في القاعة الكبرى كانت أتين واقفة تنتظر وصول جميع المحاربات ومن بقي من الحرس الملكي. وبعد دخولهن جميعًا أغلقت أتين باب القاعة بإحكام، ثم سارت على طول الجدران وهي تحطّم المصابيح واحدة تلو الأخرى لتغرق القاعة في ظلام دامس. «هنالك مخلوقات قذرة ومتخفية بيننا الآن».
عمّ الاندهاش وجوه النساء وارتفعت همسات التساؤل بينهن. «ماذا! مخلوقات بيننا؟ كيف استطاعت التسلل إلى هنا؟»
وقفت أتين في منتصف القاعة ونادت: «عين نورما!» ما إن نطقت بالكلمة حتى توهجت أعين المحاربات فأصبحن قادرات على الرؤية في الظلام.
بدأت أتين والمحاربات بتمييز النساء المتنكرات اللواتي لا يحملن علامة إسترازون ولا يمتلكن عين نورما. ومع انكشاف هوياتهن اندلعت المعركة داخل القاعة واشتَبكت المحاربات مع المخلوقات وسط أصوات الأسلحة ولم يبقَ في الظلام سوى بريق أعينهن. ورغم شراسة القتال تمكنت المحاربات من هزيمة المخلوقات بفضل تفوقهن العددي.
بعد أن خيّم الهدوء على القاعة تقدّمت أتين نحو إحدى المخلوقات الملقاة على الأرض وقد أثخنتها الجراح وخارت قواها تحت وطأة الألم. أمسكت بها من قميصها ورفعتها عن الأرض ثم سألتها بصوت حاد: «لماذا أخذتم كبد الملك؟ ما الذي تخططون له؟»
ارتسمت على وجه المخلوقة ابتسامة خبيثة رغم أنينها. «لقد أخذنا حياة ملككم… لنُنعش بها حياة ملكنا».
«ماذا عن المستشار؟ هل اختطفتموه أيضًا؟»
أجابت المخلوقة: «لا… لا أعرف شيئًا عنه، ولكن ملكنا سيعود قريبًا… وسينتقم لنا منكم». لم تستطع أتين تحمّل تهديد المخلوقة، فقطعت عنقها وأسقطتها أرضًا.
في صباح يوم البكر، اليوم الذي انتظره الناس طوال العام واستعدوا له بتزيين المدينة للاحتفال به، خيّم الحزن على أرجائها وحلّ الصمت بدلًا من أجواء الفرح التي كان من المفترض أن تسودها.
ظهر موكب مهيب من رجال قبيلة المازي وهم يحملون تابوت الملك الراحل متجهين نحو المقبرة الملكية القريبة من القصر حيث توجد مقبرة عائلة الملك بوديا، الملك الأوّل للمملكة.
عندما وصل الموكب إلى المقبرة كان الجميع قد اجتمعوا هناك في انتظار بدء المراسم. وقفت أتين إلى جانب الجدة أسيل والتوأم ديا وموري وبقية المحاربات من قبيلة إسترازون، في حين اصطف سكارفيس وعمه وإخوته مع مجموعة من رجال قبيلة المازي. كما حضر باسل وحمزة ونوفيتش وفين لتوديع الملك غوديا.
وضع رجال قبيلة المازي التابوت أمام القبر المعدّ لدفن الملك غوديا، وأدّوا طقوس الوداع بضرب أفخاذهم وأذرعهم بأيديهم ودكّ الأرض بأقدامهم بإيقاع منتظم، بينما تعالت أهازيجهم بنبرة تشبه العواء.
بعد انتهاء رقصة رجال المازي، دُفن غوديا في المقبرة الملكية. ثم تقدمت مجموعة من نساء إسترازون بقيادة التوأم وبدأت كل واحدة منهن تضرب درعها بسلاحها، فتوالت الضربات في نسق موحّد تعبيرًا عن ولائهن للملك الراحل وعزمهن على حماية المملكة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.