلمسة سريعة خفيفة، ثم فتحت باب العربة لسولومون. وسارا في صمت لبعض الوقت، حتى لاحظ أن ميليسا ترمقه بنظرة غريبة.
أومأت.
لم يسمع صوتًا، لكن الباب انفتح.
“يمكنك أن تسأله. لقد آلم فكيّ كثرة الكلام، على أي حال. مضى وقت طويل منذ تحدثت بهذا القدر.”
عاد ثرين إلى الغرفة.
“كان الحديث ممتعًا”، أجاب سولومون، لقد شعر أنه نجح في استمالة الأرملة بما يكفي. ثم التفت إلى ثرين، الذي لم يتبدّل تعبير وجهه حتى حين كان الحديث عنه.
“الليدي بريور”، قال سولومون، وانحنى لها.
“هل لي أن أسألك عن رأيك في عمي؟”
ابتسمت ابتسامة ماكرة قليلًا، وقبلت ذراعه، فسار معها إلى غرفة الطعام. كانت أنيقة الأثاث، ونظيفة تمامًا ك سائر أرجاء الضيعة. وعلى المائدة وُضع طائر الطيهوج، وعدة أوعية من الفاكهة، وخبز طازج. كان الغداء أثقل قليلًا من المعتاد، لكن جوع سولومون جعله ممتنًا له.
“كان رجلًا ذكيًا. هادئًا. وكانت له مطالب صارمة عمّا يتوقعه من خدمه.”
“الليدي بانتظارك في غرفة الجلوس. تفضّل، دعني أرافقك إليها.”
“لاحظت أن أيًّا من خدمه لم يكن من أهل مونفالو أصلًا. هل أحضرهم من ضيعة مورو؟”
“يكاد لا ينام، ولا يشتكي أبدًا، ودائمًا ما ينجز عمله على أكمل وجه.”
“لا. أُجبرنا على خدمته في ليندال حين كان يقيم هناك.”
“أعتذر لأنني لم أتمكن من الوفاء بموعدنا السابق.”
عقد سولومون حاجبيه. كانت ليندال مدينة حدودية قرب الجبال الفاصلة بين دراكثيس وهيرد. قلّما ذهب إليها أحد، وقلّما غادرها أحد.
“اعذرني على قول هذا، أيها اللورد مورو، لكنك كنت لبقًا للغاية هناك.”
“هل تعرف ما حلّ بالخدم الآخرين؟”
“هل لي أن أسألك عن رأيك في عمي؟”
رأى هذه المرة المانا داخل ثرين تتحرك وتضطرب قليلًا.
لم يتغير صوته ولا تعبير وجهه، لكن سولومون عرف أنه يكذب.
“لم يحالفهم الحظ مثلي في العثور على عمل جديد هنا. فاضطروا إلى الذهاب إلى أماكن أخرى.”
راح سولومون يراقب البلدة وهي تمر من حوله، بينما كان يركب العربة برفقة ميليسا. كانا يعبران مونفالو بأكملها في طريقهما إلى ضيعة الليدي بريور. وقد أخذ رجال ونساء كثيرون يحدّقون في العربة وهي تمضي، إذ لم يألفوا رؤيتها في بلدتهم. بدا أهل البلدة شبيهين بمن سبق أن رآهم، لكنهم ربما كانوا أشد بؤسًا قليلًا؛ ثيابهم مرقّعة، ووجوههم أنحل. كان عليه أن يحرص على ألا يقتصر توزيع الأعمال على من يسهل الوصول إليهم فحسب.
لم يتغير صوته ولا تعبير وجهه، لكن سولومون عرف أنه يكذب.
“اعذرني على قول هذا، أيها اللورد مورو، لكنك كنت لبقًا للغاية هناك.”
“هل كانت لعمي هوايات؟ لقد وجدت أشياء غريبة كثيرة في الضيعة منذ انتقلت إليها.”
“أنت تؤدي العمل بالفعل. لا أرى سببًا يدعوني إلى تأجيل الأمر أكثر. من الآن فصاعدًا، أنت خادمتي الخاصة رسميًا. وسأضاعف أجرك. أتوقع منك أن تحافظي على مستوى العمل نفسه الذي رأيته منك حتى الآن.”
ازداد اضطراب المانا المنبعثة من ثرين.
ألقى سولومون نظرة عابرة حوله.
“كان نهمًا للقراءة، وطالبًا للعلم طوال حياته. وبخلاف ذلك، لم يبدُ أن شيئًا يثير اهتمامه.”
“هذا مثير للإعجاب حقًا”، قال سولومون، وهو ينظر إلى الرجل الشاحب الواقف في زاوية الغرفة، الذي ظل يشعّ بالمانا في عينيه.
أومأ سولومون. لم يكن لينال من ثرين إجابات صريحة، لكن الاستنتاجات غير المباشرة التي يستطيع استخلاصها كانت مفيدة تقريبًا بالقدر نفسه.
“نعم. إنهم كالفئران، يقضمون هذه البلدة شيئًا فشيئًا. كلما أُسندت إليهم السلطة، انحدرت البلدة أكثر نحو إمارة نائية مهملة. حين كنت صغيرة، كان أبي يحمّلهم مسؤولية الحادث الذي أوقف عمل المنجم، ومع ذلك عادوا وتولّوا السلطة. وأتصور أنك لا تحبهم أنت أيضًا، بالنظر إلى ما حدث لك.”
“شكرًا لك. وشكرًا على الطعام أيضًا، إنه ممتاز.”
عقد سولومون حاجبيه. كانت ليندال مدينة حدودية قرب الجبال الفاصلة بين دراكثيس وهيرد. قلّما ذهب إليها أحد، وقلّما غادرها أحد.
وبعد حلوى بسيطة من الكعك والقهوة، ودّع سولومون الليدي بريور، وقد غدت مبتسمة، توجه إلى عربته. أيقظت ميليسا دنكان بلمسة سريعة خفيفة، ثم فتحت باب العربة لسولومون. وسارا في صمت لبعض الوقت، حتى لاحظ أن ميليسا ترمقه بنظرة غريبة.
“هذا مثير للإعجاب حقًا”، قال سولومون، وهو ينظر إلى الرجل الشاحب الواقف في زاوية الغرفة، الذي ظل يشعّ بالمانا في عينيه.
“هل من شيء؟” سألها.
“ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فقد انتقلوا إلى إتلينغ منذ بعض الوقت. بل إن ضيعتك كانت ملكًا لهم في السابق. حين اشتراها عمك، قرروا الرحيل. كانوا قد خسروا قدرًا كبيرًا من استثماراتهم بعد انهيار المنجم. ومع ذلك، لا يزال أحد آل هارتري هنا.”
“اعذرني على قول هذا، أيها اللورد مورو، لكنك كنت لبقًا للغاية هناك.”
“مبناي كبير ومهيب، لكنه يفتقر إلى ما يمتّ إلى الأناقة بصلة. ضيعتك أرقى بكثير.”
“أعذرك”، أجاب بفتور.
“آل بايثار؟”
“أعتذر يا سيدي. لكنك عادةً أكثر صراحة.”
ابتسمت ابتسامة ماكرة قليلًا، وقبلت ذراعه، فسار معها إلى غرفة الطعام. كانت أنيقة الأثاث، ونظيفة تمامًا ك سائر أرجاء الضيعة. وعلى المائدة وُضع طائر الطيهوج، وعدة أوعية من الفاكهة، وخبز طازج. كان الغداء أثقل قليلًا من المعتاد، لكن جوع سولومون جعله ممتنًا له.
“لكل شخص أسلوب يناسبه”، أجاب ببساطة. “معك ومع بقية الخدم، لا أحتاج إلى المواربة. أما مع نبيلات مثل الليدي بريور، فينبغي معالجة الأمور بحذر أكبر. هذا درس يجدر بك، بصفتك خادمتي الخاصة، أن تحفظيه.”
“أظن أن إعادة تحديد الموعد كانت مناسبة، بالنظر إلى الظروف. وإن كان ذلك بالكاد.” لم تتغير نبرة صوتها، فظل سولومون يتساءل إن كانت تمزح أم لا.
اتسعت عيناها.
انحنى الخادم له.
“خادمتك الخاصة، سيدي؟”
“بالطبع”، أجاب مبتسمًا وهزّ رأسه. لقد منحه كونهم من نبلاء سابقين فهمًا أعمق لرسوخ نفوذهم.
“أنت تؤدي العمل بالفعل. لا أرى سببًا يدعوني إلى تأجيل الأمر أكثر. من الآن فصاعدًا، أنت خادمتي الخاصة رسميًا. وسأضاعف أجرك. أتوقع منك أن تحافظي على مستوى العمل نفسه الذي رأيته منك حتى الآن.”
كانت عائلة نبيلة عاشت في هذه الأراضي قبل سواها. وكان أسلافهم زعماء قبائل خضعوا للإمبراطورية طوعًا. وبحسب ما عرفه، فقد فقدوا ألقابهم منذ بعض الوقت.
أومأت، ولم تستطع كبح ابتسامتها.
— من خطاب دالمار المنشق، وقد وُثّق ليُستخدم في ملاحقة قضائية مستقبلية.
“شكرًا لك، أيها اللورد مورو.”
“شكرًا لك.”
“سولومون يكفي”، أجاب، وعيناه على الطريق المتداعي الذي كانت العربة تسير عليه.
أومأت.
ألقى سولومون نظرة عابرة حوله.
