الفصل 54: السوق
“يعتقد البعض أن اقتناء عنصر سحرٍ صغير الحجم أو مصادقة جنية صغيرة أمرٌ يقلّ عن أن يلتفت إليه محقّق. غير أن تلك الأمور لا تخطئ بصرنا، ولن تفلت من يد الجلّاد أيضًا.”
— كايروس فيلن، كبير المحققين
استعرض سولومون المكان بعينيه، متأملاً محيطه المهيب وجداريات السقف من جديد. كانت هذه المرة الأولى التي يصل فيها بالطريقة العادية وفي الوقت المحدد. ترجل من موقفه ومشى بخطى استرخائية نحو مجموعة صغيرة من المبكرين الآخرين الذين كانوا يتبادلون أطراف الحديث في وسط الغرفة.
وقبل أن يبلغهم، أبصر فارس الخماسيات متكئةً على عمودها مرة أخرى. فاقترب منها ملقياً التحية بإيماءة رأس:
“أيتها الفارس.”
“يا آس.”
“كيف حالك؟”
“فضولي.”
“أه، من ماذا؟”
أشارت برأسها نحو إحدى الشرفات المطلة على كل ما حولها. وهناك، وقف رجل يرتدي ثوبًا أبيض ويعتمر غطاء رأس ذهبيًا مزخرفًا، ممسكًا بعصًا يعلوها رأس جمجمة أورك. كان وجهه مغطى بالكامل بقناع ذهبي أملس تمامًا.
“إن الكاهن الأعظم من الحاضرين النادرين. أتساءل لماذا ظهر اليوم.”
حدّق سولومون في الرجل للحظات قليلة. لم يحرك الرجل رأسه أو يبدِ أي إشارة، لكن سولومون شعر بطريقة ما كأنه وجّه نظره نحوه.
“بأي معدل تظهر الأركانا الكبرى عمومًا؟”
“الامر متفاوت. فالإمبراطورة تحضر دائمًا تقريبا، ومثلها العشاق، الموت، الحُكم، أما العالم فلا خيار له بالطبع. الساحر يحضر بانتظام، ولكن في كل اجتماع ثاني فقط. أما الكاهن الأعظم والشيطان فيحضران بقلة، لكنهما لا يجتمعان أبدًا في المرة نفسها. بينما يحضر الإمبراطور اثني عشر اجتماعًا على التوالي ثم يختفي أحيانًا لأكثر من عام. أما الأحمق فلم أره سوى مرة واحدة، والناسك نحو أربع مرات. لم أصادف رؤية عجلة الحظ أو العربة قط، لكني أعلم بوجودهما. أما البقية فلا علم لي إن كانت مقاعدهم مشغولة أصلاً أم لا. فالأركانا الكبرى ليسوا حريصين جدًا على التحدث إلى بقيتنا إلا إن كان لديهم أمر محدد يريدونه.”
أومأ سولومون برأسه متابعًا الإصغاء. لقد خمن أن كل واحدة من الأركانا الكبرى كانوا سحرة عظامًا بطريقة أو بأخرى. ومن المرجح أن الأسماء التي نالوها تمثل مزيجًا من شخصياتهم وتخصصاتهم. كان عمه منعزلًا وقلّما يتعاون مع أحد، لكنه تفوق أيضًا في البحث واكتساب المعرفة. فتخيل أنه بما أن البطاقة التي تمثله كانت معبرة إلى هذا الحد، فمن المرجح أن البقية كذلك أيضًا. لعلّ الموت كان مستحضر موتى بارعًا على سبيل المثال، بينما كان الساحر على الأرجح الأقوى والأوسع إلمامًا بمعارفه. أما العالم فقد أخبره عن معرفته بالأرواح، وكان ذلك التخمين أبعد قليلاً
التفت إليها قائلًا: “شكرًا لعدم تقاضي أجر مقابل الإجابة عن الأسئلة هذه المرة.”
أومأت برأسها، بينما خشخشت خوذتها قليلاً.
“لقد اشتريت تعويذة مني بالفعل. لقد سويتَ كل اموري المالية لفترة طويلة بفضل ذلك.”
“أتعنين تعويذة الاستذكار التام على ما أظن؟”
“نعم. لقد اشتريتها بعلاوة سعرية باهظة. من الجيد إدراك أهمية سحر العقل، لسيما حين يكون المرء حديث العهد بممارسة السحر.”
“ما الذي يجعلكِ تظنين ذلك؟”
حدّقت الخوذة فيه بصمت. أدرك سولومون أن المرأة الكامنة خلف الخوذة كانت أذكى ممّا ظنها في البداية. فبدا أن محاولاته لإخفاء حقيقته لم تكن كافية لتمويه جهله. على الأقل، لم يعد يشعر بالحاجة إلى التظاهر، على الأقل أمامها.
“نقطة في محلها.” وقف بجوار الفارس دقائق معدودة مترقبًا المزيد من الأركانا وهي تتوافد وتبدأ في الاختلاط. بدا أن محاولات المقايضة وشيكة البدء.
“قبل أن أذهب لأجرّب حظي بينهم، هل لديك تعاويذ هجومية تودّين بيعها؟”
هزّت رأسها.
“الاتحاد يحرس التعاويذ المصممة للهجوم المباشر حراسةً مشددة. ثم إن حلّ المشكلات بوسائل غير مباشرة أفضل؛ اتقاءً للافتضاح، ولأسباب أخرى عمومًا.”
“عادةً، كنت لأوافقك. لكن ثمة أعداء لا يمكن التعامل معهم دائمًا بطرق غير مباشرة.” سكت للحظة. “هل سبق أن تعاملتِ مع الاتحاد؟ أصحاب الأحذية الزرقاء؟”
أومأت.
“هل من سبل لإخفاء المانا عنهم؟ كيلا يرصدونا؟”
“ثمن هذه المعلومة واجب.”
أومأ. “وكم ثمنها؟”
“عشرة قطع ذهبية.”
“اتفقنا.”
أومأت. “يا عالم، اشهد.”
شعر بأن العالم قد وجّه انتباهه إليهما.
“ثمة سبل عدة لتفادي كشف السحر. أولها أن تنفق كل ما لديك من مانا حتى لا يبقى منها شيء على الإطلاق. إن إفراغ مخزونك من المانا تمامًا سيجعله يتجدد ببطء شديد، وينبغي أن يقيك من معظم وسائل الكشف الأضعف.”
استحضر سولومون بحيرة المانا الهائلة التي تدور باستمرار في داخله. كان قادرًا على إنفاق كل ما يستطيع جسده احتواءه، لكن استنفادها كلها قد يتجاوز قدراته الحالية.
“وثمة سبيل آخر: عقد صفقة مع كيان طفيلي. بعض الشياطين والجنيّات والأرواح تلتهم فائض المانا لديك مؤقتًا، وكلما دعت الحاجة، لتساعدك على التخفي. لكن العثور على كيان يقبل الصفقة قد يكون صعبًا، فكثير منها عسير المراس.”
“هل تعرفين كيانًا يمكنني التواصل معه؟”
“اثنان فقط، وكلاهما مرتبط بصفقة بالفعل.”
“والسبيل الثالث هو التشويش على آلية الكشف. فإذا استطاع المرء أن يسحب كل ماناه إلى داخله بتحكم دقيق، أمكنه إخفاؤها في جسده. أو إن كان يملك مانا كافية، بوسعه أن يمدّها بعيدًا عنه إلى حد يصعب معه رصدها.”
ربما أمكنه اللجوء إلى هذه الطريقة مستقبلًا، لكنها لم تكن خيارًا متاحًا له في الأمد القريب.
“أما السبيل الأخير، فهو امتلاك غرض سحري يوفر لك التمويه. غير أن هذه الأغراض أقل شيوعًا من الأدوات التي تكتشف السحر، وتميل أسعارها إلى الارتفاع كثيرًا.”
“إلى أي حد؟”
“قد يبلغ ثمنها أربعمئة أو خمسمئة قطعة ذهبية،على بحسب سهولة إخفاء الغرض نفسه.”
ابتسم سولومون، متمنيًا لو أنها بدأت بهذا الخيار.
“هل تعرفين أحدًا قد يبيع واحدًا منها؟”
“قد أعرف شخصًا. لكنني سأطلب أجرًا عن تدبير الأمر. ثلاثون قطعة ذهبية.”
أومأ سولومون ومدّ يده.
“يا عالم، اشهد.”
صافحته.
قالت وهي تستند مجددًا إلى العمود: “علامة أخرى على الحكمة.”
“حقًا؟”
“أن تركّز على حماية نفسك وإخفائها. ينسى كثيرون من أعضاء الجماعات هذه الأساسيات، فيقعون في الأسر.”
“لعلهم لم يحظوا بحكمة شخص مثلك يستندون إليها.”
سمع قهقهة خافتة من وراء الخوذة، لقد تمنى للحظة لو أنه يستطيع رؤية ابتسامتها، ليعرف أكانت قهقهة تسلية أم استخفاف.
حوّل انتباهه إلى وسط قاعة الرقص، حيث بدأ الرجال والنساء يتبادلون السلع ويعقدون الصفقات. وتقدّم بهدوء، مصغيًا إلى أصوات بعضهم وهم يتجادلون بصوت مرتفع.
قال سبعة الخماسيات، وهو أكبر منه رتبةً: “أعرض طقسًا بسيطًا لصنع تابعٍ هيكلي. وأطلب في المقابل وسيلة لإخضاع إرادة رجل نافذ.”
سأل خمسة الكؤوس: “إخضاع دائم أم مؤقت؟”
“الدائم أفضل. وسأقدّم هيكلًا عظميًا كاملًا إن كان ذلك مطلوبًا.”
علّق ستة العصي: “لا تستحق الصفقة، حتى مع العظام.”
وفي ركن آخر، رفع اثنان العصي يده. “أبحث عن وسيلة تعزّز حظي كثيرًا، لمدة لا تقل عن ساعتين.”
سأله أربعة الخماسيات: “أي نوع من الحظ؟ في الحب؟ أم المال؟ أم القتال؟”
“المال.”
“ثمة طرق أسهل للغش في لعب الورق.”
“لكن هل ثمة طرق أسهل لسرقة مصرف؟”
ابتسم أربعة الخماسيات. “قد يكون لديّ ما يناسبك.”
أومأ الاثنان لبعضهما البعض، ثم اتجها إلى إحدى الغرف الجانبية الخاصة لإتمام الصفقة.
تقدّم سولومون ورفع يده هو الآخر.
“أبحث عن تعاويذ هجومية من أي نوع. وأدفع ذهبًا في المقابل.”
استرعى ذلك انتباه عدد منهم.
سأله ثمانية العصي: “كم من الذهب؟”
“يتوقف ذلك على التعويذة المعروضة.”
سأله ستة الكؤوس بازدراء: “وهل تعرف أصلًا كم قد يكلّف ما تطلبه؟”
“إن كنت قلقًا من قدرتي على الدفع، فأؤكد لك أن الأمر ليس مشكلة.”
فجذب ذلك مزيدًا من الانتباه.
قال سبعة الخماسيات، والذي بدا أن صفقته السابقة قد انتهت: “أعرف تعويذة تفجّر عظمةً إلى شظايا.”
وقال ثمانية الخماسيات: “أعرف طريقة لتجميد دم المرء في عروقه بمجرد لمسه.”
أجابهما: “أفضل شيئًا يمكن استخدامه عن بُعد، ولا يتطلب أن أحمل معي غرضًا ثقيلًا أو ضخمًا.”
“لديّ تعويذة يمكن إطلاقها عن بُعد، ولا تحتاج إلا إلى مُكوِّن صغير.”
التفت سولومون نحو مصدر الصوت، ملاحظًا أن بقية الحاضرين قد كفّوا عن الكلام. كان رجلاً طويلاً يرتدي قناعًا يعلوه تاج من السيوف الملتفة حول رأسه.
“أيمكنني معرفة اسم التعويذة؟”
“سأخبرك على انفراد”، أجاب ملك السيوف.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.