Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 511

الملك في الضباب
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الملك في الضباب

الفصل 511: الملك في الضباب

توقف مالوس للحظة تحت اللوحة التي تصور ملك النهضة.

 

«لا».

«لم نتمكن من تأمين هذا المكان».

 

 

أما الثاني، فكان يقف في غابة، يحمل سيفًا ودرعًا، وقد ارتسم الإصرار على ملامحه كما عهدوه.

كان غلوفر يمسك بزمام جواده، وملامح الجدية تعلو وجهه، بينما يقف أمام بوابة حديدية واسعة متقنة الصنع، يمكن فتحها من الجانبين. أخذ يتأمل الحديقة الأنيقة والنافورة التي تتوسطها، والمصنوعة في أرض التنانين المباركة، ثم ألقى نظرة فاحصة على المبنى ذي الطوابق الثلاثة، بممره الفسيح المحاط بالأعمدة.

«أوه، لا… إنهما ستون وفوبل!»

 

«تخيل الأمر فحسب. لو أقمنا هنا مأدبة، لتسابقت سيدات العاصمة إلى الحضور!»

«ماذا؟ ماذا قلت؟»

كان الدوق ثاليس واقفًا هناك في صمت.

 

 

سأل الحامي دويل، الذي كان يقف بجواره منشغلًا بتفقد فم جواده، وقد ارتسمت الحيرة على وجهه.

اكتسى وجه دي. دي بشيء من الكآبة.

 

استدار ثاليس دون وعي.

في الأرجاء، انتشر الحرس الملكي المكلّف بحماية الأمير. وكانوا يتحركون في انتظام برفقة مسؤول المراسم الملكية والمسؤول الإداري القادمين من مبنى البلدية، وهم يدخلون هذا القصر الفخم. تولّى الحرس الملكي مهام الخدم والحراس المحليين، الذين كان معظمهم من الجيش الخاص لعائلة جاديستار، وقد استُدعوا من الإقليم الأوسط إلى هذا المكان، فوجدوا أنفسهم محط اهتمام يفوق ما اعتادوه. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شرع الحرس الملكي أيضًا في نشر الدعاية.

كان غلوفر يمسك بزمام جواده، وملامح الجدية تعلو وجهه، بينما يقف أمام بوابة حديدية واسعة متقنة الصنع، يمكن فتحها من الجانبين. أخذ يتأمل الحديقة الأنيقة والنافورة التي تتوسطها، والمصنوعة في أرض التنانين المباركة، ثم ألقى نظرة فاحصة على المبنى ذي الطوابق الثلاثة، بممره الفسيح المحاط بالأعمدة.

 

ظل يحدق في الرواق دون أن يصدر صوتًا أو يتحرك، وكأنه انفصل تمامًا عما يدور حوله.

«تضاريس المكان معقدة، ونقطة الحراسة الأمامية فيه مصدر إزعاج، وزخارفه عديمة الفائدة، أما الجيش الخاص لعائلة جاديستار، فيتألف من جنود جُنّدوا من مناطق أخرى».

«عندما دخلت قصر النهضة للمرة الأولى، كنت مصابًا بجروح بالغة إثر محاولة اغتيال. لقد حملوني إلى الداخل وأنا فاقد للوعي».

 

 

أدار غلوفر، قائد الطليعة، عينيه في الأرجاء، من الأسوار المحيطة بالبوابة الرئيسية إلى الفناء الخلفي البعيد، وازدادت النظرة الحذرة في عينيه.

 

 

تقدم الحارس مالوس ووقف إلى جوار الدوق، ثم أخذ يتأمل معه المبنى الرئيسي لهذا القصر، متحدثًا بنبرة تنطوي على شيء من الدلالة.

«وفوق ذلك كله، لدينا متاهة حدائق تفوق مساحتها مساحة الإقليم الشمالي».

رفع ثاليس حاجبًا.

 

 

راح قائد الطليعة يتفحص المكان، بينما كانت الحركة تدب في كل زاوية من حوله، والناس منهمكون في أعمالهم. سلّم جواده إلى أحد مرؤوسيه في فرقة الطليعة، ثم عقد حاجبيه أكثر.

 

 

حدّق دويل في الخادمة الواقفة قرب الجدار، وقد احمرّ وجهها، قبل أن تستدير بعيدًا عنه.

«أكبر من الإقليم الشمالي…»

 

 

 

تمتم دويل إلى جواره دون أن يشعر، لكنه سرعان ما أدرك ما يقصده غلوفر، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة مشرقة.

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

«اهدأ يا زومبي. هذه قاعة مينديس، وليست حصن التنين المكسور».

«اهدأ يا زومبي. هذه قاعة مينديس، وليست حصن التنين المكسور».

 

 

توقف دويل للحظة، ثم مرّر أصابعه على البوابة الحديدية والحديقة والنافورة والطريق المؤدي إلى المدخل الرئيسي. وفي النهاية، قرر أن يشير إلى الشمس المتألقة فوق رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة.

لم يكترث دويل بتعبير وجه قائد الطليعة، بل دسّ زمام جواده في يد حارس آخر بحركة طبيعية تمامًا. ثم لمح على وجه الحارس تعبيرًا مستاءً، وكأنه يتساءل: «أين ذهب أفراد فرقة الدفاع هؤلاء؟» قبل أن يقود الجواد بعيدًا. عندها فقط استدار دويل، وقد بدا عليه الرضا.

ثم نظر نحو قصر النهضة، وقد غامت عيناه مجددًا.

 

تلألأت عينا غلوفر قليلًا.

«ثم إننا لسنا هنا لخوض حرب».

نظر إلى الطريق الممتد خارج البوابة الحديدية، ثم ألقى نظرة على المبنى القائم في نهاية الحديقة، قبل أن يقول ببرود:

 

«لماذا؟»

أطلق غلوفر شخيرًا مقتضبًا من أنفه.

تقدم ثاليس بخطوات مثقلة بشيء من الإحباط، متجاوزًا الرواق ذي الأعمدة، حتى وقعت عيناه على الجدار الواقع تحت الثريا. كانت هناك ثلاث لوحات ضخمة تواجه البوابة الرئيسية، تجسد كل منها واحدًا من ثلاثة رجال.

 

 

نظر إلى الطريق الممتد خارج البوابة الحديدية، ثم ألقى نظرة على المبنى القائم في نهاية الحديقة، قبل أن يقول ببرود:

«أكبر من الإقليم الشمالي…»

 

 

«ينبغي للأمير أن يقيم في قصر النهضة».

ضمّ غلوفر شفتيه.

 

 

تحدث قائد الطليعة بتمهل، وكأن وراء كلماته معنى عميقًا لم يُفصح عنه.

وفي النهاية، ألقى ثاليس نظرة على المكان الذي اختفى فيه مالوس، ثم استدار وغادر الرواق متجهًا إلى الحديقة.

 

«هذا ليس كلامًا ينبغي لك قوله، أيها الحامي دويل».

لكن دويل نقر بلسانه وهز رأسه.

 

 

«لا أحد منكم يعرف هذا الأمر».

«لا، لا، لا. صحيح أننا لم نكن نعرف بعضنا جيدًا في الماضي، لكنني أعلم أن أفراد فرقة الطليعة لا يتولون مهام الحراسة الثابتة كثيرًا…»

رفع دويل ثلاثة أصابع، وكأنه يستعرض معرفته أمام غلوفر، ثم أخذ يطويها واحدًا تلو الآخر.

 

سواء أكان الأمر يتعلق بمالك قاعة مينديس، أم بدوق بحيرة النجوم، أم بقصص أسلافي، فإن كل ذلك يثير في النفس الكثير من التساؤلات.

ضمّ غلوفر شفتيه.

«لذا، تماسك، ولا سيما حين يكون الحراس جميعهم من حولك».

 

 

«لا أعرف قاعة تورموند والغرفة الصامتة معرفة جيدة، لكن هذين المكانين هما مقر إقامة الملك والملكة…»

 

 

 

رفع دويل ثلاثة أصابع، وكأنه يستعرض معرفته أمام غلوفر، ثم أخذ يطويها واحدًا تلو الآخر.

 

 

 

«لكن قاعة بالارد ضيقة للغاية، وساحة آلان مرتفعة أكثر مما ينبغي، فضلًا عن شدة البرد فيها. أما قاعة سومر، فهي قاتمة ومظلمة…»

عاد مالوس يركز نظره على ثاليس، فأجبر الأمير، الذي كان غارقًا في شعور بالوحدة والإحباط، على الارتجاف.

 

ضمّ غلوفر شفتيه.

«صدقني، إذا قارنت هذا المكان بتلك القاعات الفخمة والواسعة الشهيرة في قصر النهضة، فستجد نفسك تفضّله عليها».

نظر مالوس إلى الأمير، فرآه يأخذ نفسًا عميقًا بينما يحدق في السماء البعيدة. وكانت نبرته مشبعة بالحسرة.

 

 

لوّح دويل بيديه في حركة أنيقة، مشيرًا إلى الحديقة الفاخرة الممتدة أمامهما.

 

 

انتزع السؤال ثاليس من شروده، فهز رأسه.

ضيّق غلوفر عينيه.

اكتسى وجه دي. دي بشيء من الكآبة.

 

لكنه سرعان ما استوعب اللقب الذي ذكره مالوس.

«على الأقل، على الأقل، تتمتع قاعة مينديس بـ…»

وكان لا بد من الاعتراف بأنه، في تلك اللحظة، شعر ثاليس بشيء من الحرج، بعدما كشف مالوس الستار عن الأفكار والمشكلات التي ظلت تثقل كاهله.

 

عقد مالوس حاجبيه قليلًا.

توقف دويل للحظة، ثم مرّر أصابعه على البوابة الحديدية والحديقة والنافورة والطريق المؤدي إلى المدخل الرئيسي. وفي النهاية، قرر أن يشير إلى الشمس المتألقة فوق رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة.

«كان سومر جاديستار هو من تولى إدارة شؤون الحكم، ثم خلف ابن أخيه الذي توفي في سن مبكرة دون أن يترك وريثًا.

 

كان أحدهما مسترخيًا تمامًا، بينما وقف الآخر بجدية بالقرب من البركة، وكأنهما يناقشان أمرًا بالغ الأهمية.

«…بالضوء!»

«لماذا؟»

 

 

عقد غلوفر ذراعيه أمام صدره، وأدار وجهه إلى الجانب الآخر، ثم أطلق شخيرًا خافتًا بدا وكأنه يوافقه الرأي، رغم أنه لم يكن مقتنعًا بكلامه في الحقيقة.

 

 

 

ومن الواضح أنه لم يكن راضيًا عن الوضع.

«فالحياة عبء ثقيل بما يكفي على أكتافنا.

 

راح قائد الطليعة يتفحص المكان، بينما كانت الحركة تدب في كل زاوية من حوله، والناس منهمكون في أعمالهم. سلّم جواده إلى أحد مرؤوسيه في فرقة الطليعة، ثم عقد حاجبيه أكثر.

«ثم هل تعرف القيمة الفنية لهذا المكان؟»

ومن بعيد، بدأت تُسمع أصوات العربات المألوفة والنداءات المتعالية، وكأن أحدهم كان يوجّه حركة نقل الأمتعة.

 

وأما الأخير، فكان جالسًا داخل غرفة، يمسك صولجانًا بينما يتصفح كتابًا. بدا ودودًا ووقورًا كما كان دائمًا.

أضاءت عينا دويل، وسرعان ما تغيّرت نبرة صوته.

 

 

 

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

 

 

«هل تعرف مكانته في تاريخ العمارة؟»

«بالطبع».

 

تقدم ثاليس بخطوات مثقلة بشيء من الإحباط، متجاوزًا الرواق ذي الأعمدة، حتى وقعت عيناه على الجدار الواقع تحت الثريا. كانت هناك ثلاث لوحات ضخمة تواجه البوابة الرئيسية، تجسد كل منها واحدًا من ثلاثة رجال.

استدار الحارس وبسط ذراعيه، وكأنه يريد احتضان المشهد الممتد أمامه.

 

 

 

«دعك من حقيقة أن هذا المكان سيكون المقر المؤقت للملك الفاضل الشهير… انظر إلى هذه الحديقة، وهذا العمل النحتي، بل حتى هذه الآجرات! ونحن لم نتحدث بعد عن المجموعات الفنية المحفوظة في المخازن!»

قطّب غلوفر حاجبيه إلى جواره.

 

 

«تخيل الأمر فحسب. لو أقمنا هنا مأدبة، لتسابقت سيدات العاصمة إلى الحضور!»

 

 

كانت كلمات مالوس حازمة، تمامًا كملامح وجهه الخالية من الانفعال، لكن القصة التي رواها لم تكن مما يبعث على السرور.

استدار دويل بخفّةٍ خاطفة، وقد استبدّ به الحماس للفكرة.

قال ثاليس ببطء، دون أن تتغير ملامح وجهه:

 

 

أما غلوفر، فلم يتحرك قيد أنملة. وكل ما في الأمر أن نظرته إلى دويل كانت مشبعة بالازدراء.

أشار ثاليس إلى المكان المحيط به، محاولًا مواصلة الحديث.

 

 

«ما بك؟»

سأل ثاليس بشرود.

 

 

هزّ دويل كتفيه، غير مدرك لما أثار استياء صاحبه.

كانت نبرة الحارس باردة.

 

«لأنه لن يجرؤ أبدًا على طلب المساعدة من أفراد الطليعة!»

«هل يُعقل أن يكون حب الفن والجمال أمرًا خاطئًا؟»

 

 

«ولن يهتم بك أحد حتى».

أشاح غلوفر بوجهه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرجه ببطء متكلف.

 

 

«وهل أصبح العبء أخف بعدما ابتسمت؟»

ومن بعيد، بدأت تُسمع أصوات العربات المألوفة والنداءات المتعالية، وكأن أحدهم كان يوجّه حركة نقل الأمتعة.

توقف دويل قليلًا، ثم أشار برأسه نحو قاعة مينديس، وأطلق تنهيدة قبل أن يضيف:

 

 

تغيّرت ملامح دويل، الذي كان غارقًا في تأملاته الفنية وإعجابه بالجمال.

عقد ثاليس حاجبيه.

 

 

«أوه، لا… إنهما ستون وفوبل!»

«هذا ليس كلامًا ينبغي لك قوله، أيها الحامي دويل».

 

«ومع ذلك، ها أنت ذا تأتي إلى هنا لتغرق معنا في هذه الفوضى المؤسفة».

تحرك على الفور ليقف إلى جوار غلوفر، وارتسمت الجدية على وجهه، ثم استقام في وقفته ورفع ذراعه مشيرًا إلى قاعة مينديس.

 

 

تمتم المراهق دون أن يشعر.

«أسرع! تظاهر بأنك تناقش معي ترتيبات الحراسة، أو خطة حماية المكان. المهم أن تبدو جادًا للغاية، وكأننا غارقان في نقاش بالغ الأهمية…»

 

 

استدار الأمير، وبينما كان على وشك دخول الرواق ذي الأعمدة، تحدث مالوس مجددًا، فجعله يتباطأ في خطواته.

نظر إليه غلوفر بحيرة.

 

 

راح قائد الطليعة يتفحص المكان، بينما كانت الحركة تدب في كل زاوية من حوله، والناس منهمكون في أعمالهم. سلّم جواده إلى أحد مرؤوسيه في فرقة الطليعة، ثم عقد حاجبيه أكثر.

«ماذا؟»

«جلالة الملك نفسه يتطلع إلى إحراز المزيد من التقدم، وهو الآن في أوج عطائه.

 

«ثق بي. أنا أعرف هذا الشعور. قد يبدو هادئًا للغاية الآن، لكنه يتظاهر بذلك فحسب».

«إن فعلنا ذلك، فلن يطلبوا منا المساعدة في الأعمال اللوجستية».

«أوه، لا… إنهما ستون وفوبل!»

 

 

حافظ دويل على ملامحه الجادة، واكتفى بتحريك شفتيه بالكاد.

استدار الحارس وبسط ذراعيه، وكأنه يريد احتضان المشهد الممتد أمامه.

 

حدّق دويل في الخادمة الواقفة قرب الجدار، وقد احمرّ وجهها، قبل أن تستدير بعيدًا عنه.

ازداد ارتباك غلوفر.

سيتم استئناف ترجمة العمل بعد توقف المترجم السابق، أي ملاحظة لتحسين السرد والترجمة ستؤخذ بعين الاعتبار.

 

 

«لكن… لماذا أنا بالذات؟»

 

 

 

«لأنه لن يجرؤ أبدًا على طلب المساعدة من أفراد الطليعة!»

ثم قال بصوت خافت، أمام غلوفر الذي ظل واقفًا بلا حراك:

 

أشاح غلوفر بوجهه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أخرجه ببطء متكلف.

همس دويل من بين أسنانه.

 

 

توفي ابن الأخ في سن مبكرة، وأطلقوا اسمه على القصر تخليدًا لذكراه…

مرّ مسؤول الإمداد ستون وحامل الراية فوبل بجوارهما، برفقة عدد من مرؤوسيهما وعربات عدة، بينما أحاطت بهم مجموعة من المسؤولين والجنود التابعين للجيش الخاص لعائلة جاديستار. ألقى الرجلان نظرات متشككة وحائرة على دويل، لكنهما ما إن رأيا صرامة غلوفر حتى زال معظم شكهما، ومضيا في طريقهما.

قطّب غلوفر حاجبيه إلى جواره.

 

 

عندها فقط أطلق دويل زفرة ارتياح، واسترخى جسده تمامًا.

 

 

«إذًا، تقصد القصر الواقع في الضواحي…»

أما نظرة غلوفر إليه، فقد ازدادت غرابة.

 

 

استدار دويل ونظر إلى غلوفر بفضول.

لكن دويل لم يشعر بأي حرج. بل عاد بكل بساطة إلى تعبير الإعجاب الذي كان يعلو وجهه قبل قليل، وأعاد توجيه نظره نحو المشهد الجميل.

 

 

 

ومن بين الأشخاص الذين يتحركون ذهابًا وإيابًا، لمح المراهق الواقف في هدوء منذ وقت طويل بجوار أعمدة المبنى البعيد، أمام الباب المصنوع من خشب الأرز.

 

 

 

ضيّق دويل عينيه وهو يتأمل الأمير الوحيد الذي ظل واقفًا بلا حراك. كان الخدم والحراس المحيطون به يعملون في تناغم ملحوظ، ويتجنبونه تمامًا أثناء انشغالهم بمهامهم، حتى إن أقرب شخص إليه كان يبعد عنه عشرة أمتار على الأقل.

 

 

«ذلك العم الملكي…»

ومع ذلك، كانوا يرمقون المراهق بين الحين والآخر بنظرات حذرة، رغم أنه لم يتفوّه بكلمة واحدة.

بدا أن مالوس استشف شيئًا من المعاني الكامنة وراء كلمات الدوق المتناثرة، لكنه تردد في الإفصاح عما فهمه.

 

«يبدو المكان أصغر بكثير الآن…»

«ما رأيك أن نعقد رهانًا؟ أراهن أن ذلك الفتى قد عوقب للتو».

ثم أشار إلى اللوحة الموجودة على يمينه، والمعلقة على الجدار المقابل.

 

 

ألقى غلوفر نظرة عميقة على دويل.

«ثق بي. أنا أعرف هذا الشعور. قد يبدو هادئًا للغاية الآن، لكنه يتظاهر بذلك فحسب».

 

أطلق الحارس شخيرًا خافتًا، ثم نظر إلى ثاليس بنظرة تنطوي على معنى عميق.

ضيّق دويل عينيه، وكأنه يخشى ألا يصدقه غلوفر.

تملّك الذهول ثاليس.

 

استدار الحارس وبسط ذراعيه، وكأنه يريد احتضان المشهد الممتد أمامه.

«ثق بي. أنا أعرف هذا الشعور. قد يبدو هادئًا للغاية الآن، لكنه يتظاهر بذلك فحسب».

سواء أكان الأمر يتعلق بمالك قاعة مينديس، أم بدوق بحيرة النجوم، أم بقصص أسلافي، فإن كل ذلك يثير في النفس الكثير من التساؤلات.

 

الفصل 511: الملك في الضباب

ظل دويل يحدق في ظهر الأمير، وقد اكتست عيناه مسحة قاتمة، وكأنه يستعيد ذكرى مؤلمة.

 

 

استدار الأمير، وبينما كان على وشك دخول الرواق ذي الأعمدة، تحدث مالوس مجددًا، فجعله يتباطأ في خطواته.

«لكن في أعماق قلبه، كل ما يريده هو أن يجد مكانًا هادئًا، ثم يبكي فيه كما يشاء…»

تحدث الأمير بنبرة خافتة يكتنفها الحنين، تحت نظرات مالوس الحائرة.

 

 

نظر إليه غلوفر، وازداد انعقاد حاجبيه.

«لكن في أعماق قلبه، كل ما يريده هو أن يجد مكانًا هادئًا، ثم يبكي فيه كما يشاء…»

 

تجمد ظهر الحارس لثوانٍ أخرى.

«هذا ليس كلامًا ينبغي لك قوله، أيها الحامي دويل».

 

 

عندها فقط أطلق دويل زفرة ارتياح، واسترخى جسده تمامًا.

سعل قائد الطليعة بصرامة.

 

 

 

لكن دويل أطلق شخيرًا خافتًا.

 

 

نظر إلى الطريق الممتد خارج البوابة الحديدية، ثم ألقى نظرة على المبنى القائم في نهاية الحديقة، قبل أن يقول ببرود:

«حسنًا، حسنًا. دعنا نتحدث عن ذلك السيف البائس الذي رأيناه هذا الصباح… أنت غاضب منه أيضًا، أليس كذلك؟»

 

 

«ما بك؟»

نخز دويل ذراع غلوفر بمرفقه، غير مكترث بتعبير وجهه المتجهم، ثم تابع بنبرة توحي بأنه يستمد بعض المتعة من معاناة ثاليس.

«كما تعلم، تُعد عائلة غلوفر واحدة من أبرز العائلات السبع التابعة لعائلة جاديستار. وهي من الداعمين الرئيسيين لحزب الملك، وقد حظيت عائلتهم بثقة الملك الكبيرة على مدى أجيال، فضلًا عن تمتعهم بمكانة رفيعة ونفوذ واسع».

 

ضيّق غلوفر عينيه.

«أراهنك بكل ما أملك أن دوقنا الموقر سيواجه يومًا سيفًا آخر يعجز عن حمله أيضًا».

«أنا… حسنًا…»

لم يُجب غلوفر. اكتفى بالتحديق في الرواق ذي الأعمدة بقاعة مينديس، بينما ازدادت تجاعيد العبوس على جبينه.

حدق مالوس بعينيه.

 

«لم يتذكره أحد. ولم يهتم به أحد».

كان الدوق ثاليس واقفًا هناك في صمت.

 

 

 

ظل يحدق في الرواق دون أن يصدر صوتًا أو يتحرك، وكأنه انفصل تمامًا عما يدور حوله.

نظر إلى الطريق الممتد خارج البوابة الحديدية، ثم ألقى نظرة على المبنى القائم في نهاية الحديقة، قبل أن يقول ببرود:

 

«هل تعرف لماذا سُمّي هذا المكان، وهذا القصر، بهذا الاسم؟»

«هل أنت هناك؟»

«لقد اعتلى العرش بصفته دوق بحيرة النجوم».

 

 

سأل ثاليس بشرود.

قاعة مينديس… المالك الجديد.

 

«لقد أحسن جنود الجيش الخاص وخدم العائلة الملكية صيانة القاعة، ووفروا علينا الكثير من المتاعب.

«هل رأيت ذلك؟»

 

 

 

جاءه صوت ثابت وهادئ من خلفه.

 

 

شعر ثاليس بشيء من الحرج.

«نعم، لقد رأيته».

ثم قال بصوت خافت، أمام غلوفر الذي ظل واقفًا بلا حراك:

 

أطلق ثاليس ضحكة ساخرة.

لكن الصوت لم يكن صادرًا عن الشخص الذي توقعه ثاليس.

 

 

تملّك الذهول ثاليس.

أغمض المراهق عينيه، وأطلق تنهيدة خفيفة.

أغمض المراهق عينيه، وأطلق تنهيدة خفيفة.

 

 

«لقد أحسن جنود الجيش الخاص وخدم العائلة الملكية صيانة القاعة، ووفروا علينا الكثير من المتاعب.

وبعد برهة، حين أدرك دي. دي أنه لن يحصل على أي إجابة، ابتسم ابتسامة محرجة، واستدار من تلقاء نفسه.

 

«إذًا، تقصد القصر الواقع في الضواحي…»

«ما إن ننتهي من تقييم المكان وتفقده، حتى تتمكن من الانتقال إليه».

راح قائد الطليعة يتفحص المكان، بينما كانت الحركة تدب في كل زاوية من حوله، والناس منهمكون في أعمالهم. سلّم جواده إلى أحد مرؤوسيه في فرقة الطليعة، ثم عقد حاجبيه أكثر.

 

 

تقدم الحارس مالوس ووقف إلى جوار الدوق، ثم أخذ يتأمل معه المبنى الرئيسي لهذا القصر، متحدثًا بنبرة تنطوي على شيء من الدلالة.

بدا الذهول على مالوس للحظة.

 

 

«تهانينا لك، أيها المالك الجديد لقاعة مينديس».

 

 

 

قاعة مينديس… المالك الجديد.

 

 

لكن مالوس هز رأسه.

لم يستدر ثاليس.

«أما أنا، فقصتي مختلفة تمامًا».

 

«ومنذ ذلك الحين، أُطلق اسمه على القصر الواقع في ضواحي المدينة، حيث أقام قبل وفاته، تخليدًا لذكراه».

اكتفى المراهق بالتحديق في المبنى بصمت، متأملًا الرواق والبوابة الرئيسية والسجاد والتصميم الداخلي. بدا المكان مألوفًا وغريبًا في آن واحد.

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

 

لكن هذه المرة، كان الإحساس بالألفة أقوى من شعوره بالغرابة.

لم يقل غلوفر شيئًا، لكنه أشاح بنظره.

 

رفع دويل حاجبًا.

وكأن مالوس شعر بما يخيّم على الأجواء، فقد التزم الصمت هو الآخر، ووقف إلى جوار الأمير دون أن يقول شيئًا.

 

 

«ما بك؟»

ظل الخدم والحراس منهمكين في أعمالهم، يتحركون على عجل، لكنهم باتوا يتجنبون الرجلين بصورة تلقائية أكبر من ذي قبل.

تمتم المراهق دون أن يشعر.

 

وكان لا بد من الاعتراف بأنه، في تلك اللحظة، شعر ثاليس بشيء من الحرج، بعدما كشف مالوس الستار عن الأفكار والمشكلات التي ظلت تثقل كاهله.

وبعد بضع ثوانٍ…

«آه».

 

 

«لا أحد منكم يعرف هذا الأمر».

 

 

«أما القصص التي تناقلها الناس بعد وفاته، فكانت كالضباب أيضًا. ظهرت سريعًا، ثم اختفت في صمت».

عقد مالوس حاجبيه قليلًا.

سعل قائد الطليعة بصرامة.

 

 

قال ثاليس ببطء، دون أن تتغير ملامح وجهه:

 

 

تغيّرت ملامح دويل، الذي كان غارقًا في تأملاته الفنية وإعجابه بالجمال.

«لم تكونوا تعرفون أنكم ستُرسلون لحراسة هذا المكان، أليس كذلك؟

في اللوحة الأولى، وقف رجل وظهره للشمس، ممسكًا برمح وممسكًا بِلِجام جواده. بدا شجاعًا ومهيبًا كما كان دائمًا.

 

 

«وإلا، لما اضطررتم إلى إجراء التقييم والتفتيش في اللحظات الأخيرة».

 

 

«حسنًا، حسنًا. دعنا نتحدث عن ذلك السيف البائس الذي رأيناه هذا الصباح… أنت غاضب منه أيضًا، أليس كذلك؟»

بدا الذهول على مالوس للحظة.

«كان عليك أن تبتسم، حتى لا يشكوا في أن والدك لا يحبك، أو العكس».

 

 

لكن دوق بحيرة النجوم ابتسم.

 

 

استدار ثاليس دون وعي.

«لم تكونوا مستعدين حتى لتصبحوا حرس بحيرة النجوم، فقد أُسند إليّ لقب دوق بحيرة النجوم على عجل، ولم يُحسم الأمر إلا في اللحظة الأخيرة، بعدما كنتم قد غادرتم بالفعل».

«هل أنت هناك؟»

بسبب… سيف.

«أن تبتسم».

 

لكن إجابة مالوس جاءت على خلاف ما توقعه.

ظل مالوس مذهولًا لثوانٍ، ثم عقد حاجبيه، بينما عجز ثاليس عن معرفة ما يدور في ذهنه.

 

 

توقف دويل قليلًا، ثم أشار برأسه نحو قاعة مينديس، وأطلق تنهيدة قبل أن يضيف:

تنهد ثاليس.

 

 

 

«وبالمثل، لم تكونوا مستعدين بعد للمجيء إلى… قاعة مينديس».

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

 

بدا أن مالوس استشف شيئًا من المعاني الكامنة وراء كلمات الدوق المتناثرة، لكنه تردد في الإفصاح عما فهمه.

«العودة إلى مكان قديم، أليس كذلك؟ وأي تعبير كنت تتوقع أن أُبديه؟»

 

«ما رأيك أن نعقد رهانًا؟ أراهن أن ذلك الفتى قد عوقب للتو».

غير أن ثاليس أخذ نفسًا عميقًا، وحين استدار مجددًا، ارتسمت على وجهه ابتسامة.

 

 

«نحن مجرد… مرافقين لجاديستار ».

«بالمناسبة، عندما تضعون خطة الدفاع، لا تنسوا تجهيز أسلحة فضية. وقد تحتاجون حتى إلى بعض الأسلحة المباركة».

 

 

 

أسلحة فضية…

«أوه، لا… إنهما ستون وفوبل!»

 

 

كان انتقاله السريع إلى موضوع آخر كافيًا لمباغتة الحارس وإرباكه.

 

 

أجبر المراهق نفسه على الابتسام.

«لماذا؟»

 

 

 

أطلق ثاليس شخيرًا خافتًا، وتراجع بضع خطوات، بينما أخذ يتفحص السقف والشرفات في قاعة مينديس.

 

 

 

«لمنع الضيوف غير المرغوب فيهم من التسلل إلى هنا».

 

 

لماذا يحمل هذا الاسم؟

تحدث الأمير بنبرة خافتة يكتنفها الحنين، تحت نظرات مالوس الحائرة.

لكن يبدو أنه اصطدم هذه المرة بجدار صلب.

 

 

«مثل… مصاصي الدماء؟»

«وعلينا أن نبتسم، حتى يصبح ذلك العبء أخف وطأة».

 

 

ازداد ذهول مالوس، وبدا عاجزًا عن فهم ما يقصده الأمير، لكن ثاليس لم يقدم أي تفسير إضافي.

«لكن، تمامًا كما حدث مع ملك الضباب، لن يتذكرك أحد».

 

 

اكتفى بالتنهد، ثم رفع رأسه وأخذ يتأمل الأعمدة بشرود.

تحدث قائد الطليعة بتمهل، وكأن وراء كلماته معنى عميقًا لم يُفصح عنه.

 

ترك ثاليس وحيدًا، يحاول استيعاب ما تنطوي عليه القصة من معانٍ.

«يبدو المكان أصغر بكثير الآن…»

 

 

 

تمتم المراهق دون أن يشعر.

«وهل أصبح العبء أخف بعدما ابتسمت؟»

 

توقف ثاليس عن التقدم، وألقى نظرة في الأرجاء.

«أتذكر أن هذه الأعمدة كانت شاهقة للغاية في الماضي».

«هل كنت تعتبر منطقة الشفق من الضواحي؟»

 

 

تحركت عينا مالوس، وألقى نظرة عميقة على الأمير.

 

 

 

تقدم ثاليس بخطوات مثقلة بشيء من الإحباط، متجاوزًا الرواق ذي الأعمدة، حتى وقعت عيناه على الجدار الواقع تحت الثريا. كانت هناك ثلاث لوحات ضخمة تواجه البوابة الرئيسية، تجسد كل منها واحدًا من ثلاثة رجال.

مريض… وبائس.

 

«لا أحد منكم يعرف هذا الأمر».

في اللوحة الأولى، وقف رجل وظهره للشمس، ممسكًا برمح وممسكًا بِلِجام جواده. بدا شجاعًا ومهيبًا كما كان دائمًا.

 

 

ضيّق دويل عينيه وهو يتأمل الأمير الوحيد الذي ظل واقفًا بلا حراك. كان الخدم والحراس المحيطون به يعملون في تناغم ملحوظ، ويتجنبونه تمامًا أثناء انشغالهم بمهامهم، حتى إن أقرب شخص إليه كان يبعد عنه عشرة أمتار على الأقل.

أما الثاني، فكان يقف في غابة، يحمل سيفًا ودرعًا، وقد ارتسم الإصرار على ملامحه كما عهدوه.

«اهدأ يا زومبي. هذه قاعة مينديس، وليست حصن التنين المكسور».

 

 

وأما الأخير، فكان جالسًا داخل غرفة، يمسك صولجانًا بينما يتصفح كتابًا. بدا ودودًا ووقورًا كما كان دائمًا.

 

 

«تخيل الأمر فحسب. لو أقمنا هنا مأدبة، لتسابقت سيدات العاصمة إلى الحضور!»

حين وقع بصر ثاليس على الرجال الثلاثة في اللوحات، غامت عيناه قليلًا.

تحدث قائد الطليعة بتمهل، وكأن وراء كلماته معنى عميقًا لم يُفصح عنه.

 

 

رفع يده اليمنى دون وعي، وضغط على المنطقة الواقعة أمام صدره.

 

 

تحرك على الفور ليقف إلى جوار غلوفر، وارتسمت الجدية على وجهه، ثم استقام في وقفته ورفع ذراعه مشيرًا إلى قاعة مينديس.

كان هناك موضع في جلده عند صدره يؤلمه ألمًا خفيفًا.

«ينبغي للأمير أن يقيم في قصر النهضة».

 

 

«يمكننا القول إننا عدنا إلى كلا المكانين، لكنك لم تُبدِ هذا التعبير عندما رأينا قصر النهضة».

 

 

أما نظرة غلوفر إليه، فقد ازدادت غرابة.

تحدث مالوس بهدوء، وهو يسير خلفه.

«ذلك العم الملكي…»

 

 

قصر النهضة.

 

 

 

أطلق ثاليس ضحكة ساخرة.

 

 

 

«عندما دخلت قصر النهضة للمرة الأولى، كنت مصابًا بجروح بالغة إثر محاولة اغتيال. لقد حملوني إلى الداخل وأنا فاقد للوعي».

«يمكننا القول إننا عدنا إلى كلا المكانين، لكنك لم تُبدِ هذا التعبير عندما رأينا قصر النهضة».

 

«لا أحد منكم يعرف هذا الأمر».

حدق مالوس بعينيه.

ضمّ غلوفر شفتيه.

 

«ومع ذلك، ها أنت ذا تأتي إلى هنا لتغرق معنا في هذه الفوضى المؤسفة».

بدت السخرية واضحة على وجه الأمير.

 

 

لوّح دويل بيديه في حركة أنيقة، مشيرًا إلى الحديقة الفاخرة الممتدة أمامهما.

«العودة إلى مكان قديم، أليس كذلك؟ وأي تعبير كنت تتوقع أن أُبديه؟»

 

 

 

لكن إجابة مالوس جاءت على خلاف ما توقعه.

 

 

 

«أن تبتسم».

 

 

سأل ثاليس بشرود.

عقد ثاليس حاجبيه.

«لم تكونوا تعرفون أنكم ستُرسلون لحراسة هذا المكان، أليس كذلك؟

 

 

«ماذا؟»

أغمض المراهق عينيه، وأطلق تنهيدة خفيفة.

 

«ذلك العم الملكي…»

تقدم مالوس خطوة، ووقف إلى جواره أمام الباب المصنوع من خشب الأرز، ثم حدّق بوقار في صور الملوك الثلاثة المعلقة على جدار القاعة.

 

 

«أتذكر أن هذه الأعمدة كانت شاهقة للغاية في الماضي».

«كان عليك أن تبتسم، حتى لا يشكوا في أن والدك لا يحبك، أو العكس».

 

 

انتزع السؤال ثاليس من شروده، فهز رأسه.

حدق مالوس بعينيه قليلًا.

 

 

 

تجمد ثاليس في مكانه للحظة، ثم اتسعت عيناه دهشة.

 

 

«فنحن لسنا من العشائر الست الكبرى، ولا من العائلات الثلاث عشرة المرموقة.

«هم؟»

 

 

 

ظل مالوس هادئًا كما كان، وأومأ برأسه دون أن ينظر حتى إلى الدوق.

«إن فعلنا ذلك، فلن يطلبوا منا المساعدة في الأعمال اللوجستية».

 

وبعد بضع ثوانٍ، ابتسم الأمير، وكأن عبئًا هائلًا قد انزاح عن كتفيه.

«أفراد الحرس الملكي جميعهم من النخبة، ويتمتعون بقدرة فائقة على ملاحظة أدق التفاصيل».

«هم؟»

 

كان أحدهما مسترخيًا تمامًا، بينما وقف الآخر بجدية بالقرب من البركة، وكأنهما يناقشان أمرًا بالغ الأهمية.

استدار ثاليس دون وعي.

 

 

 

كان أفراد الحرس الملكي لا يزالون منهمكين في أعمالهم من حولهما؛ فمنهم من ينسق شؤون الإمداد، ومنهم من يتولى المهام من الخدم، ومنهم من يوزع الأعمال على الآخرين.

 

 

وأما الأخير، فكان جالسًا داخل غرفة، يمسك صولجانًا بينما يتصفح كتابًا. بدا ودودًا ووقورًا كما كان دائمًا.

لم يكن هناك ما يبدو غريبًا في تصرفاتهم.

«هل يُعقل أن يكون حب الفن والجمال أمرًا خاطئًا؟»

 

 

ظل ثاليس صامتًا لبعض الوقت، ثم أطلق شخيرًا مفاجئًا.

 

 

استحوذ الأمر على اهتمام المراهق.

«أتعلم؟ لدي صديق سبق أن نصحني أيضًا بأن أضحك».

ظل دويل يحدق في ظهر الأمير، وقد اكتست عيناه مسحة قاتمة، وكأنه يستعيد ذكرى مؤلمة.

 

ألقى مالوس نظرة خافتة على الأمير.

نظر مالوس إلى الأمير، فرآه يأخذ نفسًا عميقًا بينما يحدق في السماء البعيدة. وكانت نبرته مشبعة بالحسرة.

 

 

 

«فالحياة عبء ثقيل بما يكفي على أكتافنا.

«هم؟»

 

«ومع ذلك، ها أنت ذا تأتي إلى هنا لتغرق معنا في هذه الفوضى المؤسفة».

«وعلينا أن نبتسم، حتى يصبح ذلك العبء أخف وطأة».

 

 

سأل ثاليس بشرود.

بدا المراهق غارقًا في شروده للحظة، وكأنه يرى الرمال الصفراء من جديد.

ظل صامتًا وقتًا طويلًا.

 

 

ظل مالوس يتأمل ثاليس وهو يستعيد كلمات صديقه، قبل أن يسأله فجأة:

 

 

وأثناء انتظاره، ارتسمت على وجهه ابتسامة، وأخذ يتأمل الأشخاص المنشغلين بأعمالهم من حوله.

«وهل أصبح العبء أخف بعدما ابتسمت؟»

 

 

 

انتزع السؤال ثاليس من شروده، فهز رأسه.

«صدقني، إذا قارنت هذا المكان بتلك القاعات الفخمة والواسعة الشهيرة في قصر النهضة، فستجد نفسك تفضّله عليها».

 

 

«لست متأكدًا، لكنني أتمنى ذلك».

 

 

لم يكترث مالوس بالتغير الطفيف في نبرة ثاليس، بل استدار نحو قصر النهضة، وقد غامت عيناه بنظرة عميقة.

أجبر المراهق نفسه على الابتسام.

استدار الأمير، وبينما كان على وشك دخول الرواق ذي الأعمدة، تحدث مالوس مجددًا، فجعله يتباطأ في خطواته.

 

لكن يبدو أنه اصطدم هذه المرة بجدار صلب.

استدار الأمير، وبينما كان على وشك دخول الرواق ذي الأعمدة، تحدث مالوس مجددًا، فجعله يتباطأ في خطواته.

«يبدو المكان أصغر بكثير الآن…»

 

«كان سومر جاديستار هو من تولى إدارة شؤون الحكم، ثم خلف ابن أخيه الذي توفي في سن مبكرة دون أن يترك وريثًا.

«هل تعرف لماذا سُمّي هذا المكان، وهذا القصر، بهذا الاسم؟»

أما نظرة غلوفر إليه، فقد ازدادت غرابة.

 

«تضاريس المكان معقدة، ونقطة الحراسة الأمامية فيه مصدر إزعاج، وزخارفه عديمة الفائدة، أما الجيش الخاص لعائلة جاديستار، فيتألف من جنود جُنّدوا من مناطق أخرى».

هذا المكان؟

 

 

أطلق الحارس شخيرًا باردًا.

لماذا يحمل هذا الاسم؟

 

 

 

توقف ثاليس عن التقدم، وألقى نظرة في الأرجاء.

 

 

 

ثم أشار إلى اللوحة الموجودة على يمينه، والمعلقة على الجدار المقابل.

«أتذكر أن هذه الأعمدة كانت شاهقة للغاية في الماضي».

 

 

«أهو؟»

«أتعلم؟ لدي صديق سبق أن نصحني أيضًا بأن أضحك».

 

«إن فعلنا ذلك، فلن يطلبوا منا المساعدة في الأعمال اللوجستية».

كانت اللوحة تصور رجلًا في منتصف العمر، يتخلل الشيب شعره، ويبتسم له بود.

 

 

 

لكن مالوس هز رأسه.

 

 

«ينبغي للأمير أن يقيم في قصر النهضة».

«لا».

 

 

أدار غلوفر، قائد الطليعة، عينيه في الأرجاء، من الأسوار المحيطة بالبوابة الرئيسية إلى الفناء الخلفي البعيد، وازدادت النظرة الحذرة في عينيه.

عقد الحارس ذراعيه أمام صدره، وارتسمت في عينيه مسحة من الاحترام وهو يتأمل القاعة.

أجبر المراهق نفسه على الابتسام.

 

«لم تكونوا تعرفون أنكم ستُرسلون لحراسة هذا المكان، أليس كذلك؟

«صحيح أن مينديس الثالث أقام هنا قبل مئة عام، وأن معظم الناس يعتقدون أنه هو من أطلق على المكان اسمه… لكن لا، لم تُسمَّ قاعة مينديس تيمّنًا بالملك الفاضل».

 

 

قاعة مينديس… المالك الجديد.

لم تُسمَّ تيمّنًا بالملك الفاضل؟

 

 

عند النافورة، ألقى دويل نظرة على عدد من الخادمات الواقفات على مسافة بعيدة، ثم ضيّق عينيه.

استحوذ الأمر على اهتمام المراهق.

 

 

رفع دويل ثلاثة أصابع، وكأنه يستعرض معرفته أمام غلوفر، ثم أخذ يطويها واحدًا تلو الآخر.

«رائع. تفضل وأخبرني بالمزيد، أيها القائد المسؤول عن حراستي الشخصية».

لكن مالوس هز رأسه.

 

عقد غلوفر ذراعيه أمام صدره، وأدار وجهه إلى الجانب الآخر، ثم أطلق شخيرًا خافتًا بدا وكأنه يوافقه الرأي، رغم أنه لم يكن مقتنعًا بكلامه في الحقيقة.

التفت ثاليس إليه باهتمام.

«ويُعرف في التاريخ باسم سومر الثالث، ابن آوى».

 

 

لم يكترث مالوس بالتغير الطفيف في نبرة ثاليس، بل استدار نحو قصر النهضة، وقد غامت عيناه بنظرة عميقة.

«أما القصص التي تناقلها الناس بعد وفاته، فكانت كالضباب أيضًا. ظهرت سريعًا، ثم اختفت في صمت».

 

 

«تُوّج الملك الأعلى الثاني والعشرون في العام 333 من تقويم الإبادة، وسُجّل اسمه للمرة الأولى في سجل أنساب ملوك كوكبة».

 

 

 

عقد ثاليس حاجبيه.

«بالمناسبة، عندما تضعون خطة الدفاع، لا تنسوا تجهيز أسلحة فضية. وقد تحتاجون حتى إلى بعض الأسلحة المباركة».

 

«صدقني، إذا قارنت هذا المكان بتلك القاعات الفخمة والواسعة الشهيرة في قصر النهضة، فستجد نفسك تفضّله عليها».

الثاني والعشرون؟

 

 

«تهانينا لك، أيها المالك الجديد لقاعة مينديس».

أيّ ملك كان هذا؟

 

 

أدار غلوفر، قائد الطليعة، عينيه في الأرجاء، من الأسوار المحيطة بالبوابة الرئيسية إلى الفناء الخلفي البعيد، وازدادت النظرة الحذرة في عينيه.

«كان هذا الملك شابًا، لكنه كان ضعيف البنية ومعتل الصحة، ولذلك اضطر إلى مغادرة القصر بحثًا عن مكان يستريح فيه. وقد عهد بجميع شؤون الحكم إلى عمه والمجلس الإمبراطوري».

«أما القصص التي تناقلها الناس بعد وفاته، فكانت كالضباب أيضًا. ظهرت سريعًا، ثم اختفت في صمت».

 

«تهانينا لك، أيها المالك الجديد لقاعة مينديس».

كانت كلمات مالوس حازمة، تمامًا كملامح وجهه الخالية من الانفعال، لكن القصة التي رواها لم تكن مما يبعث على السرور.

سأل ثاليس بشرود.

 

 

«وفي غضون عام واحد، توفي الملك الشاب بسبب المرض، دون أن يترك خلفه أي وريث».

كانت قصة قصيرة للغاية، خالية من الحبكة، ولا توحي بأي بشارة حسنة.

 

 

خطا الحارس فوق البلاط الممتد تحت قدميه.

«وإلا، لما اضطررتم إلى إجراء التقييم والتفتيش في اللحظات الأخيرة».

 

 

«ومنذ ذلك الحين، أُطلق اسمه على القصر الواقع في ضواحي المدينة، حيث أقام قبل وفاته، تخليدًا لذكراه».

 

 

توقف مالوس للحظة تحت اللوحة التي تصور ملك النهضة.

ألقى مالوس نظرة خافتة على الأمير.

 

 

 

عهد الملك بجميع شؤون الحكم إلى عمه، ثم غادر القصر ليستريح…

 

 

 

توفي ابن الأخ في سن مبكرة، وأطلقوا اسمه على القصر تخليدًا لذكراه…

 

 

 

كانت قصة قصيرة للغاية، خالية من الحبكة، ولا توحي بأي بشارة حسنة.

 

 

 

بل إن ما تنطوي عليه من دلالات كان… عصيًّا على الوصف.

_______________________________________________________________________________________________________

 

«ذلك العم الملكي…»

ومع ذلك، أبدى ثاليس تعبيرًا يوحي بأنه فهم الأمر.

لم يقل غلوفر شيئًا، لكنه أشاح بنظره.

 

 

«آه، فهمت».

 

 

لكن دويل نقر بلسانه وهز رأسه.

«إذًا، تقصد القصر الواقع في الضواحي…»

 

 

 

أشار ثاليس إلى المكان المحيط به، محاولًا مواصلة الحديث.

«كان هذا الملك شابًا، لكنه كان ضعيف البنية ومعتل الصحة، ولذلك اضطر إلى مغادرة القصر بحثًا عن مكان يستريح فيه. وقد عهد بجميع شؤون الحكم إلى عمه والمجلس الإمبراطوري».

 

«صدقني، إذا قارنت هذا المكان بتلك القاعات الفخمة والواسعة الشهيرة في قصر النهضة، فستجد نفسك تفضّله عليها».

«هل كنت تعتبر منطقة الشفق من الضواحي؟»

 

 

 

عقد مالوس حاجبيه. ومن الواضح أنه لم يكن راضيًا عن عجز الأمير عن التقاط النقاط الجوهرية في حديثه.

كان أفراد الحرس الملكي لا يزالون منهمكين في أعمالهم من حولهما؛ فمنهم من ينسق شؤون الإمداد، ومنهم من يتولى المهام من الخدم، ومنهم من يوزع الأعمال على الآخرين.

 

 

«كانت كذلك في الماضي. ثم حدث ما أسميه أنا: التوسع العمراني».

 

 

«أفراد الحرس الملكي جميعهم من النخبة، ويتمتعون بقدرة فائقة على ملاحظة أدق التفاصيل».

رفع ثاليس حاجبًا.

توقف دويل قليلًا، ثم أشار برأسه نحو قاعة مينديس، وأطلق تنهيدة قبل أن يضيف:

 

 

«آه».

 

 

 

«ومع ذلك، فقد مضت ثلاثة قرون ونصف منذ ذلك الحين. والآن، ونحن نقف هنا مجددًا ونتحدث عن المالك الأصلي لقاعة مينديس، فحتى أحفاد عائلة جاديستار المباشرون قد لا يعرفون شيئًا عن ملك الضباب».

تمتم المراهق دون أن يشعر.

 

«وفوق ذلك كله، لدينا متاهة حدائق تفوق مساحتها مساحة الإقليم الشمالي».

أطلق الحارس شخيرًا خافتًا، ثم نظر إلى ثاليس بنظرة تنطوي على معنى عميق.

«حسنًا، لا بأس إن كنت لا تريد الحديث عن الأمر.

 

 

شعر ثاليس بشيء من الحرج.

 

 

«وبالمثل، لم تكونوا مستعدين بعد للمجيء إلى… قاعة مينديس».

«أنا… حسنًا…»

«هم؟»

 

 

لكنه سرعان ما استوعب اللقب الذي ذكره مالوس.

 

 

_______________________________________________________________________________________________________

«ملك الضباب؟»

 

 

تنهد ثاليس.

أومأ مالوس برأسه.

كان هناك موضع في جلده عند صدره يؤلمه ألمًا خفيفًا.

 

ارتجف ثاليس دون وعي.

مد يده وطرق الباب المصنوع من خشب الأرز الفاخر، ثم تحدث بنبرة عميقة.

«لكن قاعة بالارد ضيقة للغاية، وساحة آلان مرتفعة أكثر مما ينبغي، فضلًا عن شدة البرد فيها. أما قاعة سومر، فهي قاتمة ومظلمة…»

 

كانت قصة قصيرة للغاية، خالية من الحبكة، ولا توحي بأي بشارة حسنة.

«سواء في أثناء حياة مينديس الأول أم بعد وفاته، فقد عرفه الناس بلقب ملك الضباب.

«ما بك؟»

 

 

«كان حكمه أشبه بالضباب؛ إذ بدا وكأنه يفعل شيئًا من أجل المملكة، لكن أفعاله كانت في حقيقتها خالية من أي جوهر.

ظل اهتمام دويل منصبًّا على الخادمات، حتى إنه لم يكلف نفسه عناء النظر إلى غلوفر، واكتفى بسرد كلامه بنبرة مفعمة بالأسى.

 

 

«أما القصص التي تناقلها الناس بعد وفاته، فكانت كالضباب أيضًا. ظهرت سريعًا، ثم اختفت في صمت».

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

 

وفجأة، ازدادت نظرة مالوس حدة.

«أوه، لا… إنهما ستون وفوبل!»

 

ابتلع ثاليس ريقه دون وعي، ثم مرر يده على وجهه.

«لم يتذكره أحد. ولم يهتم به أحد».

الثاني والعشرون؟

 

 

ارتجف ثاليس دون وعي.

كان الدوق ثاليس واقفًا هناك في صمت.

 

«أفكار والدي مثالية للغاية. فهو يظن أنني إذا انتقلت من حارس شخصي للملك إلى حارس شخصي للأمير، فقد أحظى يومًا بفرصة العودة إلى منصب الحارس الشخصي للملك، وفي نهاية المطاف…»

«لذا، تماسك، ولا سيما حين يكون الحراس جميعهم من حولك».

تجمد ثاليس في مكانه للحظة، ثم اتسعت عيناه دهشة.

 

انتزع السؤال ثاليس من شروده، فهز رأسه.

عاد مالوس يركز نظره على ثاليس، فأجبر الأمير، الذي كان غارقًا في شعور بالوحدة والإحباط، على الارتجاف.

 

 

حدّق دويل في الخادمة الواقفة قرب الجدار، وقد احمرّ وجهها، قبل أن تستدير بعيدًا عنه.

كانت نبرة الحارس باردة.

«لكن… لماذا أنا بالذات؟»

 

«فنحن لسنا من العشائر الست الكبرى، ولا من العائلات الثلاث عشرة المرموقة.

«مهما كانت التجارب التي مررت بها، فعليك أن تدرك أنك لست الوحيد الذي عانى المرض وعاش حياة بائسة من بين سادة قاعة مينديس الذين عاشوا بعيدًا عن الأضواء، ثم طواهم النسيان».

 

مريض… وبائس.

 

 

 

ابتلع ثاليس ريقه دون وعي، ثم مرر يده على وجهه.

 

 

بل إن ما تنطوي عليه من دلالات كان… عصيًّا على الوصف.

«لكن، تمامًا كما حدث مع ملك الضباب، لن يتذكرك أحد».

أطلق الحارس شخيرًا باردًا.

 

 

أطلق الحارس شخيرًا باردًا.

«لأنه لن يجرؤ أبدًا على طلب المساعدة من أفراد الطليعة!»

 

«أسرع! تظاهر بأنك تناقش معي ترتيبات الحراسة، أو خطة حماية المكان. المهم أن تبدو جادًا للغاية، وكأننا غارقان في نقاش بالغ الأهمية…»

ثم نظر نحو قصر النهضة، وقد غامت عيناه مجددًا.

الثاني والعشرون؟

 

 

«ولن يهتم بك أحد حتى».

تملّك الذهول ثاليس.

 

 

ساد الصمت.

 

 

 

وكان لا بد من الاعتراف بأنه، في تلك اللحظة، شعر ثاليس بشيء من الحرج، بعدما كشف مالوس الستار عن الأفكار والمشكلات التي ظلت تثقل كاهله.

 

 

«أفراد الحرس الملكي جميعهم من النخبة، ويتمتعون بقدرة فائقة على ملاحظة أدق التفاصيل».

وبعد برهة، أجبر دوق بحيرة النجوم الشاب نفسه على إطلاق ضحكة جافة.

«شكرًا لك على… كلماتك المشجعة، سيدي مالوس».

 

ابتلع ثاليس ريقه دون وعي، ثم مرر يده على وجهه.

«شكرًا لك على… كلماتك المشجعة، سيدي مالوس».

 

 

 

وإن لم تكن مشجعة إلى هذا الحد.

 

 

 

لم يرد الحارس على شكره، بل اكتفى بإلقاء نظرة باردة عليه.

 

 

حافظ دويل على ملامحه الجادة، واكتفى بتحريك شفتيه بالكاد.

«سأبلغك بمجرد تجهيز الغرفة، يا صاحب السمو».

 

 

تحركت عينا مالوس، وألقى نظرة عميقة على الأمير.

أنهى مالوس كلامه، ثم خطا بخطوات واسعة إلى داخل قاعة مينديس.

 

 

 

راقب ثاليس ظهره، وقد ازدحمت الأفكار في ذهنه رغم شعوره المستمر بالحرج.

وكان لا بد من الاعتراف بأنه، في تلك اللحظة، شعر ثاليس بشيء من الحرج، بعدما كشف مالوس الستار عن الأفكار والمشكلات التي ظلت تثقل كاهله.

 

 

«ذلك العم الملكي…»

استدار دويل ونظر إلى غلوفر بفضول.

 

 

تحدث المراهق فجأة.

مد يده وطرق الباب المصنوع من خشب الأرز الفاخر، ثم تحدث بنبرة عميقة.

 

 

توقف مالوس للحظة تحت اللوحة التي تصور ملك النهضة.

ازداد ذهول مالوس، وبدا عاجزًا عن فهم ما يقصده الأمير، لكن ثاليس لم يقدم أي تفسير إضافي.

 

«هل اعتلى عم ملك الضباب العرش بعد وفاة مينديس الأول؟»

«هل اعتلى عم ملك الضباب العرش بعد وفاة مينديس الأول؟»

 

 

«مثل… مصاصي الدماء؟»

تلألأت عينا ثاليس.

خطا الحارس فوق البلاط الممتد تحت قدميه.

 

 

تجمد ظهر الحارس لثوانٍ أخرى.

«وفي غضون عام واحد، توفي الملك الشاب بسبب المرض، دون أن يترك خلفه أي وريث».

 

لكن مالوس هز رأسه.

«بالطبع».

 

 

 

استدار مالوس، وقد ارتسمت على وجهه نظرة عميقة.

«أسرع! تظاهر بأنك تناقش معي ترتيبات الحراسة، أو خطة حماية المكان. المهم أن تبدو جادًا للغاية، وكأننا غارقان في نقاش بالغ الأهمية…»

 

 

«كان سومر جاديستار هو من تولى إدارة شؤون الحكم، ثم خلف ابن أخيه الذي توفي في سن مبكرة دون أن يترك وريثًا.

 

 

 

«ويُعرف في التاريخ باسم سومر الثالث، ابن آوى».

نظر مالوس إلى الأمير، فرآه يأخذ نفسًا عميقًا بينما يحدق في السماء البعيدة. وكانت نبرته مشبعة بالحسرة.

 

 

أطلق ثاليس زفيرًا عميقًا، وبدأت الصورة تتضح أمامه.

اكتفى بالتنهد، ثم رفع رأسه وأخذ يتأمل الأعمدة بشرود.

 

«وهل أصبح العبء أخف بعدما ابتسمت؟»

لكن مالوس لم يكن قد انتهى من حديثه بعد.

«هذا ليس كلامًا ينبغي لك قوله، أيها الحامي دويل».

 

 

«لقد اعتلى العرش بصفته دوق بحيرة النجوم».

 

 

وبعد برهة، حين أدرك دي. دي أنه لن يحصل على أي إجابة، ابتسم ابتسامة محرجة، واستدار من تلقاء نفسه.

تملّك الذهول ثاليس.

نظر مالوس إلى الأمير، فرآه يأخذ نفسًا عميقًا بينما يحدق في السماء البعيدة. وكانت نبرته مشبعة بالحسرة.

 

دعمكم للرواية يسرّع من عملية الوصول للراو

ولم يمنحه الحارس فرصة لطرح المزيد من الأسئلة؛ إذ انصرف دون أن يلتفت إلى الخلف، واختفى عند أعلى الدرج.

 

 

 

ترك ثاليس وحيدًا، يحاول استيعاب ما تنطوي عليه القصة من معانٍ.

 

 

 

وبعد بضع ثوانٍ، ابتسم الأمير، وكأن عبئًا هائلًا قد انزاح عن كتفيه.

 

 

 

مثير للاهتمام.

أما الثاني، فكان يقف في غابة، يحمل سيفًا ودرعًا، وقد ارتسم الإصرار على ملامحه كما عهدوه.

 

«ما رأيك أن نعقد رهانًا؟ أراهن أن ذلك الفتى قد عوقب للتو».

سواء أكان الأمر يتعلق بمالك قاعة مينديس، أم بدوق بحيرة النجوم، أم بقصص أسلافي، فإن كل ذلك يثير في النفس الكثير من التساؤلات.

عقد غلوفر ذراعيه أمام صدره، وأدار وجهه إلى الجانب الآخر، ثم أطلق شخيرًا خافتًا بدا وكأنه يوافقه الرأي، رغم أنه لم يكن مقتنعًا بكلامه في الحقيقة.

 

 

وفي النهاية، ألقى ثاليس نظرة على المكان الذي اختفى فيه مالوس، ثم استدار وغادر الرواق متجهًا إلى الحديقة.

«دعك من حقيقة أن هذا المكان سيكون المقر المؤقت للملك الفاضل الشهير… انظر إلى هذه الحديقة، وهذا العمل النحتي، بل حتى هذه الآجرات! ونحن لم نتحدث بعد عن المجموعات الفنية المحفوظة في المخازن!»

 

_______________________________________________________________________________________________________

وأثناء انتظاره، ارتسمت على وجهه ابتسامة، وأخذ يتأمل الأشخاص المنشغلين بأعمالهم من حوله.

«نعم، لقد رأيته».

 

 

وفجأة، لاحظ بين الخدم والجنود الذين يتنقلون ذهابًا وإيابًا شخصين يبدوان مختلفين عن بقية الحاضرين.

تلألأت عينا غلوفر قليلًا.

 

 

كان أحدهما مسترخيًا تمامًا، بينما وقف الآخر بجدية بالقرب من البركة، وكأنهما يناقشان أمرًا بالغ الأهمية.

 

 

ارتجف ثاليس دون وعي.

عرف ثاليس كليهما، فتوجه نحوهما ببطء.

تجمد ظهر الحارس لثوانٍ أخرى.

 

 

«لم تكن ترغب في المجيء إلى هنا منذ البداية، أليس كذلك؟»

 

 

«ما إن ننتهي من تقييم المكان وتفقده، حتى تتمكن من الانتقال إليه».

عند النافورة، ألقى دويل نظرة على عدد من الخادمات الواقفات على مسافة بعيدة، ثم ضيّق عينيه.

قطّب غلوفر حاجبيه إلى جواره.

 

استدار مالوس، وقد ارتسمت على وجهه نظرة عميقة.

«كما تعلم، تُعد عائلة غلوفر واحدة من أبرز العائلات السبع التابعة لعائلة جاديستار. وهي من الداعمين الرئيسيين لحزب الملك، وقد حظيت عائلتهم بثقة الملك الكبيرة على مدى أجيال، فضلًا عن تمتعهم بمكانة رفيعة ونفوذ واسع».

 

 

 

قطّب غلوفر حاجبيه إلى جواره.

«عندما دخلت قصر النهضة للمرة الأولى، كنت مصابًا بجروح بالغة إثر محاولة اغتيال. لقد حملوني إلى الداخل وأنا فاقد للوعي».

 

 

«والدك هو السلف الذي انحدرت منه عائلة كيركيرك مان، بينما ينتظره مستقبل واعد في وزارة المالية».

مريض… وبائس.

 

«صحيح أن مينديس الثالث أقام هنا قبل مئة عام، وأن معظم الناس يعتقدون أنه هو من أطلق على المكان اسمه… لكن لا، لم تُسمَّ قاعة مينديس تيمّنًا بالملك الفاضل».

ظل اهتمام دويل منصبًّا على الخادمات، حتى إنه لم يكلف نفسه عناء النظر إلى غلوفر، واكتفى بسرد كلامه بنبرة مفعمة بالأسى.

 

 

 

«جلالة الملك نفسه يتطلع إلى إحراز المزيد من التقدم، وهو الآن في أوج عطائه.

«اهدأ يا زومبي. هذه قاعة مينديس، وليست حصن التنين المكسور».

 

لكن دوق بحيرة النجوم ابتسم.

«ومع ذلك، ها أنت ذا تأتي إلى هنا لتغرق معنا في هذه الفوضى المؤسفة».

 

 

عندها فقط أطلق دويل زفرة ارتياح، واسترخى جسده تمامًا.

استدار دويل ونظر إلى غلوفر بفضول.

 

 

 

«لماذا؟»

«…بالضوء!»

 

 

لكن يبدو أنه اصطدم هذه المرة بجدار صلب.

وكأن مالوس شعر بما يخيّم على الأجواء، فقد التزم الصمت هو الآخر، ووقف إلى جوار الأمير دون أن يقول شيئًا.

 

 

فقد استدار غلوفر بدوره، وحدق فيه ببرود، وكأنه ينظر إلى قطعة لحم فاسدة معروضة في متجر جزّار.

لكن غلوفر عقد حاجبيه.

 

 

ظل صامتًا وقتًا طويلًا.

 

 

وفجأة، لاحظ بين الخدم والجنود الذين يتنقلون ذهابًا وإيابًا شخصين يبدوان مختلفين عن بقية الحاضرين.

وبعد برهة، حين أدرك دي. دي أنه لن يحصل على أي إجابة، ابتسم ابتسامة محرجة، واستدار من تلقاء نفسه.

 

 

 

«حسنًا، لا بأس إن كنت لا تريد الحديث عن الأمر.

ثم أشار إلى اللوحة الموجودة على يمينه، والمعلقة على الجدار المقابل.

 

«ثق بي. أنا أعرف هذا الشعور. قد يبدو هادئًا للغاية الآن، لكنه يتظاهر بذلك فحسب».

«أما أنا، فقصتي مختلفة تمامًا».

 

 

«مهما كانت التجارب التي مررت بها، فعليك أن تدرك أنك لست الوحيد الذي عانى المرض وعاش حياة بائسة من بين سادة قاعة مينديس الذين عاشوا بعيدًا عن الأضواء، ثم طواهم النسيان».

ابتسم دويل ابتسامة مثالية لإحدى الخادمات التي لم تعد تحتمل نظراته، فاختلست النظر إليه قبل أن تصرف وجهها.

نظر مالوس إلى الأمير، فرآه يأخذ نفسًا عميقًا بينما يحدق في السماء البعيدة. وكانت نبرته مشبعة بالحسرة.

 

ظل مالوس مذهولًا لثوانٍ، ثم عقد حاجبيه، بينما عجز ثاليس عن معرفة ما يدور في ذهنه.

«خلال سنوات ازدهار مملكتنا، توثقت علاقات عائلة دويل أكثر مما ينبغي مع النبلاء القدامى، ودخلنا في تحالفات خاطئة… وانتهى بنا الأمر إلى البقاء ثلاث سنوات كاملة دون أن يشغل أي فرد من عائلتنا منصبًا مهمًا في قصر النهضة».

 

 

 

لم يقل غلوفر شيئًا، لكنه أشاح بنظره.

 

 

 

حدّق دويل في الخادمة الواقفة قرب الجدار، وقد احمرّ وجهها، قبل أن تستدير بعيدًا عنه.

تجمد ثاليس في مكانه للحظة، ثم اتسعت عيناه دهشة.

 

«ماذا؟»

«إنهم يخشون أننا إذا واصلنا على هذا المنوال، فلن نتمكن من الحفاظ على مكانتنا بين العائلات السبع التابعة لجاديستار، تمامًا مثل العائلات التي تدهورت أحوالها، كعائلة تاردين وعائلة بيلدين، و…»

في الأرجاء، انتشر الحرس الملكي المكلّف بحماية الأمير. وكانوا يتحركون في انتظام برفقة مسؤول المراسم الملكية والمسؤول الإداري القادمين من مبنى البلدية، وهم يدخلون هذا القصر الفخم. تولّى الحرس الملكي مهام الخدم والحراس المحليين، الذين كان معظمهم من الجيش الخاص لعائلة جاديستار، وقد استُدعوا من الإقليم الأوسط إلى هذا المكان، فوجدوا أنفسهم محط اهتمام يفوق ما اعتادوه. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شرع الحرس الملكي أيضًا في نشر الدعاية.

 

تقدم ثاليس بخطوات مثقلة بشيء من الإحباط، متجاوزًا الرواق ذي الأعمدة، حتى وقعت عيناه على الجدار الواقع تحت الثريا. كانت هناك ثلاث لوحات ضخمة تواجه البوابة الرئيسية، تجسد كل منها واحدًا من ثلاثة رجال.

توقف دويل قليلًا، ثم أشار برأسه نحو قاعة مينديس، وأطلق تنهيدة قبل أن يضيف:

 

 

«ماذا؟ ماذا قلت؟»

«مالوس».

«وإلا، لما اضطررتم إلى إجراء التقييم والتفتيش في اللحظات الأخيرة».

 

 

لم يقل غلوفر شيئًا، وكأنه لم يسمع كلمة واحدة.

 

 

«أهو؟»

«لذلك، لم يكن أمامي خيار سوى المجيء إلى هنا».

أطلق ثاليس شخيرًا خافتًا، وتراجع بضع خطوات، بينما أخذ يتفحص السقف والشرفات في قاعة مينديس.

 

 

رفع دويل حاجبًا.

شعر ثاليس بشيء من الحرج.

 

«هل يُعقل أن يكون حب الفن والجمال أمرًا خاطئًا؟»

«أفكار والدي مثالية للغاية. فهو يظن أنني إذا انتقلت من حارس شخصي للملك إلى حارس شخصي للأمير، فقد أحظى يومًا بفرصة العودة إلى منصب الحارس الشخصي للملك، وفي نهاية المطاف…»

لكن الصوت لم يكن صادرًا عن الشخص الذي توقعه ثاليس.

 

تحركت عينا مالوس، وألقى نظرة عميقة على الأمير.

اكتسى وجه دي. دي بشيء من الكآبة.

راح قائد الطليعة يتفحص المكان، بينما كانت الحركة تدب في كل زاوية من حوله، والناس منهمكون في أعمالهم. سلّم جواده إلى أحد مرؤوسيه في فرقة الطليعة، ثم عقد حاجبيه أكثر.

 

بدت السخرية واضحة على وجه الأمير.

«بالطبع، كل ذلك ليس سوى أحلام مثالية».

 

 

«لا، لا، لا. صحيح أننا لم نكن نعرف بعضنا جيدًا في الماضي، لكنني أعلم أن أفراد فرقة الطليعة لا يتولون مهام الحراسة الثابتة كثيرًا…»

تلألأت عينا غلوفر قليلًا.

 

 

«ينبغي للأمير أن يقيم في قصر النهضة».

«فقد ولّى الزمن الذي كان بإمكاننا فيه الاعتماد على أراضينا الإقطاعية لمجرد ضمان بقائنا على قيد الحياة».

 

 

 

أطلق دويل زفيرًا، وارتسم على وجهه تعبير مستسلم، بينما ازدادت نبرة صوته عمقًا.

«أما أنا، فقصتي مختلفة تمامًا».

 

 

ثم قال بصوت خافت، أمام غلوفر الذي ظل واقفًا بلا حراك:

قطّب غلوفر حاجبيه إلى جواره.

 

«ملك الضباب؟»

«فنحن لسنا من العشائر الست الكبرى، ولا من العائلات الثلاث عشرة المرموقة.

«وعلينا أن نبتسم، حتى يصبح ذلك العبء أخف وطأة».

 

 

«نحن مجرد… مرافقين لجاديستار ».

 

 

 

 

بسبب… سيف.

_______________________________________________________________________________________________________

 

سيتم استئناف ترجمة العمل بعد توقف المترجم السابق، أي ملاحظة لتحسين السرد والترجمة ستؤخذ بعين الاعتبار.

 

دعمكم للرواية يسرّع من عملية الوصول للراو

 

حساب الانستا الجديد لأي استفسارات ag00.ego@

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط