العلامة الأولى
مع بزوغ الصباح، خرج إيثان مع إيرِن إلى العمل، يسيران جنبًا إلى جنب عبر الشوارع التي بدأت تستيقظ ببطء.
كانت المتاجر ترفع أبوابها الخشبية، ورائحة الخبز الطازج تتسلل من الأزقة الضيقة، فيما كان ضوء الشمس الخافت ينساب على الحجارة الباردة.
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
ابتلع إيثان ريقه، وعيناه تتنقلان بين الكتاب ويد الصبي:
كان إيثان يتبع خطواته بصمت، لا يقول شيئًا. ما يزال ثِقل التعب يسكن جسده، لكنه اعتاد أن يخفيه خلف هدوئه، وكأن الإرهاق صار جزءًا لا يُرى منه.
حملا البضائع كعادتهما، وانتقلا من متجر إلى آخر، يسلمان الحِزم ويتلقيان إيماءاتٍ مقتضبة بدل الحديث
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
ابتعد إيثان خطوة وهو يفكر في الكلمات، ثم عاد إلى عمله دون تعليق.
رد الآخر وهو يهز كتفيه بلا اهتمام:
وما إن دخلا ووضعا البضائع في الداخل، حتى التقط إيثان صوت صاحب النزل، يتذمر وهو يتحدث مع أحد الزبائن: “العمل يتراكم، ولا يوجد عمال كفاية هذه الأيام.”
أومأ إيثان فورًا وقال: “حسنًا، سأفعل حالًا.”
توقف إيثان لوهلة، وبقيت الكلمات عالقة في أذنه. نظر إلى إيرِن سريعًا، ثم عاد ببصره إلى صاحب النزل، تردد قليلًا، ثم تقدم خطوة وقال بصوتٍ هادئ:
“إن كنتَ تحتاج إلى عامل… أستطيع المساعدة.”
“إن كنتَ تحتاج إلى عامل… أستطيع المساعدة.”
تأمله صاحب النزل للحظة، من رأسه حتى قدميه، ثم قال بنبرة مباشرة لا تخلو من الصراحة: “تنظيف، وغسل صحون. الأجر بسيط، لكن الطعام وغرفة للنوم مضمون.”
أطفال آخرون، رجال ونساء، يفترشون الطرقات. بعضهم متكئ إلى الجدران، وآخرون متكورون تحت ظلال المباني، كأنهم جزء من الحجر نفسه. وجوه شاحبة، أجساد منهكة، وأعين أغلقتها الحاجة قبل أن يغلبها النوم.
لم يحتج إيثان إلى التفكير طويلًا. أومأ برأسه موافقًا دون تردد.
اتسعت عينا إيرِن فرحًا، واستدار نحو إيثان وهو يكاد يقفز: “سمعتَ؟ أخيرًا! عمل ومكان ننام فيه!”
وما إن دخلا ووضعا البضائع في الداخل، حتى التقط إيثان صوت صاحب النزل، يتذمر وهو يتحدث مع أحد الزبائن: “العمل يتراكم، ولا يوجد عمال كفاية هذه الأيام.”
لكن صاحب النزل رفع يده مقاطعًا، ونظر إلى إيرِن تحديدًا: “ليس أنت. أنت صغير جدًا. لا أحتاج إلى طفل هنا.”
تجمد إيرِن في مكانه، وتلاشى الحماس من ملامحه. تمتم بصوتٍ منخفض: “لكن… أنا أعمل بجد، أستطيع-”
سمع إيثان صوتًا صغيرًا خلفه يقول:
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
نظر إيثان إلى الغرفة بصمت. كانت صغيرة، بالكاد تتسع لسريرٍ بسيطٍ وطاولةٍ خشبيةٍ قديمة، لكنها كانت نظيفة، وسقفها يحميه من البرد والليل.
خفض إيرِن رأسه، وصمت للحظة، ثم التفت إلى إيثان
نظر إلى يد إيرِن مرةً أخرى، وقلبه يخفق بقلق، ثم تمتم:
وقبل أن يتمكن إيثان من الرد، دوى صوت من بعيد ينادي: “إيرِن! أين أنت؟”
محاولًا الابتسام: “يبدو… يبدو أنك وجدت عملًا على الأقل.”
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
إنه عالم تحكمه قوى خفية، وعلامة من يمتلكون تلك القوى تظهر على أجسادهم… الوشوم.
لم يجد إيثان ما يقوله. اكتفى بالنظر إليه، بينما أضاف إيرِن بصوتٍ خافت: “اعتنِ بنفسك، حسنًا؟”
هذا العالم لم يكن ورديًّا كما تخيله. لم يكن فرصةً جديدة ولا بدايةً رحيمة. بل ربما… كان أقسى، وأكثر قسوة، من العالم الذي تركه خلفه.
في تلك اللحظة، فهم إيثان الحقيقة.
ثم لوح بيده الصغيرة ومضى مبتعدًا.
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
ظل إيثان واقفًا يراقبه، يسمع صدى خطواته وهي تبتعد، وشعور ثقيل يستقر في صدره دون أن يجد له كلمات.
سمع إيثان صوتًا صغيرًا خلفه يقول:
قاد صاحب النزل إيثان عبر ممر ضيق حتى توقف أمام بابٍ خشبي صغير، ثم فتحه ودفعه برفق و قال : “ستنام هنا.”
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
نظر إيثان إلى الغرفة بصمت. كانت صغيرة، بالكاد تتسع لسريرٍ بسيطٍ وطاولةٍ خشبيةٍ قديمة، لكنها كانت نظيفة، وسقفها يحميه من البرد والليل.
قاطعه الرجل بهدوء حازم: “لا. هذا المكان ليس مناسبًا لك.”
تابع صاحب النزل وهو يلتفت إليه: “ستبدأ عملك من اليوم. الراتب عشرون عملةً معدنية.”
رفع إيثان نظره إليه، استوعب الكلمات ببطء، ثم أومأ برأسه موافقًا. لم يكن المكان فخمًا، ولا الأجر كبيرًا، لكنه كان أكثر مما امتلكه منذ أن وطأت قدماه هذا العالم.
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
ازداد ارتباك إيرِن، وتراجع خطوة صغيرة: “وماذا يعني ذلك؟ ولماذا يوجد هذا في كتابك؟”
…..
“هذا… لقد قرأت عن هذا من قبل.”
استمرّ إيثان في العمل حتى المساء، حتى أُغلِق النزل أخيرًا وساد الهدوء أرجاء المكان. انطفأت الأصوات، وتوقفت الأقدام عن الحركة، ولم يبقَ سوى صرير الخشب وأنفاس التعب. عندها غادر إيثان متجهًا إلى المكان الذي يبيت فيه إيرِن.
وحين وصل، وقعت عيناه على الصبي الصغير وهو نائم في العراء. كان جسده يرتجف من شدة البرد، متكوّرًا على نفسه كأنه يحاول الاحتماء من الليل بكل ما أوتي من ضعف. لم يكن هناك شيء يحميه سوى الظلام.
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
لم يحتج إيثان إلى التفكير طويلًا. أومأ برأسه موافقًا دون تردد.
اقترب إيثان بخطوات هادئة، وأخرج البطانية التي جلبها معه. انحنى قليلًا وغطى إيرِن بعناية، شد أطرافها حوله ليتأكد أنها تحيط بجسده الصغير جيدًا. ظل ينظر إليه للحظات، و شعور ثقيل أخذ يضغط على صدره، احساس لم يعرف له اسمًا.
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
رفع رأسه ونظر حوله… وهنا كانت الصدمة أكبر.
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
أطفال آخرون، رجال ونساء، يفترشون الطرقات. بعضهم متكئ إلى الجدران، وآخرون متكورون تحت ظلال المباني، كأنهم جزء من الحجر نفسه. وجوه شاحبة، أجساد منهكة، وأعين أغلقتها الحاجة قبل أن يغلبها النوم.
تجمد إيثان في مكانه عندما رأى وشمًا غريبًا على كف الصبي، على هيئة قطرة دم داكنة، واضحة المعالم كأنها نُقشت حديثًا.
في تلك اللحظة، فهم إيثان الحقيقة.
هذا العالم لم يكن ورديًّا كما تخيله. لم يكن فرصةً جديدة ولا بدايةً رحيمة. بل ربما… كان أقسى، وأكثر قسوة، من العالم الذي تركه خلفه.
عاد إيثان إلى النزل، ودخل غرفته الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير الخشبي الذي يئن مع أقل حركة. كان جسده متعبًا، لكن عقله لم يعرف الراحة.
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
حدق إيثان فيه بدهشة، ثم قال بقلق: “لماذا وشمتَ نفسك؟ أنت لا تزال صغيرًا على هذا.”
لم يجد إجابة، فأغلق الكتاب أخيرًا وأسنده إلى جانبه، ثم استلقى محدقًا في السقف حتى غلبه النوم.
ابتسم إيثان ابتسامة واسعة، ثم قال بنبرة مازحة وهو يزفر براحة: “كنت على وشك أن أظن أنك أصبحت شبحًا… أخفتني أيها الصغير.”
خفض إيرِن رأسه، وصمت للحظة، ثم التفت إلى إيثان
….
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
اقترب إيثان بخطوات هادئة، وأخرج البطانية التي جلبها معه. انحنى قليلًا وغطى إيرِن بعناية، شد أطرافها حوله ليتأكد أنها تحيط بجسده الصغير جيدًا. ظل ينظر إليه للحظات، و شعور ثقيل أخذ يضغط على صدره، احساس لم يعرف له اسمًا.
أومأ إيثان فورًا وقال: “حسنًا، سأفعل حالًا.”
كان صاحب النزل يقف قرب الطاولة الأمامية، وما إن رآه حتى قال بنبرة جافة: “تأخرت قليلًا، ابدأ بتنظيف الطاولات.”
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
لكن صاحب النزل رفع يده مقاطعًا، ونظر إلى إيرِن تحديدًا: “ليس أنت. أنت صغير جدًا. لا أحتاج إلى طفل هنا.”
أومأ إيثان فورًا وقال: “حسنًا، سأفعل حالًا.”
أكمل الزبون حديثه غير مدرك لما يحدث خلفه:
بدأ يعمل بصمت، ينظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، يحمل الأواني المتسخة ويعيدها إلى مكانها. كانت الحركات تتكرر، لكنها لم تزعجه؛ فقد اعتاد الأعمال التي لا تتطلب كلامًا.
لم يجد إيثان ما يقوله. اكتفى بالنظر إليه، بينما أضاف إيرِن بصوتٍ خافت: “اعتنِ بنفسك، حسنًا؟”
جلس أحد الزبائن يراقبه للحظات، ثم قال: “أنت جديد هنا، أليس كذلك؟ لم أرك من قبل.”
ازداد ارتباك إيرِن، وتراجع خطوة صغيرة: “وماذا يعني ذلك؟ ولماذا يوجد هذا في كتابك؟”
رفع إيثان رأسه وأجاب بابتسامة خفيفة: “نعم، بدأت العمل هنا مؤخرًا.”
ضحك الرجل وقال: “النزل مزدحم دائمًا، ستتعب كثيرًا.”
تجمد إيرِن في مكانه، وتلاشى الحماس من ملامحه. تمتم بصوتٍ منخفض: “لكن… أنا أعمل بجد، أستطيع-”
رد إيثان دون تردد: “التعب أفضل من الجوع.”
مع بزوغ الصباح، خرج إيثان مع إيرِن إلى العمل، يسيران جنبًا إلى جنب عبر الشوارع التي بدأت تستيقظ ببطء.
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
توقف إيثان لحظة، فكر قليلًا، ثم قال: “ليس جيدًا بعد… ما زلت أتعرف على المكان.”
ابتسمت وقالت: “ستتعلم بسرعة. المدينة لا ترحم الغرباء.”
خلال وقت الراحة، وقف إيثان قرب الطاولات، يتظاهر بالانشغال، لكنه كان يصغي إلى الأحاديث المتفرقة من حوله.
قال أحدهم: “سمعت أن الأسعار ارتفعت هذا الأسبوع.”
وما إن دخلا ووضعا البضائع في الداخل، حتى التقط إيثان صوت صاحب النزل، يتذمر وهو يتحدث مع أحد الزبائن: “العمل يتراكم، ولا يوجد عمال كفاية هذه الأيام.”
ورد آخر: “نعم، العملة لم تعد تكفي كما في السابق.”
تردد إيثان قليلًا، ثم تدخل بحذر: “هل يحدث هذا كثيرًا؟”
تردد إيثان قليلًا، ثم تدخل بحذر: “هل يحدث هذا كثيرًا؟”
نظر إليه الرجل وقال: “دائمًا. لهذا نعمل بلا توقف.”
“طفل…؟”
اتسعت عينا إيثان فجأة، تذكر ما قرأه في الكتاب… ذلك الفصل الذي تحدث عن العلامات التي تظهر فجأة، دون ألم أو اختيار.
ابتعد إيثان خطوة وهو يفكر في الكلمات، ثم عاد إلى عمله دون تعليق.
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
لم تكن تلك المحادثات مجرد كلام عابر. كان يلتقط منها شذرات، يبني بها فهمًا أعمق لهذا العالم. ومع كل كلمة يسمعها، كان يشعر أنه يخطو خطوة صغيرة نحو التكيف… مع حياته الجديدة داخل النزل، وفي عالم لا يشبه أي شيء عرفه من قبل.
تجمد في مكانه للحظة، وكأن الوقت توقف للحظة قصيرة، ثم استدار بسرعة. وقعت عيناه على إيرِن، واقفًا هناك كما هو، حيًّا أمامه.
…
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
بينما كان إيثان يمسح الكؤوس خلف الطاولة، سمع أحد الزبائن يقول لصاحبه بنبرة عادية وكأنه يتحدث عن أمرٍ عابر:
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
اتسعت عينا إيرِن فرحًا، واستدار نحو إيثان وهو يكاد يقفز: “سمعتَ؟ أخيرًا! عمل ومكان ننام فيه!”
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
جلس أحد الزبائن يراقبه للحظات، ثم قال: “أنت جديد هنا، أليس كذلك؟ لم أرك من قبل.”
رد الآخر وهو يهز كتفيه بلا اهتمام:
اقتربت امرأة أخرى، وضعت كوبها على الطاولة، ثم سألته: “هل تعرف طريق السوق الخلفي؟”
“نعم، قالوا إنه كان فتىً صغيرًا، نحيل الجسد، شعره داكن، ويرتدي ملابس بالية.”
رد إيثان دون تردد: “التعب أفضل من الجوع.”
تجمّد إيثان في مكانه. توقفت يده عن مسح الكأس، وانزلقت أنامله قليلًا من شدة الارتباك. تمتم بصوتٍ خافت لم يسمعه أحد:
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
لم يجد إيثان ما يقوله. اكتفى بالنظر إليه، بينما أضاف إيرِن بصوتٍ خافت: “اعتنِ بنفسك، حسنًا؟”
“طفل…؟”
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
أكمل الزبون حديثه غير مدرك لما يحدث خلفه:
نظر إليه إيرِن باستغراب، ثم عقد حاجبيه وقال: “هاه؟ ما الذي تقوله؟”
“مسكين، لم ينتبه للعربة. في هذه المدينة، من ينام في الشوارع لا أحد يلتفت إليه.”
ومع اقتراب الظهيرة، وصلا إلى نُزُلٍ قديم، جدرانه متآكلة قليلًا، وبابه الخشبي يئن مع كل حركة.
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
تمنى إيثان في داخله، بكل ما يملك من رجاء، ألا يكون الفتى الصغير هو إيرِن، رغم أن المواصفات التي سمعها كانت مطابقة له تمامًا. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد صدفة، وأن المدينة مليئة بالأطفال المشردين، لكن قلبه لم يطاوعه. كان القلق يزداد مع كل نبضة
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
وضع الكأس بيدٍ مرتجفة، ثم التفت إلى صاحب النزل وقال بصوتٍ متوتر: “سأخرج قليلًا.”
أخرج الكتاب من حقيبته وفتحه، يقلب صفحاته بتركيز شديد. كان يقرأ ببطء، يعيد بعض الأسطر، محاولًا ألا تفوته أي كلمة قد تحمل معنى مهمًا. ومع كل صفحة، ازداد العبوس على وجهه. تمتم بصوتٍ خافت: «عالم فيرجيا… كلما قرأت أكثر، ازداد غموضه.»
لم ينتظر الرد، بل اندفع إلى الخارج بخطواتٍ سريعة.
“سمعت بما حصل هذا الصباح؟ طفل صغير دهسته إحدى العربات في الشارع القريب من السوق.”
كان قلبه يخفق بعنف وهو يتجه إلى المكان الذي يعمل فيه إيرِن. تسارعت خطواته دون أن يشعر، وعيناه تجولان في المكان بقلقٍ متزايد، تبحثان بين الوجوه المألوفة والزوايا التي اعتاد رؤيته فيها… لكن إيرِن لم يكن هناك.
خلال وقت الراحة، وقف إيثان قرب الطاولات، يتظاهر بالانشغال، لكنه كان يصغي إلى الأحاديث المتفرقة من حوله.
توقف فجأة، شعور ثقيل يضغط صدره. أعاد النظر بعينين متوترة، لكن الفراغ بقي صامتًا… إيرِن لم يظهر.
سمع إيثان صوتًا صغيرًا خلفه يقول:
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
كانت المتاجر ترفع أبوابها الخشبية، ورائحة الخبز الطازج تتسلل من الأزقة الضيقة، فيما كان ضوء الشمس الخافت ينساب على الحجارة الباردة.
تجمد في مكانه للحظة، وكأن الوقت توقف للحظة قصيرة، ثم استدار بسرعة. وقعت عيناه على إيرِن، واقفًا هناك كما هو، حيًّا أمامه.
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
ارتجف قلبه لفترة قصيرة، ثم شعور دافئ انتشر في صدره، مزيج من الارتباك والارتياح. ابتسم إيثان بارتياح، وتنفس بعمق، وشعر بثقلٍ كبير يزول عن صدره كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح أخفّ.
ورد آخر: “نعم، العملة لم تعد تكفي كما في السابق.”
خفض إيرِن رأسه، وصمت للحظة، ثم التفت إلى إيثان
ابتسم إيثان ابتسامة واسعة، ثم قال بنبرة مازحة وهو يزفر براحة: “كنت على وشك أن أظن أنك أصبحت شبحًا… أخفتني أيها الصغير.”
“إيثان… ماذا تفعل هنا؟”
نظر إليه إيرِن باستغراب، ثم عقد حاجبيه وقال: “هاه؟ ما الذي تقوله؟”
ضحك إيثان بخفة، وهزّ رأسه: “لا شيء… فقط تأكدت أنك ما زلت حيًّا.”
“هذا… لقد قرأت عن هذا من قبل.”
…
نظر ايرن بارتباك إلى ايثان ليتذكر أمرًا مهمًا ويقول : “من الجيد أنك هنا… انظر.”
مد يده أمام إيثان.
تجمد إيثان في مكانه عندما رأى وشمًا غريبًا على كف الصبي، على هيئة قطرة دم داكنة، واضحة المعالم كأنها نُقشت حديثًا.
أومأ إيثان فورًا وقال: “حسنًا، سأفعل حالًا.”
حدق إيثان فيه بدهشة، ثم قال بقلق: “لماذا وشمتَ نفسك؟ أنت لا تزال صغيرًا على هذا.”
ركض إيرِن مبتعدًا، وصوته يختفي بين ضجيج الشارع، بينما بقي إيثان في مكانه، يحدق في أثره.
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
وحين وصل، وقعت عيناه على الصبي الصغير وهو نائم في العراء. كان جسده يرتجف من شدة البرد، متكوّرًا على نفسه كأنه يحاول الاحتماء من الليل بكل ما أوتي من ضعف. لم يكن هناك شيء يحميه سوى الظلام.
ساد صمت قصير بينهما، وثقل غير مريح استقر في صدر إيثان وهو يحدق في الوشم، شاعراً أن الأمر ليس عاديًا على الإطلاق.
اتسعت عينا إيثان فجأة، تذكر ما قرأه في الكتاب… ذلك الفصل الذي تحدث عن العلامات التي تظهر فجأة، دون ألم أو اختيار.
اقترب إيثان بخطوات هادئة، وأخرج البطانية التي جلبها معه. انحنى قليلًا وغطى إيرِن بعناية، شد أطرافها حوله ليتأكد أنها تحيط بجسده الصغير جيدًا. ظل ينظر إليه للحظات، و شعور ثقيل أخذ يضغط على صدره، احساس لم يعرف له اسمًا.
نظر إلى يد إيرِن مرةً أخرى، وقلبه يخفق بقلق، ثم تمتم:
“هذا… لقد قرأت عن هذا من قبل.”
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
لم يجد إيثان ما يقوله. اكتفى بالنظر إليه، بينما أضاف إيرِن بصوتٍ خافت: “اعتنِ بنفسك، حسنًا؟”
قطّب إيرِن حاجبيه، ونظر إلى إيثان باستغراب: “قرأت؟ أين؟”
رد إيثان دون تردد: “التعب أفضل من الجوع.”
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
أنزل نظره إلى الكتاب بين يديه، وشد عليه قليلًا.
حدق إيرِن في الكتاب ثم قال بدهشة: “كتاب؟ ما هذا؟ لم أرَ كتابًا كهذا من قبل.”
هذا العالم لم يكن ورديًّا كما تخيله. لم يكن فرصةً جديدة ولا بدايةً رحيمة. بل ربما… كان أقسى، وأكثر قسوة، من العالم الذي تركه خلفه.
اقترب إيثان بخطوات هادئة، وأخرج البطانية التي جلبها معه. انحنى قليلًا وغطى إيرِن بعناية، شد أطرافها حوله ليتأكد أنها تحيط بجسده الصغير جيدًا. ظل ينظر إليه للحظات، و شعور ثقيل أخذ يضغط على صدره، احساس لم يعرف له اسمًا.
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
شحب وجه إيثان، وارتجف صدره مع أنفاسٍ متقطعة. بقي واقفًا يحدق في الكأس بين يديه، وقد غمره شعور ثقيل بالصدمة، بينما صورة فتى الصغير لا تفارقه.
ازداد ارتباك إيرِن، وتراجع خطوة صغيرة: “وماذا يعني ذلك؟ ولماذا يوجد هذا في كتابك؟”
أكمل الزبون حديثه غير مدرك لما يحدث خلفه:
ابتلع إيثان ريقه، وعيناه تتنقلان بين الكتاب ويد الصبي:
“نعم، قالوا إنه كان فتىً صغيرًا، نحيل الجسد، شعره داكن، ويرتدي ملابس بالية.”
“يعني أن هذا ليس مجرد وشم… بل علامة.”
بدأ يعمل بصمت، ينظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، يحمل الأواني المتسخة ويعيدها إلى مكانها. كانت الحركات تتكرر، لكنها لم تزعجه؛ فقد اعتاد الأعمال التي لا تتطلب كلامًا.
مع شروق الشمس، استيقظ إيثان على أصوات الحركة في النزل. خطوات، همسات، واحتكاك الأواني. نهض سريعًا، رتب ملابسه، وغسل وجهه على عجل، ثم خرج إلى الصالة.
نظر إيرِن إلى كفه مرةً أخرى، وقد حل الفضول مكان الخوف “و… علامة على ماذا؟”
نظر إيثان إلى الغرفة بصمت. كانت صغيرة، بالكاد تتسع لسريرٍ بسيطٍ وطاولةٍ خشبيةٍ قديمة، لكنها كانت نظيفة، وسقفها يحميه من البرد والليل.
لم يُجب إيثان فورًا، بل شد قبضته على الكتاب
وقبل أن يتمكن إيثان من الرد، دوى صوت من بعيد ينادي: “إيرِن! أين أنت؟”
هز إيرِن رأسه سريعًا، وعيناه تحملان الحيره “أنا لم أوشِم نفسي… لقد وجدت هذا الوشم في يدي هذا الصباح.”
وقبل أن يتمكن إيثان من الرد، دوى صوت من بعيد ينادي: “إيرِن! أين أنت؟”
“مسكين، لم ينتبه للعربة. في هذه المدينة، من ينام في الشوارع لا أحد يلتفت إليه.”
التفت إيرِن بسرعة، ثم نظر إلى إيثان على عجل: “إنهم ينادونني… علي أن أذهب.”
نظر إيرِن إلى كفه مرةً أخرى، وقد حل الفضول مكان الخوف “و… علامة على ماذا؟”
وقبل أن يتمكن إيثان من الرد، دوى صوت من بعيد ينادي: “إيرِن! أين أنت؟”
تردد لحظة، ثم خبأ يده التي تحمل الوشم خلف ظهره وكأنه لا يريد لأحدٍ أن يراه، وأضاف بصوتٍ منخفض: “سنتحدث لاحقًا، حسنًا؟”
أومأ إيثان بهدوء: “نعم… لاحقًا.”
كان صاحب النزل يقف قرب الطاولة الأمامية، وما إن رآه حتى قال بنبرة جافة: “تأخرت قليلًا، ابدأ بتنظيف الطاولات.”
ركض إيرِن مبتعدًا، وصوته يختفي بين ضجيج الشارع، بينما بقي إيثان في مكانه، يحدق في أثره.
تردد إيثان لحظة، ثم أخرج الكتاب وأمسكه بين يديه: “في هذا الكتاب.”
أنزل نظره إلى الكتاب بين يديه، وشد عليه قليلًا.
“يعني أن هذا ليس مجرد وشم… بل علامة.”
حدق إيرِن في الكتاب ثم قال بدهشة: “كتاب؟ ما هذا؟ لم أرَ كتابًا كهذا من قبل.”
فكر إيثان فيما قرأه في الكتاب، وتذكر بوضوح ما كان مكتوبًا عن هذا العالم؛ فهو ليس عالمًا عاديًا.
إنه عالم تحكمه قوى خفية، وعلامة من يمتلكون تلك القوى تظهر على أجسادهم… الوشوم.
سمع إيثان صوتًا صغيرًا خلفه يقول:
تنهد إيثان بعمق؛ لم يستطع أن يعرف أكثر، فالكتاب ناقص، ولا يعلم أين يمكن أن يجد تكملته.
تجمد إيثان في مكانه عندما رأى وشمًا غريبًا على كف الصبي، على هيئة قطرة دم داكنة، واضحة المعالم كأنها نُقشت حديثًا.
عاد إيثان ينظر إلى الوشم، ثم قال بصوت منخفض: “الكتاب ذكر وشمًا يشبه هذا تمامًا.”
