الفصل المئة وأحد عشر: سرّ الكهف السماوي وظهور سلف إمبراطور شيا
«أطلقوا سراحي!»
«أطلقوا سراحي فورًا! أنا جي لينغيوي، الابن الشرعي لعائلة جي العريقة!»
«تبًّا لكم! لماذا لا تردّون؟!»
راح جي لينغيوي يهزّ قضبان السجن المصنوعة من الفولاذ المتين، وشعره أشعث، لكن حرس السيف الشجاع الواقفين في الخارج تصرّفوا كأنهم لم يسمعوه، ولم يلتفتوا إليه.
كان هذا سجنًا خصّصه حرس السيف الشجاع لاحتجاز الخبراء وأصحاب القوة.
لقد حُطّم بحر التشي لدى جي لينغيوي، فلم يعد ممارسًا من العالم الغموض الأرضي. ومع احتجازه في هذا المكان، أصبح فراره ضربًا من المستحيل.
«جي لينغيوي، كفّ عن الصراخ! هذه شيا العظمى، وقد فقدت كل قوتك. أتظن أنك ستخرج من هنا؟ لا تحلم حتى بذلك!»
«اعتد على الأمر فحسب. لقد أمضينا نحن هنا سنوات طويلة. وما إن تعتاد المكان حتى تكتشف أنك تجد فيه الطعام والشراب، وأن الحياة هنا ليست سيئة إلى هذا الحد.»
تعالت أصوات السخرية من الزنازين المحيطة به. فمنذ وصول شخصية كبيرة من مملكة هانشوي في الآونة الأخيرة، وجد هؤلاء السجناء في الأمر شيئًا يضفي بعض المتعة على حياتهم الرتيبة المملّة.
«ستأتي عائلة جي حتمًا لإنقاذي! وحين أخرج، سأقتلكم جميعًا!»
صرخ جي لينغيوي بحدة.
«وهل تستطيع عائلة جي أن تقف في وجه الدوق فانغ؟ صحيح أننا لم نغادر هذا المكان قط، لكننا نعرف أنكم مُنيتم بهزيمة نكراء. حتى غوهي ولونغدو وييتشو أصبحت دولًا تابعة لشيا العظمى، أليس كذلك؟»
«آه، ما أغرب تقلّبات الدنيا! لم أتخيّل أن شيا العظمى ستصبح إمبراطورية من المرتبة الثامنة قبل أن أمضي في هذا المكان اللعين عشر سنوات.»
أخذ وجه جي لينغيوي يشحب وهو يصغي إلى كلامهم، وغدا نظره تائهًا مضطربًا.
لقد مات المعلّم الخالد الذي كانت عائلة جي تعتمد عليه.
وإذا علم إمبراطور مملكة هانشوي بذلك، فربما لن يساعد عائلة جي على مواجهة شيا العظمى، بل قد يستغل الأمر لاستهدافها هي الأخرى.
وفي هذه الحالة، كيف ستتفرغ عائلة جي لإرسال من ينقذه؟
ما إن خطرت له هذه الأفكار حتى سالت دموعه على خديه.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب السجن فجأة.
دخل هوانغ سيهاي برفقة نيو جوي وعدد من قادة تشيانهو، وهم يقتادون أكثر من عشرة رجال. وكان في مقدمة الأسرى، على نحو لافت، سيد طائفة السيف العظيم، شيان ووتشانغ.
توقف شيان ووتشانغ عن السير، والتفت إلى هوانغ سيهاي.
«لماذا لم يقتلني فانغ تشين؟ ما الذي يريده من إبقائي هنا؟»
ابتسم هوانغ سيهاي ابتسامة خفيفة وقال: «أمستعجلٌ إلى الموت؟ لا تتعجل. ما دام السيد الشاب قد أمر بإحضارك إلى هنا، فلا بد أن لديه غرضًا من ذلك. انتظر فحسب.»
وخلف شيان ووتشانغ، كان بقية الأسرى من زعماء الطوائف الذين شاركوا في التمرد. ألقى زعيم طائفة تشيشان نظرة على السجن الكئيب، وارتسم اليأس على وجهه.
«أنا زعيم طائفة تشيشان، فكيف يُعقل أن أُحتجز في هذا المكان المظلم الذي لا يعرف ضوء النهار؟!»
زعيم طائفة تشيشان!
تغيّرت ملامح بعض الشخصيات البارزة في عالم القتال، ممن كانوا محتجزين في السجن منذ زمن. واقتربوا من أبواب زنازينهم ليتطلعوا إلى القادمين، حتى صاح أحدهم:
«إنه حقًّا زعيم طائفة تشيشان! لقد سبق أن خضت نزالًا معه!»
«هؤلاء جميعًا زعماء طوائف! طائفة تشيشان، وبوابة وانغهي، وطائفة النهر المتدفق بسيف واحد… انتظروا، أليس ذلك سيد طائفة السيف العظيم، شيان ووتشانغ؟!»
«يا إلهي!»
شهق السجناء حين تعرّفوا على شيان ووتشانغ ورفاقه. فهؤلاء الرجال الذين تجاوز عددهم العشرة كانوا جميعًا من أبرز الشخصيات في عالم القتال بالأراضي الجنوبية.
كيف انتهى بهم الأمر جميعًا في الأسر؟
وكما تعرّف السجناء على شيان ووتشانغ ورفاقه، بدأ هؤلاء أيضًا يتعرفون على وجوه السجناء القدامى، وارتسمت الدهشة على ملامحهم. يبدو أنهم لم يتوقعوا أن يلتقوا مجددًا بهذا العدد الكبير من خبراء عالم القتال الذين اختفوا منذ زمن.
في تلك الأثناء، ضرب جي لينغيوي باب زنزانته بقوة، وصاح في هوانغ سيهاي:
«هوانغ سيهاي! أين فانغ تشين؟ أريد مقابلته!»
ابتسم هوانغ سيهاي ابتسامة عريضة وقال: «جي لينغيوي، لقد ذهب السيد الشاب إلى الأراضي الجنوبية، لكن حسابًا للوقت، لا بد أنه سيعود إلى العاصمة قريبًا. لا تتعجل؛ سيأتي لرؤيتك حتمًا.»
ذهب فانغ تشين إلى الأراضي الجنوبية.
فهم السجناء الأمر على الفور، وألقوا نظرات غريبة على شيان ووتشانغ ورفاقه. لعل هؤلاء الرجال هم من أسرهم فانغ تشين بنفسه.
«بالمناسبة، دعوني أعرّفكم إلى هذا الرجل. إنه جي لينغيوي، شخصية ليست بالهيّنة؛ فهو من الفرع الشرعي لعائلة جي في مملكة هانشوي. وحين جاء إلى شيا العظمى، اصطحب معه كتيبة من فرسان الكابوس يزيد عدد أفرادها على المئة.»
ثم التفت هوانغ سيهاي إلى شيان ووتشانغ ورفاقه، وقال ضاحكًا:
«لكن السيد الشاب أبقى فرسان الكابوس هؤلاء جميعًا في العاصمة، وأبقى السيد الشاب جي لينغيوي رهينةً هنا أيضًا.
قبل أن يُحطَّم أساس زراعته، كان ممارسًا في المرتبة الأولى من العالم الغموض الأرضي، من فئة التشي ذي القوة الذهبية. لقد جئتم متأخرين جدًا؛ فلو وصلتم في وقت أبكر، لربما أُتيحت لكم فرصة مشاهدة قدرات ممارسي العالم العميق الأرضي بأعينكم. هاهاها!»
ضحك نيو جوي وبقية الرجال أيضًا، وقد ارتسمت على وجوههم شماتة واضحة، امتزجت بشيء من الاعتزاز.
شهق شيان ووتشانغ ورفاقه، ثم التفتوا إلى جي لينغيوي، وقد بدت على وجوههم تعابير بالغة الغرابة.
قال هوانغ سيهاي: «ما دام السيد الشاب جي نفسه سيقيم هنا، فلا تتذمروا من سوء المكان. امكثوا فيه بهدوء، ولا تثيروا المتاعب.»
وفجأة، التفت شيان ووتشانغ إلى جي لينغيوي وسأله بصوت خافت وجاد:
«جي لينغيوي، أحقًّا أن قوة فانغ تشين تفوق قوتك؟!»
تقلّبت ملامح جي لينغيوي، ثم أطلق شخيرًا ساخرًا وقال باستخفاف:
«نعم، إنه أقوى مني.»
«إذًا لم تكن هزيمتي بلا سبب! لم تكن بلا سبب، هاهاها!»
رفع شيان ووتشانغ رأسه إلى السماء وأطلق ضحكة عالية.
«لولا وجود فانغ تشين، لكنت أنا إمبراطور القتال في الأراضي الجنوبية! لم يكن يفصلني عن ذلك سوى خطوة واحدة، خطوة واحدة لا غير! هاهاها!»
«همم، إذًا فقد تمرّد هذا الرجل حقًّا.»
«لطالما قلت ذلك. حين كنت في الأراضي الجنوبية، كان يراودني شعور بأن ممارسي القتال هناك سينتهي بهم الأمر إلى التمرد.»
«لولا فانغ تشين، لربما نجحوا فعلًا. فالأوضاع في تلك المنطقة استثنائية للغاية.»
راح عدد من السجناء يتناجون فيما بينهم.
«خطوة واحدة فقط! تفصلك عن إمبراطور القتال مسافة شاسعة، كأن بينكما عشرة آلاف ميل.»
جاءهم صوت من عند المدخل.
ارتجف الحاضرون قليلًا، والتفتوا على عجل نحو الباب، فرأوا رجلًا يقف هناك واضعًا يديه خلف ظهره، وعلى وجهه ابتسامة هادئة وهو ينظر إلى شيان ووتشانغ.
«أيها السيد الشاب!»
استدار هوانغ سيهاي على الفور وانحنى محييًا.
ولم يجرؤ نيو جوي ورفاقه على التأخر، فسارعوا جميعًا إلى أداء التحية.
فحرس السيف الشجاع باتوا الآن تحت سيطرة هوانغ سيهاي، ومن المعروف للجميع أن هوانغ سيهاي يستند إلى فانغ تشين، دوق شيا العظمى!
ساد الصمت السجن بأكمله. حتى السجناء أغلقوا أفواههم طوعًا، وأخذوا يحدقون في فانغ تشين بترقّب.
ابتسم فانغ تشين وسأل:
«يا هوانغ العجوز، هل راق لك منصب قائد الحرس؟»
تنهد هوانغ سيهاي وقال مبتسمًا:
«آه، ليتني بقيت في معقل داهوا كما كنت من قبل! لقد أتعبني تنظيف الحثالة خلال هذه الفترة، وكاد الأمر يصيبني بالصداع. لحسن الحظ، ساعدني الداوي لي كثيرًا.»
ابتسم فانغ تشين وأومأ برأسه.
«إذًا، هل أصبح مقر الحرس نظيفًا الآن؟»
تصلّبت ملامح نيو جوي ورفاقه قليلًا. فقد تذكّروا كيف تمكّن هوانغ سيهاي، في غضون عشرين يومًا أو نحو ذلك، من كشف عدد من كبار المسؤولين في مقرات الحرس، إلى جانب أكثر من مئة مسؤول من المستويات الوسطى. وما زال مشهد التغيير الجذري الذي اجتاح الجهاز ماثلًا في أذهانهم.
واتضح أن كل ذلك جرى بأمر من فانغ تشين. لم يكن غريبًا إذًا أن أولئك الرجال لم يجرؤوا حتى على التفكير في المقاومة.
أومأ هوانغ سيهاي برأسه وقال:
«أصبح نظيفًا إلى حدّ كبير.»
ظل شيان ووتشانغ يحدّق في فانغ تشين دون أن يرمش.
«أيها الدوق فانغ، لقد جلبتنا من الأراضي الجنوبية إلى العاصمة. ما الذي تنوي فعله بنا؟»
أجابه فانغ تشين بجملة واحدة:
«لأجعل منكم عبرةً للآخرين؛ أنتم تلك العبرة.»
ثم تركه وتوجّه نحو جي لينغيوي، بينما شحب لون شيان ووتشانغ ورفاقه وكأن الدم قد انسحب من وجوههم.
«فانغ تشين! أطلق سراحي!»
حدّق جي لينغيوي فيه بعيون محتقنة.
لكن فانغ تشين أخرج خريطة وسأله:
«أخبرني أولًا، هل تعرف أين يقع هذا المكان؟»
كانت الخريطة مرسومة بيده، وتظهر عليها سلاسل جبلية وأحواضًا وأراضي متتابعة، من دون أي أسماء أو علامات توضيحية. ولو وقعت بين يدي شخص عادي، لما عرف من أين يبدأ في قراءتها.
ألقى جي لينغيوي نظرة عليها، ثم هز رأسه قليلًا.
«لا أعرف.»
لكن ارتجاف عينيه فضحه.
ابتسم فانغ تشين وقال:
«حتى إن لم تخبرني، فسأتمكن من العثور على هذا المكان. فلماذا لا تستغل ما تعرفه لتبادل المعلومة مقابل حريتك في عاصمة شيا العظمى؟ ما رأيك؟»
جعلت هذه الكلمات عيني جي لينغيوي تتقلبان في اضطراب، وكأن صراعًا عنيفًا يدور في داخله.
وبعد لحظات، قال بصوت خافت وجاد:
«فانغ تشين، هل تفي بكلامك؟»
سخر هوانغ سيهاي وقال:
«يا للسخف! السيد الشاب عندنا يفي بوعده، وكلمته لا تُنقض.»
نظر جي لينغيوي إليه، ثم عاد ببصره إلى فانغ تشين، وأومأ برأسه قليلًا.
«يمكنني إخبارك، لكن عليك أن ترسل من يعيدني إلى مملكة هانشوي.»
أومأ فانغ تشين بجدية مصطنعة.
«أتعني أن أرسل جثتك إلى هناك؟ لا بأس.»
«أنت تعرف ما أقصده!»
صرخ جي لينغيوي بغضب.
«سأخبرك بما تريد معرفته، وعندها ستطلق سراحي وتسمح لي بالعودة!»
هز فانغ تشين رأسه وقال:
«يمكنني ببساطة أن أقبض على أحد كبار عائلة جي، وسأحصل منه على المعلومة نفسها. بل يمكنني أن آخذ رجالي وأذهب إلى ذلك المكان بنفسي. فلماذا أدخل معك في صفقة لا أستفيد منها شيئًا؟»
ثم تابع بنبرة هادئة:
«أتمنى أن تدرك واقعك. ليس لديك الآن ما تساومني به. إن أخبرتني، فسأرتب لك فناءً مستقلًّا داخل مقر الحرس، مع بضعة خدم.»
اتسعت عينا جي لينغيوي ذهولًا.
«لكنّك قلت للتو إنك ستسمح لي بالتنقل بحرية في عاصمة شيا العظمى!»
أجاب فانغ تشين بهدوء:
«لأنك حاولت أن تساومني. وما دمت تساوم، فسأساومك أنا أيضًا. أليس هذا منصفًا؟ أتريد مواصلة المساومة؟»
«تبًّا!»
اشتعل الغضب في قلب جي لينغيوي، لكنه لم يكن قادرًا على فعل أي شيء لفانغ تشين. لقد اكتفى من ذلك المكان المظلم الذي لا يعرف ضوء النهار، وكان مستعدًّا لدفع أي ثمن مقابل الخروج منه.
قال بصوت خافت وجاد:
«في ذلك المكان، عثرت عائلة جي على خيول الكابوس التي نمتلكها.»
خيول الكابوس!
أرهف شيان ووتشانغ ورفاقه السمع. كان هذا سرًّا بالغ الأهمية؛ فهم يعرفون جميعًا أن قوة فرسان الكابوس في مملكة هانشوي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بخيول الكابوس تلك!
تابع جي لينغيوي:
«يوجد في ذلك المكان شيء يريده المعلّم الخالد، لكنه مكان خطير نسبيًّا. إذا كنت لا تريد أن يعرف الغرباء بالأمر، فأخرجني من هنا، وسأخبرك بالبقية على انفراد.»
أصدر فانغ تشين أمره:
«رتّبوا له فناءً مستقلًّا.»
بعد نصف ساعة.
غادر جي لينغيوي أخيرًا زنزانته المظلمة، ووصل إلى فناء مستقل خصّصه له هوانغ سيهاي. نظر إلى السماء الزرقاء، واستنشق الهواء بعمق، ثم التفت إلى فانغ تشين وسأله:
«كيف حصلت على هذه الخريطة؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«أأنا من يطرح الأسئلة أم أنت؟ أتريد العودة إلى السجن؟»
تغيّرت ملامح جي لينغيوي قليلًا، وسخر في نفسه، ثم بدأ يتكلم ببطء:
«يطلق المعلّم الخالد الأيسر على ذلك المكان اسم الكهف السماوي والأرض المباركة. ويقول إنه مكان خلّفه أحد كبار المزارعين. لقد رحل ذلك المزارع العظيم، وربما صعد إلى الخلود منذ زمن بعيد. ويضم المكان كثيرًا من الأعشاب والزهور النادرة، فضلًا عن خيول الكابوس، والأحجار الروحية التي يفضّلها المعلّمون الخالدون.»
مزارع عظيم!
غرق فانغ تشين في التفكير. يبدو أن المبجّل السماوي بودو قد مارس الزراعة هناك في وقت من الأوقات، أو لعل ذلك المكان كان موطنه الأصلي، وربما مرّ به وأقام فيه سنوات عدة.
تابع جي لينغيوي:
«لكن المكان مليء بالأخطار، حتى إن المعلّم الخالد الأيسر لا يجرؤ على دخوله بسهولة.
ولهذا ترسل عائلة جي كل عام أعدادًا كبيرة من الخبراء إلى هناك، لا لاصطياد خيول الكابوس فحسب، بل للبحث أيضًا عن الأعشاب النادرة والأحجار الروحية التي يحتاج إليها المعلّم الخالد الأيسر.»
ثم أضاف:
«في كل عام، نفقد هناك ما بين ثلاثمئة وخمسمئة رجل.»
حتى مزارع في المرتبة السادسة من مرحلة تنقية تشي لا يجرؤ على دخوله!
أومأ فانغ تشين برأسه بهدوء.
«حسنًا. ستقيم هنا من الآن فصاعدًا، وسيحرس حرس السيف الشجاع مدخل الفناء. فلا تفكر في الهرب. أنت الآن بلا أي أساس للزراعة، وحتى لو تمكنت من الفرار من مقر الحرس، فلن تستطيع الهرب من العاصمة.»
قال جي لينغيوي:
«لقد حطّمت أساس زراعتي. لم أعد نافعًا لعائلة جي، ولا فائدة من إبقائي في العاصمة.»
ربت فانغ تشين على كتفه وقال وهو يستعد للمغادرة:
«سواء أكنت نافعًا أم لا، فهذا لا يهمني في الحقيقة. كل ما في الأمر أنك حاولت استهداف عائلة فانغ، ولم أستسغك، فقررت أن أبقيك هنا.»
ثم استدار وغادر، وبعد ذلك وصل عدد من حرس السيف الشجاع وانتشروا حول الفناء، وأحكموا مراقبته.
ظل جي لينغيوي يحدّق في ظهر فانغ تشين، وفي عينيه نظرة حقد دفينة.
مقر عائلة فانغ
كان الخدم والحراس الذين عملوا في المقر سابقًا قد أُرسلوا إلى الأراضي الجنوبية، لكن عددًا جديدًا من الخدم والحراس انضم إلى المقر. بدوا أشخاصًا عاديين، إلا أن مظهرهم البسيط لم يكن سوى تمويه؛ فجميعهم ينتمون إلى الحرس الخفي لشيا العظمى، وهم من نخبة النخبة.
وكان كل واحد منهم يحمل تعاويذ من فانغ تشين: تعويذة البرق الأرجواني، وتعويذة خفة الحركة، وتعويذة فاجرا، وتعويذة القوة. وبفضلها، كان بإمكان أي واحد من هؤلاء الحراس الخفيين، إن أراد، أن يقاتل بقوة تفوق بكثير قوة ممارسي التشي العاديين.
«أيها السيد الشاب.»
ما إن عاد فانغ تشين إلى المقر حتى تقدم الخدم والحراس لتحيته. وبفضل تدريبهم المحكم، لم يُظهروا أي شيء يثير الشك، حتى لو راقبهم الغرباء عن كثب.
أومأ فانغ تشين مبتسمًا.
«حسنًا، عودوا إلى أعمالكم.»
وبعد أن انصرف الجميع، أسرع الداوي لي، الذي بلغه خبر عودة فانغ تشين، إلى لقائه.
وما إن وصل حتى بدأ يفرغ ما في صدره من شكاوى:
«أخيرًا عدت! لقد بقيت هنا وحدي طوال هذه المدة، وكنت أعيش في خوف دائم، أخشى أن تقتحم طائفة الروح الدموية المكان بمزارعي تأسيس الأساس!»
ابتسم فانغ تشين وربّت على كتفه مطمئنًا:
«لا تقلق، فليس من المحتمل أن يحدث ذلك بهذه السرعة. من المفترض أن تكون رئيسة الدير تشينغهي قد عادت إلى دير يانيُوي. وإذا سارت الأمور كما ينبغي، فربما تكون معلمتها قد انطلقت بالفعل إلى شيا العظمى.»
بدا على الداوي لي شيء من الغرابة وهو يقول:
«رئيسة الدير تشو يوي ليست سهلة الإقناع.»
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة.
«لقد منحتها ما لا تستطيع رفضه.»
«ما لا تستطيع رفضه!»
اتسعت عينا الداوي لي دهشةً.
«أتعني كنز الدارما الذي تملكه؟»
«ميراث تعويذة البرق.»
ابتسم فانغ تشين.
«يا إلهي!»
شهق الداوي لي، ثم قال بلهفة:
«كان عليك أن تخبرني منذ البداية! لو أخبرتني، لعدت أنا أيضًا وطلبت من أبي أن يتدخل. ما دام الأمر يتعلق بميراث تعويذة البرق، فحتى لو واجهنا طائفة الروح الدموية، بل حتى لو نزل السياديون نفسهم، لكان علينا أن نجرب حظنا في هزيمتهم مهما بلغت قوتهم!»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«أنت لا يُعوَّل عليك؛ خشيت أن تختفي في منتصف الأمر.»
«…»
لم يجد الداوي لي ما يقوله، واكتفى بنظرة عاجزة. لقد شعر أن طائفة الرموز الثمانية أضاعت فرصة عظيمة لا تُعوّض.
وفجأة، دوّى صوت في أذني الرجلين:
«هل من أحد هنا؟»
تغيّرت ملامح الداوي لي على الفور. لم يكن هذا نداءً عاديًّا عند الباب؛ فقد استخدم صاحبه قوته الروحية لإيصال صوته، بحيث لا يستطيع عامة الناس سماعه، ولا يدركه إلا المزارعون.
«لقد جاءت طائفة الروح الدموية!»
التفت الداوي لي إلى فانغ تشين، وقد غمر الرعب عينيه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه. أخذ يفتش في ثيابه بارتباك، محاولًا العثور على ورقة رابحة يمكنه الاعتماد عليها.
قال فانغ تشين بهدوء:
«اهدأ. ليس من الضروري أن يكون القادم من طائفة الروح الدموية. لو كانوا هم، لما طرقوا الباب بهذه المجاملة. لنخرج ونرى من يكون.»
كان يقف خارج بوابة مقر عائلة فانغ رجل في منتصف العمر، أنيق الهيئة، يرتدي رداءً أخضر، ويبدو وقورًا وأنيقًا كأنه معلّم في مدرسة.
وبعد برهة، انفتح باب المقر، وتقدم أحد الخدم قائلًا بأدب:
«تفضل بالدخول أيها المزارع.»
ابتسم الرجل في منتصف العمر وأومأ برأسه، ثم تبع الخادم إلى الداخل.
وحين وصل إلى قاعة الاستقبال، ألقى نظرة على فانغ تشين، ثم على الداوي لي، وتنهد قائلًا:
«لم أتوقع، بعد غيابي عن شيا العظمى كل هذه السنوات، أن يظهر مزارعون في هذه الأرض الخالية من الخالدين.
أما أنا في الماضي، فقد بذلت جهدًا شاقًّا، واجتزت عددًا لا يُحصى من الأماكن الخطرة، وقطعت مسافات تفوق عشرات الآلاف من الأميال، قبل أن أتمكن بصعوبة من إلقاء نظرة على طريق الخلود.»
تغيّرت ملامح الداوي لي قليلًا. أهذا الرجل من رعايا شيا العظمى؟ شعر بشيء من الارتياح؛ فإذا كان كذلك، فمن غير المرجح أن يكون مزارعًا من طائفة الروح الدموية.
ابتسم فانغ تشين وضمّ قبضته تحيةً، ثم سأل:
«ما اسمك أيها الكبير؟»
ابتسم الرجل في منتصف العمر وقال:
«أنا… لم أستخدم هذا الاسم منذ زمن طويل. دعني أتذكر آه، نعم. اسمي شيا يو، وأنا جدّ جدّ إمبراطور شيا العظمى.»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.