الفصل المئة واثنين: اضطرابات الأقاليم الجنوبية
اكتفى فانغ تشين بابتسامة في مواجهة استجواب إمبراطور شيا العظمى الغاضب، وقال:
«مولاي، لا تغضب، فما أردت إلا مصلحة شيا العظمى.»
«أتطلب مني ألا أغضب؟!»
ضحك إمبراطور شيا العظمى من شدة الغيظ، ثم قال:
«ضع نفسك مكاني وانظر كيف سيكون شعورك! أنا ملك شيا العظمى، وحاكم هذه البلاد، ومع ذلك تحرجني أمام كبار المسؤولين، فلا تترك لي سبيلًا أحفظ به هيبتي. فقل لي: من الذي يحكم شيا العظمى حقًّا، أنا أم أنت؟ ما رأيك أن أترك لك العرش، وأعتزل أنا وعمتك في الريف لنعيش حياة الأثرياء؟!»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«لا أطمع في العرش. إنه همٌّ لا ينقطع؛ تقلق على الدولة والشعب كل يوم، وربما قصّر ذلك عمرك.»
عجز إمبراطور شيا العظمى عن الرد للحظة.
وبعد صمت طويل، قال:
«فانغ تشين، أخبرني بما يدور في ذهنك. أردت أن أمنحك الزي الرسمي الخاص بالبلاط، لكنك رفضته. أترى أن العمل في حكومة شيا العظمى لا يليق بمقامك؟»
«قبل خمس سنوات، ربما كنت سأرحّب بمساعدتك في تحمّل أعباء الحكم، بل لوجدت متعة في مجادلة رجال البلاط. لكن الأمور تغيّرت الآن. أرى أنني أستطيع أن أقدّم شيئًا لشيا العظمى حتى من خارج البلاط. فما حاجتي إلى تولّي منصب لا ضرورة له؟ ثم إن ابتعادي سيجنّب المسؤولين ذلك الحذر الشديد مني، ويحرّرهم من الانشغال طوال الوقت بالتفكير في كيفية عزلي. وهكذا يمكنهم أن يخصّصوا مزيدًا من اهتمامهم لمعيشة الناس.»
قال فانغ تشين ذلك بابتسامة هادئة.
ضيّق إمبراطور شيا العظمى عينيه قليلًا وسأله:
«أهذا ما تفكر فيه حقًّا؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«سواء صدّقتني أم لم تصدّقني، فهذا ما أفعله بالفعل.»
ثم أضاف:
«إن لم تكن لديك أمور أخرى، فسأستأذن في الانصراف.»
أومأ الإمبراطور برأسه قليلًا.
«حسنًا، انصرف.»
بعد مغادرة فانغ تشين، ظهر خصيّ مسنّ يتقدّم ببطء، مستندًا إلى عدد من الخصيان الصغار الذين يساعدونه على السير. وما إن رآه الخصي يو حتى هتف بدهشة، ثم أسرع نحوه:
«يا سلفنا القديم، ما الذي أخرجك اليوم؟»
سحب الخصي المسنّ ذراعيه برفق من بين أذرع الخصيان الصغار، وسوّى ثوبه، ثم قال:
«جئت لزيارة جلالة الإمبراطور. لا شأن لكم هنا، انصرفوا.»
ثم دخل مكتب الدراسة الإمبراطوري.
شعر الخصي يو بدهشة شديدة.
لقد أمضى هذا السلف القديم سنوات طويلة في القصر، وخدم ثلاثة أباطرة؛ والإمبراطور الحالي هو الثالث. لكن منذ اعتلاء هذا الإمبراطور العرش، اعتزل السلف القديم شؤون القصر تقريبًا. وإذا حُسب عمره، فلا بد أنه تجاوز المئة أو قاربها.
تمتم الخصي يو في نفسه:
«لعل خبر ارتقاء شيا العظمى إلى المرتبة الثامنة قد بلغه، حتى إنه أيقظ السلف القديم من عزلته. إن دوق فانغ موهبة نادرة بحق! لم تستطع شيا العظمى تحقيق هذا الإنجاز طوال مئات السنين، لكنه أنجزه في يوم واحد. يكاد الأمر يبدو كالحلم.»
داخل مكتب الدراسة الإمبراطوري، انحنى الخصي المسنّ بصعوبة وقال:
«خادمك يحيّي جلالتك.»
نظر إليه إمبراطور شيا العظمى وقال بفتور:
«انهض. لقد سألت فانغ تشين للتو عن نواياه، ويبدو أنه لا يفكر في انتزاع العرش. بل إن كرسي التنين، في نظره، أشبه بعبء ثقيل.»
قال الخصي المسنّ:
«جلالة الإمبراطور، لا بد من الحذر من الآخرين. فالدوق فانغ، مهما يكن، لا يزال شابًّا قوي العزيمة، وقد يقدم على أمور تتجاوز الحدود بسهولة أكبر مما كان يفعل فانغ زيتيان.»
قال الإمبراطور بصوت عميق:
«ولهذا أردت لقاءك اليوم.»
ثم تابع:
«حين دخلت القصر، كنت في السادسة من عمرك، وخدمت سلف عائلة شيا. لم يكن سلفنا القديم يميل إلى عالم البشر، فانصرف إلى طلب طريق الخلود. وفي الثلاثين من عمره، ترك رسالة وغادر في هدوء، ولم يعد منذ ذلك الحين. أريد أن أعرف منك: هل دخل طريق الخلود فعلًا وأصبح مزارعًا؟»
أومأ الخصي المسنّ ببطء.
«نعم، لقد أصبح سيدي مزارعًا بالفعل.»
«يا له من أمر مؤسف! يا له من أمر محزن!»
ضحك إمبراطور شيا العظمى بمرارة، ثم قال:
«لقد ظهر مزارع من عائلة شيا، ومع ذلك لم يترك وراءه أي إرث، ولم يكترث بشيا العظمى! ما أغرب هذا الأمر! لو أنه مدّ يد العون إلى شيا العظمى، لارتقت الدولة إلى المرتبة الثامنة قبل أن يظهر فانغ تشين، وربما بلغت المرتبة السابعة أيضًا!»
أجاب الخصي المسنّ بصوت خفيض:
«قال سيدي إن طريق الزراعة الخالدة محفوف بالمخاطر، وإن تدخّله لمصلحة شيا العظمى قد يكشف لأعدائه صلته بها، فتجرّ الدولة إلى المتاعب، وقال أيضًا إن على المزارع أن يقطع تعلّقه بعالم البشر؛ فكلما تخلّص من هذه التعلّقات، استطاع أن يمضي أبعد في طريقه. لكل دولة قدرها، كما قال، وليس من شأنه أن يتدخل في شؤون شيا العظمى، بل لا ينبغي له أن يفعل ذلك.»
قال الإمبراطور بهدوء:
«إذن، لقد عاد سلفنا القديم عدة مرات خلال هذه السنوات، لكنه لم يقابل سواك، ولم يكلف نفسه حتى عناء لقاء أقاربه؟»
خفض الخصي المسنّ رأسه، ولم يجب.
قال الإمبراطور بصوت عميق:
«لكن الأمور تغيّرت الآن. فقد ظهر مزارع في دار عائلة فانغ، وفانغ تشين لعلّه مزارع هو الآخر. إذا كان المحارب يستطيع أن يتجاوز سلطة العرش، فكيف سيكون الحال مع مزارع؟»
ثم أضاف:
«أعلم أنك تملك وسيلة للاتصال بسلفنا القديم. أريدك أن تبلغه أن سلطة العرش في شيا العظمى لم تعد مستقرة، وأنني أرجو منه العودة للمساعدة في ضبط الأمور.»
أومأ الخصي المسنّ ببطء.
«خادمك يطيع أوامرك.»
ثم نهض واستأذن في الانصراف، وغادر مكتب الدراسة الإمبراطوري بخطوات متثاقلة.
خلال الأيام التالية، انتشر خبر ارتقاء شيا العظمى إلى المرتبة الثامنة انتشارًا واسعًا، وانطلق من العاصمة ليصل إلى مختلف الأقاليم.
ابتهج سكان شيا العظمى بهذا الخبر، حتى إن الحزن على وفاة الأمير الثالث تراجع إلى حدّ ما. فمقارنةً بخسارة أحد أمراء الدولة، كان الشعب أشد سعادة بأن شيا العظمى أصبحت مملكة عليا من المرتبة الثامنة!
وفي غضون أيام قليلة، استنفد فانغ تشين معظم مواد صناعة التعويذات الروحية التي جلبها الداوي لي من بلدة لونغجي، وأنتج دفعة جديدة من التعويذات.
احتفظ لنفسه ببعضها، وأرسل شو جي البقية إلى أفراد حرس الظل.
قال الداوي لي، مستغربًا:
«لماذا لا تحتفظ بهذه التعويذات من البرق الأرجواني لنفسك؟ لو بقيت في يدك، لاستطعت إطلاق قوة أشد فتكًا بها.»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«أنا في النهاية شخص واحد، ومهما بلغت قوتي فلن أستطيع مواجهة الجميع وحدي إذا وقع مكروه. لا بد من الاستعداد مبكرًا. فإذا عجزت الراهبة تشنغهي عن إحضار من يساعدنا، فسيتعين علينا مواجهة مزارع من طائفة الروح الدموية في مرحلة تأسيس الأساس بأنفسنا.»
شهق الداوي لي، وظهر الخوف في عينيه.
«أليس لديك ضمان للنصر؟»
أومأ فانغ تشين بصدق.
«لا.»
ثم أوضح:
«سواء أكان الأمر يتوقف على تدخل سيدة الراهبة تشنغهي، أم على مواجهتنا لمزارع تأسيس الأساس التابع لطائفة الروح الدموية، فلا أملك ضمانًا للنصر.»
«تبًّا!»
لم يتمالك الداوي لي نفسه، فسبّ بغيظ.
كان يظن أن فانغ تشين كشف عن وجود تعويذات البرق الأرجواني هذه المرة لأنه واثق من قدرته على التعامل مع الموقف. لكنه لم يتوقع أن يصرّح فانغ تشين بأنه لا يملك أي ضمان للنصر!
«تأسيس الأساس إن قدراتهم تفوق الخيال. فكيف لنا، ونحن لا نملك سوى بضعة مزارعين في مرحلة تنقية تشي، أن نواجه مزارعًا في مرحلة تأسيس الأساس؟»
تمتم الداوي لي لنفسه، ثم أضاءت عيناه فجأة وقال:
«ما رأيك أن نهرب؟ العاقل لا يعرّض نفسه لخطر يمكنه تجنّبه! لنعد إلى هنا بعد أن تبلغ مرحلة تأسيس الأساس. شيا العظمى الآن عبء عليك؛ فهي لا تنتج أحجار الروح، ولا تضم كهوفًا سماوية أو أراضي مباركة ذات قيمة اصطحب عائلتك وتعال معي إلى مملكة اللهب المشتعل!»
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة وقال:
«أرى أن الغاية من تعلّم القتال أو سلوك طريق الخلود هي تقوية الدولة الضعيفة، لا التخلّص منها.»
بدا الداوي لي عاجزًا عن الرد.
كيف يمكن لمزارع أن يكون شديد التعلّق بعالم البشر إلى هذا الحد؟ كان ذلك أمرًا نادرًا حقًّا!
في تلك اللحظة، جاء شو جي مسرعًا ليبلّغ فانغ تشين:
«سيدي الشاب، يوان تشوانغ يطلب مقابلتك!»
تحرّك تعبير وجه فانغ تشين قليلًا.
«يوان تشوانغ! هل عادوا من الأقاليم الجنوبية؟»
أجاب شو جي بصوت خفيض:
«لقد حدث أمر خطير.»
أومأ فانغ تشين.
«أحضره.»
كان يوان تشوانغ مغطّى بالدماء، وجسده مثقلًا بالجروح؛ بعضها التأم وغطّته القشور، وبعضها بدا حديثًا. ومن الواضح أنه ما إن وصل إلى العاصمة حتى أسرع إلى دار عائلة فانغ.
قال بقلق شديد:
«أيها السيد الشاب، حدث أمر خطير! لقد طوّقت طوائف عالم القتال في الأقاليم الجنوبية طائفة النصل الغامض، وأصبح السيد جويي بان شي ومن معه محاصرين داخلها.»
كان يوان تشوانغ قد بقي في الأقاليم الجنوبية لمساعدة جويي بان شي على تطهير مختلف الجماعات والفرق في مقاطعة شياننان. لكن تبعات تدمير قصر السيف السماوي لم تكن قد هدأت بعد.
وعلى الرغم من أن جويي بان شي أعلن أن الجناة قد قُضي عليهم، فإن الطوائف المختلفة في عالم القتال لم تصدّق ذلك. ثم إن جويي بان شي شرع في تطهير عدد كبير من الطوائف الصغيرة، ففُككت جماعات، وسُجن بعض أتباعها، وأُعدم آخرون، فيما سُرّح الباقون، وأثار ذلك اضطرابًا واسعًا.
وفي نهاية المطاف، خرجت طائفة السيف العملاق، إحدى الطوائف الأربع الكبرى في الأقاليم الجنوبية، والتي تضاهي قصر السيف السماوي وطائفة النصل الغامض مكانةً، إلى الواجهة.
فجمعت مختلف الطوائف في عالم القتال بالأقاليم الجنوبية، وتوجهت جميعها إلى طائفة النصل الغامض للمطالبة بتفسير.
وهكذا حوصرت الطائفة، وأصبح جويي بان شي ورجاله محاصرين داخلها. أما يوان تشوانغ، فقد تمكن من الفرار بصعوبة، وسارع إلى العاصمة لإبلاغ فانغ تشين بما حدث.
سأل فانغ تشين بابتسامة هادئة:
«وماذا عن قصر شياوياو؟»
كان قصر شياوياو إحدى الطوائف الأربع الكبرى أيضًا، لكن أتباعه نادرًا ما ينزلون من الجبال، وكان من الصعب على عامة الناس رؤيتهم؛ لذلك ظل غامضًا في نظر سكان الأقاليم الجنوبية.
أجاب يوان تشوانغ بصوت خفيض:
«يبدو أنه لم يتدخل.»
سأل فانغ تشين مجددًا:
«وماذا عن الحاميات والدوائر الحكومية في الأقاليم؟ هناك مسؤولون عيّنتهم الدولة محاصرون داخل طائفة النصل الغامض، ومع ذلك لم يتحركوا؟»
عقد يوان تشوانغ حاجبيه.
«لم يتدخلوا هم أيضًا. يبدو أنهم يتغاضون عن تصرفات طائفة السيف العملاق هذه المرة. وأشتبه في أن عالم القتال في الأقاليم الجنوبية أكثر تعقيدًا بكثير مما تصورنا.»
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة وقال:
«كنت أظن أنهم سيتريثون ولن يكشفوا عن أنفسهم بهذه السرعة. يبدو أن تكليفكم بتطهير تلك الجماعات قد مسّ مصالحهم هذه المرة. حتى من يُحاصر في الزاوية قد يضطر إلى العضّ دفاعًا عن نفسه. موارد الأقاليم الجنوبية شحيحة، ولذلك يشيع فيها القتال. ومن الطبيعي أن تتشابك مصالح المسؤولين الذين يُرسلون إلى هناك مع مصالح الطوائف المحلية. يبدو أن الفساد هناك قد تغلغل حتى الجذور.»
نظر إليه يوان تشوانغ بدهشة.
«أيها السيد الشاب، هل توقعت هذا منذ البداية؟»
التفت فانغ تشين إلى شو جي وقال:
«أبلغ جدي والبقية أن عائلة فانغ لم تخرج للتنزّه منذ زمن. هذه المرة، ستذهب العائلة كلها إلى الأقاليم الجنوبية لقضاء بعض الوقت هناك.»
لمعت الدهشة في عيني شو جي.
العائلة كلها! هل ينوي السيد الشاب إخراج دار عائلة فانغ بأكملها من العاصمة؟
قال شو جي بصوت خفيض:
«سيدي الشاب، ألا نُبقي بعض الخدم في الدار؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«اجمعهم، وتولَّ أنت الأمر.»
تحرّكت عينا شو جي قليلًا، وفهم على الفور ما يقصده فانغ تشين. كان يريد إدخال بعض أفراد حرس شيا العظمى السريين إلى دار عائلة فانغ، متنكرين في هيئة خدم.
وبدأ الداوي لي يفهم المقصود أيضًا. كان فانغ تشين يستعد لاحتمال وصول مزارع من طائفة الروح الدموية، ويريد إخراج عائلته من العاصمة كي لا يجد خصمه فيها رهائن يضغط بها عليه.
قال الداوي لي مبتسمًا:
«هذا قرار حكيم.»
لكن فانغ تشين التفت إليه وقال:
«ستبقى في دار عائلة فانغ.»
«ماذا؟!»
بدا الداوي لي مذهولًا.
وبعد ساعتين، غادرت أعداد كبيرة من أفراد عائلة فانغ العاصمة في موكب مهيب.
أُصيب سكان العاصمة الذين شاهدوا ذلك بالدهشة، وراحوا يتساءلون عن السبب.
كانت دار عائلة فانغ قد أعلنت أن الأسرة ستخرج في رحلة للتنزّه في منطقة أخرى، لكن النبلاء في العاصمة لم يصدقوا ذلك بطبيعة الحال، حين رأوا هذا العدد الكبير يغادر دفعة واحدة. ومع ذلك، لم تكن لديهم صلاحية السؤال، ولم يجرؤوا على الاستفسار.
داخل العربة، أخرج فانغ زيتيان زفرة طويلة، ثم التفت إلى فانغ تشين وقال:
«يا بني، تراكمت مشكلات الأقاليم الجنوبية على مدى سنوات طويلة، ولم أتمكن أنا من تسويتها حين حاولت. فما خطتك هذه المرة؟ أتعتزم تطهيرها كلها دفعة واحدة؟»
استمرت مشكلات الأقاليم الجنوبية سنوات طويلة جدًّا.
كانت مواردها شحيحة، ولذلك كان التنافس على الموارد يؤدي إلى الصراع والقتال، مما جعل ثقافة القتال راسخة بين سكانها.
وينحدر عدد من القادة العسكريين الموجودين في العاصمة من الأقاليم الجنوبية، بل إن بعضهم خدم في الطوائف الأربع الكبرى حين كانوا شبابًا. ومع مرور الزمن، جعل ذلك المنطقة مختلفة عن بقية أنحاء الدولة.
ففي بعض الأحيان، كانت أوامر العاصمة تصل إلى الجنوب، ثم تتحول هناك إلى شيء مختلف تمامًا، بينما تعجز العاصمة عن فعل شيء حيال ذلك. فلم يكن من الممكن إرسال الجيش لقمع المنطقة ببساطة؛ إذ إن العلاقات المتشابكة والمعقدة كانت ستؤدي إلى اضطرابات واسعة.
وبعبارة أوضح، كانت كلمة العاصمة أقل نفاذًا في الأقاليم الجنوبية من كلمة الطوائف الأربع الكبرى نفسها.
أما المسؤولون الذين يُرسلون إلى هناك لتولّي المناصب ويحاولون تغيير شيء من الواقع، فكانوا يموتون في ظروف غامضة، من دون أن يُعثر على الجناة.
ففي عالم القتال بالأقاليم الجنوبية، يمكن أن يكون أي شخص مشتبهًا به في ارتكاب جريمة!
حين كان فانغ زيتيان شابًّا، حاول التدخل لإصلاح أحوال الجنوب، لكنه واجه ضغوطًا من الجانبين: من الأقاليم الجنوبية نفسها، ومن داخل البلاط. ولم يجد في النهاية سوى التخلي عن محاولته.
ابتسم فانغ تشين وقال:
«مشكلة الأقاليم الجنوبية تكمن في تلك الطوائف؛ فقد اجتمعت لها الظروف المواتية والمواقع المناسبة ودعم الناس، حتى إنها لا تخشى مواجهة مقاتل من مستوى تشي العظيم. لكن من ستواجهه الآن ليس مقاتلًا من مستوى تشي العظيم. ولتسوية هذه الفوضى، لا بد من الحسم السريع، وضربهم قبل أن تتاح لهم فرصة الرد.»
أومأ فانغ زيتيان ببطء.
«في الجيش رجال تربطهم بالجنوب صلات وثيقة، وإذا تحركت ضده فقد يضطرب الجيش نفسه. لكنك هزمت مملكة هانشوي للتو ورفعت شيا العظمى إلى المرتبة الثامنة، وهذا يمنحك هيبة تجعل بعضهم يفكر مليًّا قبل أن يقدم على خطوة متهورة. إنهم لا يزالون تحت وقع الصدمة، ولذلك فالتحرك الآن فرصة ممتازة. إذا منحناهم وقتًا أطول لاستيعاب ما حدث، فسيتلاشى جزء من خوفهم. وبطباعهم الشرسة، قد يختارون القتال حتى النهاية، ولو أدى ذلك إلى هلاك الطرفين.»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«وفوق ذلك، لديّ هدف آخر. فالماء البارد الذي أحضرته قبل أيام مأخوذ من نبع في الأقاليم الجنوبية، وهو نبع روحي غني بالطاقة الروحية. في عالم الزراعة، يحتاج تأسيس طائفة إلى جبل روحي تتخذه أساسًا، أو إلى نبع روحي يقوم مقامه. ويكاد يكون نقل هذه الموارد مستحيلًا، لكن يمكننا الانتقال إلى هناك وبناء دار لعائلتنا.»
لم يكن معروفًا متى سيصل مزارعو طائفة الروح الدموية إلى العاصمة. وبذلك، فإن انتقال عائلة فانغ إلى الجنوب سيحميها من تبعات المواجهة، ويمنحها في الوقت نفسه قاعدة حقيقية تستند إليها في طريق الزراعة.
ولم يعد أي فرد من عائلة فانغ يشغل منصبًا في البلاط، لذا لن تخسر العائلة الكثير بمغادرة العاصمة.
«أحقًّا؟»
لمعت عينا فانغ زيتيان.
منذ أن دخل طريق الخلود، أيقن أن هذا الطريق قد يمنح عائلة فانغ مستقبلًا يمتد لآلاف السنين. وإذا كان لديهم نبع روحي يتخذونه أساسًا، فإن أبناء العائلة الذين يشربون من مائه يومًا بعد يوم ستكون لديهم، على أقل تقدير، فرصة لامتلاك بعض المواهب في الزراعة الخالدة!
وفوق ذلك، يحتاج المزارعون إلى الموارد كي يواصلوا التقدم في زراعتهم. وعلى الرغم من أن النبع الروحي لا يضاهي أحجار الروح من حيث سهولة الانتفاع بها وتأثيرها المباشر، فإن له ميزة لا تُضاهى:
فماؤه وفير، ولا ينفد بسهولة!
قال فانغ زيتيان متأملًا:
«لقد أصبحت تلك الفتاة فانغ تشيشيو قادرة على الإحساس بالطاقة الروحية. وسيأتي يوم تتمكن فيه من تكوين أول وريد خالد لها. وعندما تصبح مزارعة هي الأخرى، سيخفّ عنك كثير من العبء. وعندها ستستطيع أنت أيضًا أن ترى عوالم أوسع.»
ابتسم فانغ تشين وأومأ برأسه.
كان واضحًا أن فانغ تشيشيو لم تعد تخرج للاختلاط بالمحاربين كما كانت تفعل من قبل؛ فقد أصبحت تقضي أيامها ولياليها في التأمل في فن التشي الأرجواني. ويبدو أن طريق الخلود يجذبها أكثر بكثير من طريق القتال.
أما فانغ كانغهاي وفانغ كانغيو والبقية، فقد بدأوا يفهمون بعض الأمور أيضًا. صحيح أن مواهبهم عادية، لكن بلوغهم المستوى الثالث أو الرابع من تنقية تشي سيكون كافيًا.
فالزراعة ليست طريقًا سهلًا، ولا يجرؤ فانغ تشين على أن يأمل في أن تصبح عائلة فانغ عشيرة زراعة عظيمة، لكنه لا يظن أن إعداد عشرات المزارعين سيكون أمرًا عسيرًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.