رغم كثرة ما يريد يانغ جيان معرفته، بدا فنغ تشيوان مستعدًا لأن يشرح له بصبر.
وهذا الحديث أفضل وسيلة لإزالة سوء الفهم.
فقد سبق أن أوقع كل منهم بالآخر ما كاد يقتله، ومن أراد أن ينجو في هذه القرية، بل أن يغادرها، فلا بد أن يزيل هذا الضيق في نفسه.
وإلا تضرر التعاون فيما بعد.
تنبيه تشانغ هان جعل الاثنين ينظران فورًا إلى خارج البيت.
كانت السماء في الخارج تعتم من جديد. ورغم أن الاعتام أبطأ مما سبق، فإن القرية ستدخل الليل الحالك مرة أخرى في أقل من عشر دقائق.
ظهر على وجه فنغ تشيوان البارد شيء من الجدية: «الشبح سيأتي. لن يفوّت هذه الفرصة. ما إن أظهر حتى يظهر هو، وقد كان الأمر كذلك من قبل. تعلقه بهذا النعش عميق.»
«وقد أخفيت قاعة العزاء كلها من قبل كي لا ينتزع النعش الشبحي مني.»
قال يانغ جيان: «ما دام الأمر كذلك فاختبئ دائمًا. لماذا ظهرت من جديد؟»
«الاختباء لا ينفع. النعش والقرية وأنا وذلك الشبح، كلنا مرتبط بعضنا ببعض، وبهذا النعش الشبحي قام بيننا توازن دقيق. وما دام التوازن قائمًا فلا مشكلة. لكن الشبح الذي أطلقته كسر التوازن، فاضطررت إلى الظهور.»
قال فنغ تشيوان: «والآن لم يبقَ لي مهرب. إما أن نحبس هذا الشبح، وإما أن أموت هنا معكما.»
ضاقت عينا يانغ جيان قليلًا.
هل أخرجه الشبح بلا رأس من النعش؟
نعم.
فالشبح بلا رأس الذي تلبّس العجوز استطاع دخول النطاق الشبحي، ولا يصعب عليه العثور على قاعة العزاء هذه.
لكن العجوز الآن ابتلعتها رقعة الجلد، والظل الشبحي بلا رأس رُوّض على يديه.
فتغيّر الوضع من جديد.
مهلًا.
ليس هكذا.
لمعت عينا يانغ جيان فجأة وقال في نفسه: «إن كان الشبح الذي في هذه القرية يقوى فعلًا بزيادة عدد الأشباح الأخرى، فلماذا لم يصبح الظل الشبحي بلا رأس الذي أطلقته عونًا له، بل كبحه؟»
أين الفرق في ذلك؟
هل لا تصير قوته إلا الأشباح التي ينتزعها هو بنفسه؟
وإن كان الأمر كذلك، فلا معنى لأن يعجز هذا الشبح الضاري عن مواجهة الظل الشبحي بلا رأس.
كل السر في هذا النعش الشبحي.
نظر يانغ جيان إلى النعش مرة أخرى دون أن يشعر.
لم يبقَ سوى هذا اللغز الأخير بلا حل. ولو عُرفت قدرة النعش الشبحي ووظيفته لاستقام كل ما لا يستقيم.
غير أن…
مروّض الأشباح فنغ تشيوان لا ينوي كشف معلومات النعش الشبحي له، بل يخفي كل ما يهم منها.
«إخفاؤه دليل بلا شك على أن لهذا النعش الشبحي دورًا بالغ الأهمية، وإلا لما كان للمقر العام ظل في هذه المهمة، ولما أخفت الشركة كل المعلومات وحتى حذفت ملف المقر العام…»
«فنغ تشيوان محق. هذه المهمة في الحقيقة ليست لإنقاذه، بل للحصول على هذا النعش الشبحي.»
ارتجف قلبه قليلًا حين وصل إلى هذه الفكرة.
إخفاء كل المعلومات وحذف الملف يخفضان فرصة نجاة مروّضي الأشباح المشاركين في الحادثة إلى أدنى حد، ويمكن تصور حجم الخسائر. ومع ذلك يجب حفظ السر.
«هل هذا النعش مهم إلى هذا الحد؟» شعر يانغ جيان أن الأمر لا يكاد يُصدَّق.
لا يعرف فائدة النعش، لكن من هذه المعلومات يُخمَّن أن قيمته كبيرة جدًا جدًا.
في تلك اللحظة.
لم يعد فنغ تشيوان جالسًا في النعش، بل خرج منه. بدا كأنه رقد فيه طويلًا، فمشيته متيبسة جدًا، كأنه تعلّم المشي للتو، يترنح وكاد يسقط في أي لحظة.
وبعد خروجه أغلق غطاء النعش مرة أخرى.
كأنه يخوض معركة أخيرة وقد قطع على نفسه طريق الرجوع.
قال فنغ تشيوان: «مهما حدث في الخارج فلا تغادرا قاعة العزاء. الشبح سيأتي إلينا بنفسه، ولا داعي لأن نبحث عنه. جهّزا الأدوات الذهبية المعدّة للحبس. سواء كانت حقيبة السفر أو كيس الجثث، يكفي أن تحبس الشبح.»
«ما إن ينجح الحبس حتى تنتهي حادثة قرية هوانغ قانغ نهائيًا، ونغادر نحن الثلاثة حيّين.»
«لا تفكرا في أي مهرب. لم يعد هناك مهرب.»
واصل فنغ تشيوان الكلام.
وفي الأثناء ازداد الظلام في الخارج، وبدأ ذوو الحس المرهف يلتقطون خفية شيئًا يتحرك هناك.
قال فنغ تشيوان: «وأكرر: لا تتباعدا كثيرًا. بعض قدرات هذا الشبح لم أتبينها كلها، وكل ما أعرفه أنه إن انفردتما قتلكما في لحظة بلا فرصة للمقاومة، وأنا كذلك. لم أمت المرة الماضية لأن الحظ حالفني فوجدت منفذًا ضيقًا، أما الآن فهذا مستحيل.»
«ولأننا نحرص الآن على ألا يقع هذا النعش الشبحي في يد هذا الشبح الشرس، فمهما كانت لديكما من قدرات فاستعملاها بلا تردد، ولا تخافا من انبعاث الشبح الشرس.»
تمتم تشانغ هان: «الكلام سهل.»
ظل وجه يانغ جيان على حاله، لا يتأثر.
فهو الآن قد روّض الشبح الثاني، وتأخر انبعاث الشبح الشرس كثيرًا، وفي الوقت الحالي لا يضره استعمال قوة الشبح الشرس عدة مرات.
وفنغ تشيوان لا يبدو أنه يعرف هذا.
فهو لا يعرف إلا ما جرى في القرية.
أما ترويض الظل الشبحي بلا رأس، وإطلاق رقعة الجلد، وابتلاعها العجوز… فكل ذلك حدث داخل نطاقه الشبحي.
أي أن بعض أسراره لم تنكشف بعد.
«دَبّ، دَبّ دَبّ~!»
وبينما هو يفكر أظلمت السماء في الخارج أخيرًا. لم يبلغ الظلام حد أن لا ترى اليد أمام وجهك، لكن البيوت القريبة لم يعد يُرى منها إلا هيئة غامضة، وارتدّ فجأة صوت خطوات من الزقاق خلف البيت.
في الليل الحالك.
كأن أحدهم يمشي مقبلًا في القرية الخالية.
يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، لكنه كذلك فعلًا.
كانت الخطوات منتظمة، وظهرت واضحة جدًا في القرية الميتة الصامتة، وأرهف الثلاثة في قاعة العزاء آذانهم وسمعوها.
قال فنغ تشيوان بصوت خافت وعيناه المخدرتان إلى جهة الباب: «ظهر. الشبح في الخارج.»
«رغم بعض الحيرة وبعض عدم الرضا، فالواقع أن علينا أن نتعاون ونحبس هذا الشبح أولًا ثم نرى.»
استنشق يانغ جيان نفسًا خفيفًا وطرد من رأسه الأفكار المتشابكة.
وفي الوقت نفسه امتد الظل الذي خلفه بلا رأس طويلًا… وانفتح النطاق الشبحي.
وللاحتياط غطّى هذا البيت وحده، ولم يمدّه إلى الشبح الذي في الخارج، حتى لا يعثر عليه الشبح أولًا.
«هم؟»
بدا أن فنغ تشيوان أحس بوجود النطاق الشبحي، فأدار رأسه ونظر إلى يانغ جيان بعينيه المخدرتين.
لكنه لم يقل شيئًا ولم يسأل، وأعاد رأسه إلى مكانه.
أما تشانغ هان.
فقد صار الناجي الوحيد من مروّضي الأشباح الذين جاؤوا مع نادي شياو تشيانغ، لكنه لم يلحظ أن نطاق يانغ جيان الشبحي قد امتد فوقه.
ازدادت الخطوات قربًا.
نظر يانغ جيان إلى جدار.
كان صوت الخطوات في الجهة الأخرى من الجدار، وهو يلتف الآن من جانب البيت إلى جهة الباب.
قال في نفسه ساخرًا: «ملتزم بالقواعد. يعرف أنه يمر من الباب ولا يخطر له أن يخترقه ويدخل.»
بعد قليل.
أخيرًا.
خرج شخص من الظلام.
كان شابًا وسيمًا شاحب الوجه بلا دم، شديد الوسامة… يطابق الرجل الذي كان في الصورة تمامًا.
لو لم يكن يانغ جيان متأكدًا أنه شبح.
لما شك في وجوده وهو يمشي في الطريق، ولعل الفتيات كنّ سيقتربن منه لو دخل ملهى ليليًا أو حانة.
وبالنسبة إلى ما رآه حتى الآن.
هذا أشبه الأشباح بالبشر.
وسيم إلى هذا الحد، فلماذا لا يعمل شيئًا آخر ويصير شبحًا؟ يستحق ما سيجري له اليوم.
في تلك اللحظة.
توقف الرجل الذي في الصورة فجأة عند الباب ولم يتقدم.
فما بعده هو نطاق يانغ جيان الشبحي.
هل يخشى ذلك؟
أم يحسب حسابًا لوجود فنغ تشيوان؟
أم أن الأمر كما قدّر من قبل: بوجود ثلاثة معًا لم يستوفِ شرط قتل هذا الشبح الشرس، فهو ينتظر فرصة للتحرك.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.