العلامة الأولى
مع بزوغ الصباح، خرج إيثان مع إيرِن إلى العمل، يسيران جنبًا إلى جنب عبر الشوارع التي بدأت تستيقظ ببطء.
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
كانت المتاجر ترفع أبوابها الخشبية، ورائحة الخبز الطازج تتسلل من الأزقة الضيقة، فيما كان ضوء الشمس الخافت ينساب على الحجارة الباردة.
توقف إيثان لحظة، فكر قليلًا، ثم قال: “ليس جيدًا بعد… ما زلت أتعرف على المكان.”
تأمله صاحب النزل للحظة، من رأسه حتى قدميه، ثم قال بنبرة مباشرة لا تخلو من الصراحة: “تنظيف، وغسل صحون. الأجر بسيط، لكن الطعام وغرفة للنوم مضمون.”
كان إيثان يتبع خطواته بصمت، لا يقول شيئًا. ما يزال ثِقل التعب يسكن جسده، لكنه اعتاد أن يخفيه خلف هدوئه، وكأن الإرهاق صار جزءًا لا يُرى منه.
أنزل نظره إلى الكتاب بين يديه، وشد عليه قليلًا.
نظر إليه إيرِن باستغراب، ثم عقد حاجبيه وقال: “هاه؟ ما الذي تقوله؟”
حملا البضائع كعادتهما، وانتقلا من متجر إلى آخر، يسلمان الحِزم ويتلقيان إيماءاتٍ مقتضبة بدل الحديث
وضع الكأس بيدٍ مرتجفة، ثم التفت إلى صاحب النزل وقال بصوتٍ متوتر: “سأخرج قليلًا.”
لم يجد إجابة، فأغلق الكتاب أخيرًا وأسنده إلى جانبه، ثم استلقى محدقًا في السقف حتى غلبه النوم.
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
وما إن دخلا ووضعا البضائع في الداخل، حتى التقط إيثان صوت صاحب النزل، يتذمر وهو يتحدث مع أحد الزبائن: “العمل يتراكم، ولا يوجد عمال كفاية هذه الأيام.”
تمنى إيثان في داخله، بكل ما يملك من رجاء، ألا يكون الفتى الصغير هو إيرِن، رغم أن المواصفات التي سمعها كانت مطابقة له تمامًا. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد صدفة، وأن المدينة مليئة بالأطفال المشردين، لكن قلبه لم يطاوعه. كان القلق يزداد مع كل نبضة
توقف إيثان لوهلة، وبقيت الكلمات عالقة في أذنه. نظر إلى إيرِن سريعًا، ثم عاد ببصره إلى صاحب النزل، تردد قليلًا، ثم تقدم خطوة وقال بصوتٍ هادئ:
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
“إن كنتَ تحتاج إلى عامل… أستطيع المساعدة.”
محاولًا الابتسام: “يبدو… يبدو أنك وجدت عملًا على الأقل.”
تأمله صاحب النزل للحظة، من رأسه حتى قدميه، ثم قال بنبرة مباشرة لا تخلو من الصراحة: “تنظيف، وغسل صحون. الأجر بسيط، لكن الطعام وغرفة للنوم مضمون.”
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
لم يحتج إيثان إلى التفكير طويلًا. أومأ برأسه موافقًا دون تردد.
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
اتسعت عينا إيرِن فرحًا، واستدار نحو إيثان وهو يكاد يقفز: “سمعتَ؟ أخيرًا! عمل ومكان ننام فيه!”
لكن صاحب النزل رفع يده مقاطعًا، ونظر إلى إيرِن تحديدًا: “ليس أنت. أنت صغير جدًا. لا أحتاج إلى طفل هنا.”
رفع رأسه ونظر حوله… وهنا كانت الصدمة أكبر.
تجمد إيرِن في مكانه، وتلاشى الحماس من ملامحه. تمتم بصوتٍ منخفض: “لكن… أنا أعمل بجد، أستطيع-”
أنزل نظره إلى الكتاب بين يديه، وشد عليه قليلًا.
رد الآخر وهو يهز كتفيه بلا اهتمام:
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
….
خفض إيرِن رأسه، وصمت للحظة، ثم التفت إلى إيثان
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
محاولًا الابتسام: “يبدو… يبدو أنك وجدت عملًا على الأقل.”
لم يجد إيثان ما يقوله. اكتفى بالنظر إليه، بينما أضاف إيرِن بصوتٍ خافت: “اعتنِ بنفسك، حسنًا؟”
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
ثم لوح بيده الصغيرة ومضى مبتعدًا.
كانت المتاجر ترفع أبوابها الخشبية، ورائحة الخبز الطازج تتسلل من الأزقة الضيقة، فيما كان ضوء الشمس الخافت ينساب على الحجارة الباردة.
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
ظل إيثان واقفًا يراقبه، يسمع صدى خطواته وهي تبتعد، وشعور ثقيل يستقر في صدره دون أن يجد له كلمات.
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
قاد صاحب النزل إيثان عبر ممر ضيق حتى توقف أمام بابٍ خشبي صغير، ثم فتحه ودفعه برفق و قال : “ستنام هنا.”
“نعم، قالوا إنه كان فتىً صغيرًا، نحيل الجسد، شعره داكن، ويرتدي ملابس بالية.”
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
نظر إيثان إلى الغرفة بصمت. كانت صغيرة، بالكاد تتسع لسريرٍ بسيطٍ وطاولةٍ خشبيةٍ قديمة، لكنها كانت نظيفة، وسقفها يحميه من البرد والليل.
تابع صاحب النزل وهو يلتفت إليه: “ستبدأ عملك من اليوم. الراتب عشرون عملةً معدنية.”
تنهد إيثان بعمق؛ لم يستطع أن يعرف أكثر، فالكتاب ناقص، ولا يعلم أين يمكن أن يجد تكملته.
كان صاحب النزل يقف قرب الطاولة الأمامية، وما إن رآه حتى قال بنبرة جافة: “تأخرت قليلًا، ابدأ بتنظيف الطاولات.”
رفع إيثان نظره إليه، استوعب الكلمات ببطء، ثم أومأ برأسه موافقًا. لم يكن المكان فخمًا، ولا الأجر كبيرًا، لكنه كان أكثر مما امتلكه منذ أن وطأت قدماه هذا العالم.
…..
“مسكين، لم ينتبه للعربة. في هذه المدينة، من ينام في الشوارع لا أحد يلتفت إليه.”
استمرّ إيثان في العمل حتى المساء، حتى أُغلِق النزل أخيرًا وساد الهدوء أرجاء المكان. انطفأت الأصوات، وتوقفت الأقدام عن الحركة، ولم يبقَ سوى صرير الخشب وأنفاس التعب. عندها غادر إيثان متجهًا إلى المكان الذي يبيت فيه إيرِن.
وحين وصل، وقعت عيناه على الصبي الصغير وهو نائم في العراء. كان جسده يرتجف من شدة البرد، متكوّرًا على نفسه كأنه يحاول الاحتماء من الليل بكل ما أوتي من ضعف. لم يكن هناك شيء يحميه سوى الظلام.
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
ورد آخر: “نعم، العملة لم تعد تكفي كما في السابق.”
اقترب إيثان بخطوات هادئة، وأخرج البطانية التي جلبها معه. انحنى قليلًا وغطى إيرِن بعناية، شد أطرافها حوله ليتأكد أنها تحيط بجسده الصغير جيدًا. ظل ينظر إليه للحظات، و شعور ثقيل أخذ يضغط على صدره، احساس لم يعرف له اسمًا.
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
رفع رأسه ونظر حوله… وهنا كانت الصدمة أكبر.
أطفال آخرون، رجال ونساء، يفترشون الطرقات. بعضهم متكئ إلى الجدران، وآخرون متكورون تحت ظلال المباني، كأنهم جزء من الحجر نفسه. وجوه شاحبة، أجساد منهكة، وأعين أغلقتها الحاجة قبل أن يغلبها النوم.
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
في تلك اللحظة، فهم إيثان الحقيقة.
أطفال آخرون، رجال ونساء، يفترشون الطرقات. بعضهم متكئ إلى الجدران، وآخرون متكورون تحت ظلال المباني، كأنهم جزء من الحجر نفسه. وجوه شاحبة، أجساد منهكة، وأعين أغلقتها الحاجة قبل أن يغلبها النوم.
هذا العالم لم يكن ورديًّا كما تخيله. لم يكن فرصةً جديدة ولا بدايةً رحيمة. بل ربما… كان أقسى، وأكثر قسوة، من العالم الذي تركه خلفه.
ابتلع إيثان ريقه، وعيناه تتنقلان بين الكتاب ويد الصبي:
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
تردد إيثان قليلًا، ثم تدخل بحذر: “هل يحدث هذا كثيرًا؟”
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
لم يجد إجابة، فأغلق الكتاب أخيرًا وأسنده إلى جانبه، ثم استلقى محدقًا في السقف حتى غلبه النوم.
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
ظل إيثان واقفًا يراقبه، يسمع صدى خطواته وهي تبتعد، وشعور ثقيل يستقر في صدره دون أن يجد له كلمات.
….
نظر إلى يد إيرِن مرةً أخرى، وقلبه يخفق بقلق، ثم تمتم:
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
رفع رأسه ونظر حوله… وهنا كانت الصدمة أكبر.
وحين وصل، وقعت عيناه على الصبي الصغير وهو نائم في العراء. كان جسده يرتجف من شدة البرد، متكوّرًا على نفسه كأنه يحاول الاحتماء من الليل بكل ما أوتي من ضعف. لم يكن هناك شيء يحميه سوى الظلام.
كان صاحب النزل يقف قرب الطاولة الأمامية، وما إن رآه حتى قال بنبرة جافة: “تأخرت قليلًا، ابدأ بتنظيف الطاولات.”
أومأ إيثان فورًا وقال: “حسنًا، سأفعل حالًا.”
تأمله صاحب النزل للحظة، من رأسه حتى قدميه، ثم قال بنبرة مباشرة لا تخلو من الصراحة: “تنظيف، وغسل صحون. الأجر بسيط، لكن الطعام وغرفة للنوم مضمون.”
بدأ يعمل بصمت، ينظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، يحمل الأواني المتسخة ويعيدها إلى مكانها. كانت الحركات تتكرر، لكنها لم تزعجه؛ فقد اعتاد الأعمال التي لا تتطلب كلامًا.
“إن كنتَ تحتاج إلى عامل… أستطيع المساعدة.”
جلس أحد الزبائن يراقبه للحظات، ثم قال: “أنت جديد هنا، أليس كذلك؟ لم أرك من قبل.”
ضحك إيثان بخفة، وهزّ رأسه: “لا شيء… فقط تأكدت أنك ما زلت حيًّا.”
رفع إيثان رأسه وأجاب بابتسامة خفيفة: “نعم، بدأت العمل هنا مؤخرًا.”
محاولًا الابتسام: “يبدو… يبدو أنك وجدت عملًا على الأقل.”
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
محاولًا الابتسام: “يبدو… يبدو أنك وجدت عملًا على الأقل.”
رد إيثان دون تردد: “التعب أفضل من الجوع.”
ابتسمت وقالت: “ستتعلم بسرعة. المدينة لا ترحم الغرباء.”
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
توقف إيثان لحظة، فكر قليلًا، ثم قال: “ليس جيدًا بعد… ما زلت أتعرف على المكان.”
استمرّ إيثان في العمل حتى المساء، حتى أُغلِق النزل أخيرًا وساد الهدوء أرجاء المكان. انطفأت الأصوات، وتوقفت الأقدام عن الحركة، ولم يبقَ سوى صرير الخشب وأنفاس التعب. عندها غادر إيثان متجهًا إلى المكان الذي يبيت فيه إيرِن.
ابتسمت وقالت: “ستتعلم بسرعة. المدينة لا ترحم الغرباء.”
خلال وقت الراحة، وقف إيثان قرب الطاولات، يتظاهر بالانشغال، لكنه كان يصغي إلى الأحاديث المتفرقة من حوله.
خلال وقت الراحة، وقف إيثان قرب الطاولات، يتظاهر بالانشغال، لكنه كان يصغي إلى الأحاديث المتفرقة من حوله.
تابع صاحب النزل وهو يلتفت إليه: “ستبدأ عملك من اليوم. الراتب عشرون عملةً معدنية.”
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
قال أحدهم: “سمعت أن الأسعار ارتفعت هذا الأسبوع.”
ورد آخر: “نعم، العملة لم تعد تكفي كما في السابق.”
ابتسمت وقالت: “ستتعلم بسرعة. المدينة لا ترحم الغرباء.”
تردد إيثان قليلًا، ثم تدخل بحذر: “هل يحدث هذا كثيرًا؟”
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
نظر إليه الرجل وقال: “دائمًا. لهذا نعمل بلا توقف.”
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
ظل إيثان واقفًا يراقبه، يسمع صدى خطواته وهي تبتعد، وشعور ثقيل يستقر في صدره دون أن يجد له كلمات.
ابتعد إيثان خطوة وهو يفكر في الكلمات، ثم عاد إلى عمله دون تعليق.
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
لم تكن تلك المحادثات مجرد كلام عابر. كان يلتقط منها شذرات، يبني بها فهمًا أعمق لهذا العالم. ومع كل كلمة يسمعها، كان يشعر أنه يخطو خطوة صغيرة نحو التكيف… مع حياته الجديدة داخل النزل، وفي عالم لا يشبه أي شيء عرفه من قبل.
وما إن دخلا ووضعا البضائع في الداخل، حتى التقط إيثان صوت صاحب النزل، يتذمر وهو يتحدث مع أحد الزبائن: “العمل يتراكم، ولا يوجد عمال كفاية هذه الأيام.”
…
ظل إيثان واقفًا يراقبه، يسمع صدى خطواته وهي تبتعد، وشعور ثقيل يستقر في صدره دون أن يجد له كلمات.
بينما كان إيثان يمسح الكؤوس خلف الطاولة، سمع أحد الزبائن يقول لصاحبه بنبرة عادية وكأنه يتحدث عن أمرٍ عابر:
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
ازداد ارتباك إيرِن، وتراجع خطوة صغيرة: “وماذا يعني ذلك؟ ولماذا يوجد هذا في كتابك؟”
رد الآخر وهو يهز كتفيه بلا اهتمام:
“نعم، قالوا إنه كان فتىً صغيرًا، نحيل الجسد، شعره داكن، ويرتدي ملابس بالية.”
رفع إيثان رأسه وأجاب بابتسامة خفيفة: “نعم، بدأت العمل هنا مؤخرًا.”
نظر إيرِن إلى كفه مرةً أخرى، وقد حل الفضول مكان الخوف “و… علامة على ماذا؟”
تجمّد إيثان في مكانه. توقفت يده عن مسح الكأس، وانزلقت أنامله قليلًا من شدة الارتباك. تمتم بصوتٍ خافت لم يسمعه أحد:
“طفل…؟”
حملا البضائع كعادتهما، وانتقلا من متجر إلى آخر، يسلمان الحِزم ويتلقيان إيماءاتٍ مقتضبة بدل الحديث
أكمل الزبون حديثه غير مدرك لما يحدث خلفه:
“مسكين، لم ينتبه للعربة. في هذه المدينة، من ينام في الشوارع لا أحد يلتفت إليه.”
نظر إلى يد إيرِن مرةً أخرى، وقلبه يخفق بقلق، ثم تمتم:
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
رفع إيثان رأسه وأجاب بابتسامة خفيفة: “نعم، بدأت العمل هنا مؤخرًا.”
تمنى إيثان في داخله، بكل ما يملك من رجاء، ألا يكون الفتى الصغير هو إيرِن، رغم أن المواصفات التي سمعها كانت مطابقة له تمامًا. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد صدفة، وأن المدينة مليئة بالأطفال المشردين، لكن قلبه لم يطاوعه. كان القلق يزداد مع كل نبضة
تمنى إيثان في داخله، بكل ما يملك من رجاء، ألا يكون الفتى الصغير هو إيرِن، رغم أن المواصفات التي سمعها كانت مطابقة له تمامًا. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد صدفة، وأن المدينة مليئة بالأطفال المشردين، لكن قلبه لم يطاوعه. كان القلق يزداد مع كل نبضة
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
وضع الكأس بيدٍ مرتجفة، ثم التفت إلى صاحب النزل وقال بصوتٍ متوتر: “سأخرج قليلًا.”
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
تردد إيثان قليلًا، ثم تدخل بحذر: “هل يحدث هذا كثيرًا؟”
لم ينتظر الرد، بل اندفع إلى الخارج بخطواتٍ سريعة.
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
توقف فجأة، شعور ثقيل يضغط صدره. أعاد النظر بعينين متوترة، لكن الفراغ بقي صامتًا… إيرِن لم يظهر.
“يعني أن هذا ليس مجرد وشم… بل علامة.”
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
سمع إيثان صوتًا صغيرًا خلفه يقول:
ابتسمت وقالت: “ستتعلم بسرعة. المدينة لا ترحم الغرباء.”
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
كان إيثان يتبع خطواته بصمت، لا يقول شيئًا. ما يزال ثِقل التعب يسكن جسده، لكنه اعتاد أن يخفيه خلف هدوئه، وكأن الإرهاق صار جزءًا لا يُرى منه.
تجمد في مكانه للحظة، وكأن الوقت توقف للحظة قصيرة، ثم استدار بسرعة. وقعت عيناه على إيرِن، واقفًا هناك كما هو، حيًّا أمامه.
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
ارتجف قلبه لفترة قصيرة، ثم شعور دافئ انتشر في صدره، مزيج من الارتباك والارتياح. ابتسم إيثان بارتياح، وتنفس بعمق، وشعر بثقلٍ كبير يزول عن صدره كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أخفّ.
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
ابتسم إيثان ابتسامة واسعة، ثم قال بنبرة مازحة وهو يزفر براحة: “كنت على وشك أن أظن أنك أصبحت شبحًا… أخفتني أيها الصغير.”
حدق إيثان فيه بدهشة، ثم قال بقلق: “لماذا وشمتَ نفسك؟ أنت لا تزال صغيرًا على هذا.”
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
نظر إليه إيرِن باستغراب، ثم عقد حاجبيه وقال: “هاه؟ ما الذي تقوله؟”
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
ضحك إيثان بخفة، وهزّ رأسه: “لا شيء… فقط تأكدت أنك ما زلت حيًّا.”
وحين وصل، وقعت عيناه على الصبي الصغير وهو نائم في العراء. كان جسده يرتجف من شدة البرد، متكوّرًا على نفسه كأنه يحاول الاحتماء من الليل بكل ما أوتي من ضعف. لم يكن هناك شيء يحميه سوى الظلام.
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
…
مد يده أمام إيثان.
مد يده أمام إيثان.
تجمد إيثان في مكانه عندما رأى وشمًا غريبًا على كف الصبي، على هيئة قطرة دم داكنة، واضحة المعالم كأنها نُقشت حديثًا.
أومأ إيثان بهدوء: “نعم… لاحقًا.”
حدق إيثان فيه بدهشة، ثم قال بقلق: “لماذا وشمتَ نفسك؟ أنت لا تزال صغيرًا على هذا.”
إنه عالم تحكمه قوى خفية، وعلامة من يمتلكون تلك القوى تظهر على أجسادهم… الوشوم.
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
….
ساد صمت قصير بينهما، وثقل غير مريح استقر في صدر إيثان وهو يحدق في الوشم، شاعراً أن الأمر ليس عاديًا على الإطلاق.
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
اتسعت عينا إيثان فجأة، تذكر ما قرأه في الكتاب… ذلك الفصل الذي تحدث عن العلامات التي تظهر فجأة، دون ألم أو اختيار.
قاد صاحب النزل إيثان عبر ممر ضيق حتى توقف أمام بابٍ خشبي صغير، ثم فتحه ودفعه برفق و قال : “ستنام هنا.”
أومأ إيثان بهدوء: “نعم… لاحقًا.”
نظر إلى يد إيرِن مرةً أخرى، وقلبه يخفق بقلق، ثم تمتم:
“هذا… لقد قرأت عن هذا من قبل.”
قطّب إيرِن حاجبيه، ونظر إلى إيثان باستغراب: “قرأت؟ أين؟”
لم يُجب إيثان فورًا، بل شد قبضته على الكتاب
ابتلع إيثان ريقه، وعيناه تتنقلان بين الكتاب ويد الصبي:
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
أطفال آخرون، رجال ونساء، يفترشون الطرقات. بعضهم متكئ إلى الجدران، وآخرون متكورون تحت ظلال المباني، كأنهم جزء من الحجر نفسه. وجوه شاحبة، أجساد منهكة، وأعين أغلقتها الحاجة قبل أن يغلبها النوم.
حدق إيرِن في الكتاب ثم قال بدهشة: “كتاب؟ ما هذا؟ لم أرَ كتابًا كهذا من قبل.”
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
استمرّ إيثان في العمل حتى المساء، حتى أُغلِق النزل أخيرًا وساد الهدوء أرجاء المكان. انطفأت الأصوات، وتوقفت الأقدام عن الحركة، ولم يبقَ سوى صرير الخشب وأنفاس التعب. عندها غادر إيثان متجهًا إلى المكان الذي يبيت فيه إيرِن.
ازداد ارتباك إيرِن، وتراجع خطوة صغيرة: “وماذا يعني ذلك؟ ولماذا يوجد هذا في كتابك؟”
جلس أحد الزبائن يراقبه للحظات، ثم قال: “أنت جديد هنا، أليس كذلك؟ لم أرك من قبل.”
ركض إيرِن مبتعدًا، وصوته يختفي بين ضجيج الشارع، بينما بقي إيثان في مكانه، يحدق في أثره.
ابتلع إيثان ريقه، وعيناه تتنقلان بين الكتاب ويد الصبي:
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
بينما كان إيثان يمسح الكؤوس خلف الطاولة، سمع أحد الزبائن يقول لصاحبه بنبرة عادية وكأنه يتحدث عن أمرٍ عابر:
“يعني أن هذا ليس مجرد وشم… بل علامة.”
رفع إيثان نظره إليه، استوعب الكلمات ببطء، ثم أومأ برأسه موافقًا. لم يكن المكان فخمًا، ولا الأجر كبيرًا، لكنه كان أكثر مما امتلكه منذ أن وطأت قدماه هذا العالم.
نظر إيرِن إلى كفه مرةً أخرى، وقد حل الفضول مكان الخوف “و… علامة على ماذا؟”
لم يُجب إيثان فورًا، بل شد قبضته على الكتاب
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
وقبل أن يتمكن إيثان من الرد، دوى صوت من بعيد ينادي: “إيرِن! أين أنت؟”
توقف فجأة، شعور ثقيل يضغط صدره. أعاد النظر بعينين متوترة، لكن الفراغ بقي صامتًا… إيرِن لم يظهر.
التفت إيرِن بسرعة، ثم نظر إلى إيثان على عجل: “إنهم ينادونني… علي أن أذهب.”
تجمد إيرِن في مكانه، وتلاشى الحماس من ملامحه. تمتم بصوتٍ منخفض: “لكن… أنا أعمل بجد، أستطيع-”
تردد لحظة، ثم خبأ يده التي تحمل الوشم خلف ظهره وكأنه لا يريد لأحدٍ أن يراه، وأضاف بصوتٍ منخفض: “سنتحدث لاحقًا، حسنًا؟”
أومأ إيثان بهدوء: “نعم… لاحقًا.”
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
ركض إيرِن مبتعدًا، وصوته يختفي بين ضجيج الشارع، بينما بقي إيثان في مكانه، يحدق في أثره.
لم يحتج إيثان إلى التفكير طويلًا. أومأ برأسه موافقًا دون تردد.
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
أنزل نظره إلى الكتاب بين يديه، وشد عليه قليلًا.
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
تجمّد إيثان في مكانه. توقفت يده عن مسح الكأس، وانزلقت أنامله قليلًا من شدة الارتباك. تمتم بصوتٍ خافت لم يسمعه أحد:
إنه عالم تحكمه قوى خفية، وعلامة من يمتلكون تلك القوى تظهر على أجسادهم… الوشوم.
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
تنهد إيثان بعمق؛ لم يستطع أن يعرف أكثر، فالكتاب ناقص، ولا يعلم أين يمكن أن يجد تكملته.
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
ارتجف قلبه لفترة قصيرة، ثم شعور دافئ انتشر في صدره، مزيج من الارتباك والارتياح. ابتسم إيثان بارتياح، وتنفس بعمق، وشعر بثقلٍ كبير يزول عن صدره كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أخفّ.
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
